النص المفهرس
صفحات 21-40
الطاعة
النبي صلى الله عليه وسلم، ونساء الأمة تبع اٌلْبَلَغُ اَلْمُّبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢].
لهن في ذلك(١).
فدلت هذه الآيات بمجموعها علی أن
المخاطب بالطاعة هم جميع البشر، مؤمنهم
وكافرهم، ذکرهم وأنثاهم.
ميادين طاعة الله ورسوله:
تنوعت الأوامر بالطاعة الموجهة
للمؤمنين، فتارة تأتي بأمور معينة محددة،
وتارة تأتي مطلقة عامة في شتى الأمور،
والأصل أن طاعة الله ورسوله -کما بينا-
طاعة مطلقة في كل شيء جاء الأمر به،
طالما وجدت الاستطاعة عند المكلف.
ومن الأمور الخاصة التي ورد الأمر
بالطاعة فيها:
١. الأمر بالامتناع عن الخمر والميسر
والأنصاب والأزلام، وهو أمر عام في
القديم والحديث.
قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ
وَأَحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا
(١) المصدر السابق ٤٠٨/٦.
وإن كان الحكم يختلف في حقهن عن باقي
النساء، فقد قال ابن عاشور في التحرير
والتنوير ٢٢ / ١٠: «هذا أمر خصصن به، وهو
وجوب ملازمتهن بيوتهن توقيرًا لهن، وتقوية
في حرمتهن، فقرارهن في بيوتهن عبادة، وأن
نزول الوحي فيها وتردد النبي صلى الله عليه
وسلم في خلالها يكسبها حرمة ... ، وهذا
الحكم وجوب على أمهات المؤمنين، وهو
كمال لسائر النساء)).
هذه الآية ربطها كثير من المفسرين
بالآيتين اللتين قبلها مباشرة، وهما قوله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ
وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَأَجْتَنِبُوهُ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ
بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ
عَن ذِكْرِاللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةَ فَهَلْ أَنُمْ مُنْنَهُونَ﴾ [المائدة:
٩٠- ٩١].
قال الطبري: ((﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولَ﴾ في اجتنابكم ذلك، واتباعكم أمره
فيما أمركم به من الانزجار عما زجركم عنه
من هذه المعاني التي بينها لكم في هذه الآية
وغيرها، وخالفوا الشيطان في أمره إياكم
بمعصية الله في ذلك وفي غيره، فإنه إنما
يبغي لكم العداوة والبغضاء بينكم بالخمر
والميسر))(٢).
وقال القرطبي: ((﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولَ وَأَحْذَرُواْ﴾ تأكيد للتحريم، وتشديد
في الوعيد، وامتثال للأمر، وكف عن المنهي
عنه، وحسن عطف ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ ﴾ لما كان
في الكلام المتقدم معنى ((انتهوا))، وكرر
﴿وَأَطِيعُواْ﴾ في ذكر الرسول تأكيدًا))(٣).
وليس المقصد بهذا الكلام أن يقتصر
أمر الطاعة على أمر اجتناب الخمر والميسر
(٢) جامع البيان، الطبري ١٠/ ٥٧٤ - ٥٧٥.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/ ٢٩٣.
www. modoee.com
٣٦١
حرف الطاء
السابق لتلك الآية، وإنما يراد ما هو أعم في أمور الدين، أي: الحذر من الوقوع فيما
یأباه الله ورسوله؛ وذلك أبلغ من أن يقال:
وأوسع من ذلك، وهو مطلق الطاعة لله
ولرسوله، ويدخل ابتداء في ذلك: الطاعة
في هذا الاجتناب المذكور.
واحذروهما؛ لأن الفعل اللازم يقرب معناه
من معنى أفعال السجايا؛ ولذلك يجيء اسم
الفاعل منه علی زنة فعل كفرح ونهم»(٢).
قال الألوسي: ((﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولَ﴾ عطف على ((اجتنبوه)) أي:
أطیعوهما في جميع ما أمرا به ونهيا عنه،
ويدخل فيه أمرهما ونهيهما في الخمر
والميسر دخولًا أوليًا ﴿وَأَحْذَرُوا﴾ أي:
مخالفتهما في ذلك وهذا مؤكد للأمر
الأول، وجوز أن يكون المراد أطيعوا فيما
أمرا واحذروا عما نهيا فلا تأكيد، وجوز
أيضًا أن لا يقدر متعلق للحذر، أي: وكونوا
حاذرين خاشين، وأمروا بذلك؛ لأنهم إذا
حذروا دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيئة،
وعمل كل حسنة))(١).
٢. الأمر بالتصرف في الأنفال والغنائم كما
حدد الله في كتابه، وسن لهم رسول
الله صلی الله علیه وسلم في سنته.
قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِّ قُلِ
اَلْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَنَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ
ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنْتُم
مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١].
قال الطبري: ((﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: ﴾
معناه: وانتهوا أيها القوم الطالبون الأنفال
إلى أمر الله وأمر رسوله فيما أفاء الله
علیکم، فقد بين لكم وجوهه وسبله ﴿إن
وقال ابن عاشور: «عطفت جملة كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ يقول: إن كنتم مصدقين
رسول الله فیما آتاکم به من عند ربکم»(٣).
وقال ابن عطية: ((﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ
وَرَسُولَهُهُ﴾ لفظ عام، وسببه الأمر بالوقوف
عند ما ینفذه رسول الله صلی الله علیه وسلم
في الغنائم، وقوله: ﴿إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي:
كاملي الإيمان، كما تقول لرجل: إن كنت
رجلًا فافعل كذا))(٤).
﴿وَأَطِيعُواْ﴾ على جملة ﴿فَهَلْ أَنُ مُّنْنَهُونَ﴾
وهي كالتذييل؛ لأن طاعة الله ورسوله
تعم ترك الخمر والميسر والأنصاب
والأزلام، وتعم غير ذلك من وجوه الامتثال
والاجتناب، وكرر ﴿وَأَطِيعُواْ﴾ اهتمامًا
بالأمر بالطاعة، وعطف ﴿وَأَحْذَرُواْ﴾
على ﴿وآطِيعُواْ ﴾ أي: وكونوا على حذر،
وقال ابن الجوزي: ((﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ
وحذف مفعول ﴿وَأَحْذَرُواْ﴾ لينزل الفعل
منزلة اللازم؛ لأن القصد التلبس بالحذر
(١) روح المعاني، الألوسي ٤/ ١٧.
جوبيبو
القرآن الكريمِ
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠/٧.
(٣) جامع البيان، الطبري ٣٨٥/١٣.
(٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٥٠٠.
٣٦٢
الطاعة
وَرَسُولَهُ﴾ أي: اقبلوا ما أمرتم به في الغنائم اختلافهم في النفل، ومجادلتهم في الحق،
وغيرها))(١).
وكما ذكرنا في الأمر السابق أن العبرة
بعموم الآيات يظل قائمًا، مع التأكيد على
خصوص السبب، نقول هذا هنا أيضًا.
قال البيضاوي: ((﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ:
إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ فإن الإيمان يقتضي
ذلك، أو إن كنتم كاملي الإيمان، فإن كمال
الإيمان بهذه الثلاثة: طاعة الأوامر، والاتقاء
عن المعاصي، وإصلاح ذات البين بالعدل
والإحسان))(٢).
وأيضا ورد الأمر بالتأكيد على نفس
المعنى، وهو: الالتزام بما جاء في الكتاب
والسنة بأمر الغنائم في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَوَلَّوْاْ
عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠].
