النص المفهرس

صفحات 41-58

صفات الله عز وجل
إليه قلبه، ويسكن. فإذا اضطرب القلب
وقلق فليس له ما يطمئن به سوی ذکر الله.
ثم اختلف أصحاب هذا القول فيه. فمنهم
من قال: هذا في الحلف واليمين، إذا حلف
المؤمن على شيء سكنت قلوب المؤمنين
إلیه، واطمأنت. ویروی هذا عن ابن عباس
رضي الله عنهما. ومنهم من قال: بل هو
ذکر العبد ربه بينه وبينه، یسکن إليه قلبه،
ويطمئن.
والقول الثاني: أن ذكر الله هاهنا القرآن،
وهو ذكره الذي أنزله على رسوله به طمأنينة
قلوب المؤمنين. فإن القلب لا يطمئن إلا
بالإيمان واليقين.
ولا سبيل إلى حصول الإيمان والیقین إلا
من القرآن. فإن سكون القلب وطمأنينته من
يقينه، واضطرابه وقلقه من شكه. والقرآن هو
المحصل لليقين الدافع للشكوك والظنون
والأوهام. فلا تطمئن قلوب المؤمنين إلا به.
وهذا القول هو المختار))(١).
فطمأنينة القلوب الصحيحة والفطر
السليمة وسكونها إليه من أعظم الآيات،
إذ يستحيل في العادة أن تطمئن القلوب
وتسكن إلى الكذب والافتراء والباطل
ومتى انفتح الباب للعبد انتفع بمطالعة تاريخ
العالم وأحوال الأمم ومجريات الخلق (٢).
(١) التفسير القيم، ابن القيم ٣٣٦-٣٣٧.
(٢) انظر: مدارج السالكين ٣/ ٤٧١ و٤٢٥/١.
فلا بد للعبد من تدبر ما ورد في باب
أسماء الله تعالى وصفاته وينظر في كل آية
وحديث بخصوصه وسیاقه وما يبين معناه
من القرآن والسنة والدلالات، فهذا أصل
عظیم مهم نافع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((لفظة الأمر،
فإن الله تعالى لما أخبر بقوله: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ.
إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَّهُ,كُنْ فَيَكُونُ
٨٢
[يس: ٨٢]. وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْهُ﴾
[الأعراف: ٥٤].
واستدل طوائف من السلف على أن الأمر
غير مخلوق، بل هو كلامه وصفة من صفاته
بهذه الآية وغيرها، صار كثير من الناس يطرد
ذلك في لفظ الأمر حيث ورد فيجعله صفة
طردًا للدلالة، ويجعل دلالته على غير الصفة
تارة وعلى متعلقها أخرى: فإن الرحمة صفة
لله ويسمى ما خلق رحمة، والقدر من
صفات الله تعالى ويسمى المقدور قدرة،
ويسمى تعلقها بالمقدور قدرة، والخلق من
صفات الله تعالى ويسمى خلقًا، والعلم من
صفات الله ويسمى المعلوم أو المتعلق
علمًا فتارة يراد الصفة وتارة يراد متعلقها
وتارة يراد نفس المتعلق.
والأمر مصدر فالمأمور به يسمى أمرًا ومن
هذا الباب سمي عیسی صلی الله عليه وسلم
كلمة، لأنه مفعول بالكلمة وكائن بالكلمة
وهذا هو الجواب عن سؤال الجهمية لما
www. modoee.com
٩٧

حفالصاد
قالوا: عيسى كلمة الله فهو مخلوق والقرآن
إذا كان كلام الله لم يكن إلا مخلوقًا، فإن
عیسی لیس هو نفس كلمة الله، وإنما سمي
بذلك لأنه خلق بالكلمة على خلاف سنة
المخلوقین فخرقت فيه العادة وقيل له: کن
فكان، والقرآن نفس كلام الله.
فمن تدبر ما ورد في باب أسماء الله
وصفاته، وأن دلالة ذلك في بعض المواضيع
على ذات الله أو بعض صفاته لا يوجب أن
یکون ذلك هو مدلول اللفظ حیث ورد حتی
یکون ذلك طردًا للمثبت ونقضًا للمنافي، بل
ينظر في كل آية وحديث بخصوصه وسياقه
وما يبين معناه القرآن والدلالات، فهذا أصل
عظيم مهم نافع في باب فهم الكتاب والسنة
والاستدلال بهما مطلقًا ونافع في معرفة
الاستدلال والاعتراض والجواب، وطرد
الدلیل ونقضه فهو نافع في کل علم خبري
أو إنشائي وفي كل استدلال أو معارضته من
الكتاب والسنة وفي سائر أدلة الخلق))(١).
ولا شك في من تدبر أسماء الله الحسنى
وصفاته العليا التدبر الشرعي أثمر عنده
حقيقة التعبد المطلق لله رب العالمين
وعدم الإشراك به، وبضدها تتميز الأشياء
فالشرك ومظاهره وأسبابه وأنواعه في جميع
أبواب العقيدة والتوحيد يبطله ويقضي عليه
التوحيد الخالص الحي في قلب المؤمن
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/ ١٧- ١٩.
وسلوكه.
٢. اعتقاد المسلم أن الحياة نعمة
ورحمة من الله المنعم عز وجل فتتأثر
حياته بالسعي في شكرها وأداء حق
الله تعالى في هذه النعمة.
قال تعالى: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِسَنِ حِينٌّ
مِنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّدْكُورًا ) إِنَّا خَلَقْنَا
اُلْإِنسَنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ تَبْتَلِهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا
بَصِيرًا ) إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا
كَفُورًا﴾ [الإنسان: ١- ٣].
((وقد ذكر تعالى نعمتين عظيمتين:
الأولى: إيجاد الإنسان من العدم بعد أن
لم يكن شيئا مذكورًا، وهذه نعمة عظمى لا
کسب للعبد فيها.
والثانية: الهداية بالبيان والإرشاد إلى
سبيل الحق والسعادة، وهذه نعمة إرسال
الرسل وإنزال الكتب، ولا کسب للعبد فيها
أيضا. وقد قال العلماء: هناك ثلاث نعم لا
کسب للعبد فيها:
الأولى: وجوده بعد العدم.
الثانية: نعمة الإيمان.
الثالثة: دخول الجنة))(٢).
وقال تبارك وتعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللّهُ
بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ
شَاكِرًا عَلِيمًا (٥)﴾ [النساء: ١٤٧].
((أخبر تعالى عن كمال غناه وسعة حلمه
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٣٧٩/٨.
٩٨
جَوَسُولَةُ النَّفْسِيَّة
الْقُرْآن الكَرِيمِ

