النص المفهرس
صفحات 21-33
الصلاة
وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنُفِقُونَ إلّا
٠٨٠
الصَّلَوةَ إلَا
وَهُمْ كَرِهُونَ ﴾ [التوبة: ٥٤].
فهؤلاء المنافقون لم یکونوا ليصلوا لولا
مخافتهم مذمة المؤمنين، فكانوا إذا أمنوا
وضمنوا عدم رؤیتھم من المؤمنین تركوها
ولم يقيموها (١).
و کان إتیانھم إلى الصلاة إتیان المتكاسل
المتذمر المستاء منها، الذي لا يؤمن بوجوبها
ولا بالثواب المترتب عليها ولا بالعقاب
المترتب على تركها (٢)، على خلاف المؤمن
الذي تتوق نفسه إلى مناجاة خالقه ولا ينتظر
من صلاته شکرًا من البشر.
قال القشيري: ((من أطاع من حيث
العادة- من غير أن تحمله عليها لوعة
الإرادة- لم يجد لطاعته راحة وزيادة، ويقال:
من لاحظ الخلق في الجهر من أعماله،
وركن إلى الكسل في السر من أحواله فقد
وسم بالخذلان، وختم بالحرمان، وهذه هي
أمارة الفرقة والقطيعة)» (٣)
قال سيد قطب عن فعل المنافقين
ومن على شاكلتهم: «فهم يأتونها مظهرًا
بلا حقيقة، ولا يقيمونها إقامة واستقامة،
يأتونها كسالى؛ لأن الباعث عليها لا ينبثق
من أعماق الضمير، إنما يدفعون إليها دفعًا،
فيحسون أنهم عليها مسخرون! وكذلك
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١١ / ٤٩٩.
(٢) انظر: تفسير المراغي ١٠/ ١٣٧.
(٣) لطائف الإشارات ٣٥/٢.
ينفقون ما ينفقون كارهين مكرهين، وما
كان الله ليقبل هذه الحركات الظاهرة التي
لا تحدو إليها عقيدة، ولا يصاحبها شعور
دافع، فالباعث هو عمدة العمل والنية هي
مقياسه الصحيح، ولقد كان هؤلاء المنفقون
وهم کارهون ذوي مال وذوي أولاد، وذوي
جاه في قومهم وشرف، ولکن ھذا کلہ لیس
بشيء عند الله، وكذلك يجب ألا يكون
شيئًا عند الرسول والمؤمنين، فما هي بنعمة
يسبغها الله عليهم ليهنؤوا بها، إنما هي الفتنة
يسوقها الله إليهم ويعذبهم بها)»(٤).
ولعل على المسلم الفطن أن يتأمل
صلاته جيدًا، ويسأل نفسه: هل أقبل على
الله تعالى بكل جوارحي؟ أو أصليها
مشغولاً في ملاذ الدنيا؟ هل أذهب لملاقاة
ربي في الصلاة بنشاط واجتهاد كما أذهب
إلى مقابلة مديري في العمل؟ أو أذهب
ذهاب الكسالى المتذمرين؟ هل أقيمها أم أنا
من المؤدين؟ هل أتركها وأسهو عنها أم أنا
من الملتزمين؟ هل أصلي صلاة المؤمنين؟
أم هي صلاة المنافقين؟
(٤) في ظلال القرآن ١٦٦٥/٣.
www. modoee.com
١٣٥
حرف الصاد
الصلوات المذكورة في القرآن
خص الله تعالی بعض الصلوات بالذکر
في القرآن الكريم، من تلك الصلوات ما
يأتي:
أولًا: الصلوات الخمس:
الصلوات الخمس هن فرض الله تعالى
على عباده، وعماد هذا الدين، وقد جاء في
الصحیح (أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس،
يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى
دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول
الله صلی الله عليه وسلم: خمس صلوات
في اليوم والليلة، فقال: هل علي غيرها؟
قال: لا، إلا أن تطوع، قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: وصيام رمضان قال: هل
علي غيره؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال: وذكر
له رسول الله صلی الله علیه وسلم الزكاة،
قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع،
قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزید
علی ھذا ولا أنقص، قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: أفلح إن صدق)(١).
وقد ذكرت الصلوات المفروضة في
القرآن الكريم في أكثر من موضع، من
ذلك قول المولى عز وجل: ﴿حَفِظُواْ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب الزكاة من الإسلام ١٨/١، رقم ٤٦.
عَلَى القَلَوَاتِ وَالضَلَوَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ
٢٣٨ ٠﴾ [البقرة: ٢٣٨].