قال ابن عطية: ((الخطاب للمؤمنين
المصدقين، جدد عليهم الأمر بطاعة الله
والرسول، ونهوا عن التولي عنه، وهذا قول
الجمهور، ویکون هذا متناصرًا مع قول من
يقول: إن الخطاب بقوله: ﴿وَإِن تَنَهُواْ ﴾
[الأنفال: ١٩] هو للمؤمنين، فيجيء الكلام
من نمط واحد في معناه. وأما على قول من
يقول إن المخاطبة بـ ﴿وَإِن تَنَهُواْ﴾ هي
للكفار؛ فیری أن هذه الآية إنما نزلت بسبب
(١) زاد المسير، ابن الجوزي ١٨٨/٢.
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٣/ ٤٩.
وكراهيتهم خروج رسول الله صلى الله
عليه وسلم وتفاخرهم بقتل الكفار، والنكاية
فیھم) (٣)
٣. الأمر بالثبات والالتزام بما أمر الله به
ورسوله عند ملاقاة الأعداء، والصبر
على قتالهم.
كما في قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَلَا تَشَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:
٤٦].
قال ابن کثیر: «فأمر تعالی بالثبات عند
قتال الأعداء، والصبر على مبارزتهم، فلا
يفروا، ولا ينكلوا، ولا يجبنوا، وأن يذكروا
الله في تلك الحال، ولا ينسوه، بل يستعينوا
به، ويتكلوا عليه، ويسألوه النصر على
أعدائهم، وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم
ذلك، فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا،
وما نهاهم عنه انزجروا، ولا يتنازعوا فيما
بينهم أيضًا، فيختلفوا فيكون سببًا لتخاذلهم
وفشلهم))(٤).
وقال ابن عاشور: ((فأما طاعة الله ورسوله
فتشمل اتباع سائر أحكام القتال المشروعة
بالتعيين، مثل الغنائم، وكذلك ما يأمرهم
به الرسول صلى الله عليه وسلم من آراء
الحرب، كقوله للرماة يوم أحد: (لا تبرحوا
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢ /٥١٣.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٧٢.
www. modoee.com
٣٦٣
حرف الطاء
من مكانكم، ولو تخطفنا الطير)(١))(٢).
وقال أبو السعود: ((﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ﴾ في كل ما تأتون، وما تذرون،
فيندرج فيه ما أمروا به ها هنا اندراجًا
أوليًا))(٣).
وقال ابن عطية: ((﴿وَأَطِيعُواْ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
الآية: استمرار على الوصية لهم، والأخذ
على أيديهم في اختلافهم في أمر بدر
وتنازعهم و﴿فَنَفْشَلُواْ﴾ نصب بالفاء في
جواب النهي، قال أبو حاتم: « في کتاب عن
إبراهيم ((فتفشلوا)) بكسر الشين! وهذا غير
معروف))، وقرأ جمهور الناس ﴿وَتَذْهَبَ﴾
بالتاء من فوق، ونصب الباء، وقرأ هبيرة عن
حفص عن عاصم ((وتذهب ريحكم)) بالتاء،
وجزم الباء، وقرأ عيسى بن عمر ((ويذهب))
بالياء من تحت، وبجزم ((يذهب)) وقرأ أبو
حيوة ((ويذهب)) بالياء من تحت، ونصب
الباء، ورواها أبان وعصمة عن عاصم)» (٤).
وكذلك في هذا الصدد قوله
تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب ما يكره من التنازع والاختلاف
في الحرب، وعقوبة من عصى إمامه، ٤/ ٦٥،
رقم ٣٠٣٩.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠/١٠.
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤ /٢٥.
(٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢ / ٥٣٦.
وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٤/٨، أنوار التنزيل، البيضاوي ٦٢/٣.
تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢].
قال الطبري: ((وقد قيل إن ذلك معاتبة
من الله عز وجل أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم الذين خالفوا أمره يوم
أحد، فأخلوا بمراكزهم التي أمروا بالثبات
عليها))(٥).
ولأن الأوامر في القرآن والسنة كثيرة لا
تحصى وردت الآيات العامة المطلقة التي
تحض على طاعة الله ورسوله في كل أمر،
كما في قوله تعالى: ﴿،َأَشْفَقْتُ أَنْ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ
يَدَعْ نَجْوَتَكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اَللَّهُ عَلَيْكُمٍْ
فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٣].
وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولُ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَغُ
اَلْمُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢].
فعلى المؤمنين الطاعة في شتى مجالات
حیاتھم، فیما ورد عن الشارع فیه أمر أو نهي،
ليس فقط في أداء عباداتهم، بل حتى في
تجاراتهم، في تعاملاتهم، في حال حربهم
وسلمهم، في نشاطهم و کسلهم، وأن يعلنوا
انقیادهم وإذعانهم لما أمروا به.
قال ابن كثير: «أمر بطاعة الله ورسوله
فیما شرع، وفعل ما به أمر، وترك ما عنه نھی
وزجر.
قال الزهري: ((من الله الرسالة، وعلى
(٥) جامع البيان، الطبري ٢٠٦/٧.
جَوَسُولَةُ الَّفي
القرآن الكريمِ
٣٦٤
الطاعة
الرسول البلاغ، وعلينا التسليم» (١))(٢).
وأما إن أعرضوا عن ذلك: فلن يضر هذا صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن
الرسول الذي بلغ عن ربه، وإنما سيضر من
أعرض وخالف النور الذي أتي به إليه.
قال أبو السعود: ((﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولَ﴾ كرر الأمر للتأکید، والإیذان بالفرق
بين الطاعتين في الكيفية، وتوضيح مورد
التولي في قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَيْتُمْ﴾
أي: عن إطاعة الرسول، وقوله تعالى:
﴿فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾ تعليل
للجواب المحذوف، أي: فلا بأس علیه إذ
ما علیه إلا التبلیغ المبين، وقد فعل ذلك بما
لا مزید علیه»(٣).
وقال ابن عاشور: ((﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ
وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَّ فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى
رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُّبِينُ﴾ عطف على جملة
﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدٍ قَلْبَهُ,﴾ [التغابن: ١١].
لأنها تضمنت أن المؤمنين متهيئون
لطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
فيما يدعوانهم إليه من مصالح الأعمال، كما
يدل عليه تذييل الكلام بقوله: ﴿وَعَلَى اَللَّهِ
فَلْيَتَوَ كَلِ اَلْمُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١١].
ولأن طلب الطاعة فرع عن تحقق
(١) أخرجه البخاري في صحيحه تعليقًا عن
الزهري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:
(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك)، ٩/ ١٥٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٨/٨.
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٥٨/٨.
الإيمان كما في حديث معاذ: أن النبي
قال له: (إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فأول
ما تدعوهم إليه، فادعهم إلى أن يشهدوا أن
لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن
هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد
فرض عليهم صدقة)» (٤)، وتفريع ﴿فَإِن
تَوَلَّيْتُمْ﴾ تحذير من عصيان الله ورسوله
صلى الله عليه وسلم، والتولي مستعار
للعصيان، وعدم قبول دعوة الرسول.
ووصف البلاغ بـ﴿الْمُبِينُ﴾ أي:
الواضح عذر للرسول صلی الله عليه وسلم
بأنه ادعى ما أمر به على الوجه الأكمل قطعًا
للمعذر عن عدم امتثال ما أمر به»(٥).
وقد يكون هذا الإعراض عن الطاعة
أيضًا، والولوج في بحار الكبائر والمعاصي:
سببًا في بطلان العمل؛ لذا قال تعالى:
﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَلَا
نُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ﴾[محمد: ٣٣].
