النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الصُّرّاظِ
طـ
عناصر الموضوع
مفهوم الصراط
٨
الصراط في الاستعمال القرآني
١٠
الألفاظ ذات الصلة
١٢
الله الهادي إلى الصراط المستقيم
١٤
حقيقة الصراط المستقيم
٢١
الصراط في المثل القرآني
٢٦
الهداية إلى الصراط المستقيم
٣١
٤٣
الإعراض عن الصراط المستقيم
المُجَلَدَ الحَاذِى وَالعشْرُونْ
حف الصاد
مفهوم الصراط
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل الصراط بالسين؛ لأنه من السرط، والصاد لغة، قال الفراء: وهي بالصاد لغة قريش
الأولين التي جاء بها الكتاب، قال وعامة العرب تجعلها سينًا(١).
والصراط، بالكسر: الطريق، وجسر ممدود على متن جهنم (٢).
قال الراغب: السراط: الطريق المستسهل، أصله من: سرطت الطعام وزردته: ابتلعته،
فقیل: سراطٌ، تصورًا أن يبتلعه سالكه، أو يبتلع سالكه(٣).
والأصل الذي تفيده كلمة الصراط في اللغة هو البلع، ففي لسان العرب: سرط الطعام
سراطًا: بلعه، وانسرط الشيء في حلقه سار فيه سيرًا سهلًا، وسراط وسراطي إذا كان قاطعًا
يمر في الضريبة، كأنه يسترط كل شيء يلتهمه، وإنما قيل للطريق الواضح: صراط؛ لأنه كأنه
يسترط المارة لكثرة سلوكهم فيه (٤).
والمستقيم لغة: المستوي القويم الذي لا اعوجاج فيه ولا التواء، يقال: طريق مستقيم.
كما يطلق على العادل الذي لا ميل فيه عن الحق. فيقال: ميزان مستقيم(٥).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الصراط من السبيل: ما لا التواء فيه ولا اعوجاج، بل على جهة القصد، فهو أخص من
السبيل الأخص من الطريق (٦).
وعرفه بعضهم بأنه: الطريق مستقيمًا كان أو غيره، ويطلق على الجسر الممدود على متن
جهنم، یعبره أهل الجنة علی حسب أعمالهم(٧).
والمستقيم اصطلاحًا: المستوي، والمراد به طريق الحق، وهي الملة الحنيفية السمحة
(١) لسان العرب، ابن منظور ٣١٣/٧.
(٢) القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٦٧٥
(٣) المفردات ص ٤٠٧.
(٤) لسان العرب، ابن منظور ٣١٣/٧.
(٥) معجم ألفاظ القرآن الكريم، مجمع اللغة العربية ٢/ ٤٥٣.
(٦) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢١٥.
(٧) جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، القاضي نكري ٢/ ١٧٤.
٨
جوببو
القرآن الكريم
الصراط
المتوسطة بين الإفراط والتفريط (١).
وقال ابن عاشور: المستقيم اسم فاعل، استقام مطاوع قومته فاستقام، والمستقيم الذي لا
عوج فيه ولا تعاريج، وأحسن الطرق الذي يكون مستقيما وهو الجادة؛ لأنه باستقامته يكون
أقرب إلى المكان المقصود من غيره، فلا يضل فيه سالكه، ولا يتردد ولا يتحير. والمستقيم
مستعار للحق البين الذي لا تخلطه شبهة باطل فهو كالطريق الذي لا تتخلله بنيات (٢)
فتبين أن الصراط المستقيم هو: الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه (٣). وهو المعارف
الصالحات كلها من اعتقاد وعمل (٤).
وفائدة وصف الصراط في الفاتحة بالمستقيم هو: أن الصراط يطلق على ما فيه صعود أو
هبوط، والمستقيم ما لا ميل فيه إلى جهة من الجهات الأربع (٥).
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١/ ١٨.
(٢) التحرير والتنوير ١٩١/١.
(٣) جامع البيان، الطبري ١/ ١٧٠.
(٤) التحرير والتنوير ١/ ١٩١.
(٥) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢١٥.
www. modoee.com
٩
حفالصاد
الصراط في الاستعمال القرآني
وردت لفظة (الصراط) في القرآن الكريم (٤٥) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
المصدر
٤٥
إِنَّ اللَّهَ رَفِى وَرَبُّكُمْ فَلْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ
[آل عمران: ٥١]
وجاء (الصراط المستقيم) في القرآن الكريم تعبيرًا عن منهج الإسلام المتمثل بعبادة الله
تعالى وحده.
قال الله تعالى: ﴿قُلّ ◌ِنَّنِ هَدَمنِ رَبِ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيَّمًا مِنَّةَ إِبَزَهِيمَ حَنِيفَأْ وَمَا كَانَ مِنَ
المشركين (١١) .
[الأنعام: ١٦١].
وقال عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّ وَرَبُّكُمْ فَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [آل عمران:
٥١]. أي: أنا وأنتم عبيد له، فقراء إليه، مشتركون في عبادته وحده لا شريك له، وهذا الذي
جئتكم به هو الصراط المستقيم، وهو عبادة الرب، عز وجل، وحده(٢).
وتعبدنا الله تعالى بدعائه في كل ركعة من الصلاة أن يهدينا لهذا المنهج القويم، قال
تعالى: ﴿ أَهْدِنَا الصِّرَّطَ الْمُسْتَقِمَ ا صِرِطَ الَّذِينَ أَنْمَسْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ ﴾
[الفاتحة: ٦- ٧].
ولم تأت كلمة الصراط بغير هذا المعنى إلا في آيتين، واستعمل (الصراط) فيهما بمعنى:
الطريق، قال الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَّطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ
ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عَوَجَاً وَأَذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثََّكُمْ وَأَنْظُرُ واْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [الأعراف: ٨٦].
وهو خطاب موجه من النبي شعيب إلى قومه، فنهاهم عن رذائل كانوا متلبسين بها فقال:
﴿وَلَا نَفْعُدُواْ بِكُلٍّ صِرَطٍ تُوعِدُونَ﴾ أي: ولا تقعدوا بكل طريق من الطرق المسلوكة
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص٤١٢-٤١٤، المعجم
المفهرس الشامل، عبدالله جلغوم، ص٧٠٣-٧٠٥.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٢٣٧.