صفات الله عز وجل
بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ﴾ والحال
أن الله شاكر عليم يعطي المتحملين لأجله
الأثقال، الدائبين في الأعمال، جزيل الثواب
وواسع الإحسان، ومن ترك شيئاً لله أعطاه
الله خيرا منه، ومع هذا يعلم ظاهركم
وباطنكم، وأعمالكم وما تصدر عنه من
إخلاص وصدق، وضد ذلك وهو یرید
منكم التوبة والإنابة والرجوع إليه، فإذا أنبتم
إليه، فأي شيء يفعل بعذابکم؟ فإنه لا يتشفى
بعذابکم، ولا ينتفع بعقابکم، بل العاصي لا
یضر إلا نفسه، کما أن عمل المطيع لنفسه.
والشكر هو خضوع القلب واعترافه
بنعمة الله، وثناء اللسان على المشكور،
وعمل الجوارح بطاعته وأن لا يستعين بنعمه
علی معاصیہ)»(١).
وقال عز وجل: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ
بُوتِكُمْ سَكَنَا وَجَعَلَ لَكُ مِّن جُلُودِ اَلْأَنْعَمِ بُونًا
تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ
أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَنًا وَمَتَحًا إِلَى
حِينٍ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَلًا
وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَنَّا وَجَعَلَ
لَكُمْ سَرَبِيلَ تَقِيَكُمُ الْحَرَّ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ
بَأَسَكُمْ كَذَلِكَ يُنِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ
لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ [النحل: ٨٠-٨١].
قال ابن كثير: ((يذكر تبارك وتعالى
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢١٢.
ورحمته وإحسانه فقال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ تمام نعمه على عبيده، بما جعل لهم من
البيوت التي هي سكن لهم، يأوون إليها،
ويستترون بها، وينتفعون بها سائر وجوه
الانتفاع، وجعل لهم أيضا ﴿مِّنْ جُودِ آلْأَنْمِ
بُيُوتًا﴾ أي: من الأدم، يستخفون حملها
في أسفارهم، ليضربوها لهم في إقامتهم
في السفر والحضر ﴿أَثَثًا﴾ أي: تتخذون
منه أثاثا، وهو المال. وقيل: المتاع. وقيل:
الثياب والصحيح أعم من هذا كله، فإنه
يتخذ من الأثاث البسط والثياب وغير ذلك،
ويتخذ مالًا وتجارة. وقوله: ﴿إلى حِينٍ﴾ أي:
إلى أجل مسمى ووقت معلوم.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ
ظِلَلًا﴾ قال قتادة: يعني: الشجر.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْتَنَّا
أي: حصونًا ومعاقل، كما ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ
سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وهي الثياب من
القطن والكتان والصوف.
﴿وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾
کالدروع من الحديد المصفح والزرد وغير
ذلك.
﴿كَذَلِكَ يُنِّمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي:
هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على
أمرکم، وما تحتاجون إلیه، لیکون عونًا لكم
على طاعته وعبادته.
﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ هكذا فسره
الجمهور، وقرؤوه بكسر اللام من
www. modoee.com
٩٩

حرف الصاد
(تسلِمون) أي: من الإسلام. وقال قتادة في
قوله: ﴿كَذَلِكَ يُنِّمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ
تُسْلِمُونَ﴾ هذه السورة تسمى سورة الحسن، والمودة في قلوب المؤمنين،
النعم))(١).
وقال ابن القيم: «فمن عرف ربه بالغنی
المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن
عرف ربه بالقدرة التامة عرف نفسه بالعجز
التام، ومن عرف ربه بالعز التام عرف نفسه
بالمسکنة التامة، ومن عرف رب بالعلم التام
والحكمة عرف نفسه بالجهل، فالله سبحانه
أخرج العبد من بطن أمه لا يعلم شيئًا ولا
يقدر على شيء ولا يملك شيئًا ولا يقدر
على عطاء ولا منع ولا ضر ولا نفع ولا شيء
البتة. بل لم يزل عبدًا فقيرًا بذاته إلى بارئه
وفاطره فلما أسبغ علیه نعمته وأفاض عليه
من رحمته وساق إليه أسباب كمال وجوده
ظاهرًا وباطنًا وجعل له السمع والبصر
والفؤاد وعلمه وأقدره وصرفه وحر که»(٢).
ألا يوجب ذلك وغيره عبادته وشكره
ومحبته وطلب رضاه والبعد عن سخطه.
وتأمل قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ
اللَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَثُونَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي
٦٣
الْآَخِرَةِ لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِّ ذَلِكَ هُوَ
(١) تفسير القرآن العظيم ٤ / ٥٩١.
(٢) طريق الهجرتين ص٢٣- ٢٤.
اٌلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ﴾[يونس: ٦٢ -٦٤].
(ما البشارة في الدنيا، فهي: الثناء
والرؤيا الصالحة، وما يراه العبد من لطف
الله به وتیسیرہ لأحسن الأعمال والأخلاق،
وصرفه عن مساوئ الأخلاق.
وأما في الآخرة، فأولها البشارة عند
قبض أرواحهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَخَنَزَّلُ
عَلَيْهِمُ الْمَلَتِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ
وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ تُوعَدُونَ [®
[فصلت: ٣٠].
وفي القبر ما يبشر به من رضا الله تعالى
والنعيم المقيم. وفي الآخرة تمام البشرى
بدخول جنات النعيم، والنجاة من العذاب
الأليم.
﴿لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اَللَّهِ﴾ بل ما وعد
الله فهو حق، لا یمکن تغییرہ ولا تبدیله،
لأنه الصادق في قیله، الذي لا يقدر أحد أن
يخالفه فيما قدره وقضاه.
﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ لأنه اشتمل
على النجاة من كل محذور، والظفر بكل
مطلوب محبوب، وحصر الفوز فیه، لأنه لا
فوز لغير أهل الإيمان والتقوى.
والحاصل أن البشرى شاملة لكل خير
وثواب، رتبه الله في الدنيا والآخرة، على
الإيمان والتقوى، ولهذا أطلق ذلك، فلم
١٠٠
مَشَارَةُ الْتَفْسَبِير
القرآن الكريم