قَانِتِينَ
وفي الآية أمر بالمحافظة على إقامة تلك
الصلوات، وقد ذكر الطبري أن المقصود
بالصلاة الوسطى هي صلاة العصر(٢)،
وتخصيصها لأنها في وقت راحة الناس وقد
يغفل عنها أو یسهو عن وقتها بعض الناس،
أو لفضلها (٣)
وقيل: هي صلاة الصبح؛ لأن القنوت
المذكور في آخر الآية لا يكون إلا في
صلاة الصبح (٤)، أو هي صلاة الظهر، لكن
الأظهر أنها صلاة العصر؛ لأن قبلها صلاتي
نهار وبعدها صلاتي ليل؛ لذلك وصفت
بالوسطى (٥).
وقد نص القرآن الكريم على صلاة
العشاء والفجر في قوله عز وجل: ﴿يَتَأَيُّها
الَّذِينَ ءَامُ لِيَسْتَعْدِ نَّكُمُالَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَتُكُمْ وَالَّذِينَ
لَمْ يَتْلُغُواْ الْقُلُمَ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَّتَّ مِن قَبْلِ صَلَوِ الْنَجْرِ
وَحِينَ تَضَعُونَ فِيَابَكُمْ مِنَ الَّهِيَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوَةِ
اَلْمِشَآءِ تَثُ عَوْرَتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨].
وجاء الأمر بإقامة الصلاة لدلوك الشمس
وغسق الليل والفجر في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ
الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اَلَيْلِ وَقُرْءَانَ
اُلْفَحْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا
٧٨
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦٩/٥.
(٣) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٢/ ١٩٤.
(٤) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٠٩/١.
(٥) انظر: تفسير السمر قندي ١٥٦/١.
١٣٦
جَوَسُورَةُ النَّفِيَّة
الْقُرْآن الكَرِيمِ
الصلاة
[الإسراء: ٧٨].
وفي الآية نادی الله عباده بصفة الإيمان،
لتحريك الإخلاص في قلوبهم، ولتحريضهم
وفي دلوك الشمس تأويلان:
الأول: أن دلوكها هو غروبها فتكون على المسارعة إلى صلاة الجمعة، إذ يلزم
الصلاة المقصودة هي صلاة المغرب.
المؤمن القوي أن يكون مطيعا لما يأمره
خالقه به، والنداء الوارد هو الأذان الخاص
والثاني: زوالها فتكون المقصودة هي
صلاة الظهر.
بصلاة الجمعة، والسعي المأمور به في الآية
وفي غسق الليل تأويلان، أنها صلاة هو الاجتهاد في الذهاب إلى الصلاة دون
المغرب، أو صلاة العشاء(١).
الجانب؛ فالمؤمن يحافظ على جميع
وجل بإخلاص التوجه إليه في كل الفرائض،
فكلها طاعة وبركة وبأدائها دون انتقاص
يحصل الرضا والغفران ودخول الجنان.
ثانيًا: صلاة الجمعة:
ليوم الجمعة وصلاتها خصوصية وفضل
عظيم، وقد أمر الله عباده بالامتناع عن البيع
والشراء والانشغال بالدنيا إذا بدأت صلاة
الجمعة وذلك حتى انتهائها.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تُؤدِىَ
لِلصَّلَوَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اَللَّهِ
وَذَرُواْ الْبَيْعَّ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
٢) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ
وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُوْ
تَفْلِحُونَ ١٠°﴾ [الجمعة: ٩-١٠].
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٦٢/٣-
٢٦٣.
إفراط في السرعة (٢)؛ لحديث النبي صلى
ولا يلزم كثير من الترجيح في هذا الله عليه وسلم عن أبي قتادة، قال: (بينما
نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم
الصلوات، ويجتهد في استرضاء المولى عز إذ سمع جلبة رجال، فلما صلى قال: ما
شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة؟ قال:
فلا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة،
فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)(٣).
وصلاة الجمعة هي الصلاة التي يجتمع
فيها المسلمون کل أسبوع ليشهدوا خطبتها،
ويستنيروا ببركتها، ولعظمتها ومكانتها
أقسم بها المولى عز وجل في قوله تعالى:
﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُورٍ ﴾ [البروج: ٣].
فالشاهد -على الراجح - هو يوم
الجمعة، والمشهود هو يوم عرفة (٤).
قال الشنقيطي: ((ففي كل منهما نداء،
وأذان الحج صلاة وسعي وإتيان وذكر لله،
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٨٧/١٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان،
باب قول الرجل فاتتنا الصلاة ١٢٩/١، رقم
٦٣٥.