جَوَسُولَة التقنية
القرآن الكريمِ
١٠
الصراط
تهددون من آمن بي بالقتل، وتخيفونه بأنواع الأذى، وتلصقون بي - وأنا نبيكم - التهم التي
أنا بريء منها، بأن تقولوا لمن يريد الإيمان برسالتي: إن شعيبا كذاب وإنه يريد أن يفتنكم عن
دینکم(١).
وقد روي عن ابن عباس أن بلادهم كانت خصبة، وكان الناس يمتارون منهم، فكانوا
يقعدون على الطريق، ويخوفون الناس أن يأتوا شعيبا، ويقولون لهم: إنه كذاب فلا يفتننكم
عن دینکم(٢).
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُواْ الصِّرَاطَ فَأَنَّ يُبْصِرُونَ ))
[يس: ٦٦].
والمعنى: لو نشاء لأعميناهم وتركناهم عميًا يترددون، وكيف يبصرون الطريق حينئذ؟(٣).
(١) التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٢١/٥.
(٢) تفسير المراغي ٢١١/٨.
(٣) التفسير البسيط، الواحدي ١٨/ ٥١٣.
www. modoee.com
حرف الصاد
الألفاظ ذات الصلة
١
الطريق:
الطريق لغة:
الطريق: السبيل، يذكر ويؤنث، تقول: الطريق الأعظم، والطريق العظمى، والجمع أطرقة
وطرق. وطرقات: جمع الجمع.
وطريقة الرجل: مذهبه. يقال: ما زال فلان على طريقة واحدة، أي: حالة واحدة (١).
الطريق اصطلاحًا:
لا يختلف معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي.
الصلة بين الصراط والطريق:
الطريق أعم، فمنه السهل ومنه الصعب، ومنه المستقيم ومنه المعوج، وأما الصراط فهو
طريق سهل لا اعوجاج فيه (٢).
السبيل:
٢
السبيل لغة:
الطريق وما وضح منه يذكر ويؤنث، وسبيل الله: طريق الهدى الذي دعا إليه(٣).
السبيل اصطلاحًا:
السبيل: طريق الجادة السائلة عليه الظاهر لكل سالك منهجه، فهو أخص من الطريق،
فإنه كل ما يطرق الطارق معتادًا كان أو غيره، وسبيل الله: طريقه التي أمر بسلوكها، واشتقاقه
من الجريان من قولك سبل السحاب مطر، والستر أرسله وطوله فسمي الطريق سبيلًا؛ لكثرة
الجريان فيه بالمشي (٤).
الصلة بين الصراط والسبيل:
الصراط طريق سهل، والسبيل: اسم يقع على ما يقع عليه الطريق، وعلى ما لا يقع عليه
الطريق، تقول: سبيل الله، وطريق الله.
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ١٥١٣/٤، مختار الصحاح، الرازي ص ١٨٩، المحكم والمحيط الأعظم،
ابن سیده ٦/ ٢٧٣.
(٢) الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٩٨.
(٣) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ١٤١، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٥٠٦/٨.
(٤) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٩٠.
١٢
جوي
القرآن الكريم
الصراط
والفرق بينهما كالفرق بين الصراط والطريق.
٣
العوج:
العوج في اللغة:
العين والواو والجيم أصل صحيح يدل على ميلٍ في الشيء أو ميلٍ، وفروعه ترجع إليه (١).
والعَوَج، بالتحريك: مصدر قولك: عَوِجَ الشيء بالكسر فهو أعوج. والاسم الصِوَج بكسر
العين. قال ابن السكيت: وكل ما كان ينتصب كالحائط والعود قيل فيه عَوَجٌ بالفتح، والعِوَج
بالکسر ما کان في أرض أو دين أو معاشٍ، يقال: في دينه عِوَج (٢).
والعِوَج: الانعطاف فيما كان قائما فمال، كالرمح والحائط.
١٠٧﴾ [طه:
والعوج في الأرض ألا تستوي. وفي التنزيل: ﴿لَّا تَرَىْ فِيَهَا عِوَجًا وَلَّ أَمْتًا فِ
١٠٧].
وعَوَج الطريق وعِوَجُه: زیغه.
وعِوَج الدين والخلق: فساده وميله، على المثل(٣).
العوج في الاصطلاح:
وهو بفتح العين مختص بكل شيء مرئي کالأجسام، وبالكسر فيما ليس بمرئي، كالرأي
والقول. وقيل: الكسر يقال فيهما معا، والأول أكثر (٤).
وقال الكفوي: هو في المحسوسات عدم الاستقامة الحسية، وفي غيرها: عدم کونها على
ما ينبغي (٥).
الصلة بين العوج والاستقامة:
الاستقامة ضد العوج، فالعلاقة بينهما ضدية.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٧٩/٤.
(٢) الصحاح، الجوهري ٣٣١/١.
(٣) المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٢/ ٢٨٢.
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٣١٥/٣.
(٥) الكليات ص ١٥١.
www. modoee.com
١٣
حرفالصاد
الله الهادي إلى الصراط المستقيم
من أسماء الله الحسنى: الهادي، فهو
الذي يهدي ويرشد عباده إلى جميع المنافع،
وإلى دفع المضار، ويعلمهم ما لا يعلمون،
ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويلهمهم
التقوى، ويجعل قلوبهم منيبة إليه منقادة
لأمره (١).
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ
نَبِّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِنَّ وَكَفَى بِرَبِكَ هَادِيًا
وَنَصِيرًا ﴾ [الفرقان: ٣١].
أي: وكفى ربك-أيها الرسول الكريم-
هاديا يهدى عباده إلى ما تقتضيه حكمته
ومشيئته، و کفی به سبحانه نصیرا لمن يريد
أن ينصره على كل من عاداه (٢).
وأجل محصول يحصل عليه العبد: أن
يهديه الله إلى الصراط المستقيم، وهذه أكبر
نعمة ينعم بها الهادي سبحانه على من يشاء
من عباده، ولذلك كان وجوبا على العبد أن
يسأل ربه الهداية في كل ركعة من صلاته
ويردد: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَّطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة:
٦].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
((والعبد مضطر دائماً إلى أن يهديه الله
الصراط المستقيم، فهو مضطر إلى مقصود
هذا الدعاء؛ فإنه لا نجاة من العذاب، ولا
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٤٩.
(٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ١٠/ ١٩٣.
وصول إلى السعادة إلا بهذه الهداية، فمن
فاته فهو إما من المغضوب عليهم، وإما من
الضالين، وهذا الهدى لا يحصل إلا بهدى
الله، وأما سؤال من يقول: فقد هداهم، فلا
حاجة بهم إلى السؤال وجواب من أجابه بأن
المطلوب دوامها كلام من لم يعرف حقيقة
الأسباب، وما أمر الله به؛ فإن الصراط
المستقيم أن يفعل العبد في كل وقت ما أمر
به في ذلك الوقت من علم وعمل، ولا يفعل
ما نھي عنه، وهذا يحتاج في كل وقت إلى
أن يعلم ويعمل ما أمر به في ذلك الوقت،
وما نهي عنه، وإلى أن يحصل له إرادة
جازمة لفعل المأمور، وكراهة جازمة لترك
المحظور، فهذا العلم المفصل والإرادة
المفصلة لا يتصور أن تحصل للعبد في وقت
واحد، بل كل وقت يحتاج إلى أن يجعل الله
في قلبه من العلوم والإرادات ما يهتدي به
في ذلك الصراط المستقيم)»(٣).
ومعنى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾
[الفاتحة: ٦] أي: دلنا وأرشدنا، ووفقنا
الصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح
الموصل إلى الله، وإلى جنته، وهو معرفة
الحق والعمل به، فاهدنا إلى الصراط واهدنا
في الصراط. فالهداية إلى الصراط: لزوم
دين الإسلام، وترك ما سواه من الأديان،
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية، ابن قاسم ١٤ / ٣٧ -
٣٨.
بَرُ النَّفْسِية
جوية
القرآن الكريمِ
١٤
الصراط
والهداية في الصراط، تشمل الهداية لجميع بعد أن نبذل ما نستطيع من الجهد في معرفة
التفاصيل الدينية علمًا وعملًا.
فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها على سننها، لنحصل على خيري الدنيا
للعبد ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو
الله به في كل ركعة من صلاته، لضرورته
إلى ذلك(١).
قال الرازي: ((اعلم أن أهل الهندسة
قالوا: الخط المستقيم هو أقصر خط يصل
بين نقطتين، فالحاصل أن الخط المستقيم
أقصر من جميع الخطوط المعوجة، فكأن
العبد يقول: اهدنا الصراط المستقيم لوجوه:
الأول: أنه أقرب الخطوط وأقصرها، وأنا
عاجز فلا يليق بضعفي إلا الطريق المستقيم.
الثاني: أن المستقيم واحد وما عداه
معوجة وبعضها يشبه بعضا في الاعوجاج
فيشتبه الطريق علي، أما المستقيم فلا يشابهه
غيره فكان أبعد عن الخوف والآفات وأقرب
إلى الأمان.
الثالث: الطريق المستقيم يوصل إلى
المقصود، والمعوج لا يوصل إليه.
والرابع: المستقيم لا يتغير، والمعوج
يتغير، فلهذه الأسباب سأل الصراط
المستقيم، والله أعلم))(٢).
وقد أرشدنا الله إلى طلب الهداية منه،
ليكون عونا لنا ينصرنا على أهوائنا وشهواتنا
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٩.
(٢) مفاتيح الغيب ١/ ٢٢٠.
أحكام الشريعة، ونكلف أنفسنا الجري
والآخرة(٣).
والهداية هنا هي البيان والدلالة، ثم
التوفيق والإلهام، وهو بعد البيان والدلالة،
ولا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة
الرسل. فإذا حصل البيان والدلالة والتعريف
ترتب عليه هداية التوفيق.
وللهداية مرتبة أخرى -وهي آخر
مراتبها- وهي الهداية يوم القيامة إلى طريق
الجنة. وهو الصراط الموصل إليها. فمن
هدى في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم
الذي أرسل به رسله، وأنزل به کتبه، هدي
هناك إلى الصراط المستقيم، الموصل إلى
جنته ودار ثوابه. وعلى قدر ثبوت قدم العبد
على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في
هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط
المنصوب على متن جهنم. وعلى قدر سيره
على هذا الصراط يكون سيره على ذاك
الصراط. فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم
من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالربح،
ومنهم من يمر كشد الركاب، ومنهم من
يسعى سعيا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم
من يحبو حبوا، ومنهم المخدوش المسلم،
ومنهم المكردس في الناس.
(٣) تفسير المراغي ٣٦/١.
www. modoee.com
١٥
حرف الصاد
فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من الأنبياء، خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة
والسلام، وهو الدين الحنيف المائل عن كل
دین غیر مستقیم، من أديان أهل الانحراف،
كاليهود والنصارى والمشركين (٤).
سيره على هذا، حذو القذة بالقذة جزاء وفاقا
﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾(١).
وقال تعالى: ﴿إِنِّ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّ
وَرَبَّكُ مَّا مِنْ دَآْبَةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَئِهَاْ إِنَّ رَبِ
عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [هود: ٥٦].
أي: إن ربي على طريق الحق، يجازي
المحسن من خلقه بإحسانه، والمسيء
بإساءته، لا يظلم أحدًا منهم شيئًا، ولا يقبل
منهم إلا الإسلام والإيمان به (٢).
ولقد هدى الله تعالى رسله عليهم الصلاة
والسلام وثبتهم على الصراط المستقيم،
فعلى هذا الصراط المستقيم أقام الله نبيه
الكريم من أول خطوه في الحياة(٣)، قال
تعالى: ﴿قُلّ إِنَِّ هَدَنِ رَبِ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
دِينًا قِيَّمَا مِنَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفَأْ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[الأنعام: ١٦١].
فأمر تعالی نبيه صلی الله عليه وسلم،
أن یقول ویعلن بما هو علیه من الهداية إلى
الصراط المستقيم: الدين المعتدل المتضمن
للعقائد النافعة، والأعمال الصالحة، والأمر
بكل حسن، والنهي عن كل قبيح، الذي
عليه الأنبياء والمرسلون، خصوصا إمام
الحنفاء، ووالد من بعث من بعد موته من
(١) التفسير القيم، ابن القيم ص ١٣ - ١٤.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٥/ ٣٦٤.
(٣) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب
٣٥٦/٤.