قال الطبري: ((﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولَ﴾ في أمرهما ونهيهما ﴿وَلَا نُبْطِلُواْ
أَعْمَلَكُمْ﴾ يقول: ولا تبطلوا بمعصيتكم
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة،
باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة،
١١٩/٢، رقم ١٤٥٨ واللفظ له، ومسلم في
صحيحه، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان
بالله ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه،
٥٠/١، رقم ١٩.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨/ ٢٨٠.
www. modoee.com
٣٦٥
حرف الطاء
إياهما، وكفركم بربكم ثواب أعمالكم، لم تطع رسول الله صلى الله عليه وسلم في
مراجعة زوجها مغيث لما علمت أن أمره
فإن الكفر بالله يحبط السالف من العمل
الصالح)»(١).
إياها ليس بعزم» (٤) (٥).
وقال ابن الجوزي: ((﴿وَلَا تُطِلُواْ
أَعْمَلَكُمْ﴾ اختلفوا في مبطلها على أربعة
أقوال: أحدها: المعاصي والكبائر، قاله
الحسن، والثاني: الشك والنفاق، قاله عطاء،
والثالث: الرياء والسمعة، قاله ابن السائب،
والرابع: بالمن))(٢).
وأما القرطبي فقد ربط بين هذه الآية
والتي قبلها فقال: ((لما بين حال الكفار أمر
المؤمنين بلزوم الطاعة في أوامره والرسول
في سننه ﴿وَلَا نَبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ﴾ أي: حسناتكم
بالمعاصي، قاله الحسن، وقال الزهري:
بالكبائر، ابن جريج: بالرياء والسمعة، وقال
مقاتل والثمالي: بالمن، وفيه إشارة إلى أن
الكبائر تحبط الطاعات، والمعاصي تخرج
عن الإيمان)) (٣).
بقي هنا أخيرًا أن نقول: إن الأوامر التي
يجب الطاعة فيها للرسول صلى الله عليه
وسلم هي ((ما أمر به ونهى عنه من أحكام
الدين، وأما ما ليس داخلًا تحت التشريع
فطاعة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم
فيه طاعة انتصاح وأدب، ألا ترى أن بريرة
(١) جامع البيان، الطبري ١٨٧/٢٢.
(٢) زاد المسير ٤/ ١٢٢.
وانظر: لباب النقول، السيوطي، ص ٨٣٣.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٤/١٦.
ثانيًا: الطاعة في غير معصية الله:
مر بنا فيما سبق أن طاعة الله عز وجل
ورسوله طاعة مطلقة، وهناك طاعات أخرى
دل عليها الكتاب العزيز، خاصة بأصناف
معينة من الناس، إلا أن هذا النوع من الطاعة
لیس مطلقًا کسابقه، بل هي مقیدة بقید مهم،
ألا وهو: قول رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة
في المعروف)(٦).
(٤) أخرج البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في
زوج بريرة، ٤٨/٧، رقم ٥٢٨٣ من حديث
عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن زوج
بريرة كان عبدًا يقال له: مغيث، كأني أنظر إليه
يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته،
فقال النبي صلی الله عليه وسلم لعباس: يا
عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة،
ومن بغض بريرة مغيثا؟! فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: لو راجعته قالت: يا رسول الله
تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع قالت: لا حاجة
لي فیه.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٦/٢٦ -
١٢٧.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أخبار
الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد
الصدوق في الأذان والصلاة والصوم
والفرائض والأحكام، ٨٨/٩، رقم ٧٢٥٧،
ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب
وجوب طاعة الأمراء في غير معصية،
٣٦٦
جوسين
القرآن الكريمِ
الطاعة
ومن أنواع هذه الطاعات المقيدة ما يلي: وتشمل طاعة أمراء الجيوش بعد وفاة
الرسول صلى الله عليه وسلم لمساواتهم
١. طاعة أولياء الأمور.
لأمرائه الغائبين عنه في الغزوات والسرايا
في حكم الغيبة عن شخصه)) (٤).
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهُ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ آلْأَمْيِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَزَعْنُمْ فِى شَىْءٍ
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُمُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ
الْآَخِرَّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
اختلف أهل العلم في المراد بأولي الأمر
المذكورين في الآية، هل هم الولاة والأمراء
أم العلماء والفقهاء أم غير ذلك؟
فرجح جماعة -ومنهم الطبري- أنهم
الولاة والأمراء، فقال بعد أن ذكر الخلاف
في ذلك: ((وأولى الأقوال في ذلك بالصواب
قول من قال: هم الأمراء والولاة لصحة
الأخبار عن رسول الله صلی الله علیه وسلم
بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله
طاعة، وللمسلمين مصلحة)) (١).
وقال ابن عطية: «أمر بطاعته عز وجل،
وهي امتثال أوامره ونواهيه، وطاعة رسوله،
وطاعة الأمراء على قول الجمهور))(٢).
وقال ابن عاشور: ((وتشمل طاعة الرسول
عليه الصلاة والسلام طاعة أمرائه في حياته؛
لقوله: (ومن أطاع أميري فقد أطاعني)(٣)،
وتحريمها في المعصية، ١٤٦٩/٣، رقم
١٨٤٠.
(١) جامع البيان، الطبري ٥٠٢/٨.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٧٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام،
باب قول الله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا
ورجح آخرون - ويبدو أن هذا هو
الأقوى والأرجح - وهو: أن المراد بأولي
الأمر: الأمراء والعلماء.
قال ابن القيم: ((وقد اختلفت الرواية
عن الإمام أحمد في أولي الأمر، وعنه فيهم
روايتان:
إحداهما: أنهم العلماء.
والثانية: أنهم الأمراء.
والقولان ثابتان عن الصحابة في تفسير
الآية، والصحيح أنها متناولة للصنفين
جميعًا، فإن العلماء والأمراء ولاة الأمر
الذي بعث الله به رسوله، فإن العلماء ولاته
حفظًا وبيانًا وذبًا عنه وردًا على من ألحد
فيه وزاغ عنه، وقد وكلهم الله بذلك، فقال
تعالى: ﴿فَإِن يَكْفُرْبِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا
لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩].
فيالها من وكالة أوجبت طاعتهم
والانتهاء إلى أمرهم، وكون الناس تبعًا لهم،
الرسول وأولي الأمر منكم)، ٦١/٩، رقم
٧١٣٧، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية
وتحريمها في المعصية، ١٤٦٦/٣، رقم
١٨٣٥.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠/ ٣٠.
www. modoee.com
٣٦٧
حرف الطاء
والأمراء ولاته قيامًا وعناية وجهادًا وإلزامًا الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون
عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال
المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا
ألوية البدع، وأطلقوا عقال الفتنة.
للناس به، وأخذهم علی ید من خرج عنه،
وهذان الصنفان هما الناس وسائر النوع
الإنساني تبع لها ورعية))(١).
أما أولو الأمر من الأمراء فطاعتهم واجبة
وقد يغفل بعض الناس عن أهمية طاعة
العلماء، ويقللون من خطر الخروج عن ما دام أنهم يحكمون بكتاب الله تعالى وسنة
رسوله صلى الله عليه وسلم، فالله سبحانه
وتعالى قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهُ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
فلم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، بل عطف
طاعتهم على طاعة الرسول؛ إذ أنه لا تجب
طاعة أحدهم إلا إذا اندرجت تحت طاعة
الرسول صلی الله عليه وسلم.
