النص المفهرس
صفحات 21-40
صفات الله عز وجل
من جهة العلم، ولا من جهة القدرة، فإن بأسماء وسمى صفاته بأسماء، فكانت
العلم والقدرة من صفات الكمال، وإنما يذم تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا
يشركه فيها غيره، وسمى بعض مخلوقاته
بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق
من جهة سوء القصد، وفساد الإرادة، وهو
أن الماكر المخادع يجور، ويظلم بفعل ما
ليس له فعله، أو ترك ما يجب عليه فعله))(١). تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة
والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين
وقال البغوي: ((وقال أهل المعاني:
الإلحاد في أسماء الله: تسميته بما لم يسم
به، ولم ينطق به كتاب الله ولا سنة رسول
الله صلى الله عليه وسلم.
تماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق
والتجريد عن الإضافة والتخصيص، لا
اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة
والتخصيص، فضلا عن أن يتحد مسماهما
عند الإضافة والتخصيص.
وجملته: أن أسماء الله تعالى على
التوقيف فإنه يسمى جوادًا ولا يسمى
سخيا، وإن كان في معنى الجواد، ويسمى
رحيما ولا يسمى رفيقا، ويسمى عالما ولا
يسمى عاقلا وقال تعالى: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ
وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢].
وقال عز من قائل: ﴿وَمَكَرُواْ
وَمَكَرَ اللّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِينَ
[آل
عمران: ٥٤].
ولا يقال في الدعاء: یا مخادع، یا مکار،
بل يدعى بأسمائه التي ورد بها التوقيف
علی وجه التعظیم، فیقال: یا الله، يا رحمن،
یا رحیم، یا عزیز، یا کریم، ونحو ذلك
﴿َسَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]
في الآخرة))(٢).
وقال ابن تيمية: (ولهذا سمی الله نفسه
(١) المصدر السابق.
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٣٠٧/٣.
فقد سمى الله نفسه حيًا، فقال: ﴿اللَّهُ لَا"
إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وسمی بعض عباده حيًا، فقال: ﴿ يُخْرُِ
اَلْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيّ﴾
[الروم: ١٩].
وليس هذا الحي مثل هذا الحي، لأن
قوله ﴿الْحَىُّ﴾ اسم لله مختص به، وقوله
﴿يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ اَلْمَيْتِ﴾ اسم للحي
المخلوق مختص به يتفقان إذا أطلقا وجردا
عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى
موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من
المطلق قدرًا مشتركا بين المسميين، وعند
الاختصاص یقید ذلك بما يتميز به الخالق
عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق، ولا
بدمن هذا في جمیع أسماء الله وصفاته،یفهم
منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق،
www. modoee.com
٧٧
حرف الصاد
وما دل عليه بالإضافة والاختصاص، المانعة
من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من
خصائصه سبحانه و تعالى.
وكذلك سمى الله نفسه عليمًا حليمًا،
وسمى بعض عباده عليمًا، فقال: ﴿وَبَشَرُوهُ
بِغُلَمٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] يعني إسحاق،
وسمى آخر حليمًا، فقال: ﴿فَبَشَّرْنَهُ
بِعُلَمٍ حَلِيمٍ ﴾ [الصافات: ١٠١] يعني
إسماعيل، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم
کالحليم)»(١).
والخلاصة أن الصفات الواردة في
كتاب الله منها ما اشتق من أسماء الله
الواردة في القرآن وقد بينا تلك الأسماء
مثل ((الله)) يتضمن صفة الألوهية و((الرب))
يتضمن صفة الربوبية و((السميع)) يتضمن
صفة السمع و((العليم)) يتضمن صفة العلم،
وهكذا في باقي الأسماء، وأما الصفات
غير المشتقة من تلك الأسماء فقد ذكرناها
بأدلتها. فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة
مطلقًا، بل تمدح في موضع وتذم في
موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله
مطلقًا، فلا يقال إنه تعالى يمكر ويخادع
يستهزئ ويكيد، ولا تطلق عليه في غير ما
سيقت فيه من الآيات، بمعنى أنه لا يجوز
أن تجعل أفعالًا مطلقًا يتصف به الله تبارك
وتعالى، بل تقيد بضوابطها وأحوالها.
والمقصود أن الله سبحانه لم يصف نفسه
بالكيد، والمكر، والخداع إلا على وجه
الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد علم
أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق،
فكيف من الخالق سبحانه؟!
(١) التدمرية ص ٢١-٢٤.
جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِير
الْقُرْآن الكَرِيمِ
٧٨
صفات الله عز وجل
دلائل إثبات صفات الكمال لله تعالى
أولًا: الأدلة الفطرية:
أما دلالة الفطرة على وجود الله الذي
يدخل فيه الإيمان بأسمائه وصفاته فإن کل
مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من
غير سابق تفكير أوتعليم، ولا ينصرف عن
مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه
ما يصرفه عنها، لقول النبي صلى الله عليه
وسلم: (ما من مولود يولد إلا على الفطرة،
فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.)(١).
فالقلوب مفطورة على الإقرار بالله
تصديقًا به مدينًا له، لكن یعرض لها ما
يفسدها، ومعرفة الحق تقتضي محبته
ومعرفة الباطل تقتضي بغضه بما في الفطرة
من حب الحق وبغض الباطل ((فإن كل أحد
يرجع إلى فطرته وغريزته عرف خالقه،
وذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ
لِلّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اَلَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيْهَا لَا نَبْدِيَلَ لِخَلْقِ اَلَّهِّ ذَلِكَ الْدِيْنُ الْقَبْدُ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
٣٠
[الروم: ٣٠].
وهذه المعرفة هي التي أخبر الله تعالى
بوجودها في الكفار، وذلك في قوله تعالى:
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنازة،
باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه،
٩٤/٢، رقم ١٣٥٨.
﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضَ
لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ ﴾ [لقمان: ٢٥].
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِ اَلْفُلْكِ
دَعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ فَلَمَّا نَّنُهُمْ إِلَى الْبَرِّ
إِذَاهُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
فحين ظهرت لهم حال الضرورة
وانقطعوا عن أسباب الخلق، ولم يبق
لهم تعلق بأحد، ظهرت منهم المعرفة
الغريزية)»(٢).
ففي آية لقمان اعتراف منهم بأن الذي
خلق ذلك هو الله وحده، وفي آية العنكبوت
قادتهم فطرتهم في حالة الضرورة إلى
دعوتهم الله تعالى دون سواه، وهذه هي
المعرفة الغريزية.
ففي نفس كل مخلوق من العبر والحكمة
والرحمة وغير ذلك ما يدل على خالقه
وهو الله تبارك وتعالى وأنه واحد صمد،
المتصف بصفات الكمال المطلق من
الحكمة والرحمة والخبرة والعلم .. إلخ.
وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللَّهِّ ذَلِكَ الدِّينُّ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: ٣٠].
قال ابن كثير: ((يقول تعالى: فسدد
وجهك واستمر على الذي شرعه الله لك
(٢) الحجة في بيان المحجة، الأصبهاني ٢/ ٤١.
www. modoee.com
٧٩
حرف الصاد
من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله
لها، وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع
ذلك لازم فطرتك السليمة، التي فطر الله
الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على
معرفته و توحیده، وأنه لا إله غيره»(١).
وقال ابن سعدي: ((یأمر تعالی بالإخلاص
له في جميع الأحوال وإقامة دينه فقال:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ ﴾ أي: انصبه ووجهه إلى
الدين الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان
بأن تتوجه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة
شرائع الدين الظاهرة. وشرائعه الباطنة
كالمحبة والخوف والرجاء والإنابة وهذا
الأمر الذي أمرناك به هو ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ
فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ووضع في عقولهم
حسنها واستقباح غيرها، فإن جميع أحكام
الشرع الظاهرة والباطنة قد وضع الله في
قلوب الخلق كلهم، الميل إليها، فوضع في
قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق وهذا حقيقة
الفطرة، ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض
عرض لفطرته أفسدها))(٢).
ومما يدل على دلالة الفطرة أيضًا: قوله
صلى الله عليه وسلم للجارية: (أين الله؟)
قالت: في السماء. قال: (من أنا؟) قالت:
رسول الله. قال: (أعتقها فإنها مؤمنة)(٣).
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٣/٦.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٤١.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد،
باب تحريم الكلام في الصلاة، ٣٨١/١، رقم
القرآن الكريم
((ولقد أودع الله في الفطر التي لم تتنجس
بالتعطيل والجحود أنه سبحانه الكامل في
أسمائه وصفاته وأنه الموصوف بكل كمال
المنزه عن كل عيب ونقص)) (٤)
وهذا هو الشاهد من دلالة الفطرة على
إثبات صفات الله عز وجل، فإن الفطرة
السليمة تثبت إلهًا كاملًا لا نقص فيه بوجه
من الوجوه، ولا يكون كاملًا إلا إذا اتصف
بكل صفة كمال وتنزه عن كل صفة نقص،
و کل صاحب فطرة قويمة پقر من داخله أن
إثبات الصفات كمال، ونفيها نقص، فالذي
ليس له صفات إما معدوم وإما ناقص، والله
منزه عن ذلك وهذه المعرفة لا يترتب عليها
كفر ولا إيمان ولا تتفاوت في ذاتها فهي
معرفة عامة ولا يترتب عليها ثواب وعقاب
ولكنها نافعة فيها لو تركت بدون معارضة
خارجية لأنها تقود إلى الإيمان کذا لو تبعها
نظر شرعي في ملكوت الله واتباع لشرع الله
تعالى فإنها بذلك تكون وسيلة للهداية.
