النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الصَّلَارَةُ
عناصر الموضوع
مفهوم الصلاة
١١٦
الصلاة في الاستعمال القرآني
١١٧
الألفاظ ذات الصلة
١١٩
الصلاة والمخلوقات
١٢٠
مقاصد الصلاة
١٢٢
اقتران الصلاة بالأعمال الصالحة
١٢٥
أساليب القرآن في الحث على الصلاة
١٢٦
أحوال الناس مع الصلاة في القرآن
١٣٠
الصلوات المذكورة في القرآن
١٣٦
١٤٥
فوائد الصلاة
المُجَلَّدَ الحَاذِى وَالعشْرُونْ
حف الصاد
مفهوم الصلاة
أولًا: المعنى اللغوي:
اختلف في جذر الصلاة، فمن علماء اللغة من رجح كون الكلمة منحدرة من الجذر ((
ص ل ي)) وهي بمعنى الصلي بالنار، يقال: صليت العود بالنار إذا لينته؛ لأن المصلي يلين
، ومنهم من رجح انحدارها من الجذر ((ص ل و)) لأن جمعها الصلوات، والتثنية
بالخشوع (١
منها صلوان(٢)، وكلا الجذرين اشتركا في إدراج المعنى العام للصلاة، والصلاة من الله
تعالى: الرحمة والثناء، وتأتي من المخلوقات بمعنى الاستغفار والدعاء (٣).
قال الزجاج: الأصل في الصلاة اللزوم. يقال: قد صلي واصطلى إذا لزم، والصلاة لزوم ما
فرض الله تعالى، والصلاة: واحدة الصلوات المفروضة، وهو اسمٌ يوضع موضع المصدر،
أقول: صليت صلاةً ولا أقول: تصليةً، وهي العبادة المخصوصة، ولأن أصلها الدعاء فسميت
ببعض أجزائها، وقيل: أصلها في اللغة التعظيم، وسميت الصلاة المخصوصة صلاةً لما فيها
من تعظيم الرب تعالى (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفت الصلاة بأنها: ((عبارة عن أركان مخصوصة، وأذكار معلومة، بشرائط محصورة في
أوقات مقدرة، وقد عرفها أهل الفقه أيضًا بأنها: «أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير
مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة))(٥).
والمتأمل في التعريفين اللغوي والاصطلاحي يجد تناغمًا بينهما؛ فالصلاة المفروضة
تجتمع فيها أغلب المعاني اللغوية، فهي دعاء واستغفار وتعظيم لله تعالى، وتقتضي التزامًا
ونظامًا، وأثرها في تليين القلب وتقويم السلوك واضح وثابت في النصوص الشرعية.
(١) انظر: المصباح المنير، الفيومي ص٣٤٦.
(٢) انظر: العين، الفراهيدي ٧/ ١٥٢.
(٣) انظر: مختار الصحاح، الرازي ١٧٨/١.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٤ /٤٦٥.
(٥) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، الرملي ٣٥٨/١.
جَوَسُورَةُ النَّفِيَّة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١١٦
الصلاة
الصلاة في الاستعمال القرآني
وردت مادة ((صلو)) في القرآن الكريم (٩٩) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٣
(٢)﴾ [القيامة: ٣١]
فَلَاَ صَلَّقَ وَلَا صَلَى
الفعل المضارع
٦
عمران: ٣٩]
الفعل الأمر
٣
[الأحزاب: ٥٦]
﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى
المصدر
٨٣
[البقرة: ٢٣٨]
اسم الفاعل
٣
قَالُوْ لَوْنَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (
٤٣ [المدثر: ٤٣]
اسم مكان
١
﴿وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِعَمَ مُصَلّ﴾ [البقرة: ١٢٥]
وجاءت الصلاة في القرآن على أربعة وجوه(٢):
أحدها: بمعناها اللغوي وهو الدعاء والاستغفار: ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمَّ إِنَّ
صَلَوَتَكَ سَكَنُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. يعني: ادع واستغفر لهم.
الثاني: بمعنى المغفرة والرحمة: ومنه قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّيِّهِمْ
وَرَحْمَةٌ ﴾ [البقرة: ١٥٧].
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَتَبِكَتُهُ لِيُخْرِحَكُمْ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ٤١٢ -٤١٤، المعجم
المفهرس الشامل، عبدالله جلغوم، ص٧٠٣ -٧٠٥.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٢٩٤- ٢٩٥، نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر،
ابن الجوزي، ص٣٩٤- ٣٩٦، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٤٣٧/٣-٤٣٨، عمدة الحفاظ في
تفسير أشرف الألفاظ، السمين الحلبي، ٣٤٩/٢-٣٥١.
www. modoee.com
١١٧
[آل
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَتِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِ اَلْمِحْرَابِ.
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
حرفالصاد
[الأحزاب: ٤٣].
والثالث: الصلاة بمعناها الشرعي: ومنه قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ
الَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. وهي الغالب في الاستعمال القرآني.
الرابع: موضع الصلاة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِعْضٍ لَّهِمَتْ صَوَمِعُ
وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠]. يعني: بيوت الصلاة ومواضعها.
١١٨
◌َالنَّسَبـ
قَضوري
جَوَنُو
القرآن الكريمِ
الصلاة
الألفاظ ذات الصلة
الدعاء:
١
الدعاء لغة:
مأخوذ من مادة (دع و)) التي تدل في الأصل على إمالة الشيء إليك بصوت وكلام يكون
منك، ومن هذا الأصل الدعاء في معنى الرغبة إلى الله عز وجل، وهو واحد الأدعية، والفعل
من ذلك دعا يدعو، والمصدر الدعاء والدعوى(١).
الدعاء اصطلاحًا:
هو سؤال العبد ربه حاجته.
الصلة بين الدعاء والصلاة:
المفردتان متقاربتان في المعنى، فالصلاة أصلها دعاء وابتهال إلى الله ليغفر الذنوب،
وفريضة الصلاة تتضمن الدعاء في تفاصيلها ولا تقوم دونه.
العبادة:
٢
العبادة لغةً:
من الفعل عبد یعبد، عبادةً وعبودیةً، والمفعول: معبود، وعبد الله بمعنی وحده وأطاعه،
وانقاد وخضع وذل له، والتزم شرائع دينه، وأدى فرائضه (٢).