فطاعة أولي الأمر إذًا ليست طاعة مفردة
مستقلة، بل طاعتهم طاعة مستثناة فيما لهم
وعلیھم، واجبة لهم ما دام أنھم یحكمون
بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه
وسلم؛ ففي الحديث عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (السمع والطاعة على
المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر
بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا
طاعة)(٢).
٢. طاعة الوالدين.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام،
باب السمع والطاعة للإِمام مالم تكن معصية،
٩/ ٦٣، رقم ٧١٤٤ ومسلم في صحيحه،
كتاب الإمارة، باب وجوب طاعةً الأمراء في
غير معصية، ١٤٦٩/٣، رقم ١٨٣٩.
٣٦٨
جوسين
القرآن الكريمِ
مشورتهم، فنجد كثيرًا من يتحدث عن
وجوب طاعة الأمراء، وأهميته في تحقق
الجماعة، واستتباب الأمن في المجتمع،
وهذا حق، ولكنهم يغفلون عن أهمية طاعة
العلماء، وحاجة الأمة كلها رؤساء وأمراء
وعامة إليهم.
إن الخروج عن طاعة العلماء الربانيين،
وترك مشورتهم مفسد للدنيا والآخرة، ولا
يعني هذا تقديسهم أو التعصب لأقوال
الرجال، لیس هذا إطلاقًا، بل متی ما عارض
قولهم قول الله ورسوله رد، ولم یقبل،
فقولهم معتبر، ورأيهم متبع؛ لأنهم يتبعون
ما جاء من ربهم، ویبینونه للناس، فالله عز
وجل جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا
من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى،
ويصبرون منهم على الأذى، یحیون بکتاب
الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى،
فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من
ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على
(١) زاد المهاجر إلى ربه، ابن قيم الجوزية
ص١ ٤ - ٤٢.
الطاعة
وَإِن جَهَدَالَكَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ
فَلَ تُطِعْهُمَاْ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنُبِّئُكُم بِمَا كُتُّمْ
تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨].
وقال تعالى: ﴿وَإِنِ جَهَدَاكَ عَلَى
أَنْ تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلِمٌ فَلَا تُطِعْهُمَّاً
وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ
أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنِيِّئُكُم بِمَا
كُتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥].
ذكر كثير من أهل التفسير أن هاتين الآيتين
نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص؛ وذلك
أنه قال عن نفسه: «أنزلت في أربع آیات»
-فذكر قصة- فقالت أم سعد: أليس قد أمر
الله بالبر؟ والله لا أطعم طعامًا، ولا أشرب
شرابًا حتى أموت أو تكفر، قال: ((فكانوا إذا
أرادوا أن يطعموها شجروا فاها)» فنزلت هذه
الآية: ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَلِدَيِّ حُسْنًا﴾(١).
وقال ابن عطية بعد أن ذكر قصة سعد
وغيرها: ((ولا مرية أنها نزلت فيمن كان من
المؤمنين بمكة يشقى بجهاد أبويه في شأن
الإسلام أو الهجرة، فکان القصد بهذه الآية
النهي عن طاعة الأبوين في مثل هذا؛ لعظم
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير
القرآن، باب ومن سورة العنكبوت ٣٤١/٥،
رقم ٣١٨٩.
قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح)).
وصححه الألباني في التعليقات الحسان على
صحيح ابن حبان ١٠/ ١١٠.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /٣٠٧ - ٣٠٨.
(٣) المصدر السابق ٣٤٩/٤.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٣٣/٢، رقم
٠١٠٩٥
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٢/ ١٢٥٠، رقم ٧٥٢٠.
قال تعالى: ﴿وَوَضَيْنَا الْإِنسَنَ بِوَالِدَيّدِ حُسْنًّاً الأمر، وكثرة الخطر فيه مع الله تعالى، ثم
إنه لما كان بر الوالدين وطاعتهما من الأمر
الذي قررته الشريعة وأكدت فیه، وكان من
القوي عندهم الملتزم؛ قدم الله تعالى النهي
عن طاعتهما، وقوله: ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ
حُسْنًا﴾ على معنى أنا لا نخل ببر الوالدين،
لكنا لا نسلطه على طاعة الله لا سيما في
معنى الإيمان))(٢).
وقال في موطن آخر: «وجملة هذا الباب:
أن طاعة الوالدين لا تراعی في رکوب کبیرة،
ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم
طاعتهما في المباحات، وتستحسن في ترك
الطاعات الندب)»(٣).
وقال ابن عاشور: «والمقصود من الآية
هو قوله: ﴿وَإِن جَهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِىِ﴾ إلى
آخره، وإنما افتتحت بـ ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ
حُسْنًا﴾ لأنه كالمقدمة للمقصود؛ ليعلم أن
الوصاية بالإحسان إلى الوالدين لا تقتضي
طاعتهما في السوء ونحوه؛ لقول النبي صلى
الله عليه وسلم: (لا طاعة لمخلوق في
معصية الخالق) (٤).
ولقصد تقرير حكم الإحسان للوالدين
www. modoee.com
٣٦٩
حرف الطاء
في كل حال إلا في حال الإشراك، حتى لا ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إلى آخر
الآية))(٤).
يلتبس على المسلمين وجه الجمع بين الأمر
بالإحسان للوالدين وبين الأمر بعصيانهما
إذا أمرا بالشرك))(١).
٣. طاعة المرأة لزوجها.
قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى
النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
وَبِمَآ أَنَفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمَّ فَالصََّلِحَثُ
قَيِنَتُ حَفِظَتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالَّبِيِ
تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُ وهُنَّ
فِي الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنٌّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ
فَلاَ نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا
كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤].
وقال ابن كثير: ((المرأة الناشز هي
المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره،
المعرضة عنه، المبغضة له، فمتى ظهر له
منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها
عقاب الله في عصيانه؛ فإن الله قد أوجب
حق الزوج عليها وطاعته، وحرم عليها
معصيته لما له عليها من الفضل والإفضال،
فإذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما
یرید منها، مما أباحه الله له منها، فلا سبيل
له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا
هجرانها)»(٥).
قال الطبري: ((﴿قَيْنَتُ﴾ يعني:
مطيعات لله ولأزواجهن» (٢).
وقال القرطبي: ((﴿فَاَلصََّلِحَتُ
قَنِنَتُّ حَفِظَتُ لِلْغَيْبِ﴾ هذا كله خبر،
ومقصوده الأمر بطاعة الزوج والقيام بحقه
في ماله، وفي نفسها في حال غيبة الزوج،
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير
النساء التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا
أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك
في نفسها ومالك)(٣)، قال: وتلا هذه الآية:
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٣/٢٠.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٩٤/٨.
(٣) أخرجه الطيالسي ٨٧/٤، رقم ٢٤٤٤،
والنسائي في الكبرى، كتاب عشرة النساء،
باب طاعة المرأة زوجها، ١٨٤/٨، رقم
٨٩١٢.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٦٢٤/١، رقم ٣٢٩٩.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧٠/٥.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٤/٢.
٣٧٠
القرآن الكريم
الطاعة
عاقبة الطاعة
أوضح القرآن عاقبة الطاعة في الدنيا
والآخرة، وفيما يأتي بيان لها:
أولًا: عاقبة طاعة الله ورسوله:
طاعة الله ورسوله نبتة طيبة مباركة، تؤتي
أكلها في الدنيا قبل الآخرة، فيحصل المؤمن
جزاء عاجلًا قبل الجزاء الآجل، ففي الدنيا
ينال الطائعون:
١. الهداية وإصابة للحق، كما في قوله
تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَ
الرّسُولِإِلَّا الْبَغُ الْمُّبِينُ﴾ [النور: ٥٤].