وقد روى البيهقي عن الإمام الشافعي
أنه قال: «فأما فرض الله تعالى على القلب:
فالإقرار والمعرفة، والعقد والرضا والتسليم
بأن الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له)»(٥).
وقال أبو بكر الخلال: ((أخبرني
٥٣٧.
(٤) مدارج السالكين، ابن القيم ٤٦٧/٣.
(٥) مناقب الشافعي ٣٨٧/١- ٣٩٣.
٨٠
صفات الله عز وجل
عبدالملك بن عبد الحميد قال: قال - أي والأفضل. فاتباع الوحي: قرآن وسنة، هو
اتباع الصراط المستقيم، وبغير طريق الوحي
أحمد -: والذي نقول: كل مولود يولد على
الفطرة الأولى التي فطر الله الناس عليها.
قلت: فما الفطرة الأولى: هي الدين ؟قال:
نعم))(١).
لا تكون معرفة الله صحيحة صافية تبعث
الإيمان في القلب وتشيد أركانه لأن معرفة
أسماء الله وصفاته من أعظم الغيبيات التي
أمرنا بالإيمان بها ولا أحد أعلم بالله من الله
ولا أحد أعلم به سبحانه من خلقه كرسوله
صلی الله عليه وسلم))(٣).
وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم:
(إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة وألقى
علیهم من نوره فمن أصاب من ذلك النور
اهتدى ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف
القلم عن علم الله تعالى)(٢).
فالفطرة تبع للوحي في دلالتها على
الصفات، وليست دليلًا مستقلًا عنه.
ثانيًا: الأدلة النقلية (الكتاب والسنة):
فقد دلت الأدلة القرآنية والحديثية
الکثیرة علی إثبات صفات الله عز وجل،
فالوحي: ((هو الطريق الوحيد المأمون
العاقبة، الموصل للحقيقة، المعرف بالله عز
وجل فيما يتعلق بوجوده وربوبيته وبألوهيته
وبأسمائه وصفاته وأفعاله، إذ هو كلام الله
عن نفسه وكلام أنبيائه الذين هم أعرف
الخلق به، فهو الأسلم والأحكم والأبين
(١) انظر: كتاب السنة ص٨٨١.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الإيمان،
باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، ٢٦/٥،
رقم ٢٦٤٢.
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، (٤) انظر: علاقة الإثبات والتفويض، معطي رضا
نعسان ص ٥١.
٦٤/٣، رقم ١٠٧٧.
وقد قال الحافظ ابن كثير في رسالته في
العقائد: (( فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت
الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر
والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة
والعظمة والمشيئة والإرادة والقول والكلام
والرضى والسخط والحب والبغض والفرح
والضحك: وجب اعتقاد حقيقته، من غير
تشبيه بشيء من ذلك بصفات المربوبين
المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله الله
سبحانه وتعالى ورسوله من غير إضافة ولا
زيادة علیه، ولا تکییف له، ولا تشبيه، ولا
تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، وإزالة لفظه
عما تعرفه العرب وتصرفه عليه، والإمساك
عما سوى ذلك)»(٤).
ومن الأدلة الواردة في السور القرآنية:
سورة الفاتحة والإخلاص والفلق والناس
(٣) تحقيق العبودية بمعرفة الأسماء والصفات،
فوز الكردي ص ١٩٥ - ٢٠٤.
www. modoee.com
٨١
حف الصاد
إلخ، وهذا أمر متواتر یعرفه العالم والمتعلم،
وقد اتخذت دلالة القرآن الكريم في تقرير
هذا المعنى في هذا الباب جميع أنواع
الدلالات وهي دلالة المطابقة والتضمن
والالتزام.