العبادة اصطلاحًا:
قال المناوي: ((العبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه؛ تعظيمًا لربه، وقيل: هي
الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد
لبعض، ولذلك اختصت بالرب، وهي أخص من العبودية التي تعني مطلق التذلل))(٣).
وقال الراغب: («العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التذلل، ولا
يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى))(٤).
الصلة بين العبادة والصلاة:
العبادة أعم من الصلاة، فالصلاة نوع من أنواع العبادات التي شرعها الله تعالى.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٨٠/٢، الصحاح، الجوهري ٢٣٣٧/٦.
(٢) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ١٤٤٨/٢.
(٣) التوقيف على مهمات التعاريف ص ٢٣٤.
(٤) المفردات ص ٣١٨.
www. modoee.com
١١٩
حرف الصاد
الصلاة والمخلوقات
كل المخلوقات في هذا الكون عباد لله
عز وجل، وإن اختلفت طرائق عباداتهم.
قال الله عز وجل: ﴿أَلَوْتَرَ أَنَّاللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ.
مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاَلَيْرُ صَفَّتِ كُلْ قَدْ عَلِمَ
صَلَهُ وَتَسِْيحَةُ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾
[النور: ٤١].
وقد ذكر بعض العلماء أن الصلاة
بمفهومها الاصطلاحي المعروف هي لبني
آدم، أما التسبيح الذي هو التنزيه والتعظيم
فلسائر الخلق (١).
وذكر الثعلبي تأويلين آخرين للآية بعيدًا
عن تصنيف الصلاة للبشر والتسبيح لمن
سواهم، أحدهما: أن كل مصل ومسبح قد
علم الله صلاته وتسبيحه، والثاني: أن کل
مسبح ومصل منهم قد علم صلاة نفسه
وتسبيحه الذي كلفه الله، وقد علم كل منهم
صلاة الله من تسبيحه، وعلى هذا فالصلاة
والتسبيح غير مقصورين على أحد(٢).
وقد نقل الماوردي قولًا آخر، وهو
احتمال أن يكون المقصود في الآية الطير
على وجه الخصوص وأن ضرب أجنحتها
صلاة وأن أصواتها تسبيح، وأنه قد تكون
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩٩/١٩،
الجواهر الحسان، الثعالبي ١٢٩/٤.
(٢) انظر: الكشف والبيان ١١٢/٧.
للطير صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود(٣).
قال الشوكاني: «وفائدة الإخبار بأن کل
واحد قد علم ذلك، أن صدور هذا التسبيح
هو عن علم علمها الله ذلك وألهمها إليه،
لا أن صدوره منها على طريقة الاتفاق
بلا روية، وفي ذلك زيادة دلالة على بديع
صنع الله سبحانه وعظيم شأنه، کونه جعلها
مسبحة له عالمة بما يصدر منها غير جاهلة
له» (٤).
وقال المراغي: « إن كل مصل ومسبح
يعلم ما يجب عليه من الصلاة والتسبيح
اللذين كلف بهما، وليس بالبعيد أن يلهم
الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر
العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون
إليها، انظر إلى النحل كيف تبنى بيوتها
السداسية الأشكال التي لا يتمكن من بنائها
فطاحل المهندسين إلا بدقيق الآلات،
وإلى العنكبوت كيف تفعل الحيل اللطيفة
لاصطياد الذباب»(٥).
وقد ثبت سجود جميع المخلوقات لله
تعالى، قال عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَأَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ
لَهُ، مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ
وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآَبُّ
وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨].
وقد ذهب علماء التفسير إلى أن جميع
(٣) انظر: النكت والعيون ٤ / ١١٢.
(٤) فتح القدير ٤٨/٤.
(٥) تفسير المراغي ١١٦/١٨.
١٢٠
القرآن الكريم
الصلاة
مخلوقات الله من الملائكة في أقطار في كل الكون واجتماعها على العبادة
والتسبيح وهي متجهة جميعًا إلى الله تعالى،
السموات، والحيوانات في جميع الجهات،
من الإنس والجن والدواب والطير، تسجد
لله تبارك وتعالى، وقوله: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
وَاُلتُّجُومُ﴾ [الحج:١٨].
ثم قال: ((والإنسان وحده هو الذي يغفل عن
تسبيح ربه وهو أجدر خلق الله بالإيمان
والتسبيح والصلاة!» (٤).
إنما ذكر هذه على التنصيص؛ لأنها
قد عبدت من دون الله، فبين أنها تسجد
لخالقها، وأنها مسخرة له عز وجل(١).
ومذهب أهل السنة أن لله علمًا في
الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء
لا يقف عليه غيره، ولها صلاة وتسبيح
وخشية كما قال عز وجل: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ
إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾
[الإسراء: ٤٤].
فالحق سبحانه وتعالى حين يعرض قضية
التسبيح والخضوع والقهر من المخلوقات
جميعًا لله يأتي الكلام عامًا لكل الأجناس
بدون استثناء، إلا عندما يكون الكلام عن
الناس فيوصف بالعبادة بعض الناس فقط!
والأجدر أن يكون الإنسان هو المدرك
الأكبر لفضل الله وعظمته فهو المميز بنعمة
العقل دون غيره(٥).
فيجب على المرء الإيمان بذلك وأن
يكل علمه إلى الله تعالى(٢).
وفي الحديث الصحيح عن جابر بن
سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (إني لأعرف حجرا بمكة
كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه
الآن)(٣).
وقد وصف سيد قطب تناغم المخلوقات
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٠٣/٦.
(٢) انظر: جامع الرسائل، ابن تيمية ١/ ٤٢.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل،
باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم
وتسليم الحجر عليه قبل النبوة ٤ / ١٧٨٢،
رقم ٢٢٧٧.
(٤) في ظلال القرآن ٤/ ٢٥٢٢.
(٥) انظر: تفسير الشعراوي ٩٦٠٨/١٥.
www. modoee.com
١٢١
حرف الصاد
مقاصد الصلاة
الصلاة هي أحب الأعمال إلى الله، وقد
ورد في فضلها نصوص كثيرة، وفي الحديث
أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: (أي
العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على
وقتها، قال: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين،
قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله،
قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني) (١).