٢. النصر في الدنيا على الأعداء، والغنيمة
والخير الكثير، كما في قوله تعالى:
﴿قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى
قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونٌ فَإِن
تُطِيعُواْ يُؤْتِّكُمُ اللَّهُ أَجْرًاً حَسَنًا﴾ [الفتح:
١٦].
٣. نزول الرحمات، وتحقق الأمن
والأمان، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ
الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ
لَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ﴾ [النور: ٥٦].
وأما في الآخرة: فالثمرة أعظم وأكبر؛
لأن هذا ثواب باقٍ، لا یحول ولا یزول، ومن
هذا الثواب المذكور:
١. المطيعون يأخذون أجورهم كاملة يوم
القيامة، بلا نقص ولا ظلم، كما في
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا
يَلِتُّكُمْ مِنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:
١٤].
٢. يثيب الله عز وجل بمنه وفضله
المطیعین الجنة، خالدين فيها أبدا، كما
في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
يُدْيِّهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾
[الفتح: ١٧].
٣. ينزل الله عز وجل المطيعين المنازل
العالية، والدرجات الرفيعة في الجنة،
كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ
وَالرَّسُولَ فَأُؤْلَيْكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم
مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ
وَالصَِّحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ؟
[النساء: ٦٩].
ثانيًا: عاقبة طاعة الإنسان لإبليس:
الله عز وجل هو الخالق لهذا الكون، وهو
الأعلم بما يصلح عباده، وما يفسدهم، وما
ينفعهم وما يضرهم؛ ولذا فقد حذرهم تبارك
وتعالى مما فيه ضرر أو هلاك أو شقاء لهم،
وبين لهم العواقب، وقص عليهم القصص،
کل ذلك حتى يمتثلوا أمره، ویحذروا مما
حذرهم منه.
ومما حذر الله منه عباده: أن يتبعوا
إیلیس، أو خطواته، أو يتخذوه ولیًا من دون
الله؛ لأنه في الأصل عدو لهم، وعداوته
www. modoee.com
٣٧١
حرف الطاء
قديمة منذ خلق أبيهم آدم عليه السلام، بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:
يوم رفض السجود له، وأعلن عن حسده ١١٢].
وبغضه، ونيته في إفساد ذريته.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلِكَةِ
أَسْجُدُواْ لَِّدَمَ فَسَجَدُوْاْ إِلَّا إِبْلِسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ
لِمَنْ خَلَقْتَ طِيْنً ا قَالَ أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى
كَرَّمْتَ عَّ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
لَأَحْتَنْكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦١ -
٦٢].
ويقسم إبليس على ما ينتويه من شر
للعباد، فيقول: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ
أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾
[ص: ٨٢ - ٨٣].
ویبین خطته و طريقه الذي سیسلكه، فقال
لربه: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) ثُمَّ
لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ
شَآَيَلِهِمَّ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ﴾ [الأعراف:
١٦- ١٧ ].
﴿لَأَ تَّخِذَنَ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا
وقال:
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ
١١٨
مَّغُوصًا
وَلَّ مُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِكُنَّ ءَاذَانَ اْلْأَنْعَمِ
وَلَمُنَّهُمْ فَلَيُغَيْرُنَ خَلْقَ اَللَّهِ﴾ [النساء:
١١٨-١١٩].
وبين الله عز وجل لنا أن له أعوانًا من
بني الإنس، يستخدمهم أيضًا لإغواء الناس
وإضلالهم؛ فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا
لِكُلِّ نَبٍِّ عَدُوًّا شَيَطِيْنَ اُلْإِنسِ وَاَلْجِنِّ يُوحِى
﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى
وقال:
أَوْ لِيَّا بِهِمْ لِيُجَدِ لُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ
لَمْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].
ولهذا وصفه الله عز وجل بأنه عدو
ظاهر، لا تخفى عداوته، وأمرنا أن نعتبره
كذلك؛ فلا ننقاد له؛ ولا نتبع خطواته، فقال
تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌّ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
[فاطر: ٦].
وقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطِنَّ إِنَّهُ
لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨].
وقال: ﴿وَلَا تَشَِّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِّ
إِنَّهُ، لَكُمْ عَدُوٌ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨].
وقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ
لَكُمْ عَدُوٌ مُِّينَ﴾ [الأنعام: ١٤٢].
﴿وَنَادَتِهُمَا رَيُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ
وقال:
تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَاْ إِنَّ الشَّيْطَنَ لَكُمَا عَدُوٌّ
◌ُّبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢].
وقال: ﴿يَبَِّىّ ءَادَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ
كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِيَاسَهُمَا
لِيُيَهُمَا سَوْءَتِهِمَاً إِنَّهُ يَرَنَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ، مِنْ
حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوِْيَّةَ لِلَّذِينَ لَا
[الأعراف: ٢٧].
يُؤْمِنُونَ
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوّ
وقال:
تُبِينٌ﴾ [يوسف: ٥].
وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوًّا
٣٧٢
القرآن الكريم
الطاعة
◌ُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣].
وقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ أَسْجُدُواْ لَدَمَ
فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ
رَيْدَةٌ أَفَتَتَّخِذُونَهُ، وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ
وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ لِظَّالِمِينَ بَدَلًا ﴾ [الكهف:
٥٠].
وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ
الشَّيْطَنِ ﴾ [النور: ٢١].
﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ
وقال:
خَذُولاً﴾ [الفرقان: ٢٩].
وقال: ﴿أَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَنبَنِىءَادَمَ آَنلَّا
تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:
٦٠].
﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطِنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ ◌ُّبِينٌ﴾
[الزخرف: ٦٢].
وحتى يكون العباد على حذر أكبر من
ذلك العدو بين الله عز وجل لهم عاقبة
اتباعه في الدنيا والآخرة.
ففي الدنيا:
يضل العباد عن طريق الحق، ويوقعهم
في الشرك والضلال.
قال تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ
أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ
يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوّا
أَن يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ
صَلَلَا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠].
قال الطبري: ((﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمد
بقلبك فتعلم ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ أنهم
صدقوا بما أنزل إليك من الكتاب، وإلى
الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قلبك
من الكتب ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُواْ﴾ في
خصومتهم ﴿إِلَى الطّغُوتِ﴾ يعني إلى: من
يعظمونه ويصدرون عن قوله، ويرضون
بحكمه من دون حكم الله ﴿وَقَدْ أُمِرُوّا
أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ يقول: وقد أمرهم الله
أن يكذبوا بما جاءهم به الطاغوت الذي
يتحاكمون إليه، فتركوا أمر الله، واتبعوا أمر
الشيطان ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلًا
بَعِيدًا﴾ يعني: أن الشيطان يريد أن يصد
هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن سبيل
الحق والهدى، فيضلهم عنها ضلالًا بعيدًا،
يعني: فيجور بهم عنها جورًا شديدًا))(١).
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ
اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ(مَن تولاهُ فَاَنَّهُ يُضِلُّهُ,وَتَهدِیهِ إِلَى
عَذَابٍ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٣-٤].