ثالثًا: الأدلة العقلية:
الله سبحانه قد زود العباد بنوافذ المعرفة
من الحواس المختلفة، لينظروا في آياته
المبثوثة في كل جزء من صنعته التي هي
أدلة متنوعة عليه ومناسبة لكل مستويات
الإفهام والحفظ من الفهم والتعقل والإدراك
وصاحب العقل الصحيح يفكر في الكون
حوله فیعرف أن کل موجود لا بد له من خالق
أوجده، وهذا الخالق لا بد أن يكون عظيمًا
قويًا عالمًا حكيمًا، وينظر ويفكر في النفس
البشرية وما أودع الله فيها من الأسرار وما
حوته من بدائع الخلق في أجهزتها المختلفة
فيستدل بها على الخالق الباريء المصور
وعلى بعض صفاته سبحانه وتعالى.
ويفكر ويتأمل في نعم الله المتوالية على
الأكوان التي لا يستطيع أحد إحصاءها إلا
ربها وخالقها، فيستدل بها على المنعم
المعطي الرزاق.
ويدله كل جمال وكمال لا نقص فيه،
منحه الله عز وجل لمخلوقاته، على أن
موجده ومانحه سبحانه وتعالى أولى به،
فيثبت له الجمال المطلق والكمال المطلق
وينزهه عن كل نقص وعيب وهذا هو ما
يسمى بقياس الأولى، وهو القياس العقلي
الصحيح الذي يستخدم للوصول لمعرفة
أسماء الله وصفاته، إذ هو قياس عقلي
قرآني. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ
إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ [الغاشية: ١٧].
قال ابن عادل: ((لما ذكر الله تعالى أمر
الدارين تعجب الكفار من ذلك، فكذبوا
وأنكروا، فذكرهم الله صنعته، وقدرته،
وأنه تعالى قادر على كل شيء، كما خلق
الحيوانات والسماء والأرض، وذكر الإبل
أولًا؛ لأنها كثيرة في بلاد العرب، ولم يروا
الفيلة، فنبههم تعالى على عظيم من خلقه،
قد ذلله للصغير من خلقه يقوده وينيخه
وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الأحمال،
وهو بارك، فینهض بثقيل حمله، وليس
ذلك في شيء من الحيوان غيره، فأراهم
عظیمًا من خلقه، یدلهم بذلك علی توحیده،
وعظيم قدرته تعالى))(١).
وقال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَدُد مَاِهَةٌ كَمَا
يَقُولُونَ إِذَا لَّأَ بَنَغَوْاْ إِلَى ذِى الْعَرْنِ سَبِيلًا ( سُبْحَتَهُ
وَتَعَلَى عَنَّا يَقُولُونَ عُلُّ كَبِيرًا (٢ نُسَعُ لَهُ السَّمَوَتُ
السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيِنَّ وَإِن مِّنِ شَىْءٍ إِلَّا يُسَيْحُ
◌ِّدِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ، كَانَ حَلِيمًا
غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٢ -٤٤].
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٢٩/٢٠.
٨٢
جوبي
القرآن الكريمِ
صفات الله عز وجل
((ومن أعظم ما صرف فيه الآيات والأدلة: معه آلهة فقد ضل من قال ذلك ضلالا مبيناً
وظلم ظلمًا كبيرًا)»(١).
التوحيد الذي هو أصل الأصول، فأمر به
ونهى عن ضده وأقام عليه من الحجج
العقلية والنقلية شیئا کثیرًا بحيث من أصغى
إلی بعضها لا تدع في قلبه شگا ولا ريبًا.
ومن الأدلة على ذلك هذا الدليل العقلي
الذي ذكره هنا فقال: ﴿قُل﴾ للمشركين
الذين يجعلون مع الله إلها آخر: ﴿لَوْ كَانَ
مَعَدُدْ ءَاِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ أي: على موجب
زعمهم وافترائهم ﴿إِذَا لََّبَنَغَوْ إِلَى ذِى الْعِشِْ
سَبِيلًا﴾ أي: لاتخذوا سبيلًا إلى الله بعبادته
والإنابة إليه والتقرب وابتغاء الوسيلة،
فكيف يجعل العبد الفقير الذي يرى شدة
افتقاره لعبودية ربه إلهًا مع الله؟! هل هذا إلا
من أظلم الظلم وأسفه السفه؟!
ويحتمل أن المعنى في قوله: ﴿قُل لَّوْ
كَانَ مَعَدُرْ ءَاِمَةٌ كُمَا يَقُولُونَ إِذَا لََّبَنَغَوْاْ إِلَى ذِى الْعِرْشِ
سَبِيلاً﴾ أي: لطلبوا السبيل وسعوا في مغالبة
الله تعالی، فإما أن يعلوا علیه فیکون من علا
وقهر هو الرب الإله، أما وقد علموا أنهم
یقرون أن آلهتهم التي یعبدون من دون الله
مقهورة مغلوبة ليس لها من الأمر شيء فلم
اتخذوها وهي بهذه الحال؟!