ولعل من أسباب أهمية الصلاة ما
تتضمنه من مقاصد شرعية عظيمة، ومن
تلك المقاصد ما يأتي(٢):
١. تحقيق مبدأ الامتثال والانقياد في
نفس المصلي.
وتعويده على الطاعة والتعبد والانتظام
في منهج التكليف والاستخلاف، وتجديد
العهد بالله تعالى في كل صلاة، وهذا المبدأ
هو أساس معنى الإسلام، فالإسلام قائم
على الاستسلام لله والخضوع له وحده لا
شريك له والانقياد له بالطاعة، والإنسان
بطبيعته بحاجة إلى أن ينقاد إلى إله يلجأ
إليه ويتذلل له، والله تعالى هو الإله الحق
المستحق للعبادة وهو المتفضل علينا بسائر
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت
الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها ١١٢/١،
رقم ٥٢٧.
(٢) انظر: علم المقاصد الشرعية، نور الدين
الخادمي ١٧١/١.
النعم، وفي فرض الصلاة تمرين للنفس على
النظام والالتزام.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى
اَلْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا ﴾ [النساء: ١٠٣].
أي: هي مفروضة علينا حسب الأوقات
التي حددها الشارع الحكيم (٣)، ولا يخفى
ما في التزام النظام من استقرار نفسي ورقي
سلوكي.
٢. إصلاح النفس وتهذيبها،
وتخليصها من الفواحش والمنكرات
والهواجس والأوهام.
وهذه هي نتيجة الإخلاص والالتزام
والخشوع في أداء الصلاة، فإن أقامها
المؤمن باطمئنان وسكينة وتذكرٍ للرب
العظيم الذي يقف بين يديه فسينتفع بثمراتها
لا محالة.
قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةٌ إِنّ
اُلْضَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ اَلْفَحْشَآِ وَالْمُنكَّرِ﴾
[العنكبوت: ٤٥].
والمعنى أن الصلوات الخمس هي التي
تكفر ما بينها من الذنوب، كما جاء عن أبي
هريرة، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: (أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم
يغتسل فيه كل يوم خمسًا، ما تقول: ذلك
یبقي من درنه، قالوا: لا یبقي من درنه شيئًا،
قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو
(٣) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٣٣٨/٢.
١٢٢
جَوَنُو
القرآن الكريمِ
الصلاة
الله به الخطايا)(١).
وذكر القرطبي في تفسيره أن ما يتلى في
الصلاة ينهى عن الفحشاء والمنكر، وعن
الزنى والمعاصي (٢).
وذكر ابن عاشور أن أقوال الصلاة
وأفعالها تعمل كمذكرات بالله تعالى وتكون
للمصلي کالواعظ المذکر بالله تعالی إذینھی
سامعه عن ارتكاب ما لا يرضي الله(٣).
قال ابن تيمية: ((نفس فعل الطاعات
يتضمن ترك المعاصي ونفس ترك المعاصي
يتضمن فعل الطاعات ولهذا كانت الصلاة
تنهى عن الفحشاء والمنكر فالصلاة
تضمنت شيئين أحدهما نهيها عن الذنوب
والثاني تضمنها ذكر الله)» (٤).
٣. انشراح الصدر وطمأنة القلب
وإراحة البال.
وهذه ثمرة عظيمة من ثمرات الصلاة،
فالإنسان المؤدي للصلاة في أوقاتها ويراعي
شروطها وأركانها يستنير قلبه وتنفرج
أساريره ويطمئن قلبه، ويتعطش لها إذا ما
أجبرته الظروف للتأخر عنها، فتتكدر نفسه
ولا يهدأ إلا بها، وصدق رسولنا الكريم
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت
الصلاة، باب الصلوات الخمس كفارة
١١٢/١، رقم ٥٢٨.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٣٤٧/١٣.
(٣) انظر: التحرير والتنوير ٢٥٩/٢٠.
(٤) الزهد والورع والعبادة ص ١٨١.
صلى الله عليه وسلم حينما قال لبلال رضي
الله عنه: (يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها)(٥).
كما شرعت الطهارة والصلاة للغضبان
والمصاب والمكروب وغيرهم، فقد قال
المولى تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيُّ
قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُّ
الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: ٢٨].
أي: تسكن وتستأنس قلوب المؤمنين
بتذكر الله في القلب وذكره على اللسان،
وهذا ما يتحصل للمؤمن حين يصلي(٦)،
فالأساس في الصلاة هو الذكر، ﴿فَاعْبُدْنِى
وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤].
وقد استخدم القرآن الكريم الأداة ((ألا))
للتنبيه على أهمية ذكر الله والإغراء على
ذلك الذكر الجالب للطمأنينة (٧).
وقد ذكر الشعراوي في تفسيره للآية:
((أن الاطمئنان مستوعب لكل القلوب؛
فكل إنسان له زاوية يضطرب فيها قلبه؛ وما
أن یذکر الله حتى يجد الاطمئنان ويتثبت
قلبه)»(٨).
وفي السجود له سبحانه قرب وأنس، قال
تعالى: ﴿كَا لَا نُطِعْهُ وَأَسْجُدْ وَأَقْتِّب
(٥) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب
في صلاة العتمة ٢٩٦/٤، رقم ٤٩٨٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١٣٠٧/٢، رقم ٧٨٩٢.
(٦) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٣٢/١٦.
(٧) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٤٧٨/٧.
(٨) تفسير الشعراوي ١٢/ ٧٣٢٧.
www. modoee.com
١٢٣
حرف الصاد
[العلق: ١٩].
وهذا القرب الحاصل فى الصلاة قد
لا يحصل في غيرها، فالسجود استكانة
واطمئنان والتجاء يقتضي إلطافه تعالى،
وإجابته لدعواتهم، وتحقيقه لرغباتهم(١).
٤. تحقيق الآثار الاجتماعية
کالأخوة
وتنميتها؛
والإنسانية
والمساواة والتضامن.