صفات الله عز وجل
یقیده.))(١).
وقال صلى الله عليه وسلم: (لما خلق
الله تعالی الخلق کتب في کتابه وهو یکتب
على نفسه وهو وضع عنده العرش: إن
رحمتي تغلب غضبي)(٢).
وآثار رحمته مبثوثة في الكون والحياة بذنبي)(٦).
وفي الخلق والأمر، فهو الذي عمت رحمته
خلقه في جميع الأقطار، خلقهم وأنعم
عليهم بالحياة والحواس والنعم العامة
المتنوعة في أنفسهم التي لا يحصيها العد.
وبواسع رحمته وعظيم فضله عرفناه
بأسمائه وصفاته وأفعاله حتی عرفنا أنه ربنا
ومولانا، فأنواع النعم وصنوف الإحسان
وخيرات الدنيا والآخرة كلها من آثار
رحمته (٣).
وقال صلى الله عليه وسلم: (أحبو الله
لما یغذو کم به من نعمه)(٤).
وأخبر صلى الله عليه وسلم: (أن حسب
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٦٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب قول الله (ويحذركم الله نفسه)، رقم
٧٤٠٤.
(٣) تحقيق العبودية بمعرفة الأسماء والصفات
ص ٣٧٤-٣٧٥.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب،
باب مناقب أهل بيت النبي صلى الله عليه
وسلم، ٦٦٤/٥، رقم ٣٧٨٩.
قال الترمذي: حديث حسن غريب.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، ١/ ٢٧،
رقم ١٧٦.
ابن آدم من الدنيا لقيمات يقمن صلبه فإن لم
يقتصر عليها فثلث بطنه لطعامه وثلثه لشرابه
وثلثه لنفسه)(٥).
وليتأمل العبد هذا الدعاء وهو قوله صلى
الله عليه وسلم: (أبوء بنعمتك علي وأبوء
فإن معناه: ألتزم بالمنة بحق النعمة
والاعتراف بالتقصير في شكرها واحتمال
اللائمة فيه (٧).
٣. طلب المسلم الهداية من الله
تعالى إلى الصراط المستقيم في الدنيا
والآخر.
لماذا يطلب المسلم الهادية في الدنيا ؟
يطلبها لتحقيق العبودية لله تعالى. ولماذا
يطلبها في الآخرة ؟ ليمر على الصراط
ويدخل الجنة بفضل الله، قال ابن القيم:
« فمن هدي في هذه الدار إلى صراط الله
المستقيم، هدي هناك إلى الصراط المستقيم
الموصل إلى جنته ودار ثوابه، وعلى قدر
(٥) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد، باب
ماجاء في كراهية كثرة الأكل، ٤ / ٥٩٠، رقم
٢٣٨٠.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٢/ ٩٩٠، رقم ٥٦٧٤.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الدعوات، باب أفضل الاستغفار، رقم
٦٣٠٦.
(٧) عدة الصابرين، ابن القيم ص ٣٤٨.
www. modoee.com
١٠١

حرف الصاد
ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي
نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت
قدمه على الصراط المنصوب على متن
يكون سيره على ذاك الصراط.
فلينظر العبد الشبهات والشهوات التي
تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم.
فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصراط
تخطفه وتعوقه عن المرور عليه فإن كثرت
هنا وقويت فكذلك هي هناك ﴿وَمَا رَبُّكَ
بِظَلٍَّ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
فسؤال الهداية متضمن لحصول كل
خير، والسلامة من كل شر.
وقال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَّطُ عَلَىَّ
مُسْتَقِيمٌ ﴾﴾ [الحجر: ٤١].
قال مجاهد: الحق يرجع إلى الله وعليه
طريقه، لا يعرج على شيء، وهذا مثل قول
الحسن وأبين منه وهو من أصح ما قيل في
الآية.
فإن قلت: فما الفائدة في ذكر (( على ))
في ذلك أيضًا. وكيف يكون المؤمن مستعليًا
على الحق وعلى الهدى؟
قلت: لما فيه من استعلائه وعلوه بالحق
والهدی مع ثباته علیه واستقامته إليه فكان
في الإتيان بأداة (( على)) ما يدل على علوه
وثبوته واستقامته.
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ أَوْلِيَّاكُمْ
لَعَلَى هُدَى أَوْ فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤].
فإن طريق الحق تأخذ علوًا صاعدة
بصاحبها إلى العلي الكبير وطريق الضلال
جهنم. وعلى قدر سيره على هذه الصراط تأخذ سفلا هاوية بسالكها في أسفل سافلين.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَّطُ عَلَىّ
مُسْتَقِيمُ﴾ مجيبًا لإبليس الذي قال: ﴿رَبِّ
بِمَّ أَغْوَيْنَنِ لَأَزْيِّنَنَّ لَهُمْ فِ اُلْأَرْضِ وَلَأَغْوِيَنَّهُمْ
أَجْمَعِينَ آ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
(٥)﴾ [الحجر: ٣٩- ٤٠].
فإنه لا سبيل لي إلى إغوائهم ولا طريق
لي علیھم.
فقرر الله عز وجل ذلك أتم التقرير
وأخبر أن الإخلاص صراط عليه مستقيم فلا
سلطان لك على عبادي الذين هم على هذا
الصراط؛ لأنه صراط علي ولا سبيل لإبليس
إلى هذا الصراط ولا الحوم حول ساحته،
فإنه محروس محفوظ بالله فلا يصل عدو
الله إلى أهله فليتأمل العارف هذا الموضع
حق التأمل ولينظر إلى هذا المعنى)) (١).
وقال تعالى حاكيًا قول هود عليه السلام:
﴿ إِّ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِ وَرَبِّكُمْ مَّامِنِ دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ
دَاخِذٌ بِنَاصِيَهَاْ إِنَّ رَبِى عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[هود: ٥٦]
وقال ابن القيم: « وأما آية هود: فصريحة
لا تحتمل إلا معنى واحدًا وهو أن الله
(١) مدارج السالكين ٣١/١- ٤١ بتصرف
واختصار.
١٠٢
◌ُ النَّسِّـ
جوبيع
القرآن الكريمِ

صفات الله عز وجل
سبحانه على صراط مستقيم، وهو سبحانه أن الوجود متعلق خلقًا وأمرًا بالأسماء
الحسنى والصفات العلى ومرتبطًا بها و إن
كل ما في العالم بما فيه، إنما هو من بعض
آثارها و مقتضياتها.
أحق من كان على صراط مستقيم، فإن
أقواله كلها صدق ورشد وهدى وعدل
وحكمة ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ صِدْقَاً وَعَدْلًا﴾
[الأنعام: ١١٥].
وقد دل على هذا المعنى وغيره سورة
وأفعاله كلها مصالح وحكم ورحمة الفاتحة وسورة الإخلاص وسورة الفلق
والناس وغير ذلك من سور القرآن العظيم.
وعدل وخیر.
وتأمل كيف ذكر هذا عقيب قوله تعالى:
﴿إِنِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَِّ وَرَبِّكُمْ﴾ أي هو
ربي فلا يسلمني ولا یضیعني، وهو ربکم
فلا يسلطکم علي ولا يمكنكم مني فإن
نواصیکم بیده، لا تفعلون شيئًا بدون مشيئته.
لا يفعل ما يفعل من ذلك إلا بحكمة وعدل
ومصلحة، ولو سلطكم علي فله من الحكمة
في ذلك ما له الحمد عليه لأنه تسليط من هو
على صراط مستقيم لا يظلم ولا يفعل شيئًا
عبثًا بغير حكمة.
فهكذا تكون المعرفة بالله، لا معرفة
القدرية والمجوسية والقدرية الجبرية نفاة
الحكم والمصالح والتعليل والله الموفق
سبحانه ))(١).
٤. ارتباط آثار معرفة أسماء الله
وصفاته في النفس والكون والحياة
الدنيا والآخرة.
ومشهد الأسماء والصفات من أجل
المشاهد، والمطلع على هذا المشهد يعرف
(١) مدارج السالكين ١/ ٤٤ - ٤٥.
ودل على ذلك وغيره سنة النبي صلى
الله عليه وسلم الصحيحة ومن ذلك: قوله
صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني عبدك
وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض
في حكمك عدل في قضائك) (٢).
وقوله عليه الصلاة والسلام: (أعوذ بك
من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها) (٣).
و قوله صلی الله عليه وسلم: (يمين الله
ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار
أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض
فإنه لم يفض ما في يمينه وعرشه على
الماء وبيده الأخرى الفيض أو القبض يرفع
ويخفض) (٤).
وغير ذلك من الأحاديث.
قال ابن القيم: ((وتأمل ارتباط الأمر بهذه
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، مسند ابن مسعود.
وصححه أحمد شاكر رقم ٣٧١٢ و٤٣١٨.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر، باب
ما يقول عند النوم، ٤ / ٢٠٨٤، رقم ٢٧١٣.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب (وكان عرشه على الماء)، رقم ٧٤١٩.
www. modoee.com
١٠٣