وفي قوله: ﴿قُلْ إِنَّنِ هَدَتِ رَّ﴾ دليل
على أن الهداية لا تحصل إلا بالله تعالى (٥).
وقال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا "
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُنِزَ
نِعْمَتَهُ, عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا )﴾
[الفتح: ١- ٢].
والمعنى: يثبتك على الصراط المستقيم،
ويزيدك هداية على هداية، ويهدى بك
الخلق إلى الحق (٦).
والاستقامة على الصراط المستقيم وإن
كانت حاصلة قبل الفتح، لكن حصل بعد
ذلك من اتضاح سبيل الحق، واستقامة
مناهجه، ما لم یکن حاصلًا قبل (٧).
وقال ابن عاشور: ((ومعنى ويهديك
صراطا مستقيما: يزيدك هديا لم يسبق
وذلك بالتوسيع في بيان الشريعة والتعريف
بما لم يسبق تعريفه به منها، فالهداية إلى
الصراط المستقيم ثابتة للنبي صلى الله عليه
وسلم من وقت بعثته، ولكنها تزداد بزيادة
بيان الشريعة، وبسعة بلاد الإسلام، وكثرة
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٨٢.
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ١٩٠.
(٦) لطائف الإشارات، القشيري ٤١٨/٣.
(٧) البحر المديد، ابن عجيبة ٣٨٥/٥.
١٦
جوبيه
القرآن الكريم
الصراط
المسلمين مما يدعو إلى سلوك طرائق كثيرة أي: وسددناهم فأرشدناهم إلى طريق غير
معوج، وذلك دين الله الذي لا عوج فيه،
وهو الإسلام الذي ارتضاه الله ربنا لأنبيائه،
وأمر به عباده (٣).
في إرشادهم وسياستهم وحماية أوطانهم،
ودفع أعدائهم، فهذه الهداية متجمعة
من الثبات على ما سبق هديه إليه، ومن
الهداية إلى ما لم يسبق إليه وكل ذلك من
الهداية»(١).
وقد امتن الله سبحانه على نبيه صلى الله
علیه وسلم بالفتح المبین والفتح لا يكون إلا
لمن هو على صراط الله، ولعل المراد بهذا
الخطاب هو أمته (٢)
وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا
إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَّشَاءُ إِنَّ
رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ { وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ
وَيَعْقُوبَّ كُلَّا هَدَيْنَاً وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن
قَبْلٌ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُّوبَ
وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى
الْمُحْسِنِينَ ، وَزَّكَرِيَّا وَيَخْبَى وَعِيسَى وَإِلَيَاسِّ
كُلُّ مِنَ الصَّلِحِينَ ﴿ وَإِسْمَعِيلَ وَاَلْيَسَعَ
وَيُونُسَ وَلُوطَأْ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ
﴾ وَ مِنْ ءَابَآْبِهِمْ وَذُرِّيَِّهِمْ وَإِخْوَنِمٌ وَأَجْنَبَيْتَهُ
٨٦
وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢ ذَلِكَ هُدَى
اَللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَكُواْ
[الأنعام:
لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ الُّْ
٨٣-٨٨].
ومعنى: ﴿وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
(١) التحرير والتنوير ١٤٨/٢٦.
(٢) غرائب القرآن، النيسابوري ٦/ ١٤٥.
وقوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اَللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَآءُ
مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: ذلك الهدى إلى صراط
مستقیم الذي اهتدى إليه أولئك الأخيار هو
هدی الله الذي یهدی به من يشاء هدایته من
عباده وهم المستعدون لذلك.
وفي قوله: ﴿مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ من
الإبهام ما يبعث النفوس على طلب هدى
الله تعالى والتعرض لنفحاته (٤).
وأخبر سبحانه وتعالى عن هدايته
لموسى وهارون عليهما الصلاة والسلام،
فقال: ﴿وَهَدَيْنَهُمَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
١١٨
[الصافات: ١١٨].
أي: دللناهما على طريق الحق عقلا
وسمعا، وأمددناهما بالتوفيق والعصمة،
وتشبيه الدلائل الحقة بالطريق المستقيم
(٥)
واضح(٥).
وقال الشوكاني: ﴿وَهَدَيْنَهُمَا الصِّرَطَ
المُستَقِيمَ﴾ أي: القیم لا اعوجاج فيه، وهو
دين الإسلام فإنه الطريق الموصلة إلى
المطلوب (٦).
(٣) جامع البيان، الطبري ١١/ ٥١٣.
(٤) التفسير الوسيط، طنطاوي ٥/ ١٢٢.
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٥٢/٢٦.
(٦) فتح القدير، الشوكاني ٤ /٤٦٩.
www. modoee.com
١٧
حفالصاد
وإذا أراد الله بعبده خيرا أمده بنور
التحقيق، وأيده بحسن العصمة، فيميز
بحسن البصيرة بين الحق والباطل فلا يظله
غمام الريب، وينجلى عنه غطاء الغفلة، فلا
تأثير لضباب الغداة في شعاع الشمس عند
متوع النهار، وهذا معنى قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ
فَيُؤْمِنُواْ بِهِ، فَتُخْتَ لَهُ، قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَغٍِ ﴾ [الحج:
٥٤](١).
فيهديهم في الدنيا والآخرة، أما في
الدنیا فیرشدهم إلى الحق واتباعه، ویوفقهم
لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة
يهديهم إلى الصراط المستقيم، الموصل
إلى درجات الجنات، ويزحزحهم عن
العذاب الأليم والدركات(٢).
وهدی الله تعالى عباده المؤمنين إلى
الصراط المستقيم، فقال تعالى: ﴿يَكَأَهْلَ
الْكِتَبِ قَدْ جَآءُ كُمْ رَسُولُنَا يُبَيُِّ
لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ
مِنَ الْكِتَبِ وَيَعْقُواْ عَنْ كَثِيرٍ
قَدْ جَآءَ كُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ
◌ُبِينٌ ﴿ يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنٍ أَتَّبَعَ
رِضْوَنَهُ سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم
مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ.
(١) لطائف الإشارات، القشيري ٢/ ٥٥٥.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤٦/٥.
وَيَهْدِ يهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
[المائدة: ١٥- ١٦].