قال ابن كثير: ((يقول تعالى ذامًا لمن
كذب بالبعث، وأنكر قدرة الله علی إحياء
الموتى، معرضًا عما أنزل الله على أنبيائه،
متبعًا في قوله وإنكاره وكفره كل شيطان
مريد، من الإنس والجن، وهذا حال أهل
الضلال والبدع المعرضين عن الحق،
المتبعين للباطل، يتركون ما أنزله الله على
(١) جامع البيان، الطبري ٨/ ٥٠٧.
www. modoee.com
٣٧٣
حرف الطاء
رسوله من الحق المبين، ويتبعون أقوال
رءوس الضلالة، الدعاة إلى البدع بالأهواء
والآراء؛ ولهذا قال في شأنهم وأشباههم:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾
أي: علم صحيح ﴿وَنَّبِعُكُلَّشَبطنِ مَرِيدٍ
كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قال مجاهد: يعني الشيطان،
كتب عليه كتابة قدرية ﴿أَنَّهُ، مَن قَوَلَاهُ﴾ أي:
اتبعه وقلده ﴿فانّهُ يُضِلُّهُ, وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابٍ
السَّعِيرِ﴾ أي: يضله في الدنيا، ويقوده
في الآخرة إلى عذاب السعير، وهو الحار
المؤلم المزعج المقلق)) (١).
بل إن الشيطان قد يعيد الإنسان إلى
الضلال والكفر مرة أخرى، بعد أن تبين له
طريق الحق والهدى والرشاد، ويزين هذا
الباطل لأتباعه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
أَرْتَدُّ واْ عَلَى أَدْبَرِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىّ
الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَّهُمْ وَأَمْلَ لَّهُمْ﴾ [محمد: ٢٥].
قال الطبري: ((إن الذين رجعوا القهقرى
على أعقابهم كفارًا بالله من بعد ما تبين لهم
الحق وقصد السبيل، فعرفوا واضح الحجة،
ثم آثروا الضلال على الهدى عنادًا لأمر الله
تعالى؛ الشيطان زين لهم ارتدادهم على
أدبارهم، من بعد ما تبین لهم الهدى»(٢).
كما قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا
أْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ
الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَعْضَآءَ فِي الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنُْمُ
مُّنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
قال الطبري: ((أي: إن شربكم الخمر،
وقمارکم على الجزر، وذبحكم للأنصاب،
واستقسامکم بالأزلام، إثم ونتنٌ من تزیین
الشيطان لکم، ودعائه إياكم إليه، وتحسينه
لکم، لا من الأعمال التي ندیکم إلیھا ربکم،
ولا مما يرضاه لكم، بل هو مما يسخطه
لكم»(٣).
وقال أيضًا: ((إنما يريد لكم الشيطان
شرب الخمر والمياسرة بالقداح، ويحسن
ذلك لكم، إرادةً منه أن يوقع بينكم العداوة
والبغضاء في شربكم الخمر، ومياسرتكم
بالقداح؛ ليعادي بعضكم بعضًا، ويبغض
بعضكم إلى بعض، فيشتت أمركم بعد
تأليف الله بینکم بالإيمان، وجمعه بینکم
بأخوة الإسلام، ويصرفكم بغلبة هذه الخمر
بسكرها إياكم عليكم، وباشتغالكم بهذا
المیسر، عن ذکر الله الذي به صلاح دنیاکم
يوقع أتباعه في الفواحش والموبقات،
والبدع والمنكرات، ويصدهم عن ذكر وآخرتكم، وعن الصلاة التي فرضها عليكم
ریکم»(٤).
الله وعن الصلاة.
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩٤/٥.
١٨٠/٢٢-١٨١
(٢) جامع البيان، الطبري
بتصرف يسير.
(٣) المصدر السابق ١٠ / ٥٦٤.
(٤) المصدر السابق ١٠ / ٥٦٥.
٣٧٤
صَوَسُو ◌َرُ النَّفِيِّبـ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الطاعة
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّعُواْ خُطُوَاتِ
الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٣٠) إِنَّمَا يَأْمُرَّكُمْ
بِالسُّوْءِ وَالْفَحْسَآِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا
نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩].
قال ابن كثير: «أي: إنما يأمركم عدوكم
الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها
الفاحشة كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك وهو
القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل
كافر، وكل مبتدع أيضًا))(١).
ومثل هذا المعنی یتأكد في قوله تعالی:
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ خُعُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ
وَمَنْ يَتَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ
وَالْمُنكَرِ﴾ [النور: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ اُلْفَقْرَ
وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَآءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
قال الطبري: «الشیطان یعدکم أيها الناس
بأدائكم الصدقة والزكاة الواجبة عليكم في
أموالكم أن تفتقروا، ويأمركم بالفحشاء،
يعني: ویأمركم بمعاصي الله عز وجل،
وترك طاعته))(٢).
وقال تعالى: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ
فَفَسَنُهُمْ ذِكِّ اللَّهِ أُوْلَكَ حِزْبُ الشَّيْطِنِّ أَلَا إِنَّ حِزْبَ
الشَّيْطَيِنِ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩].
قال القرطبي: ((أي: غلب الشيطان
واستعلى عليهم بوسوسته في الدنيا، وقيل:
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٧٩/١.
(٢) جامع البيان، الطبري ٥٧١/٥.
قوي علیھم ﴿قانسُهُمْ زِگر اُللَّهِ﴾ والنسيان قد
يكون بمعنى الغفلة، ويكون بمعنى الترك،
والوجهان محتملان هنا ﴿أُوْلَكَ حِزَّبُ
الشَّيْطَانِ﴾ أي: طائفته ورهطه ﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ
الشَّيْطَئِنِ هُمُ الْخَبِرُونَ﴾ في بيعهم؛ لأنهم باعوا
الجنة بجهنم، وباعوا الهدى بالضلالة))(٣).
يوقع العداوة بين المسلمين، ويثير الفتن
والشكوك والحروب والنزاعات بينهم.
قال تعالى: ﴿ وَقُل ◌ِّعِبَادِى يَقُولُواْ أَلَتِى
هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنَزَعُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ
كَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣].
قال الطبري: ((أي: قل -يا محمد-
لعبادي يقل بعضهم لبعض التي هي أحسن
من المحاورة والمخاطبة، فإن الشيطان
يسوء محاورة بعضهم بعضًا، ينزغ بينهم،
يفسد بينهم، يهيج بينهم الشر، فإن الشيطان
کان لآدم وذريته عدوًا، قد أبان لهم عداوته
بما أظهر لآدم من الحسد، وغروره إياه حتى
أخرجه من الجنة)) (٤).
وهذا المعنى فطن إليه نبي الله يعقوب
عليه السلام، فخشي على أبنائه من الشيطان
أن يوقعهم في البغض والعداوة بينهم وبين
یوسف؛ ولذا نصحه ألا يقص رؤياه الطيبة
عليهم، فقال له: ﴿يَبُنِّيَّ لَا نَقْصُصْ رُهُ يَاكَ عَلَى
إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧/ ٣٠٦.
(٤) جامع البيان، الطبري ٤٦٩/١٧ بتصرف
يسير.
www. modoee.com
٣٧٥
حرف الطاء
عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [يوسف: ٥].
قال الطبري: ((يقول يعقوب عليه السلام
لابنه يوسف: يا بني لا تقصص رؤياك هذه
على إخوتك، فيحسدوك ويبغوك الغوائل،
ويناصبوك العداوة، ويطيعوا فيك الشيطان؛
فإن الشيطان لآدم وبنيه عدو، قد أبان لهم
عداوته وأظهرها، فاحذر الشيطان أن يغري
إخوتك بك بالحسد منهم لك، إن أنت
قصصت علیهم رؤياك))(١).