حف الصاد
الأسماء الثلاثة وهي: الله، الرب، الرحمن، عن الأخرى)) (١).
كيف نشأ عنها الخلق والأمر والثواب
والعقاب وكيف جمعت الخلق وفرقتهم
فلها الجمع ولها الفرق.
قاسم الرب له الجمع الجامع لجميع
المخلوقات فهو رب كل شيء وخالقه
والقادر عليه لا يخرج شيء عن ربوبيته
وكل من في السموات والأرض عبد له
في قبضته وتحت قهره. فاجتمعوا بصفة
الربوبية وافترقوا بصفة الإلهية، فألهه وحده
السعداء وأقروا له طوعًا بأنه الله الذي لا
إله إلا هو الذي لا تنبغي العبادة والتوكل
والرجاء والخوف والحب والإنابة والخشية
والرحمة والتذلل والخضوع إلا له.
وهنا افترق الناس وصاروا فريقين: فريقًا
مشركين في السعير، وفريقًا موحدين في
الجنة.
فالإلهية هي التي فرقتهم كما أن الربوبية
هي التي جمعتهم فالدين و الشرع والأمر
والنهي مظهره، وقيامه من صفة الإلهية،
والخلق والإيجاد والتدبير والفعل من صفة
الربوبية. والجزاء بالثواب والعقاب والجنة
والنار من صفة الملك وهو مالك يوم الدين،
فأمرهم بإلهيته وأعانهم ووفقهم وهداهم
وأضلهم بربوبيته وأثابهم وعاقبهم بملكه
وعدله. وكل واحدة من هذه الأمور لا تنفك
وانتظام العالم: العلوي والسفلي
وارتباط بعضه ببعض وجريانه على نظام
محكم لا يختلف ولا يفسر من أدل دليل
علی أن مدبره واحد لا إله غيره. قال تعالى:
﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةُ إِلَّا اللّهُ لَفَسَدَنَاْ فَسُبْحَنَ اللهِ
رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢٢].
((فمن تأمل سريان آثار الأسماء والصفات
في العالم وفي الأمر تبين له أن مصدر قضاء
هذه الجنايات من العبيد، وتقديره: هو من
كمال الأسماء والصفات والأفعال وغايتها
أيضًا مقتضى حمده ومجده كما هو مقتضى
ربوبيته وإلهيته فالله في كل ما قضاه وقدره
الحكمة البالغة والآيات الباهرة. وظهور
أسماء الله وصفاته في هذه الحياة وفي
النفس البشرية وفي الکون کله واضح، لا
يحتاج إلى دليل إلا أن الاهتداء إلى تلك
الآثار أو الانتباه لها يتوقف على توقيف الله
تعالى بل إن التوقيف نفسه من آثار رحمته
التي وسعت كل شيء. فلو فكر الإنسان في
هذا الكون الفسيح وفي نفسه لرجع من هذه
الجولة الفكرية بعجائب واستفاد منها فوائد
ما كان يحلم بها ولو تأملنا هذه الآية الكريمة
لرأينا أمورًا تعجز عن التعبير عنها.
قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ
فَتَعَلَى
١١٥
عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْحَعُونَ (
(١) مدارج السالكين ١/ ٥٨ - ٥٩ ..
١٠٤
مَوَسُوع
القرآن الكريمِ

صفات الله عز وجل
اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَىّ لَآ إِلَهَ إِلََّّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ
اَلْكَرِيرِ (١)﴾ [المؤمنون: ١١٥-١١٦](١).
وجوهر هذا التوحيد: إخلاص الدين
كله لله وحقيقته: (( أن تفنی بعبادة الله عما
سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وبخشيته
عن خشية ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما
سواه، وكذلك بمولاته وسؤاله والاستغناء
به والتوكل عليه ورجائه ودعائه و التفويض
إليه والتحاكم إليه والملجأ إليه والرغبة فيما لعنة الله وفق مقتضى عدل الله ورحمته
عنده)) (٢).
وعندما يحقق المكلفون أنفسهم معنى
التوحيد؛ فإنهم بذلك يتواءمون مع الناموس
العام للخلق، ويتناسق موقفهم في الكون مع
بقية الخلائق المسخرة المنقادة له طوعًا أو
٠٠٠ ١٠
الله يسجد
أنَّ
كرها، كما قال تعالى:
لَهُ، مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ
وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَلَلْبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآَبُّ
وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِّ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾
[الحج: ١٨].
فالأرض بطبقاتها والسماوات بطبقاتها
وما فيها وما عليها من خلق الله تعالى
وحده، فهذه الحقيقة لا يستطيع أن يماري
فيها أحد، مؤمنًا كان أو كافرًا، تحدی القرآن
العباد وما قد یعبدون من دون الله أن يدلوا
على شيء واحد مشاهد في الكون هو من
(١) من عقيدة المسلمين في صفات رب العالمين،
علي المصراتي ص ١٢٩- ١٣٢ بتصرف.
(٢) مدارج السالكين ٣/ ٤٨٣.
خلق أحد غير الله.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرْءَيْتُم مَّا نَّدْعُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكُ
فِىِ السَّمَوَتِّ أَنْتُونِ يِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ
أَثَرَوْ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمُ صَدِقِينَ ))
[الأحقاف: ٤](٣).
٥. الرؤيا الصحيحة لمعرفة أصل
خلق الإنسان وعداوته مع إبليس عليه
وحكمته وخبرته تبارك وتعالى.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ أَسْجُدُواْ
لِلَدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ
اُلْكَفِرِينَ ﴿ وَقُلْنَا يَتَدَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ
الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا
هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّلِينَ ﴿ فَأَزَلَّهُمَا
الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيَةٍ وَقُلْنَا أَهْبِطُواْ
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌ وَمَتَعُ إِلَى
حِينٍ ٦ أَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ، كَلِمَتٍ فَنَّابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ,
هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: ٣٤-٣٧].
ومن العبر الواردة في هذه الآيات:
الاعتبار بحال أبوي الإنسان والجن، وبيان
فضل آدم و إِفضال الله علیه، وعداوة إبليس
له.
قال أبو جعفر: ((وتأويل قوله: ﴿إِنَّهُهُوَ
(٣) الحكم والتحاكم في خطاب الوحي،
عبد العزيز مصطفى كامل ١ /٤٥ - ٥٠
بتصرف.
www. modoee.com
١٠٥