فقوله: ﴿يَهْدِى بِهِ اَللَّهُ ﴾ أي: بالكتاب
المبين من اتبع رضوانه من كان مطلوبه من
طلب الدين اتباع الدين الذي يرتضيه الله
تعالى، فأما من كان مطلوبه من دينه تقرير
ما ألفه ونشأ عليه وأخذه من أسلافه مع ترك
النظر والاستدلال، فمن کان کذلك فهو غير
متبع رضوان الله تعالی.
ثم قال تعالى: ﴿سُبُلَ السَّلَمِ﴾ أي:
طرق السلامة، ثم قال: ﴿وَيُخْرِجُهُم
مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ أي:
من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وذلك
أن الکفر یتحیر فیه صاحبه کما یتحیر في
الظلام، ويهتدي بالإيمان إلى طرق الجنة
كما يهتدي بالنور، وقوله: ﴿بإِذْنِهِ﴾
أي: بتوفيقه، والباء تتعلق بالاتباع أي: اتبع
رضوانه بإذنه، ولا يجوز أن تتعلق بالهداية
ولا بالإخراج؛ لأنه لا معنى له، فدل ذلك
على أنه لا يتبع رضوان الله إلا من أراد الله
منه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيِهِمْ إِلَى صِرَاطِ
مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الدين الحق، لأن الحق
واحد لذاته، ومتفق من جمیع جهاته، وأما
الباطل ففيه كثرة، وكلها معوجة (٣)
وهذه الهداية عين الهداية إلى سبل
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ٣٢٧.
١٨
مَوَسُولَة التقنية
الْقُرآن الكَرِيْمِ
الصراط
السلام، وإنما عطفت عليها؛ تنزيلا للتغاير واضحة مضبوطة، لا يخشى منها صاحب
الوصفي منزلة التغاير الذاتي (١).
والله تعالى يهدي من يشاء إلى الطريق
الذي لا عوج فيه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَآَ
ءَايَتٍ مُّبَيِّنَاتٍّ وَاَللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرْطٍ
٤﴾ [النور: ٤٦].
مستقِيمٍ
أي: لقد أنزلنا أيها الناس علامات
واضحات دالات على طريق الحق وسبيل
الرشاد ﴿وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ
مُسْتَقِيمٍ ﴾ یقول: والله یرشد من يشاء من
خلقه بتوفیقه، فیهدیه إلی دین الإسلام، وهو
الصراط المستقيم والطريق القاصد الذي لا
اعوجاج فيه (٢).
فعمم البيان التام لجميع الخلق،
وخصص بالهداية من يشاء، فهذا فضله
وإحسانه، وما فضل الكريم بممنون وذاك
عدله، وقطع الحجة للمحتج، والله أعلم
حيث يجعل مواقع إحسانه(٣).
قال سيد قطب: ((فآيات الله مبينة كاشفة
تجلو نور الله، وتكشف عن ينابيع هداه.
وتحدد الخير والشر، والطيب والخبيث،
وتبين منهج الإسلام في الحياة كاملا دقيقا
لا لبس فيه ولا غموض وتحدد أحکام الله
في الأرض بلا شبهة ولا إبهام. فإذا تحاكم
الناس إليها فإنما يتحاكمون إلى شريعة
(١) روح المعاني، الألوسي ٢٧٠/٣.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٢٠٤.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٧١.
حق على حقه ولا يلتبس فيها حق بباطل،
ولا حلال بحرام.
﴿وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
والمشيئة مطلقة لا يقيدها قيد. غير أن الله
سبحانه قد جعل للهدى طريقا، من وجه
نفسه إلیه وجد فیه هدی الله ونوره، فاتصل
به، وسار على الدرب، حتى يصل - بمشيئة
الله- ومن حاد عنه وأعرض فقد النور
الهادي ولج في طريق الضلال حسب مشيئة
الله في الهدى والضلال)» (٤).
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا صُدُ
وَبُكْمٌ فِ اُلُّلُمَتِ مَن يَشٍَ اَللَّهُ يُصْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ
يَجْعَلَهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ()﴾ [الأنعام:
٣٩] أي: من تعلقت مشيئة الله تعالى
بإضلاله يضلله، كما أضل هؤلاء الذين
استحبوا العمى على الهدى، فلم يستعملوا
أسماعهم، ولا أفواههم، ولا عقولهم
في آيات الله تعالى على أحقية ما جاء به
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما
إضلاله إياهم اقتضاء سننه في عقول البشر
وغرائزهم وأخلاقهم أن يعرض المستكبر
عن دعوة من يراه دونه واتباع من يراه مثله،
وإن ظهر له الحق معه.
﴿وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
أي: ومن يشأ أن يجعله على طريق يرضاه،
(٤) في ظلال القرآن ٢٥٢٥/٤.
www. modoee.com
١٩
حرف الصاد
وهو الإسلام، يجعله عليه، ويهده إليه،
ویمته علیه، فلا يضل من مشی إلیه، ولا يزل
من ثبت قدمه عليه(١).
وقال تعالى: ﴿﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ
النَّاسِ مَا وَلَّئُهُمْ عَنْ قِبْلَئِمُ الَِّى كَانُواْ عَلَيْهَاْ قُل لِلَّهِ
الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ
مُسْتَقِيمٍ ()﴾ [البقرة: ١٤٢].
فالمشرق لله والمغرب لله، فكل متجه
فهو إليه في أي اتجاه، فالجهات والأماكن لا
فضل لها في ذاتها. إنما يفضلها ويخصصها
اختيار الله وتوجيهه، والله يهدي من يشاء
إلى صراط مستقيم، فإذا اختار لعباده وجهة،
واختار لهم قبلة، فهي إذن المختارة، وعن
طريقها يسيرون إلى صراط مستقيم (٢).
قال ابن عاشور: قوله: ﴿يَهْدِى مَن يَشَآءُ
إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إيماء إلى قبلة الإسلام،
والمراد بالصراط المستقيم هنا وسيلة
الخير وما يوصل إليه فيشمل ذلك كل هدي
إلى خير، ومنه الهدي إلى استقبال أفضل
جهة(٣).
وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ
اَللّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ
اَلْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أُخْتَلَفُواْ
فِيَةٍ وَمَا أُخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا
جَآءَ تَهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيَأْ بَيْنَهُمٌّ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ
(١) مراح لبيد، محمد الجاوي ٣١٨/١.