ونفي الفرقة والتمييز المبني على
اختلاف الجنس أو اللون أو الغنى أو الجاه
أو المحسوبية أو ما شابه ذلك؛ فكل الناس
موقوفون أما الخالق الكريم، يرجون رحمته
ويخشون عذابه، وتجمعهم للصلاة فرصة
عظيمة للتآلف والتضامن، فيتبادلون السلام
والسؤال عن بعضهم بعضًا، كما يتشاورون
في أمورهم الاجتماعية والحياتية، وقيام
المسلم للصلاة بين يدي خالقه يساهم
في توفير الإشباع الذاتي لحاجة الانتماء
الاجتماعي؛ من خلال إحساسه بالانتماء إلى
العقيدة الدينية ومشاركته ملايين المسلمين
في أداء الفريضة، وهذا مما يساعد في زوال
أمراض الشعور بالنقص، والتي قد تتولد
لدى الفرد نتيجة مهنة بسيطة أو طبقة متدنية،
وهذا يساهم في رفع الشعور بالمساواة لدى
الفرد، فيشعر الفقير أنه كالغني، والقوي
أنه کالضعيف، وتزال الحواجز الدنيوية
البغيضة التي تفرق بين أبناء الأمة، الأمر
الذي يزيد من تقبل الأدنى لذاته ورضاه
عن واقعه، كما يشعر المصلي بأنه واحد
من ملايين من البشر قد اتجهوا نحو مكان
واحد لعبادة رب واحد وأداء عمل واحد هو
الصلاة، وهذا الشعور يقوي عنده الإحساس
بالقوة والعزة.
والصلاة لها آثار إيجابية على المسلم،
فهي الجالبة لتوفيق الله عز وجل في أمور
الدراسة والعمل والزواج وكل ما يهم
الإنسان، وهي المتسببة الأولى في رضا
الوالدين، وصحبة الصلاة والمسجد خير
صحبة، فهم حفظة القرآن والمتخلقون
بالخلق الحميد، الذين يدلون على فعل
الخير، ليسوا كصحبة السوء الذين يدفعون
بأصحابهم إلى فعل القبائح والبعد عن الخير
والفلاح.
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٣٨٤.
جوسو حر النفسية الوضوء
الْقُرآن الكَرِيمِ
١٢٤
الصلاة
اقتران الصلاة بالأعمال الصالحة
اقترنت الصلاة ببعض أعمال البر، ومن
تلك الأعمال: الزكاة.
إن أغلب آيات الأمر بالزكاة جاءت بعد
الأمر بالصلاة في نفس الآية.
قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْالزَّكَوَةَ
وَأَرْكَعُواْ مَعَ الزَّكِعِينَ (٣)﴾ [البقرة: ٤٣].
وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ
ءَامَنَ بِاَللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ
وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىّ
أُوْلَيْكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ
[التوبة: ١٨].
وقد أرجع بعض العلماء هذا الارتباط
إلى أهمية هاتين الفريضتين، فهما من
أعظم الفرائض التي حث الإسلام على
أدائها، حيث إن الصلاة هي الركن الثاني في
الإسلام بعد الشهادتين، والزكاة هي الركن
الثالث، كما أن الصلاة حق الله والزكاة حق
العباد وحق الله، والصلاة هي العبادة البدنية
والمعنوية، والزكاة عبادة مالية ومعنوية (١)
ولعل الصلاة والزكاة تشتركان في مفهوم
التحرر من العبودية؛ فالصلاة تحرر من
العبودية للمخلوقات والمصالح إلى عبودية
الله رب الأرباب، والزكاة تحرر من عبودية
المال والشهوات، هذه العبودية التي تستذل
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي. ١٣٥/١٠.
النفوس، وتنکس الرؤوس، فیتحرر الإنسان
بها من الحرص الذي يذل أعناق الرجال (٢).
واقترنت الصلاة بالصبر في مواضع
كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ
وَالصَّلَوَةُ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلََّّ عَلَى الْخَشِعِينَ
٤٥
[البقرة: ٤٥].
وقوله عز وجل: ﴿اَلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَحِلَتْ
قُلُوبُهُمْ وَالصَِّينَ عَلَى مَآ أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِى
﴾ [الحج: ٣٥].
٣٥
الصَّلَوَةِ وَهِمَّارَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ (
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ أَبْتِغَاءَ وَجْهِ رَيِّهِمْ
وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ بِرَّا وَعَلَائِيَّةٌ
وَيَدْرَءُونَ بِالْخَنَّةِ السَّيِئَةَ أُوْلَكَ لَهُمْ عُقْبَىَ الدَّارِ
٢٢
[الرعد: ٢٢].
وهذا الاقتران يدلل على أهمية الأمرين،
ويلاحظ في الآيات التي قرنت الصلاة
بالصبر ذكر الصبر قبل الصلاة ولعل ذلك
ترتيب منطقي؛ فالصلاة تحتاج إلى صبر
ومجاهدة للنفس، فحسن أن يأتي ذكر الصبر
قبلها، والله أعلم.
قال الأصفهاني: ((والصلاة أرفع منزلة
من الصبر، لأنها تجمع ضروبًا من الصبر،
إذ هي حبس الحواس على العبادة، وحبس
الخواطر والأفكار على الطاعة، ولهذا قال
عز وجل: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِينَ﴾
[البقرة: ٤٥]. وخصها برد الضمير إليها دون
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٥٨/١.
www. modoee.com
١٢٥
حرفالصاد
الصبر))(١).
لكن بعض العلماء أرجع السبب في
رد الضمير إلى الصلاة كون الصلاة أعم
من الصبر، فهي تتضمن الصبر والخشوع
والتذلل وغير ذلك من لوازم الصلاة(٢).
(١) تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ١٧٧.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤ /٤٣.
أساليب القرآن في الحث على الصلاة
الصلاة عمود الدين، وثاني أركان
الإسلام، وأول ما يحاسب عليه المرء يوم
القيامة، وقد تنوعت الأساليب القرآنية
في الحث على إقامتها والالتزام بها،
وخاطب الله تعالى عباده بأسلوب الأمر
تارة، وبأسلوب الثناء تارة، وبأسلوب الذم
للتارکین تارة، كما سيأتي:
أولًا: أسلوب الأمر:
جاء الخطاب القرآني الداعي إلي إقامة
الصلاة بصيغة الأمر مرات كثيرة، من ذلك
استخدام فعل الأمر في قول الله تعالى:
﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَزْكَعُواْ مَعَ
الَّكِعِينَ ﴾ [البقرة: ٤٣].