حرف الصاد
الَوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ أن الله جل ثناؤه هو التواب
على من تاب إليه -من عباده المذنبين-
من ذنوبه، التارك مجازاته بإنابته إلى طاعته
بعد معصیته بما سلف من ذنبه. وقد ذكرنا
أن معنی التوبة من العبد إلى ربه، إنابته إلى
طاعته، وأوبته إلى ما يرضيه بتركه ما يسخطه
من الأمور التي كان عليها مقيمًا مما يكرهه
ربه. فكذلك توبة الله على عبده، هو أن
یرزقه ذلك، ویؤوب له من غضبه علیه إلى
الرضا عنه، ومن العقوبة إلى العفو والصفح
عنه.
وأما قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ فإنه يعني أنه
المتفضل عليه مع التوبة بالرحمة. ورحمته
إياه، إقالة عثرته، وصفحه عن عقوبة
جرمە))(١).
ففي ضمن هذا، تحذير بني آدم من
الشيطان، ولذلك كان من الحكم في إخراج
آدم من الجنة تحقق اقتضاء أسماء الله
الحسنى لمسمياتها ومتعلقاتها: كالغفور
والرحيم والتواب والعفو والخافض
والرافع .. إلخ.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (خلق آدم من قبضة قبضها من جميع
الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض،
فمنهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك
(١) جامع البيان، الطبري ١/ ٥٤٧.
جَوُورُ
القرآن الكريمِ
السهل والحزن والطيب والخبيث)(٢).
ولا شك أن هذه المعرفة والرؤية
الصحيحة لأصل خلق الإنسان تجعله
يعرف طبيعة بشريته وبشرية من حوله وكيف
يتعامل معهم ومع عدوه بميزان الشرع. قال
ابن القيم: ((وقد قيل إن طرد إبليس ولعنه،
إنما كان بسبب التأويل فإنه عارض النص
لنفسه أن هذا القياس العقلي مقدم على
نص الأمر بالسجود فإنه قال: ﴿أنا خَيْرٌ
[الأعراف: ١٢].
وصار إمامًا لكل من عارض نصوص
الوحي بتأويله الباطل إلى يوم القيامة
وكذلك خروج آدم من الجنة إنما كان بسبب
التأويل فهو صلی الله علیه وسلم لم يقصد
بالأكل معصية الرب والتجرؤ على مخالفة
نهيه وأن يكون ظالمًا مستحقًا للشقاء
بخروجه من الجنة هذا لم يقصده أبو البشر
قطعًا والصواب إِن آدم صلوات الله وسلامه
عليه لما قاسمه عدو الله أنه ناصح وأخرج
الكلام على أنواع متعددة من التأكيد:
أحدها: القسم.
الثاني: الإتيان بالجملة إسمية لا فعلية.
الثالث: تصديرها بأداة التأکید.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التفسير،
باب ومن سورة البقرة، رقم ٢٩٥٥.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة
المصابيح ٣٦/١.
١٠٦

صفات الله عز وجل
الرابع: الإتيان بلام التأکید في الخبر.
الخامس: الإتيان به اسم فاعل لا فعلاً
دالًا على الحدث.
السادس: تقديم المعمول على العامل
«فیه» فظن آدم صدقه وأنه إن أكل منها لم
يخرج من الجنة))(١).
وقال ابن سعدي: (( ولما علم الخبيث
- أي إبليس - أنهم ضعفاء قد تغلب الغفلة
علی کثیر منهم وکان جازمًا ببذل مجهوده
على إغوائهم ظن وصدق ظنه فقال: ﴿وَلَا
◌َبِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ﴾ [الأعراف: ١٧].
فإن القيام بالشكر من سلوك الصراط
المستقيم وهو يريد صدهم عنه وعدم
قیامهم به.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ
أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
وإنما نبهنا الله على ما قال وعزم على
فعله؛ لنأخذ حذرنا ونستعد لعدونا، ونحترز
منه بعلمنا بالطريق التي يأتي منها ومداخله
التي ينفذ منها، فله تعالى علينا بذلك أكمل
نعمة)) (٢).
وقال ابن القيم في تفسير قوله تعالى:
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى
رَبِهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [النحل: ٩٩].
والصواب أن يقال: ليس له طريق يتسلط
(١) الصواعق المرسلة ٣٧٠/١ -٣٧٣ بتصرف
واختصار.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٤٧.
به عليهم: لا من جهة الحجة ولا من جهة
القدرة
وقد أخبر سبحانه أنه لا سلطان لعدوهعلى
﴿ قَالَ رَبِّ
عباده المخلصين المتوكلين فقال:
◌ِمَّ أَغْوَيْنَنِ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ وَلَأَغْوِيَنَّهُمْ
أَجْمَعِينَ ﴿٦ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
٢ قَلَ هَذَا صِرَّطُ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ ) إِنَّ
عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ
اٌلْفَاوِينَ ﴾ [الحجر: ٣٩-٤٢].
ولما علم عدو الله أن الله تعالى لا
يسلطه على أهل التوحيد والإخلاص قال:
قَالَ فَبِعِزَّنِكَ لَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (١) إِلَّا عِبَادَكَ
مِنْهُمُ الْمُخْلَصِینَ
(٣)﴾ [ص: ٨٢ -٨٣].
فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله عز
وجل وأخلص له وتو کل علیه لا یقدر علی
إغوائه وإضلاله وإنما يكون له السلطان على
من تولاه وأشرك مع الله، فهؤلاء رعيته فهو
وليهم وسلطانه، والجميع بقضاء من أزمة
الأمور بيده ومردها إليه وله الحجة البالغة
فلو شاء لجعل الناس أمة واحدة ولكن أبت
حکمته وحمده وملكه إلا ذلك.
﴿فَلَّهِ اَلْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ
الْعَلَمِينَ ﴿ وَلَهُ الْكِبْرِيَُّ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[الجاثية: ٣٦-
٣٧](٣).
وقال ابن القيم: « فإن الله سبحانه وتعالى
(٣) إغاثة اللهفان ١/ ١٧٠ - ١٧٤ بتصرف.
www. modoee.com
١٠٧