(٤) انظر: تفسير الشافعي ١٤٣٤/٣.
www. modoee.com
١٣٧
حرف الصاد
ثم انتشار وإفاضة مما يربط الجمعة بالحج
في الشكل وإن اختلف الحجم، وفي الكيف
وإن تفاوتت التفاصيل، وفي المباحث
والأحكام كثرة وتنويع من متفق عليه
ومختلف فیه، مما يجعل مباحث الجمعة لا
تقل أهمية عن مباحث الحج، وتتطلب عناية
بها کالعناية به))(١).
وقد أمر الله تعالى بترك البيع في وقت
صلاة الجمعة، والبيع هو صفقة سريعة
رابحة محببة إلى قلب البائع، وخص البيع
دون الشراء؛ لأن البائع يبيع راغبًا منتظرًا
للمال أما المشتري فقد يشتري وهو كاره،
ومن السهل أن يؤجل الشراء، فالحق سبحانه
حينما يأمرنا بترك البيع -على سرعة إتمامه
غالبًا - فترك غيره من الأعمال أولى (٢).
ثالثًا: صلاة الجماعة:
أمر القرآن الكريم بصلاة الجماعة في
عدة مواضع، منها قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا
كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ
مِنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ
فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآبِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآَيِفَةٌ
أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ
حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ [النساء: ١٠٢].
فقد تحدثت الآية الكريمة عن صلاة
الخوف، وتضمنت أمرا مباشرا بتأدية صلاة
(١) أضواء البيان ٨/ ١٢٠.
(٢) انظر: تفسير الشعراوي ١٤ / ٨٣٩٢.
الجماعة مع النبي صلی الله عليه وسلم، فقد
جاء الأمر له عليه السلام بالصلاة مع فئة من
المجاهدين، بحيث يكون باقي الجيش في
حراستهم، وبعد الانتهاء يأتي من كان في
الحراسة للصلاة مع النبي صلى الله عليه
وسلم، وذلك يعني أهمية صلاة الجماعة،
ففي أمر الله بإقامة الجماعة في حال الخوف
دليل على أن ذلك في حال الأمن أوجب(٣).
وقد استدل بعض العلماء على وجوب
صلاة الجماعة بقول المولى عز وجل:
﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَزْكَعُواْ مَعَ
الرَّكِعِينَ ﴾ [البقرة: ٤٣].
فقد ذكرها ابن عثيمين في فوائد الآية،
ولكنه أشار إلى أن الآية قد لا تدل على
الجماعة؛ لأنها وردت في قوله تعالى:
يَمَرْيَمُ أَقْنُتِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرَكَعِى مَعَ
الزَّكِعِينَ (٣)﴾ [آل عمران: ٤٣].
وصلاة الجماعة غير واجبة في حق
المرأة (٤).
ومما يدل على وجوب صلاة الجماعة ما
جاء في الحديث عن أبي هريرة، قال: (أتى
النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى،
فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني
إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٦٥/٥.
(٤) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين،
الفاتحة والبقرة ١ / ١٥٦.
١٣٨
جوية
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الصلاة
عليه وسلم أن يرخص له، فيصلي في بيته، أن غير الكفار يرونه وهم المؤمنون، فذلك
مثله، وقد وردت أدلة من السنة على صلاة
الميت وأجمع عليها الأئمة. (٣).
فرخص له، فلما ولى، دعاء، فقال: هل تسمع
النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب)(١)،
وهذا شأن الأعمى، فما بالنا بالبصير!
رابعًا: الصلاة على الميت:
من الدلالات القرآنية على صلاة الميت
قول المولى عز وجل: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ
إِلَى طَآئِفَةٍ مِنْهُمْ فَأُسْتَقْذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّنْ
تَّخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ نُقَئِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّاً إِنَّكُمْ
رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَأَقْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ
﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ
٨٣
عَلَى قَبْرِةِّهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ
فَسِقُونَ ﴾ [التوبة: ٨٣-٨٤].
فقد تحدثت الآيات الكريمة عن
المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج مع
النبي صلى الله عليه وسلم للقتال، وأمر
الله نبيه عليه السلام ألا يصلي على من
مات منهم وألا يتولى وضعه في القبر أو
تكفينه(٢)، وبمفهوم المخالفة هناك دلالة
على لزوم الصلاة على المسلم، نحو قوله
تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن ◌َّيْهِمْ يَوْمَيِذٍ لَّحْبُوبُونَ
[المطففين: ١٥].