(٢) في ظلال القرآن ١/ ١٣٠.
(٣) التحرير والتنوير ١٣/٢.
ءَامَنُواْ لِمَا أَخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهُ وَاللَّهُ
يَهْدِى مَن يَشَكَةُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة:
٢١٣]
فالله تعالى يسدد من يشاء من خلقه
ويرشده إلى الطريق القويم على الحق
الذي لا اعوجاج فیه، کما هدی الذین آمنوا
بمحمد صلى الله عليه وسلم، لما اختلف
الذين أوتوا الكتاب فيه بغيًا بينهم، فسددهم
لإصابة الحق والصواب فيه (٤).
والخلاصة أن الله تعالى رسم حدود
الصراط المستقيم وبين معالمه وتولى
أمر الهداية إليه بواسطة الذين اصطفاهم
واجتباهم من الأنبياء والمرسلين وورثتهم
من العلماء العاملين.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٨٦/٤.
٢٠
البَشَّ
جَوَبُور
القرآن الكريمِ
الصراط
حقيقة الصراط المستقيم
المتأمل في آيات القرآن الكريم، يجد أن
كلمة الصراط المستقيم قد وسعت كل شيء
أحبه الله لعباده، فالداخل في الإسلام يقول:
أَهْدِنَا الصِرَّطَ الْمُسْتَقِيمُ ﴾ [الفاتحة: ٦].
وراسخ القدم فيه يقول: ﴿أَهْدِنَا الْفِرَطَ
الْمُسْتَقِيمَ﴾، والنبيون والشهداء والصالحون
كلهم يقولون: ﴿أَهْدِنَالصِّرَطَ الْمُسْتَقِمَ﴾.
فالواجب على كل عبد أن يقول ويقرأ
في صلاته: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيَمَ ا صِرْطَ
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَآلِينَ
﴾ [الفاتحة: ٦-٧].
وهذا دعاء ورغبة من المربوب إلى
الرب، والمعنى: دلنا على الصراط المستقيم
وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة
إلى أنسك وقربك(١).
وقد بين الله تعالى حقيقة الصراط
المستقيم في آيات عديدة من كتابه، فقال في
سورة الأنعام: ﴿وَهَذَا صِرَّطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًاً
قَدْ فَضَّلْنَا ◌ْلْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَذَّ كَّرُونَ ﴾ [الأنعام:
١٢٦].
أي: هذا الذي بينا طريق ربك، والذي
.(٢)
ارتضاه لنفسه دينا وجعله مستقيما لا عوج
فيه، وهو الإسلام(٢).
قال ابن الجوزي: ﴿وَهَذَا صِرَطُ رَبِكَ
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١/ ١٤٧.
(٢) الكشف والبيان، الثعلبي ٤ /١٨٩.
فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه القرآن، قاله ابن مسعود.
والثاني: التوحید، قاله ابن عباس.
والثالث: ما هو عليه من الدين، قاله
عطاء (٣).
وقال ابن عاشور: والإشارة بهذا إلى
حاضر في الذهن وهو دين الإسلام، ويجوز
أن تكون الإشارة إلى حاضر في الحس وهو
القرآن (٤).
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا
فَأَتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَفَيِعُواْ السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ
سَبِيلِ، ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
﴾ [الأنعام: ١٥٣].
١٥٣
فيه قولان:
أحدهما: القرآن.
والثاني: الشرع وسمي ذلك صراطًا (٥).
وقال ابن عاشور: ((والإشارة إلى
الإسلام: أي: وأن الإسلام صراطي،
فالإشارة إلى حاضر في أذهان المخاطبين
من أثر تكرر نزول القرآن وسماع أقوال
الرسول عليه الصلاة والسلام، بحيث
عرفه الناس وتبينوه، فنزل منزلة المشاهد،
فاستعمل فيه اسم الإشارة الموضوع لتعيين
ذات بطريق المشاهدة مع الإشارة، ويجوز
أن تكون الإشارة إلى جميع التشريعات
(٣) زاد المسير ٧٦/٢.
(٤) التحرير والتنوير ٨/ ٦٢.
(٥) النكت والعيون، الماوردي ١٨٨/٢.
www. modoee.com
٢١
حفالصاد
والمواعظ التي تقدمت في هذه السورة،
لأنها صارت كالشيء الحاضر المشاهد))(١).
وبین النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة
الصراط المستقيم في حديث عبد الله بن
مسعود رضي الله عنه قال: (خط رسول
الله صلی الله عليه وسلم، خطا بيده، ثم
قال: (هذا سبيل الله مستقيما)، قال: ثم خط
عن يمينه، وشماله، ثم قال: (هذه السبل،
ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه)
ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهٌ
وَلَّا تَنَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾
[الأنعام: ١٥٣](٢).
المخالفة له، وهذا لأن الطريق الموصل إلى
الله واحد، وهو ما بعث به رسله وأنزل به
کتبه، لا يصل إليه أحد إلا من هذه الطريق،
ولو أتى الناس من كل طريق، واستفتحوا من
كل باب، فالطرق عليهم مسدودة، والأبواب
عليهم مغلقة إلا من هذا الطريق الواحد، فإنه
متصل بالله، موصل إلى الله(٣).
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِ هَدَمِ رَبِ إِلَى صِرَطِ
◌ُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيَّمًا مِلَّةَ إِبْرَهِيَمَ حَنِيفَأْ وَمَا كَانَ مِنَ
(١) التحرير والتنوير ١٧٢/٨.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٣٦/٧، رقم
٤٤٣٧.
وصححه الألباني في التعليقات الحسان على
صحیح ابن حبان رقم ٦.
(٣) مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ٣٧-٣٨.
﴾ [الأنعام: ١٦١].
الْمُشْرِكِينَ
قال ابن عاشور: قوله: ﴿إِنَّنِ هَدَتِ رَجِ﴾
متصل بقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا
فَتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
الذي بينه بقوله: ﴿وَهَذَا كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ
مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢].
فزاده بيانًا بقوله هذا: ﴿قُلْ إِنَِّ هَدَنِ
رَِإِلَ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ليبين أن هذا الدين
إنما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم
بهدي من الله، وأنه جعله دينا قيما على
قواعد ملة إبراهيم عليه السلام، إلا أنه زائد
عليه بما تضمنه من نعمة الله عليه؛ إذ هداه
فوحد لفظ الصراط، وجمع السبل إلى ذلك الصراط الذي هو سبيل النجاة.