وقوله عز وجل: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ
وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَمَا نُقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ
تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرٌ ))
[البقرة: ١١٠].
﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَوَةَ وَءَاتِينَ
وقوله:
وَأَطِعْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُمْ﴾
الزَّكَوَةَ
[الأحزاب: ٣٣].
وكذلك أتى الأمر بالصلاة بصيغة الإخبار
بأن الفعل مكتوب على المخاطبين(٣).
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى
(٣) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي، مناع القطان
١/ ٦٢.
١٢٦
جوببيو
القرآن الكريمِ
الصلاء
اَلْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
وكذلك أتى الأمر عن طريق أسلوب
المضارع المقرون بلام الأمر، تأمل قول الله
تعالى: ﴿وَلَتَأْتِ طَآَيِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ
فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢].
والأمر بكافة صيغه الواردة يقتضي
وجوب المأمور به، والمبادرة بفعله فورًا،
ومن الأدلة على أن الأمر يقتضي الوجوب
قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَشْرِهِ
أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ مُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[النور: ٦٣].
ووجه الدلالة أن الله حذر المخالفين
عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن
تصيبهم فتنة، أي زیغ، أو يصيبهم عذاب
أليم، والتحذير بمثل ذلك لا يكون إلا على
ترك، وقد قال الله عز وجل في شأن الصلاة
* ◌َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ
على وجه الخصوص:
خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ
يَلْقَوْنَ غَيَّائ﴾ [مريم: ٥٩].
والغي لمن أضاع الصلاة دلالة على
وجوبها، ومن الأدلة على أن الأمر للفور قوله
تعالى: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِ﴾ [البقرة: ١٤٨].
والمأمورات الشرعية خير، والأمر
بالاستباق إليها دليل على وجوب المبادرة
إلا إذا جاء دليل يصرفها عن ذلك (١).
(١) انظر: الأصول من علم الأصول، ابن عثيمين
٢٣/١.
ثانيًا: أسلوب الثناء على المقيمين لها
والآمرين بها:
أثنى القرآن الكريم على المقيمين للصلاة
في كثير من المواضع ووعدهم بالأجر
الكبير؛ ليحث على إقامتها والالتزام بها،
من ذلك قوله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ
الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ ( أُوْلَئِكَ هُمُ
الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ
وَرِزْقُ كَرِيمُ ﴾ [الأنفال: ٣-٤].
فقد وصف الله تعالى المقيمين للصلاة
المنفقين من مال الله بأنهم هم المؤمنون
الذين لا شك في إيمانهم كشك المنافقين،
أولئك لهم الجنة يرتقونها بأعمالهم،
والرزق الكريم الذي أعده الله لهم فيها(٢).
الَّذِينَ يَقِيمُونَ
وقال عز وجل:
الصَّلَوَةَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ بِآلْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
أُوْلَبِكَ عَلَى هُدِّى مِّن رَّيْهِمْ وَأُوْلَكَ هُمُ
الى
الْمُفْلِحُونَ ﴾﴾ [لقمان: ٤ -٥].
واستخدم المولى تبارك وتعالى في هذه
الآية محفزًا حسيا يفهمه البشر، فقد وصف
تعالى المصلين المزكين المؤمنين بوجود
اليوم الآخر بأنهم على رشاد، ثم استخدم
كلمة ((المفلحون)) في وصفهم، فالبشر
يعون تمامًا فكرة الزراعة المبنية على البذر
والتكاثر والحصاد، فاستدل بالأمر المشهود
على الأمر الغيبي، كأنه تعالى يعدهم إذا
(٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ١٨٩/٢.
www. modoee.com
١٢٧
حرف الصاد
فعلوا تلك الأوامر أنه سيبارك في طاعتهم
التي هي بذرهم، وسيجزل لهم الحصاد
بفضله و کرمه عز وجل(١).
والتزكية تعني التطهير، فالمقيم للصلاة
يطهر نفسه بتلك الصلاة من شوائب
الأعمال؛ حتى ينال وصف الخاشين لله
تعالى، وقد وصفت الصلاة بأنها زكاة
الأعمال لا زكاة الأموال، وأن صاحبها
سيرى أثرها يوم القيامة عندما تصير النفوس
إلى الله راجية رحمته وثوابه عز وجل(٢).
كما أثنى المولى على المقيمين للصلاة
في وقت کسب أرزاقهم، ووصفهم بالرجال
الذي يخافون العقاب، ووعدهم بجزاء
أحسن من عملهم، وزيادة من الفضل
والرزق (٣).
قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ تَجْرَةٌ وَلَا بَيْعُ
عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَاءِ الصَّلَوَةِ وَإِنَِّ الزَّكُوءِ يَخَافُونَ يَوْمًا
تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ الِيَجْزِيهمْ
(١) انظر: تفسير الشعراوي ١٣٣/١.
(٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
الحنبلي ٢٨٥/٢٠.
(٣) انظر: مختصر معالم التنزيل، البغوي، عبد الله
الزيد ٥ / ٦٥٤.
اللّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهُ وَاللهُ يَرْزُقُ
مَنْ يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (
﴾ [النور:٣٧-٣٨].
وأكد تعالى أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة
وامتدحهم المولى أيضًا عندما وصفهم بعد التوبة تقتضي الأخوة في الدين، وهذا
ثناء عظيم ووعد بحياة جديدة طاهرة للتائب
يساند فيها المسلم أخاه المسلم.
بالخشية، ثم نعتهم بالمزكين لأنفسهم،
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم
بِالْغَيْبِ وَأَقَمُواْ الصَّلَوَةَ وَمَنْ تَزَّكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَّكَّى
لِنَفْسِهِّ، وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٨].
قال تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ
وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ
[التوبة: ١١].
ثالثًا: ذم المضیعین لها:
ذم الله تعالى تضييع الصلاة والتهاون
في أدائها، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ
الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ
[الماعون: ٤-٥].