حف الصاد
خلق هذا الآدمي واختاره من بين سائر فإنه معين له في الخلاص من عدوه وحزبه
والموصل له إلى مرضاة ربه عز وجل.
البرية، وجعل قلبه محل کنوزه من الإيمان
والتوحيد والإخلاص والمحبة وجعل ثوابه
إذا أقدم عليه أكمل الثواب وأفضله وهو
النظر إلى وجهه والفوز برضوانه، وكان مع
ذلك قد ابتلاه بالشهوة والغضب والغفلة
وابتلاه بعدوه إبليس لا يفتر عنه فهو يدخل
عليه من الأبواب التي هي من نفسه وطبعه
فتمیل نفسه معه فیتفق هو ونفسه وهواه علی
العبد.
فاقتضت رحمة ربه العزيز الحكيم به أن
أعانه بجند آخر وأمده بمدد آخر یقاوم به هذا
الجند الذي یرید هلاکه فأرسل إليه رسول
وأنزل عليه کتابه وأيده بملك كريم يقابل
عدوه الشيطان فهذا يلم به مرة وهذا مرة
والمنصور من نصره الله عز وجل.
وجعل له مقابل نفسه الأمارة نفسًا مطمئنة
فهو يطيع هذه مرة وهذه مرة وهو الغالب
عليه منهما، وجعل له مقابل الهوى الحامل
له على طاعة الشيطان والنفس الأمارة نورًا
وبصيرة وعقلًا يرده عن الذهاب مع الهوى،
فهو يطيع الناصح مرة ويمشي خلف دليل
الهوى مرة فلما أن بلي العبد بما بلي به أعين
بالعساكر والعدد والحصون)»(١).
فليتأمل العاقل الناصح لنفسه هذا الأمر
وعلى مقتضى إيمانه بأسماء الله وصفاته
(١) صحيح الوابل الصيب ص ٣٧ - ٣٨ بتصرف.
فَضْوَ
القرآن الكريمِ
٦. الإيمان بالقضاء والقدر وفق
المنهج الشرعي على مقتضى معرفة
الأسماء والصفات.
فما يصيبه من خير ونعمة في الحياة الدنيا
وفي الآخرة فبفضل الله ورحمته وعفوه وما
يصيبه من شر وضر فبعدل الله وحكمته
وخبرته عز وجل.
قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَقْتَهُ بِقَدَرٍ !
[القمر: ٤٩].
قال البغوي: ((أي: ما خلقناه فمقدور
ومكتوب في اللوح المحفوظ، قال الحسن:
قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي
ينبغي له))(٢).
وقال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْنَّقِينَ فِ جَنَّتِ
رِ فِي مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِكٍ مُقْنَدِرٍ
﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
((وقوله: ﴿فِي مَقْعَدٍ صِدْقٍ﴾ أي: في
دار كرامة الله ورضوانه وفضله، وامتنانه
وجوده وإحسانه، ﴿عِندَ مَلِيكِ مُقْنَدِرٍ﴾ أي:
عند الملك العظيم الخالق للأشياء كلها
ومقدرها، وهو مقتدر على ما يشاء مما
يطلبون ویریدون»(٣).
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٤٣٥/٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٧/ ٤٨٧.
١٠٨

صفات الله عز وجل
قال: (رأيت النبي صلی الله عليه وسلم يوم
الخندق ينقل معنا التراب وهو يقول: (والله
لولا الله ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا إذا أرادو فتنة أبينا)(١).
قال ابن الجوزي: ((من ذاق طعم المعرفة
وجد طعم المحبة، فالرضا من جملة
ثمرات المعرفة، فإذا عرفته سبحانه رضیت
بقضائه»(٢).
به وإسناد جميع الكائنات إلى مشيئة ربها
وبارئها وفاطرها.
وتبين أن من لم يؤمن بالقدر فقد انسلخ
من التوحيد ولبس جلباب الشرك بل لم
يؤمن بالله ولم يعرفه وهذا في کل کتاب
أنزله الله على رسله)»(٣).
والفلاح فیؤمنون بأن الله خالق كل شيء
وربه وملیکه ما شاء کان وما لم يشأ لم یکن
وهو على كل شيء قدير، أحاط بكل شيء
علمًا وكل شيء أحصاه في كتاب مبين.
ويتضمن هذا الأصل من إثبات علم الله
وقدرته ومشيئته ووحدانيته وربوبيته وأنه
خالق كل شيء وربه وملیکهما هو من أصول
(١) أخرجه البخاري في صحيحه من حديث
البراء، باب حفر الخندق، رقم ٢٨٣٧.
(٢) صيد الخاطر ص ١٠٢.
(٣) طريق الهجرتين ص ١٥١.
الإيمان. ومع هذا لا ينكرون ما خلقه الله من
الأسباب التي يخلق بها المسببات)» (٤).
وقال الخطابي: ((أن الله سبحانه قد
لطف بعباده فعلل طباعهم البشرية بوضع
هذه الأسباب؛ ليأنسوا بها فيخفف عنهم
ثقل الامتحان الذي تعبدهم به، وليتصرفوا
بذلك بين الرجاء والخوف، وليستخرج
منهم وظيفتي الشكر والصبر في طوري
السراء والضراء والشدة والرخاء، ومن وراء
وقال ابن القيم: ((فأما مقام الإيمان
والهدى والنجاة فمقام إثبات القدر والإيمان ذلك علم الله تعالى فيهم ولله عاقبة الأمور
وهو العليم الحكيم)»(٥).
وقال ابن القيم: (( والطمأنينة إلى أسماء
الرب تعالى وصفاته نوعان: طمأنينة إلى
الإيمان بها وإثباتها واعتقادها. وطمأنينة
إلى ما تقتضيه وتوجبه من أثار العبودية،
مثاله الطمأنينة إلى القدر وإثباته والإيمان به
وقال ابن تيمية: ((وأما أهل الهدى يقتضي الطمأنينة إلى مواضع الأقدار التي لم
یؤمر العبد بدفعها ولا قدرة له على دفعها،
فيسلم لها ويرضى بها ولا يسخط ولا يشكو
ولا يضطرب إيمانه، فلا يأسى على ما فاته
ولا يفرح بما آتاه؛ لأن المصيبة فيه مقدرة
قبل أن تصل إليه وقبل أن يخلق كما قال
تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن قُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِىّ
أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَاْ إِنَّ
ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحديد: ٢٢].
(٤) التدمرية ص ٢٠٩ - ٢١٠.
(٥) شأن الدعاء ص ١٢.
www. modoee.com
١٠٩