وافتتح الخبر بحرف التأكيد؛ لأن الخطاب
للمشركين المكذبين (٤).
وقال تعالى: ﴿الَرَّ كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ
إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
[إبراهيم: ١].
فكشفت هذه الآية عن حقيقة الكتاب
الذي دلت الآيات السابقة على أنه صراط
الله المستقيم وخاصيته في إخراج الناس
من الظلمات إلى النور، بتوفيق الله وهدايته
حيث الانطلاق إلى رحاب المعية الإلهية
بكل ما فيها من عزة وكرامة وحمد وثناء
وشکر وولاء.
(٤) التحرير والتنوير ١٩٧/٨-١٩٨.
٢٢
القرآن الكريم
الصراط
﴾ [الزخرف: ٤٣]
٤٣
وقد أخرج صلى الله عليه وسلم أمته إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (
من ظلمات عديدة إلى أنوار متعددة:
أولها: ظلمة الكفر والشرك إلی نور الإيمان
والإسلام، ثم من ظلمة الجهل والتقليد إلى
نور العلم والتحقيق، ثم من ظلمة الذنوب
والمعاصي إلى نور التوبة والاستقامة،
ثم من ظلمة الغفلة والبطالة إلى نور
اليقظة والمجاهدة، ثم من ظلمة الحظوظ
والشهوات إلى نور الزهد والعفة، ثم من
ظلمة رؤية الأسباب، والوقوف مع العوائد،
إلى نور شهود المسبب، وخرق العوائد، ثم
من ظلمة الوقوف مع الكرامات وحلاوة
الطاعات إلى نور شهود المعبود، ثم من
ظلمة الوقوف مع حس الأكوان الظاهرة إلى
شهود أسرار المعاني الباطنة، فيغيب عن
الأكوان بشهود المكون (١).
وقال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَّطُ عَلَّ
مُسْتَفِيهٌ ﴿﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ
سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَبَّعَكَ مِنَ الْغَارِينَ
[الحجر: ٤١ - ٤٢].
أي: هذا الطريق الذي سلكه أهل
الإخلاص في عبوديتهم هو طريق وارد
علي، وموصل إلى جواري، لا سبيل لك
على أهله؛ لأنه مستقیم لا عوج فيه(٢).
وقال تعالى: ﴿فَأَسْتَمْسِكْ بِالَّذِىّ أُوحَىَ إِلَيْكٌ
(١) البحر المديد، ابن عجيبة ٤٢/٣.
(٢) المصدر السابق ٨٩/٣.
والمعنى: فتمسك يا محمد بما يأمرك به
هذا القرآن الذي أوحاه إليك ربك، ﴿إِنَّكَ
عَ صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ومنهاج سديد، وذلك
هو دين الله الذي أمر به، وهو الإسلام (٣).
وقد لخص الماوردي رحمه الله أقوال
المفسرين في المراد بالصراط المستقيم في
أربعة أقاويل:
أحدها: أنه كتاب الله تعالى، وهو قول
علي وعبد الله، ويروى نحوه عن النبي
صلی الله عليه وسلم.
والثاني: أنه الإسلام، وهو قول جابر بن
عبد الله، ومحمد بن الحنفية.
والثالث: أنه الطريق الهادي إلى دين
الله تعالی، الذي لا عوج فیه، وهو قول ابن
عباس.
والرابع: هو رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأخيار أهل بيته وأصحابه، وهو قول
الحسن البصري وأبي العالية الرياحي (٤).
والمتأمل في الأقوال المتعددة التي
أوردها المفسرون الصراط المستقيم يجد:
أن اختلافهم في تعريف الصراط اختلاف
تنوع لا اختلاف تضاد، فتفسير بعض أهل
العلم الصراط المستقيم بالقرآن والبعض
الآخر بالإسلام قولان متفقان؛ لأن دين
(٣) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٦١٠.
(٤) النكت والعيون، الماوردي ١/ ٥٩.
www. modoee.com
٢٣
حرف الصاد
الإسلام هو اتباع القرآن، حيث نبه أحدهما اتبع القرآن، وهو كتاب الله وحبله المتين،
على وصف غير الوصف الآخر.
وبعد أن نقل الإمام ابن كثير رحمه الله
قول الإمام الطبري: «أجمعت الأمة من أهل
التأويل جميعًا على أن الصراط المستقيم،
هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج
فیه))(١).
قال: ثم اختلفت عبارات المفسرين من
السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن
كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو
المتابعة لله وللرسول (٢).
ونسبه إلى ابن عباس وابن مسعود رضي الله
عنهم، ثم أورد عن مجاهد تفسيره للصراط
بأنه الحق، ثم قال: وهذا أشمل ولا منافاة
بينه وبين ما تقدم، ونسب إلى أبي العالية
تفسيره الصراط المستقيم بأنه النبي صلى
الله عليه وسلم وصاحبه من بعده، وأنه ذكر
ذلك للحسن فقال: صدق أبو العالية ونصح.
ثم عقب على هذا الذي أورده من
الأقوال بقوله: وكل هذه الأقوال صحيحة،
وهي متلازمة، فإن من اتبع النبي صلى الله
عليه وسلم، واقتدی باللذين من بعده أبي
بکر وعمر، فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق
فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد
(١) جامع البيان، الطبري ١/ ١٧٠.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١٣٧.
وصراطه المستقيم، فكلها صحيحة يصدق
بعضها بعضا، ولله الحمد.
ثم يتبع ابن كثير ذلك برأي الإمام الطبري
رحمه الله الذي رجح فيه من الأقوال بأنه
التوفيق للثبات على ما ارتضاه الله ووفق
له من أنعم عليهم من النبيين والصديقين
والشهداء والصالحين مع بيانه لوجه كونه
جامعاً لغيره حيث قال: فقد وفق للإسلام(٣).
وتابع الإمام القرطبي ابن جرير في
الترجيح بالمراد بالصراط المستقيم،
وقال رحمه الله: وقيل: هو الإسلام بأنه صراط النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين ونسبه إلى جمهور المفسرين
وعقب عليه بقوله: ((وجميع ما قيل إلى
هذا يرجع، فلا معنى لتعديد الأقوال والله
المستعان)) (٤).