ولهذا المعنى أيضًا نهى الله سبحانه
وتعالى المؤمنين عن التناجي بالإثم
والعدوان، وأن النجوى من فعل الشيطان
ليدخل الحزن على بعض المؤمنين؛ فقال
تعالى: ﴿إِنََّا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَارِهِمْ شَيْئًا إِلَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠].
أي: إنما النجوى -وهي المسارة-
حيث يتوهم مؤمن بها سوءًا من تسويل
الشيطان وتزيينه ﴿يَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾
أي: ليسوءهم، وليس ذلك بضارهم شيئًا إلا
بإذن الله، ومن أحس من ذلك شيئًا فليتوكل
على الله، ويفوض جميع شئونه إلى عونه،
ويستعيذ به من الشيطان ومن کل شر، فهو
الذي سلط الشيطان بالوساوس ابتلاء للعبد
وامتحانًا ولو شاء لصرفه عنه(٢).
(١) المصدر السابق ٥٥٨/١٥ بتصرف يسير.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٩٥/١٧، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
ولهذا وردت السنة بالنهي عن التناجي،
حیث یکون في ذلك تأذٍ على مؤمن، فقال
صلى الله عليه وسلم: (إذا كنتم ثلاثة فلا
يتناجى اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا
بالناس، من أجل أن يحزنه)(٣).
قال القرطبي: ((أي: يقع في نفسه ما
يحزن لأجله؛ وذلك بأن يقدر في نفسه أن
الحديث عنه بما يكره، أو أنه لم يروه أهلًا
لیشرکوه في حديثهم، إلى غير ذلك من
ألقيات الشيطان، وأحاديث النفس)» (٤).
وهذه الخصومات والمشاحنات هو
ما يسعى إليه إبليس بين المسلمين لإفساد
العلاقات بينهم.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن
الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون
في جزيرة العرب، ولكن في التحريش
بینھم)(٥) .
أي: الإيقاع بينهم بالخصومات والشحناء
والحروب والفتن ونحوها.
٤٤/٨.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الاستئذان، باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا
بأس بالمسارة والمناجاة، ٨/ ٦٥، رقم
٦٢٩٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الآداب،
باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير
رضاه، ١٧١٨/٤، رقم ٢١٨٤.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٩٥/١٧.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة
والجنة والنار، باب تحريش الشيطان وبعثه
سراياه لفتنة الناس، ٤ /٢١٦٦، رقم ٢٨١٢.
٣٧٦
جوسين
القرآن الكريمِ
الطاعة
وأما في الآخرة:
فعاقبة اتباعه: الخسران المبين، والعذاب
الأليم، ودخول جهنم وبئس المصير.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَنَ
وَلِيًا مِن دُونْ اُللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا
مُّبِينًا ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ
الشَّيْطَانُ إِلَّا غُورًا ( أَوْلَكَ مَأْوَنَهُمْ
جَهَنَّهُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا يَحِيصًا﴾ [النساء:
١١٩-١٢١].
قال الطبري: ((ومن يتبع الشيطان فيطيعه
في معصية الله وخلاف أمره، ويواليه فيتخذه
وليًا لنفسه ونصيرًا من دون الله: فقد هلك
هلاكًا، وبخس نفسه حظها فأويقها بخسًا
مبيناً، يبين عن عطبه وهلاكه؛ لأن الشيطان
لا يملك له نصرًا من الله إذا عاقبه على
معصيته إياه في خلافه أمره، بل يخذله عند
حاجته إلیه، وإنما حاله معه ما دام حيًا ممهلًا
بالعقوبة، كما وصفه الله جل ثناؤه بقوله:
﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمٌّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّ
غُرُورًا﴾ أي: يعد الشيطان المريد أولياءه أن
یکون لهم نصیرًا ممن أرادهم بسوء، وظھیرًا
لهم عليه، يمنعهم منه، ويدافع عنهم،
ويمنيهم الظفر على من حاول مكروههم،
والفلج عليهم(١)، وما يعد الشيطان أولياءه
(١) الفلج: بفتحتين، الظفر والفوز والعلو على
الخصم، يقال: فلج الرجل على خصمه
وأفلج إذا ظهر عليه.
انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد ١ / ٤٨٧.
الذين اتخذوه وليًا من دون الله ﴿إلّاغُرُورًا
یعنی: إلا باطلًا.
فهؤلاء الذين اتخذوا الشيطان وليًا
من دون الله مصيرهم الذين يصيرون إليه
جهنم ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا يَحِيصًا﴾ أي: لا
یجدون عن جهنم -إذا صیرهم الله إليها يوم
القيامة - معدلًا يعدلون إليه))(٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌّ
فَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبٍ
السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ
الشَّيْطَانَ ﴾ الذي نهيتكم أيها الناس أن تغتروا
بغروره إياكم بالله ﴿لَكُنْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾
يقول: فأنزلوه من أنفسكم منزلة العدو
منكم، واحذروه بطاعة الله، واستغشاكم
إياه حذركم من عدوكم الذي تخافون
غائلته على أنفسكم، فلا تطيعوه، ولا تتبعوا
خطواته، فإنه إنما يدعو حزبه، يعني: شيعته
ومن أطاعه، إلى طاعته والقبول منه، والكفر
بالله ﴿لَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ يقول:
ليكونوا من المخلدين في نار جهنم التي
تتوقد على أهلها)) (٣)
وقال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْ قَالَ
لِلْإِسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِى بَرِىٌّ
مِنْكَ إِّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ، فَكَانَ
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٢٤/٩-٢٢٦
بتصرف.
(٣) المصدر السابق ٤٣٩/٢٠ -٤٤٠.
www. modoee.com
٣٧٧
حرف الطاء
عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِى النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيهَأَ وَذَلِكَ جَزَُّؤْاْ لَلْيَقِّ﴾ أي: على ألسنة رسله، ووعدكم في
الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٦-١٧].
قال الطبري: ((فكان عقبى أمر الشيطان
والإنسان الذي أطاعه فكفر بالله أنهما
خالدان في النار، ماكثان فيها أبدًا ﴿وَذَلِكَ
جَزَّؤُأُ الظَّالِمِينَ﴾ يقول: وذلك ثواب
اليهود من النضير والمنافقين الذين وعدوهم
النصرة، وكل كافر بالله ظالم لنفسه على
كفره به؛ أنهم في النار مخلدون))(١).
وتزداد حسرة أتباع الشيطان حينما
يجتمعون به في الآخرة في جهنم، فيقوم
خطيبًا فيهم، كما أخبر الله عز وجل في
كتابه: ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ
إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ اَلْحِّ وَوَعَدِلُّكُمْ
فَغْلَفْتُكُمٌّ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّنِ سُلْطَانٍ إِلَّ
أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِيْ فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ
أَنْفُسَكُمْ مَّا أَنَا بِمُصْرِحِكُمْ وَمَا أَنْتُم
بِمُصْرِخِيٌَّ إِ كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ
مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[إبراهيم: ٢٢].
قال ابن كثير: ((بعدما قضى الله بين
عباده، فأدخل المؤمنين الجنات، وأسكن
الكافرين الدركات، قام فيهم إبليس - لعنه
الله- حينئذٍ خطيبًا ليزيدهم حزنًا إلى
حزنهم، وغبنا إلى غبنهم، وحسرة إلى
حسرتهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ
(١) المصدر السابق ٢٣/ ٢٩٧.