حرف الصاد
قال تعالى: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍإِلَّا على نفسه وبما أثنى به علیه رسول الله صلى
الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل
ومن غير تشبيه ولا تمثيل. وهذا النوع أيضًا
ثلاثة أنواع: حمدٌ وثناءٌ ومجدٌ.
بِإِذْنِ اللَّهُ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدٍ قَلْبَهُ، وَاللّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
[التغابن: ١١].
عَلِيمٌ
قال غير واحد من السلف: هو العبد
تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله
فيرضى ويسلم، فهذه طمأنينة إلى أحكام
الصفات وموجباتها وآثارها في العالم وهي
قدر زائد على الطمأنينة بمجرد العلم بها
واعتقادها))(١).
٧. تحقيق الأعمال من خلال
الخبر عن الرب تعالى بأحكام أسمائه
وصفاته.
أي: لا يكفي التصديق بالأسماء
والصفات بل لابد من العمل بالتكاليف
الشرعية، ولاسيما أن كثيرًا منها ارتبط
مباشرة بذكر بعض هذه الأسماء، وبعضها
ارتبط ببعض هذه الصفات، وخاصة في
سورة الفاتحة.
قال ابن القيم رحمه الله: ((الخبر عن
الرب تعالى بأحكام أسمائه وصفاته نحو
قولك: الله عز وجل يسمع أصوات عباده
ويرى حركاته، ولا تخفى عليه خافية من
أعمالهم وهو أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم
وهو على كل شيء قدير، وهو أفرح بتوبة
عبده من الفاقد راحلته ونحو ذلك.
وأفضل هذا النوع: الثناء عليه بما أثنى به
(١) الروح ص ٢٦٧.
مُؤْشَةُو ◌َرُ النَّفْسِير
جوسين
القرآن الكريم
فالحمد لله: الإخبار عنه بصفات كماله
سبحانه وتعالى مع محبته والرضا به فلا
یکون المحب الساکت حامدًا ولا المثني بلا
محبة حامدًا حتى تجتمع له المحبة والثناء،
فإن کرر المحامد شيئًا بعد شيءٍ كانت ثناء
فإن كان المدح بصفات الجلال والعظمة
والكبرياء والملك كان مجدًا.
وقد جمع الله تعالى لعبده الأنواع في
أول الفاتحة فإذا العبد قال: ﴿الْعَمْدُ للَّهِ تَبْ
الْعَلَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي وإذا
قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: أثنى علي عبدي
وإذا قال: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الذِينِ﴾ قال: مجدني
عبدي (٢).
ومن الذکر: ذکر أمره ونهيه وأحكامه،
وهو أيضًا نوعان:
أحدهما: ذکره بذلك إخبار عنه بأنه أمر
بکذا ونھی عن کذا وأحب كذا وأسخط كذا
ورضي کذا.
والثاني: ذكره عند أمره فیبادر إلیه عند
نهیه فیھرب منه فذكر أمره ونهيه شيء وذكره
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وإنه
إذا لم يحسن الفاتحة، ولا أمكنه تعلمها قرأ ما
تیسر له من غیرها، ٢٩٦/١، رقم ٣٩٥.
١١٠

صفات الله عز وجل
عند أمره ونهيه شيء آخر، فإذا اجتمعت هذه
الأنواع للذاکر فذكره أفضل الذکر واجله
وأعظمه.
فائدة: فهذا الذكر من الفقه الأکبر وما
دونه أفضل الذكر إذا صحت فیه النية، ومن
ذكره سبحانه وتعالى ذكر آلائه وإنعامه
وإحسانه وأياديه ومواقع فضله على عبيده،
وهذا أيضًا من أجل أنواع الذكر فهذه
خمسة أنواع وهي تكون بالقلب واللسان
تارة وذلك أفضل الذكر، وبالقلب وحده
تارة وهي الدرجة الثانية، وباللسان وحده
تارة وهي الدرجة الثالثة، فأفضل الذكر ما
تواطأ عليه القلب واللسان، وإنما كان ذكر
القلب وحده أفضل من ذكر اللسان وحده؛
لأن ذكر القلب يثمر المعرفة ويهيج المحبة
ويثير الحياء ويبعث على المخافة ويدعو
إلى المراقبة ویزع -أي: یمنع ویحبس- عن
التقصير في الطاعات والتهاون في المعاصي
والسيئات وذكر اللسان وحده لا يوجب
شيئًا من هذه الآثار وإن أثمر شيئًا منها فثمرة
ضعيفة))(١).
٨. تحقيق العلاقة الاستقرائية
بين أقسام التوحيد لتحصل السعادة
الشرعية في الدنيا والآخرة.
فشهادة أن لا إله إلا الله فيها الإلهيات
(١) صحيح الوابل الصيب من الكلم الطيب ص
١٥٤ - ١٥٦.
وهي الأصول الثلاثة توحيد الربوبية وتوحيد
الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات وهذه
الأصول الثلاثة تدور علیها أدیان الرسل وما
أنزل إليهم قال تعالى: ﴿فَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾
[محمد: ١٩].
قال ابن كثير: «هذا إخبار: بأنه لا إله إلا
الله، ولا يتأتى كونه آمرًا بعلم ذلك؛ ولهذا
عطف عليه بقوله: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
وَلِلْمُؤْمِينَ وَاَلْمُؤْمِنَتِ﴾))(٢).
وقال البخاري: ((باب العلم قبل القول
والعمل)» (٣).
((فتوحيد الربوبية يستلزم توحيد
الألوهية، ويوجب ذلك ويقتضيه وهكذا
توحيد الأسماء والصفات يستلزم تخصيص
الله بالعبادة وإفراده بها؛ لأنه سبحانه هو
الکامل في ذاته وفي أسمائه وصفاته وهو
المنعم على عباده فهو المستحق لأن يعبدوه
ويطيعوا أمره وينتهوا عن نهيه)) (٤).
وتأمل سورة الإخلاص-التي هي صفة
الرحمن- فقد دلت على أنواع التوحيد
الثلاثة: توحيد الذات، والصفات وذلك
على سبيل المطابقة وعلى توحيد الربوبية
وذلك على طريق التضمن. وتوحيد العبادة
بالالتزام، إن دلالة الشيء على كل معناه
(٢) تفسير القرآن العظيم ٣١٦/٧.
(٣) فتح الباري، ابن حجر ١٨٨/١.
(٤) تحفة الإخوان، ابن باز ص ٣٢.
www. modoee.com
١١١