فقد توعد الله تعالى الذين يؤخرون
الصلاة عن وقتها ويغفلون عنها بسبب
لهوهم في الحياة الدنيا بالويل (٤) وهو
العذاب الأليم أو وادٍ في جهنم، وهذه
هي قمة الذم لمن يفرط في صلاته، ولعل
العاقل يشمئز من هذا الوصف فيراجع نفسه
ويعود لرشده، فيقيم الصلاة في وقتها ولا
يهملها(٥).
وقد ذمهم الحق مرة أخرى عندما
وصفهم بتضييعها، وقد ذكر تضييع الصلاة
ثم أعقبه باتباع الشهوات، فهذا ما يتبع
(٤) انظر: تفسير ابن فورك ٣/ ٢٨٢.
(٥) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣/ ٥٦٥.
جُوبُ حَرَ النَّفْسِيْ
الْقُرْآن الكَرِيمِ
١٢٨
الصلاة
تضييعها عادةً، ثم توعدهم الله تعالى بالغي، بَيْتَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَاَلْبَغْضَآءُ فِ الْخَيْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ
وهو الشرود والضلال، وعاقبة الشرود عَن ذِكْرِ اَللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنْنَهُونَ ﴾
[المائدة: ٩١].
الضياع والهلاك(١).
◌َلْفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ
قال تعالى:
أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ
غَيَّا﴾ [مريم : ٥٩].
ثم فصل المولى عز وجل في الوصف
الذميم لتاركي الصلاة، تأمل قوله عز وجل:
﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ
وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ
وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلََّّقَلِيلًا ﴾﴾ [النساء: ١٤٢].
وعندما ذم الله تعالى أعتى ظلمة
الجاهلية - أبا جهل- وصفه بتكذيب كلام
الله والإعراض عن الصلاة، قال تعالى:
﴿فَلَ صَلَّقَ وَلَ صَلَّى (٦) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَ )
[القيامة: ٣١-٣٢].
ولعل اقتران ترك الصلاة مع التكذيب
بالله فيه من التشنيع ما يكفي، فضلًا عن
أن من وصف به هو أبو جهل! فالأصل
فوصفهم بادئ ذي بدء بالنفاق أن يتجنب كل ذي لب التشبه بعمل ذلك
الممقوت؛ فهم يقيمون الصلاة تظاهرًا الكافر(٣).
أمام الناس ليخدعوا المسلمين وليشاهدهم
الناس وينخدعوا بهم، وفي الصلاة التي
يراؤون بها الناس لا يقولون كل المطلوب
منهم لتمامها، بل يقولون المطلوب قوله
جهرًا فقط، كأن يتمتموا بالفاتحة وبعض
القرآن ولكنهم في أثناء الركوع والسجود لا
.
يسبحون باسم الله تعالى
وتأكيدًا على الذم، قرر المولى عز وجل
أن الشيطان هو المسؤول عن الصد عن ذكر
الله والصلاة، وفي هذا تشنيع على المتمسك
بتغييب عقله اللاهث وراء الشيطان وإغوائه.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٥٦٥/٣.
(٢) انظر: تفسير الشعراوي ٢٧٤١/٥.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٨١.
www. modoee.com
١٢٩
حرف الصاد
أحوال الناس مع الصلاة في القرآن
ذكر القرآن الكريم حالات للناس مع
الصلاة، ومن تلك الحالات ما يأتي:
أولًا: المقيمون للصلاة:
إقامة الصلاة هي ما يأمر به الدين، قال
تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ
اَلَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ
مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء: ٧٨].
وقال على لسان عبده لقمان: ﴿يَبُنَىَّ
أَقِمِ الصَّلَّوَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكِّرِ
وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
ة [لقمان: ١٧].
١٧
وامتدح عباده المؤمنين بإقامة الصلاة،
قال عز وجل: ﴿الَّذِينَ إِن مَكَنَّهُمْ فِ آلْأَرْضِ
أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ
بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلَّهِ عَقِبَةُ
الْأُمُورِ ﴾ [الحج: ٤١].
وكذلك وصفهم بإقامتها في قوله عز
وجل: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ
وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ
إِيَمَنًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ ( الَّذِينَ
يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ
[الأنفال: ٢-٣].
فقد استخدم القرآن الكريم أسلوب
الحصر، أي أن هؤلاء المذكورة أوصافهم
هم المؤمنون بحق، وغيرهم -ممن لا
يتصف بوجل القلب وزيادة الإيمان بتلاوة
القرآن والتوكل وإقامة الصلاة والإنفاق-
ليسوا بمؤمنین حقًا.
ويؤكد هذا المفهوم ما ورد بعد ذلك
بآية، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾
[الأنفال: ٤].
ومن لا یؤمن بحق فهو غیر مؤمن أصلًا،
يقول تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ أَلْحَقِّ إِلَّا الصَّلَلُ﴾
[يونس: ٣٢].
أي من لم يتبع الحق فهو بالتأكيد اتبع ما
يخالفه (١)، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن
الآية تعني أن من اتصف بتلك الأوصاف هو
المؤمن كامل الإيمان، بينما من لم يتصف
بها هو المؤمن ناقص الإيمان، فلا ينتفي
عنه الإيمان بالجملة (٢)، والله تعالى أعلى
وأعلم.
وإقامة الصلاة تعني أداءها بشكل كامل،
متممًا أركانها وفرائضها وشروطها مع
الخضوع والخشوع لله تعالى، مع استحضار
الخشية والرجاء لله تعالى(٣).
وهذه هي الصلاة التي تحقق آثارها
المذكورة في قوله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٨٥/١٣، مفاتيح
الغيب، الرازي ٤٥٠/١٥، في ظلال القرآن،
سيد قطب ٣ /١٤٧٤.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٧/ ٣٦٥، أنوار التنزيل، البيضاوي ٤٩/٣.
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٤٨/٢٠.
١٣٠
جوب
القرآن الكريمِ
الصلاة
اُلْضَلَوَةٌ إِنَ الصَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ
اُلْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
قال ابن عباس: ((في الصلاة منتهى
ومزدجر عن معاصي الله، فمن لم تنهه
صلاته عن المعاصي لم يزدد إلا بعدًا))(١).