يعني: أن الكفار محجوبون، فدل على
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد
ومواضع الصلاة، باب يجب إتيان المسجد
على من سمع النداء ١/ ٤٥٢، رقم ٦٥٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤ / ٤٠٥.
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله
عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له
الدعاء) (٤).
خامسًا: صلاة الخوف:
وردت صلاة الخوف في قول الله عز
وجل: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ
فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ وَلَيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ
فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآِكُمْ وَلْتَأْتِ
طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ
وَلْيَأْخُذُ واْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِّكُمْ فَيَمِيلُونَ
عَلَيْكُمْ مَّيْلَةٌ وَحِدَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ
إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّنِ مَّطَرٍ أَوْ كُنْتُمِ مَّرْضَى أَنْ
تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَذَّ
لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (١)﴾ [النساء: ١٠٢].
ومعنى الآية: إذا كنت بحضرة العدو
وحضرت الصلاة فلتقم فئة من المؤمنين
للصلاة معك، وليأخذوا سلاحهم معهم، أو
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٢١/٨.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجنائز، باب
الدعاء للميت ٢١٠/٣، رقم ٣١٩٩.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٧٦/١،
رقم ٦٦٩.
www. modoee.com
١٣٩
حرف الصاد
وليأخذ أسلحتهم من بقي بإزاء العدو، فإذا الخوف يوجب حمله عليه متی وجد كما
فعل الصحابة بعده حين خافوا وهو قول
الجمهور (١).
صلوا ركعة فلينصرفوا إلى موضع العدو،
وليقفوا هناك ولتأت الفئة التي لم تصل،
وكانوا بإزاء العدو فليصلوا معك ركعة
أخرى، ولم يذكر في الآية لكل طائفة إلا
ركعة واحدة ولكن ذكر في الخبر عن عبد الله
بن عمر وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم
حين صلى صلاة الخوف صلى بالطائفة
الأولى ركعة، وبالطائفة الأخرى ركعة كما
ذكر في الآية، ثم جاءت الطائفة الأولى
وذهبت هذه الطائفة إلى موضع العدو،
حتى قضت الطائفة الأولى الركعة الأخرى
وسلموا، ثم جاءت الطائفة الأخرى، وقضوا
الركعة الأولى وسلموا، حتى صارت لكل
طائفة ركعتان، وهذا اختيار الجمهور في
صلاة الخوف(١).
واختلف أهل العلم في الأمر بصلاة
الخوف هل خص به النبي صلى الله عليه
وسلم؟ على قولين: أحدهما: أنه خاص له
وليس لغيره من أمته أن يصلي في الخوف
كصلاته؛ لأن المشركين عزموا على الإيقاع
بالمسلمين إذا اشتغلوا بصلاتهم، فاطلع
الله نبيه على سرائرهم وأمره بالتحرز منهم،
والقول الثاني: أن ذلك عام للنبي صلى الله
علیه وسلم ولغيره من أمته إذا كان على مثل
حاله في خوفه؛ لأن ذكر السبب الذي هو
(١) انظر: تفسير السمر قندي ٣٣٣/١.
سادسًا: صلاة السفر:
ذكرت صلاة السفر في مواضع عدة
من القرآن الكريم، من ذلك قول المولى
عز وجل: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ
الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ
وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَاِ سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ وَ إِنَ كُم
◌َّرْضَّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ
أَوْ لَمَسْئُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٌ فَتَيَمَّمُواْ
صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ [النساء: ٤٣].
وقوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا
فَأَّهَرُواْ وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ
أَحَدٌ مِّنَكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ
◌َجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ
لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجٌ وَلَكِن يُرِيدُ
لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة: ٦].
والآيات فيها دلالة صريحة على وجوب
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٥٢٤/١.
جَوَسُورَةُ النَّقِينَ
القرآن الكريم
١٤٠
الصلا
أداء الصلاة في حالة السفر، سواء توضأ
بالماء حال وجوده، أو تیمم بالتراب، ولا
يعفى من الصلاة أحد يعقل، وإنما يتاح
للمسافر أن يقصر الصلاة تخفيفًا عنه؛ لأن
السفر مظنة المشقة.
قال السرخسي: ((والقصر في السفر
في الظهر والعصر والعشاء؛ لأن القصر
عبارة عن سقوط شطر الصلاة، وفي هذه
الصلاة بعد سقوط الشطر تبقى صلاته كاملة
بخلاف الفجر، فإن بعد سقوط الشطر منها
لا يبقى إلا ركعة وهي لا تكون صلاة تامة،
وكذلك في المغرب بعد سقوط شطر منها
لا تبقى صلاة تامة؛ فلهذا لم يدخلها القصر،
والسنن والتطوع لا يدخلها القصر))(١).