وقال ابن عاشور: «المراد بالصراط
المستقيم المعارف الصالحات كلها من
اعتقاد وعمل بأن يوفقهم إلى الحق والتمييز
بينه وبين الضلال على مقادير استعداد
النفوس وسعة مجال العقول النيرة والأفعال
الصالحة، بحيث لا يعتريهم زيغ وشبهات
في دينهم وهذا أولى ليكون الدعاء طلب
تحصيل ما ليس بحاصل وقت الطلب،
وإن المرء بحاجة إلى هذه الهداية في جميع
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٩/١.
وانظر: جامع البيان، الطبري ١ / ١٧١.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤٩/١.
٢٤
جَوُور
القرآن الكريم
الصراط
شؤونه كلها حتى في الدوام على ما هو بشهادة أن لا إله إلا الله، والثاني يحصل
بالتحقيق بشهادة أن محمدًا رسول الله،
متلبس به من الخير للوقاية من التقصير فيه
أو الزیغ عنه. والهداية إلى الإسلام لا تقصر
وهذا هو الهادي، ودين الحق وهو معرفة
على ابتداء اتباعه وتقلده بل هي مستمرة الحق والعمل له، وهو معرفة ما بعث الله به
رسله والقيام به، فقل ما شئت من العبارات
باستمرار تشريعاته وأحكامه بالنص أو
الاستنباط)) (١).
التي هذا أحسنها وقطب رحاها(٢).
وقال ابن القيم: فإن الناس قد تنوعت
عباراتهم فيه وترجمتهم عنه بحسب صفاته
ومتعلقاته وحقيقته شيء واحد، وهو طريق
الله الذي نصه لعباده على ألسن رسله
وجعله موصلا لعباده إليه، ولا طريق لهم
إليه سواه، بل الطرق كلها مسدودة إلا هذا،
وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسوله بالطاعة،
فلا يشرك به أحدا في عبوديته، ولا يشرك
برسوله أحدًا في طاعته، فيجرد التوحيد،
ویجرد متابعة الرسول.
فتبين مما سبق: أن الصراط المستقيم هو
عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وعبادته
تتضمن كمال الحب مع كمال الذل له
سبحانه، فکل ما تتقرب به، و کل فعل یفعله
العبد يرجو به ثوابا، وكل ترك يتركه يخاف
من تركه عقابا، فإن هذا داخل في معنى
الصراط المستقيم.
وهذا معنى قول بعض العارفين: ((إن
السعادة والفلاح كله مجموع في شيئين:
صدق محبته، وحسن معاملته».
وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا
الله، وأن محمدا رسول الله، فأي شيء فسر
به الصراط فهو داخل في هذين الأصلين.
ونکتة ذلك وعقده: أن تحبه بقلبك کله،
وترضيه بجهدك كله، فلا يكون في قلبك
موضع إلا معمور بحبه، ولا تكون لك إرادة
إلا متعلقة بمرضاته. الأول يحصل بالتحقيق
(١) التحرير والتنوير ١٩١/١.
(٢) بدائع الفوائد ٢/ ٤٠.
www. modoee.com
٢٥
حرف الصاد
الصراط في المثل القرآني
جعل الله تعالى فهم أمثال القرآن الكريم
واستيعابها والإحاطة بأسرارها منوطا بأهل
العلم، فقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا
لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلِّمُونَ ﴾
[العنكبوت: ٤٣].
وخير الدروس ما ضرب له الأمثال
وبينت بها الحكم وقرب إلى الناس بما يقع
تحت حسهم، وما یکون في متناول عقولهم.
والتمثيل ألطف ذريعةٍ إلى تسخير الوهم
للعقل واستنزاله من مقام الاستعصاء عليه،
وأقوى وسيلةٍ إلى تفهيم الجاهل الغبي
وقمع سورة الجامع الآبي، کیف لا وهو رفع
الحجاب عن وجوه المعقولات الخفية،
وإبرازٌ لها في معرض المحسوسات الجلية،
وإبداءٌ للمنكر في صورة المعروف وإظهارٌ
للوحشي في هيئة المألوف(١).
ومن هذه الأمثال التي ضربها الله تعالى
في كتابه قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمْ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ
وَهُوَّ كَلُّ عَلَى مَوْلَنْهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ
بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلٌّ وَهُوَ
عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [النحل: ٧٦].
فهذا مثل ضربه الله سبحانه لنفسه ولما
یعبدون من دونه، فالصنم الذي یعبدون من
دونه بمنزلة رجل أبكم لا يعقل ولا ينطق،
بل هو أبكم القلب واللسان قد عدم النطق
القلبي واللساني، ومع هذا فهو عاجز لا
يقدر على شيء البتة، ومع هذا فأينما أرسلته
لا يأتيك بخير ولا يقضي لك حاجة، والله
سبحانه حي قادر متکلم يأمر بالعدل، وهو
على صراط مستقيم وهذا وصف له بغاية
الكمال والحمد، فإن أمره بالعدل وهو الحق
یتضمن أنه سبحانه عالم به، معلم له راض
به آمر لعباده به، محب لأهله لا یأمر بسواه،
بل ينزه عن ضده الذي هو الجور والظلم
والسفه والباطل، بل أمره وشرعه عدل كله
وأهل العدل هم أولياؤه وأحباؤه(٢).
قال الطبري: وهذا مثل ضربه الله تعالى
لنفسه والآلهة التي تعبد من دونه، فقال
تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا
أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾ يعني: بذلك
الصنم أنه لا يسمع شيئا، ولا ينطق، لأنه
إما خشب منحوت، وإما نحاس مصنوع
لا يقدر علی نفع لمن خدمه، ولا دفع ضر
عنه وهو كلِّ علی مولاه، یقول: وهو عيال
على ابن عمه وحلفائه وأهل ولايته، فكذلك
الصنم کل علی من یعبده، يحتاج أن يحمله،
ويضعه ویخدمه، كالأبكمٍ من الناس الذي
لا يقدر علی شيء، فهو گلّ علی أولیائه من
بني أعمامه وغيرهم ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١/ ٥٠.
(٢) الأمثال في القرآن ص ٢٢ -٢٣.
جَوَسُو ◌َة النفسية
القرآن الكريم
٢٦