حرف الصاد
يسمى مطابقة ودلالته على بعضه يسمى والصفات العليا إليها ومدارها عليها وهي:
((الله، الرب، الرحمن)) وبنيت السورة على
الإلهية والربوبية والرحمة.
تضمنًا وعلى ما يلزم من جهة الخارج یسمی
التزامًا))(١).
قال حافظ بن أحمد الحكمي: (( هل
جميع أنواع التوحيد متلازمة فيما بينها كلها
ما ينافي نوعًا منها ؟ قال نعم هي متلازمة
فمن أشرك في نوع منها فهو مشرك في البقية
مثال ذلك دعاء غير الله وسؤاله ما لا يقدر
عليه إلا الله فدعاؤه إياه عبادة بل مخ العبادة
وصرفها لغير الله من دون الله، فهذا شرك
في الإلهية، وسؤاله إياه تلك الحاجة من
جلب خير أو رفع شر معتقدًا أنه قادر على
قضاء ذلك، فهذا شرك في الربوبية حيث أنه
متصرف مع الله في ملکوته، ثم إنه لم يدعه
هذا الدعاء من دون الله إلا مع اعتقاده أنه
يسمعه على البعد والقرب في أي وقت كان
في أي مكان ويصرحون بذلك وهو شرك
في الأسماء والصفات حيث أثبت له سمعًا
محيطًا بجميع المسموعات فلا يحجبه
قرب ولا بعد فاستلزم هذا الشرك في الإلهية
الشرك في الربوبية والأسماء والصفات))(٢).
وقال ابن القيم: ((فاشتملت أي: سورة
الفاتحة على التعريف بالمعبود تبارك وتعالى
بثلاثة أسماء، مرجع الأسماء الحسنى
(١) مقدمة ابن باز على كتاب التنبيهات اللطيفة
لا بن سعدي ص ١٣.
(٢) أعلام السنة المنشورة، حافظ حكمي ص
٧٣.
فـ(( إياك نعبد)" مبني على الإلهية. و ((إياك
نستعين)) على الربوبية. وطلب الهداية إلى
الصراط المستقيم بصفة الرحمة، والحمد
يتضمن الأمور الثلاثة فهو المحمود في
إلهيته وربوبيته ورحمته، والثناء والمجد
كمالان لمجده»(٣).
وقال أيضًا: (( فعلم أنه اسمه (الله)
مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى
دال عليها بالإجمال والأسماء الحسنى
تفصيل وتبين لصفات الإلهية التي اشتقت
منها اسم الله، واسم (الله) دل على كونه
مألوهًا معبدًا، وتألهه الخلائق محبة وتعظيمًا
وخضوعًا وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب
وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته
المتضمنين لكمال الملك والحمد» (٤).
وقال الشافعي رحمه الله: ((وكان
الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم
ومن أدركناهم يقولون الإيمان قول
وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاث إلا
بالآخر)»(٥).
والإيمان والتوحيد معناهما واحد عند
الإطلاق كما أن الإيمان والأسماء أيضًا
(٣) مدارج السالكين ١/ ٣١.
(٤) المصدر السابق ١ / ٥٦.
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠٩/٧.
١١٢
جوبنيو
القرآن الكريمِ

صفات الله عز وجل
معناهما واحد عند الإطلاق ولفظة التوحيد
وردت في حديث جابر عن أبيه: (أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أتى بكبشين
أملحين عظيمين أقرنين، فأضجع أحدهما
وقال: بسم الله الله أكبر، اللهم عن محمد
وأمته، من شهد لك بالتوحيد وشهد لي
بالبلاغ)(١).
وقال ابن عباس في قوله تعالى: (اعبدوا
ربكم): وحدوا ربكم.
قال ابن جرير: ((والذي أراد- إن شاء
الله- وحدوا: أي أفردوا الطاعة والعبادة
لربکم دون سائر خلقه»(٢).
ويتأمل العبد في هذا الصدد مظاهر
الوحدانية لله عز وجل التي لا يمكن أن
يجزأها ويؤمن ببعضها دون البعض الآخر
بل يفرد ربه تبارك وتعالى بها في جميع
مظاهرها وأنواعها وبذلك تحقق العبودية
له.
ومن فوائد الإيمان بالأسماء الحسنى
والصفات العلى لله عز وجل:
١. أن هذا العلم - وهو العلم المتعلق بالله
تعالى- أشرف العلوم وأجلها على
(١) أخرجه أحمد في مسنده، مسند جابر، رقم
٠١٤٨٣٧
قال الألباني: إسناده حسن رجاله ثقات رجال
مسلم غیر ابن عقیل فیہ کلام لا ینزل به حديثه
عن رتبة الحسن.
انظر: إرواء الغليل، رقم ١١٣٨.
(٢) جامع البيان ١/ ١٨٤.
الإطلاق.
٢. أن معرفة الله تعالى تدعو إلى محبته
وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاص
العمل له وهذا عين سعادة العبد ولا
سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه
وصفاته والتفقه في فهم معانيها.
٣. أن الله خلق الخلق ليعبدوه ويعرفوه
فهذا هو الغاية المطلوبة منهم فالاشتغال
بذلك اشتغال بما خلق له العبد، وتركه
وتضيعه إهمال لما خلق به، وقبيح بعبد
لم تزل نعم الله عليه متواترة أن يكون
جاهلا بربه معرضًا عن معرفته.
٤. أن أحد أركان الإيمان بل أفضلها
وأصلها الإيمان بالله وليس الإيمان
بمجرد قوله: (( آمنت بالله )) من غير
معرفة بربه بل حقيقة الإيمان أن يعرف
الرب الذي يؤمن به ويبذل جهده في
معرفة أسمائه وصفاته حتى يبلغ درجة
اليقين.
٥. أن العلم به تعالى أصل الأشياء كلها
حتى أن العارف به حق المعرفة يستدل
بما عرف من صفاته وأفعاله على ما
يفعله، وعلى ما يشرعه من الأحكام
لأنه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه
وصفاته فالأفعال دائرة بين العدل
والفضل والحكمة، وكذلك لا يشرع
ما يشرعه من الأحكام إلا على حسب
www. modoee.com
١١٣

حفالصاد
ما اقتضاه حمده وحكمته وفضله
وعدله، فأخباره كلها حق وصدق
وأوامره ونواهيه عدل وحكمة، وهذا
العلم من أعظم وأشهر من أن ينبه عليه
لوضوحه(١).
هذه الثمرات والفوائد العلمية العقدية
الفكرية يجب أن ترتكز في ضمير المؤمن
لكي تقوده إلى عمل مستمر ومثمر يتمثل في
عمله الصالح المنطلق من مفهوم الأسماء
والصفات، فتصلح إيمانه وتصلح عمله معًا.
لأن هذا المفهوم الكبير المتمثل في
الركن الأول من أركان الإيمان الستة له
علاقته الوطيدة بجميع أحكام العقيدة
والشريعة، ولذا جاءت هذه الثمار والفوائد
بهذه الطريقة العلمية المتخصصة. والله
أعلم وأحكم.
موضوعات ذات صلة:
أسماء الله، الإلحاد، الألوهية، الإيمان،
التوحيد
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
المقدمة.
١١٤
فَضْو
جوبيو
الْقُرآن الكَرِيْمِ