ولأهمية الصلاة لم يسقطها الشرع عن
المکلف أبدًا، فإن لم يستطع الإنسان تأديتها
واقفًا، فقاعدًا، وإن أنهكه المرض عليه أن
يؤديها بما بقي لديه من حواس، ولأهميتها
أيضا نجد أنها تبقى مع الإنسان إلى آخر
رمقٍ في حیاته، وهي قد أخذت أهميتها في
التشریع على قدر أهميتها في التكليف؛ فكل
تكاليف الإسلام قد جاءت بواسطة الوحي
إلا الصلاة، فقد جاءت مباشرة من الله تعالى
عندما أمر عز وجل نبيه صلی الله عليه وسلم
بها أثناء رحلة الإسراء والمعراج (٢).
ولم يأمر الله تعالى بالصلاة ولم يمدح
بها إلا بلفظ الإقامة، نحو قوله تعالى: ﴿أَقِمِ
الضَّلَوةَ ﴾ [لقمان: ١٧].
﴿وَالْقِيِمِينَ الصَّلَوَةَ﴾
وقوله:
[النساء: ١٦٢].
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾
[الأنفال: ٣].
ولم يقل: ((المصلي)) إلا في معرض
وصف المنافقين، تأمل قوله عز وجل:
(١) التفسير الوسيط، الواحدي ٤٢١/٣.
(٢) انظر: تفسير الشعراوي ١١/ ٦٧٢٥.
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ لاَلَّذِينَ هُمْ عَن
صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ [الماعون: ٤ -٥].
وذلك تنبيه أن المصلين المؤدين تأديةً
مجردة عن الخشوع والإذعان والرجاء كثير
والمقيمين لها قليل (٣).
ثانيًا: التاركون للصلاة:
ذكر القرآن الكريم صنفًا آخر من الناس،
وهم الذين يتركون إقامة الصلاة، قال تعالى:
﴿فَلَ صَلَّقَ وَلَ صَلَّى ◌َ وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (
[القيامة: ٣١-٣٢].
والمقصود بالآية الكريمة رأس الكفر
أبو جهل، فلم يصدق بکتاب الله، ولم يصل
له صلاة، وما كان منه إلا التكذيب بالقرآن
والرسالة النبوية، والإدبار عن طاعة ربه
تبارك وتعالى (٤).
وقد توعد المولى عز وجل أبا جهل ومن
على شاكلته بالعقاب المنتظر يوم القيامة،
قال تعالى: ﴿أَخَسَب ◌َلْإِسَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدَّى
[القيامة: ٣٦].
أي: هل يظن الجاهل أن الله سيتركه
دون بعث أو حساب؟! (٥).
وقد ذكر القرآن الكريم من اتخذ الصلاة
هزوا ولعبًا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى
(٣) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ١ / ٨١.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٢٢/٢٣.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٠١١٣/١٩
www. modoee.com
١٣١
حرف الصاد
الصَّلَوْقِ اْتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبَّأْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا واد في جهنم، تأمل قوله تعالى: ﴿﴿ فَلَفَ
مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ
يَمْقِلُونَ ﴾ [المائدة: ٥٨].
فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيَّا﴾﴾ [مريم :٥٩].
وذكر في سبب نزول الآية أن منادي
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا
نادی إلی الصلاة وقام المسلمون إليها، قال
اليهود والمنافقون: قد قاموا لا قاموا، وصلوا
لا صلوا، ويضحكون على طريق الاستهزاء،
فأنزل الله هذه الآية(١).
فهؤلاء الضالون اتخذوا من الصلاة
-على ما لها من العظمة والجد- هزؤا،
فيتعمدون الضحك والسخرية، وعلى
شاكلتهم بعض الشباب الفاسد الذي ترك
الصلاة واستهزأ بمن يصلي، وبين سبحانه
أن سبب ذلك عدم انتفاعهم بعقولهم
فكأنهم لا عقول لهم، وذلك لأن تأمل
مستلزمات الصلاة من التطهر لها وحسن
التزين مع التخلي عن الدنيا والإقبال على
المولى جل وعلا، والتحلي بالقراءة لأعظم
الكلام، والخشوع والخضوع لمالك الملك
بمجرده كافٍ في اعتقاد حسنها وعظمتها
وهيبتها وكمالها(٢).
وقد ذكر المولى عز وجل أن جيلًا ظهر
بعد ذرية الأنبياء الصالحة، كانوا من العاصين
فضيعوا الصلاة ولم يؤدوها واتبعوا شهواتهم
الدنیویة، وتوعدهم بالعذاب الشديد، أو هو
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢/ ٥٧.
(٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي ١٩٦/٦.
وقد ورد في معنى إضاعة الصلاة
عدة تأويلات، فقد تكون إضاعتها بتركها
وهذا هو الأشهر، أو جحدها، أو تضييع
مواقيتها (٣)
ويلاحظ أن إضاعة الصلاة هي مدخل
اتباع الشهوات، كيف لا وهي الناهية عن
الفحشاء والمنكر الرادعة عن كل قبيح!
وصور لنا المولى عز وجل موقف
العذاب في نار جهنم للضالين، وبدأ أسباب
العذاب بترك الصلاة ثم أورد عدم الإطعام،
والخوض والتكذيب بیوم الدین، وهذا إن
دل على شيء فإنما يدل على عظمة الصلاة
ومنزلتها عند الله تعالی فقد ذكرها قبل كل
شيء.
قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِ سَقَرَ قَالُواْ لَـ
نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (
﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٣].
٤٣
والصلاة المقصودة هنا هي الصلوات
المفروضة، وسقر اسم من أسماء نار جهنم،
قال بشأنها رب العزة ﴿لَا نْقِى وَلَا تَذَّرُ﴾
[المدثر: ٢٨].
قال الواحدي: ((إن سقر لإحدى الأمور
العظام» (٤).
(٣) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٥٢٦/٥.
(٤) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٩/ ٦٢.
١٣٢
◌َرُ النَّهِيَة
جوسين
القُرآن الكَرِيْمِ
الصلاة
ولا تخفى ملاءمة العقاب لأهمية المنزل الأساسية التي قد يحتاجها جيرانهم
كالماء والنار وغير ذلك(٢).
المأمور به.
ولعل مما يشير أيضًا إلى أهمية الصلاة،
ذم القرآن الآمر بتركها الناهي عن إقامتها،
قال تعالى: ﴿أَرَيْتَ الَّذِى يَتْعَى ) عَبْدًا إِذَا صَلَّة
﴾ [العلق: ٩-١٠].