سابعًا: صلاة المريض:
أمر المولى عز وجل بإقامة الصلاة في
حال المرض الذي لا يزول معه العقل،
أما ما كان معه زوال العقل أو الإغماء فلا
صلاة فيه، بدلالة قول النبي صلى الله عليه
وسلم: (رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن النائم
حتی یستیقظ، وعن المبتلی حتی ییراً، وعن
الصبي حتى يكبر) (٢).
(١) المبسوط ٢٤٨/١.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الحدود، باب
في المجنون يسرق أو يصيب حدًا ١٣٩/٤،
رقم ٤٣٩٨.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٦٥٩/١، رقم ٣٥١٤.
ودل على وجوب إقامة الصلاة للمريض
قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُهُوسِكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًّا
فَأَطَّهَرُواْ وَإِن كُنتُمْ فَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءُ
أَحَدٌ مِّنَكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَمْ
◌َجِدُواْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦].
وقد أجمع أهل العلم على أن من لا
يستطيع القيام له أن يصلي جالسًا، فإن عجز
عن الصلاة جالسًا فإنه يصلي على جنبه
مستقبل القبلة بوجهه، والمستحب أن يكون
على جنبه الأيمن، فإن عجز عن الصلاة
على جنبه صلى مستلقيًا؛ لقوله صلى الله
عليه وسلم لعمران بن حصين: (صل قائما،
فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى
جنب) (٣).
ومن قدر على القيام وعجز عن الركوع
أو السجود لم يسقط عنه القيام، بل يصلي
قائمًا فيومئ بالركوع ثم يجلس ويومئ
بالسجود؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا
اُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
ومن لم يقدر على الإيماء برأسه كفاه
النية والقول، ولا تسقط عنه الصلاة ما دام
عقله ثابتًا بأي حال من الأحوال، ومتى قدر
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب
٤٨/٢، رقم ١١١٧.
www. modoee.com
١٤١
حرف الصاد
المريض في أثناء الصلاة على ما كان عاجزًا الضحى(٢).
عنه من قیام أو قعود أو رکوع أو سجود أو
إيماء، انتقل إليه وبنى على ما مضى من
صلاته، ولا يجوز ترك الصلاة بأي حال
من الأحوال، بل يجب على المكلف أن
يحرص على الصلاة أيام مرضه أكثر من
حرصه عليها أيام صحته، فعليه أن يؤديها في
وقتها حسب استطاعته، فإن شق عليه ذلك
فلیجمع، فإذا ترکها عامدًا وهو عاقل عالم
بالحكم الشرعي مكلف يقوى على أدائها
ولو إيماءً فهو عالم، وقد ذهب جمع من
أهل العلم إلى كفره بذلك؛ لقول النبي صلى
الله عليه وسلم: (إن بين الرجل وبين الشرك
والكفر ترك الصلاة)(١).
ثامنًا: صلاة الضحى:
أشار المولى تبارك وتعالى إلى صلاة
الضحى في عدة آيات، لما لها من فضل
عظيم، قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا اِبَالَ مَعَهُ,
يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ ﴾ [ص: ١٨].
والمقصود بالآية هو نبي الله داوود عليه
السلام حيث إن الله تعالى سخر الجبال
يسبحن معه بالعشي، وذلك من وقت العصر
إلى الليل، والإشراق وذلك بالغداة وقت
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك
الصلاة ٨٨/١، رقم ٨٢.
وأخرج سعید بن منصور عن ابن عباس
رضي الله عنهما قال: طلبت صلاة الضحى
في القرآن فوجدتها ﴿بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾
[ص: ١٨](٣).
وقد ذكر الطبري في تفسيره أن الموعودین
بالمغفرة في قوله عز وجل: ﴿فَإِنَّهُكَانَ
لِلْأَوَّبِينَ غَفُورًا ﴾ [الإسراء: ٢٥].
هم التائبون أو من يصلون الضحى، فهم
الأوابون (٤).
وصلاة الضحى سنة مؤكدة عن النبي
صلى الله عليه وسلم، بين فضلها في قوله
عليه السلام: (يصبح على كل سلامى من
أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل
تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل
تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي
عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان
یر کعهما من الضحى)(٥).
وقد وصانا بها كما جاء في الحديث عن
أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أوصاني
خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم
ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى،
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٤٣.