اتباعهم النجاة والسلامة، وكان وعدًا حقًا،
وخبرًا صدقًا، وأما أنا فوعدتكم وأخلفتكم
﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّنِ سُلْطَانٍ﴾ أي: ما كان
لي علیکم فیما دعوتکم إلیه من دلیل ولا
حجة على صدق ما وعدتكم به ﴿إِلَّ أَن
دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ﴾ بمجرد ذلك، هذا
وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة
الصحيحة على صدق ما جاؤوكم به،
فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه ﴿فَلَا
تَلُومُونِ﴾ اليوم ﴿وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ﴾
فإن الذنب لكم، لكونكم خالفتم الحجج،
واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل
﴿مَآ أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أي: بنافعكم
ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه ﴿وَمَا أَنتُم
بِمُصْرِخِىَ﴾ أي: بنافعي بإنقاذي مما أنا
فيه من العذاب والنكال ﴿إِّ كَفَرْتُ بِمَآ
أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾.
قال قتادة: أي بسبب ما أشركتمون من
قبل، وقال ابن جرير: يقول: إني جحدت أن
أکون شریگا لله عز وجل.
وهذا الذي قال هو الراجح، كما قال
تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ
مَن لَّا يَسْتَجِبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَلَيْهِمْ
غَفِلُونَ ن وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءُ وَكَانُواْ
بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥-٦].
﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ
وقال:
٣٧٨
القرآن الكريم
الطاعة
عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢].
وقوله: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ أي: في
إعراضهم عن الحق واتباعهم الباطل ﴿لَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾))(١).
ثالثًا: عاقبة طاعة الأتباع للمتبوعين:
أهل الباطل والضلال في تلك الحياة
ينقادون لمن يماثلهم، ويطاوعون من
يشابههم، ويظاهرهم على باطلهم
ومعصيتهم، وقد سجل الله عز وجل ذلك
عنهم في كتابه؛ فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ
سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ اَلْأَمْرِّ وَاللَّهُ يَعْلَؤُ
إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٦].
قال القرطبي: ((إن المنافقين واليهود
قالوا: ﴿لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّكَ اَللَّهُ﴾ وهم
مشركون ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِ بَعْضِ الْأَمْرِ﴾
أي: في مخالفة محمد، والتظاهر على
عداوته، والقعود عن الجهاد معه، وتوهين
أمره في السر، وهم إنما قالوا ذلك سرًا،
فأخبر الله نبيه)) (٢).
وقد يكون تظاهرهم مع إخوانهم من أهل
الباطل بالقول فقط، ويتخلفون حال الفعل؛
لما في قلوبهم من جبن وخوف ومحبة
للدنيا، وليس محبة أو طاعة لله ورسوله،
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨٩/٤-
٤٩٠ بتصرف يسير.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦/ ٢٥٠.
كما قال تعالى: ﴿أَلَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ
يَقُولُونَ لِإِخْوَيِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ
لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا تُطِيعُ فِيَكُنْ
أَحَدَّا أَبَدًّا وَإِنِ قُوْتِلْتُمْ لَنَنصُرَتَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ
لَكَذِبُونَ﴾ [الحشر: ١١].
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره لنبيه
محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تنظر
بعین قلبك يا محمد، فترى إلى الذين نافقوا
بعثوا إلى بني النضير حين نزل بهم رسول
الله صلى الله عليه وسلم للحرب أن أثبتوا
وتمنعوا، فإنا لن نسلمکم، ولئن أخرجتم من
دیارکم ومنازلکم، وأجلیتم عنها لنخرجن
معکم، فنجلی عن منازلنا ودیارنا معكم، ولا
نطيع أحدًا سألنا خذلانكم، وترك نصرتكم،
ولكنا نکون معکم، وإن قاتلکم محمد صلى
الله عليه وسلم ومن معه لننصرنكم معشر
النضير عليهم.
والله يشهد إن هؤلاء المنافقين الذين
وعدوا بني النضير النصرة على محمد صلى
الله علیه وسلم لكاذبون في وعدهم إیاهم ما
وعدوهم من ذلك»(٣).
وهذا الصنف من الناس -السابق ذكره-
له عقل يميز به، ورأي ینفرد به؛ وليس له
سید أو کبیر یقوده، بل قد يكون هو قائدًا
لمن وراءه.
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٩٠/٢٣-٢٩١
بتصرف.
www. modoee.com
٣٧٩
حرف الطاء
وهناك صنف آخر من الناس في تلك تَبَرَّهُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ
عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:
١٦٥-١٦٧].
الحياة أبى إلا أن يعيش متبوعًا، يترك عقله
وناصيته بيد غيره، يحركه كيفما شاء،
ويوجهه أينما أراد، ويا ليته فعل ذلك مع
أقوام مهتدین راشدین، يأخذون بيده لطريق
الحق والنجاة لكانت العاقبة أنفع له وأنجح،
لكنه فعل ذلك مع أقوام ظالمین ضالین،
ضلوا وأضلوا؛ فكانت عاقبة اتباعهم
الخسران، والعذاب الأليم.
وتزداد حسرة هؤلاء المتبعين حينما
يجتمعون بأسيادهم وكبرائهم في النار،
فیرون أنهم لا يغنون عنهم من عذاب الله
شيئًا، بل یرون من اتبعوهم يتبرؤون منهم،
وعندها: یعضون أصابع الندم على ما قدموه
في حياتهم من ولاء وطاعة لهم، ويودون أن
لو عادوا إلى الدنيا ليتبرؤوا من كبرائهم كما
تبرؤوا منهم في الآخرة، وحینما ییأسون من
هذه الأماني؛ يتوجهون إلى الله بالدعاء أن
یضاعف العذاب لمن کانوا سببًا في غوایتھم
وضلالهم.
هذه المواقف والمشاعر نقلها لنا القرآن
الكريم في غير موضع وآية، كما في قوله
تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوْاْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ
أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ
١٦٥
إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوْاْ
الْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ { وَقَالَ
الَّذِينَ أَتََّعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَقَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا
قال القرطبي: ((يعني: السادة والرؤساء
تبرؤوا ممن اتبعهم على الكفر، وقال
طائفة: هم الشياطين المضلون تبرؤوا من
الإنس، وقيل: هو عام في كل متبوع ﴿وَرَأَوْا
اَلْعَذَابَ﴾ يعني التابعين والمتبوعين، قيل:
بتیقنهم له عند المعاينة في الدنیا، وقيل: عند
العرض والمسألة في الآخرة، قلت: كلاهما
حاصل، فهم يعاينون عند الموت ما يصيرون
إليه من الهوان، وفي الآخرة يذوقون أليم
العذاب والنكال ﴿وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾
أي: الوصلات التي كانوا يتواصلون بها في
الدنيا من رحم وغيره.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾
أي: قال الأتباع: لو رددنا إلى الدنيا حتى
نعمل صالحًا، ونتبرأ منهم ﴿كَمَا تَبَرَّهُوا
مِنَّا﴾ والتبرؤ الانفصال ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ
اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمْ﴾ أي: كما أراهم
يريهم الله أعمالهم
الله العذاب كذلك
﴿حَسَرَتٍ﴾ والحسرة: أعلا درجات الندامة
على شيء فائت ﴿وَمَاهُمْ بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾
دليل على خلود الكفار فيها، وأنهم لا
يخرجون منها)) (١).
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٦/٢
بتصرف.
مَوَسُولَرُ النَّفْسِير
القرآن الكريم
٣٨٠