١٠
وفي الآية تعجبُ من تغطرس أبي جهل
وجراءته على ربه العظيم، فالله يأمرنا
بالصلاة وهذا الفرعون ينهى رسول الله
عنها! (١)، فكان الرد الرباني متوعدًا ذلك
الكافر بالعذاب، وآمرًا نبيه الكريم والمؤمنين
بالتقرب والصلاة، قال تعالى: ﴿كَلَّا لَا نُطِعْهُ
وَأَسْجُدْ وَأَقْتَّبِ ﴾ ﴾ [العلق: ١٩].
ثالثًا: الساهون عن الصلاة:
يعد السهو في الصلاة سببًا رئيسًا
لاستحقاق العذاب يوم القيامة، قال
المولى عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ
الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ
هُمْ يُرَآءُونَ ١) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ {
٧
[الماعون: ٤-٧].
وقد توعدت الآيات من يلهو عن إقامة
الصلاة وهم المنافقون ومن على شاكلتهم،
يؤخرون أداءها حتى يضيع وقتها، وهم
في أدائهم للصلاة مراؤون حتى يشكرهم
الناس، ومن خصالهم أيضًا منعهم لأدوات
(١) التفسير الوجيز ١١٥١/١.
والساهي عن الصلاة غير مبالٍ فيها لا
يكترث أصلى أم لم يصل(٣).
وقد ذكر الطبري أن الساهين هم
المنافقون يتركون الصلاة فى السر، ويصلون
في العلانية، والمنافق إن صلاها لوقتها لم
یرج ثوابها، وإن ترکھا لم يخش عقابها،
فصلاته لا روح فیھا ولا إقبال، وهي وبالٌ
علیه، والويل الذي توعدهم به الله تعالى هو
الوادي الذي يسيل من صديد أهل جهنم (٤).
وقد امتدح الله عز وجل في المقابل
من لا يسهو عن وقت الصلاة مهما بلغت
مشاغله الدنيوية، قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا
نُّهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ الَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ
وَإِنَِّ الزَّكَوَةٌ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ
وَالْأَبْصَرُ الِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَيِلُواْ
وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهُ وَلَهُ يَزْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ
حِسَابٍ ﴾ [النور: ٣٧-٣٨].
وهذا وصف المؤمنين المخلصين الذين
لا تشغلهم معاملاتهم الرابحة من بيع وشراء
عن إقامة الصلاة، رغم ما تقتضيه التجارة من
تركيز عقلي وتعامل اجتماعي مع صنوف
الناس، ورغم ما تستثيره من حب للدنيا
(٢) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ٤ / ٨٧١.
(٣) انظر: تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٤٦٣/٣.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٣٠/٢٤-٦٣٢،
تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ١٦٦/٥.
www. modoee.com
١٣٣
حرف الصاد
وأرباحها، كل هذا لا يمنع المسلم الحق نفس (٤).
من إقامة الصلاة وتأدية الزكاة، فعلاقتهم
بالله أولى وأوثق، وهو سبحانه العالم بهم
المتفضل علیهم، يعدهم بأحسن مما عملوا،
وبزيادة من الرزق، فهو الرزاق الذي لا
حدود لكرمه(١).
والمولى عز وجل إذ يطلب من عباده
صلاة مخلصة فهو لا يريد منهم شيئا لذاته
سبحانه- فهو الغني عنهم - إنما يريد صلاح
أنفسهم، وتقويم اعوجاجهم، وتطهير
قلوبهم وسعادة حياتهم، يحب لهم حياة
رفيعة قائمة على الشعور الصادق، والتآلف
في الله، ونظافة القلب والسلوك (٢).
رابعًا: المتكاسلون عن الصلاة:
جاء ذكر المتكاسلين في القيام إلى الصلاة
في معرض الحديث عن صفات المنافقين،
قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ
اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ
كَُالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
[النساء: ١٤٢].
(١٤٢
فالمنافقون يتناقلون إلى الصلاة، لا يرون
أنها حق عليهم (٣)، ويكونون متقاعسين،
کما تری من یفعل شيئا علی کره لا عن طيب
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ /١٠٨.
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٩٨٥/٦.
(٣) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ١ / ٤١٦.
قال التستري ذاكرًا عقاب الله على
فعل أولئك المنافقين: ((يسرع لهم الجزاء
على إظهار الإيمان وإضمار الكفر بترك
العصمة والتوفيق، وتمديد الأموال والبنين،
والإطراق على عاجل الدنيا، وخاتمتهم
النار)»(٥).
وفي قول آخر عن عقاب الله لهم:
إنهم على الصراط يعطون نورًا كما يعطي
المؤمنين، فإذا مضوا على الصراط، يسلبهم
ربنا ذلك النور (٦).
ویبقی المؤمنونينظرون بنورهم،فینادون
المؤمنين: ﴿أَنْظُرُونَا نَقْنَيِسْ مِن ◌ُّورِكُمْ قِيلَ أَرْجِعُواْ
وَرَ كُمْ فَالْتَمِسُوْ نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَُّ بَابٌ بَاطِئُهُ فِيهِ
الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ آلْعَذَابُ ) يُنَادُونَهُمْ أَمْ
تَكُنْ مَعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلَكِتَّكُمْ فَنَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَضْتُمْ
وَأَرْقَبْتُمْ وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ حَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ
بِاللَّهِ الْغَرُوُرُ ﴿ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِذْيَةٌ وَلَا
مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَنَّكُمُ النَّارُ هِىَ مَوْلَنَكُمْ وَيَنْسَ
الْمَصِيرُ
﴾ [الحديد: ١٣ - ١٥].
١٥
ولا يقبل الله عز وجل ما ينفق هؤلاء
المنافقون؛ لأنهم كفروا به تعالى ولم يقيموا
الصلاة، ولم ينفقوا إلا وهم كارهون، قال
تعالى: ﴿ وَمَا مَنَّعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ
إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ
(٤) انظر: الكشاف، الزمخشري ٥٧٩/١.
(٥) تفسير التستري ١/ ٥٥.
(٦) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٣/ ٤٠٤.
١٣٤
جَوَسُولَةُ النَّقِين
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