(٣) انظر: الدر المنثور، السيوطي ١٥١/٧.
(٤) انظر: جامع البيان ١٧ / ٤٢٣.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة
الضحى ٤٩٨/١، رقم ٧٢٠.
جَوَسُولَةُ النَّفي
القرآن الكريمِ
١٤٢
الصلاة
ونوم على وتر) (١).
تاسعًا: الركعتان بعد المغرب:
ذكرت ركعتا المغرب في قول المولى
عز وجل: ﴿فَأَصِْرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَيِّحْ
بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ
(٦) وَمِنَ أَلَيْلِ فَسَبِّحَهُ وَأَدْبَرَ السُّجُودِ {
٤٠
[ق: ٣٩-٤٠].
قال مقاتل: ((﴿وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠].
يعني: الركعتين بعد صلاة المغرب،
وقتهما ما لم يغب الشفق))(٢)، وقد قال
بذلك کثیر من المفسرین(٣).
وفي الوقت بعد صلاة المغرب إلى
العشاء بركة كبيرة يجب أن يستغلها الإنسان
في الطاعات وصلة الأرحام والجلوس
في حلقات الذكر وتحفيظ القرآن الكريم
والاجتماع بالأسرة وتذكر الله تعالى
وتسبيحه إتباعا لأمر الله تعالى وطمعًا في
تحصیل مثوبته عز وجل.
عاشرًا: ركعتا الطواف:
ورد ذكر ركعتي الطواف في قول المولى
عز وجل: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ وَأَمْنًا
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب صلاة الضحى في الحضر ٥٨/٢، رقم
١١٧٨.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ٤ /١١٦.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٧٧/٢٢،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥/١٧،
التفسير الوجيز، الواحدي ١/ ١٠٢٥.
وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِعَمَ مُصَلّ﴾ [البقرة: ١٢٥].
والمعنى: اتخذوا من مقام إبراهيم مكانًا
تصلون فیه بعد طوافکم(٤).
قال ابن عاشور: ((اتخاذ مقام إبراهيم
مصلى كان من عهد إبراهيم عليه السلام
ولما جاء الإسلام بقي الأمر على ذلك إلى
أن کان عام حجة الوداع أو عام الفتح دخل
رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد
الحرام ومعه عمر بن الخطاب ثم سنت
الصلاة عند المقام في طواف القدوم»(٥).
((وجمهور أهل العلم على أن ركعتي
الطواف لا يشترط في صحة صلاتهما أن
تكون خلف المقام، بل لو صلاهما في أي
موضع غیره صح ذلك»(٦)، قال ابن عادل:
((وليس للصلاة تعلق بالحرم، ولا بسائر
المواضع إلا بهذا الموضع)»(٧).
الحادي عشر: صلاة العيد:
جاء ذكر صلاة العيد في قول الله
عز وجل: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ﴾﴾
[الكوثر: ٢].
فالصلاة المذكورة قبل النحر كما قال
قتادة: ((هي صلاة الأضحى))(٨).
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر
(٤) انظر: لباب التأويل، الخازن ١/ ٧٨.
(٥) التحرير والتنوير ٧١١/١.
(٦) أضواء البيان، الشنقيطي ٤ / ٤١٠.
(٧) اللباب في علوم الكتاب ٢/ ٤٦٤.
(٨) تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٤٦٦/٣.
www. modoee.com
١٤٣
حفالصاد
يوم الأضحى قبل الصلاة، فأمره الله تعالی
أن ينحر بعدها(١)، وهذا جمع عظيم بين
العبادة البدنية القلبية والعبادة المالية (٢).
وصلاة العيد سنة مؤكدة عن النبي
صلى الله عليه وسلم يخرج لها الصغير
والكبير والمرأة والرجل، وفي الحديث أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتخرج
العواتق ذوات الخدور - أو العواتق وذوات
الخدور -، والخُيَّض فيشهدن الخير ودعوة
المسلمين، ويعتزل الخُيَّض المصلى) (٣).
ولصلاة العيد ونحره خصوصية عظيمة؛
فقد ذكرا بعد ذكر الله تعالى لنهر الكوثر
الذي أعده الله للمؤمنين، وقد من الله تعالى
بفضله ثم أمر بالصلاة والنحر، تحفیزًا وحثًا
لهم على الطاعة.
قال الرازي: ((قال أولا: إنا أعطيناك،
ثم قال ثانیا: فصل لربك وانحر، وهذا يدل
على أن إعطاءه للتوفيق والإرشاد سابق على
طاعاتنا، وكيف لا يكون كذلك وإعطاؤه
إيانا صفته وطاعتنا له صفتنا، وصفة الخلق
لا تكون مؤثرة في صفة الخالق إنما المؤثر
هو صفة الخالق في صفة الخلق)» (٤).
(١) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي
طالب ١٢/ ٨٤٦٩.
(٢) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ٧٧٥/٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج،
باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا
الطواف بالبيت ٢/ ١٦٠، رقم ١٦٥٢.
(٤) مفاتيح الغيب ٣١٢/٣٢.
وفي قوله تعالى: ﴿لَرَبِّكَ﴾ [الكوثر: ٢]
تأكيدٌ وتنبيهٌ على ضرورة إخلاص الصلاة
لله تعالى، وكذلك النحر وسائر العمل، وأمر
لذوي الألباب بالبعد عن الرياء والتصنع
والتظاهر، فهو وحده عز وجل العالم بما في
قلوب عباده المجازي لهم بما يستحقون.
١٤٤
جَوَسُور
القرآن الكريم
الصلاة
فوائد الصلاة
الصلاة هي عمود الدين؛ لذلك أمر
الله تعالى في كثير من المواضع بإقامتها،
فمن ذلك قوله جل وعلا: ﴿حَفِظُواْ عَلَى
القَلَوَتِ وَالضَلَّوَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ
﴾ [البقرة: ٢٣٨].
٢٣٨
قَانِتِينَ
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه سئل: (أي العمل أحب إلى الله؟
قال: الصلاة على وقتها، قال: ثم أي؟ قال:
ثم بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في
سبيل الله)(١).
وقد أمرنا بالصلاة طاعة لله تعالى وانقيادًا
لأوامره، ثم تهذيبًا لنفوسنا وراحة الأبداننا،
وقد أقول: إن لم يكن من وراء الصلاة منفعة
بشرية غير تكميل أركان الإسلام العظيم
لكفتنا للامتثال والمحافظة عليها. ولعل مما
نعرف من فوائد الصلاة ما يأتي:
١. الراحة والطمأنينة.
راحة نفسية روحية: يقول المولى عز
وجل: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ
اللّهُ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَظْمَيْنُّ الْقُلُوبُ (
٢٨
[الرعد: ٢٨].
وكان صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر
فزع إلى الصلاة متضرعًا إلى المولى تبارك
وتعالى، وفي الحديث عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: (يا بلال أقم الصلاة
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت
الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها ١١٢/١،
رقم ٥٢٧.
أرحنا بها)(٢).
والإنسان بفطرته يحتاج لإله يلوذ إليه
ويتضرع إليه، وهذا ما يتحقق في الصلاة
فيجلب لصاحبه الراحة والسكينة ويصرف
عنه التوتر والقلق والتعب النفسي، والعلاقة
الوثيقة بالمولى تعالى أثناء الصلاة والمناجاة
تمنح الإنسان طاقة قوية وثقةً بالسند الرباني
العظيم، فيقوى توكله على الله تعالى وكيل
المؤمنين في هذه الدنيا، ويستشعر عزة وقوة
تتأتى باجتماع المسلمين على إمام واحد
في الصلاة، يتساوى بعضهم مع بعض في
مناجاة الملك لا فرق بين الغني والفقير
ولا القوي والضعيف، ولا يخفى ما في
الصلاة من تربية للنفس وتعويد على الصبر
والالتزام، قال تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ
وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].
هذا الصبر الذي يكسب المسلم معية
الله عز وجل وثوابه للصابرين، قال تعالى:
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ
١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّنْبِرِينَ،
راحة بدنية صحية: في حركات الصلاة
والوضوء فائدة صحية عظيمة أثبتتها كثير
من الدراسات الطبية، من تلك الفوائد:
الصلاة هي رياضة جسمية وعقلية بسيطة
وخفيفة لا تتعب الجسم ولا العضلات
ولا القلب ولا تضر بأعضاء البدن، بل
على العكس فهي تنشط الجسم فتنشط
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب
في صلاة العتمة ٢٩٦/٤، رقم ٤٩٨٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١٣٠٧/٢، رقم ٧٨٩٢.
www. modoee.com
١٤٥
حرف الصاد
الجسم وتخلص الشخص من الخمول
والكسل والإرهاق، والجميع يستطيع
أن یؤدیها مهما کان سنه و حاله.
من فوائد الصلاة العظيمة أن الله جعل
فيها الركوع والسجود اللذان يعملان
على تقوية الاوعية الدموية وتنشيط
الدورة الدموية ويريحان القلب
ويحسنان من التروية الدماغية للمخ
مما يقلل من نوبات الصداع ويجعلان
الجسم یقوم بوظائفه على أكمل وجه
وبالتالي، فإن الدم يصل إلى جميع
أعضاء الجسم وخاصة المخ.
تساعد الصلاة على تمرين المفاصل
والعضلات، وتحمي المصلي من
مرض دوالي الساقين، وتحمي الجسم
من الترهلات وتقوي عضلات البطن
وتزيد حركة الأمعاء مما يمنع حالات
الإمساك وتقوي إفراز المرارة، والمشي
إلى المسجد يقي الجسم من أمراض
القلب والسمنة ويقوي العمود الفقري.
عند الاستيقاظ لصلاة الفجر يكون غاز
الأوزون في أعلى نسبة له في الجو وهو
المنشط للجهاز العصبي وللأعمال
العضلية والذهنية، والأوزون يعالج
تليف الكبد والرئة، ويعالج أمراض
الكبد الوبائية وتصلب الأوعية الدموية
وانسداد الشرايين، ويعالج الربو
والحساسية.
الطهارة للصلاة تقاوم الكثير من
الامراض كأمراض الأذن والتهاب
اللوزتين والأمراض الجلدية،
والاستنشاق في الأنف يطهر الانف
من الميكروبات، والمسواك يطهر الفم
والأسنان.
٢. تكفير الخطايا وتطهير الذنوب.
الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر،
وهي المعين على فعل الخير، قال
تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةُ إِنَ الضَّلَوةَ
تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾
[العنكبوت: ٤٥]. والمعنى أن الصلوات
الخمس هي التي تكفر ما بينها من
الذنوب، قال ابن فورك: «وذلك أن فيها
التكبير، والتسبيح والقراءة، وصنوف
العبادة، و کل ذلك يدعو إلى شكله،
ویصرف عن ضده»(١).
الصلاة تكفر الذنوب والآثام، وفي
الحديث كما جاء عن أبي هريرة، أنه
سمع رسول الله صلی الله عليه وسلم
يقول: (أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم
يغتسل فيه كل يوم خمسًا، ما تقول:
ذلك يبقي من درنه، قالوا: لا يبقي من
درنه شيئًا، قال: فذلك مثل الصلوات
الخمس، يمحو الله به الخطايا)(٢).
(١) تفسير ابن فورك ٣٩٦/١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت
١٤٦
جَوَسُبـ
القرآن الكريم
الصلاة
٣. تحصيل الثواب الجزيل من الله
تعالى.
بالصلاة يتحقق الفلاح في الدنيا
والآخرة، وقد ذكر الله تعالى الخشوع في
الصلاة كأول صفة من صفات المؤمنين
الفالحين.
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ ﴾
[المؤمنون: ١- ٢].
والمفلحون ((هم الذين أدركوا البغية
ووجدوا النعيم المقيم)»(١).
والصلاة نور في القلب والوجه، ولصلاة
الجماعة خصوصًا أجرٌ عظيم، وفي الحديث
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (صلاة الجميع تزيد على صلاته
في بيته، وصلاته في سوقه، خمسًا وعشرين
درجةً، فإن أحدكم إذا توضأ فأحسن، وأتی
المسجد، لا يريد إلا الصلاة، لم يخط خطوةً
إلا رفعه الله بها درجةً، وحط عنه خطيئةٌ،
حتى يدخل المسجد، وإذا دخل المسجد،
كان في صلاةٍ ما كانت تحبسه، وتصلي
-يعني عليه الملائكة - ما دام في مجلسه
الذي يصلي فيه: اللهم اغفر له، اللهم
ارحمه، ما لم يحدث فيه) (٢).
الصلاة، باب الصلوات الخمس كفارة
١١٢/١، رقم ٥٢٨.
(١) التفسير الوسيط، الواحدي ١/ ٨٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة،
والتزام المساجد خير كبير، والمحافظة
على الصلوات الخمس في أوقاتها يكسب
المسلم معية الله عز وجل وثوابه للصابرین،
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِينُواْ
بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ
١٥٣
[البقرة: ١٥٣].
فالصلاة سبب لسعادة الدنيا والآخرة
ونجاة من شقاء الدنيا والآخرة.
موضوعات ذات صلة:
الحج، الركوع، الزكاة، السجود، الصبر،
الصيام، الطهارة، العبادة، المسجد
باب الصلاة في مسجد السوق ١/ ١٠٣، رقم
٤٧٧.
www. modoee.com
١٤٧