﴿سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى﴾ أي: تقدس وتنزه
وعلت أوصافه ﴿عَنَّا يَقُولُونَ﴾ من الشرك به
واتخاذ الأنداد معه ﴿عُلُوّا كبيرًا﴾ فعلا قدره
وعظم وجلت کبریاؤه التي لا تقادر أن يكون
فهذا هو مجال العقل في الدلالة على
إثبات الصفات فهو يعمل تفكيره في
المخلوقات وآثارها لكى يستدل على وجود
خالقها الذي لاشك أنه متصف بكل صفات
الكمال المطلق المنزه عن كل صفات
النقص، وهذا هي المعرفة العامة الإجمالية.
أما الإدراك التفصيلي المتعلق بكنه حقيقة
الربوبية وعظمة الألوهية وتوحيد الأسماء
والصفات و کیفیة ذلك فإنه لا يستطيعها مهما
فکر وتدبر قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَبِهِ،
عِلْمًا
﴾ [طه: ١١٠].
((وقوله ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾ يقول
تعالى ذكره: ولا يحيط خلقه به علما.
ومعنى الكلام: أنه محيط بعباده علمًا، ولا
يحيط عباده به علمًا))(٢)، («فنفى الإحاطة مع
ثبوت العلم»(٣).
«ومعلوم أن العقل لا مدخل له في باب
صفات الله تعالى؛ لأنها فوق مستويات
العقول ليس كمثله شيء وهو السميع
البصير، ولا يحيطون به علمًا سبحانه
وتعالى))(٤).
أي: على جهة التفصيل المستقل عن
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٥٨.
(١)
(٢) جامع البيان، الطبري ٣٧٦/١٨.
(٣) معالم التنزيل، البغوي ١٧٤/٣.
(٤) أضواء البيان، الشنقيطي ٨/ ١٧.
www. modoee.com
٨٣
حرف الصاد
الوحي.
وقد حذر السلف الصالح رحمهم
الله ومنهم الإمام الطحاوي من عاقبة
إعمال العقل فيما هو ليس من اختصاصه
فقال: ((من رام علم ما حظر عنه علمه،
ولم يقتنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن
خالص التوحيد، وصافي المعرفة وصحیح
الإيمان))(١).
وهكذا فلا يمكن أن يكون العقل وحده
طريقًا لمعرفة أسماء الله وصفاته بل ينبغي
أن يكون خلف الوحي مسلمًا له، كما لم
تكن الفطرة وحدها طريقًا لذلك، وإن
كان يدلان على الواحد الأحد وعلى أن له
الكمال المطلق من جهة عامة.
وقال ابن أبي العز الحنفي: ((ومن المحال به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة
أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على
التفصيل، فاقتضت رحمة العزيز الرحيم
أن بعث الرسل معرفین وإلیه داعین، ولمن
أجابهم مبشرين ولمن خالفهم منذرين
وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة
المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، إذ
على هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها
من أولها إلى آخرها)) (٢).
وتأمل قوله: ((ومن المحال أن تستقل
العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل)).
(١) شرح الطحاوية، ابن أبي العز ص ١٨٤.
جوب
القرآن الكريم
ولا إشكال في معرفة ذلك على الإجمال
وهذا واضح في كلام علمائنا رحمهم الله.
وقال الشاطبي: ((إن الله جعل للعقول في
إدراکھا حدًا تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل
لها سبيلا إلى الإدراك في کل مطلوب، ولو
كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى
في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا
يكون»(٣).
وهذا يبين حدود العقل في المعرفة
العامة للصفات وهو متاح للعقل أن يتحرى
فيه، وغير متاح له في غير ذلك على جهة
التفصيل.
((والعقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية
لا كذب فيها غير أنك لا تطمع أن تزن
وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره،
فإن ذلك طمع في محال»(٤).
والخلاصة: أن الأدلة العقلية السليمة
والقويمة تدل دلالة واضحة على إثبات
الصفات لله تبارك وتعالى على وجه الكمال
وذلك بالنظر والتفكر في المخلوقات
وآثارها فيدرك أن الله هو العليم الحكيم
الخالق وأن من صفاته العلم والحكمة
والخلق .. إلخ.
وأما على جهة التفصيل فإن ذلك مختص
(٢) المصدر السابق ص ٦.
(٣) الاعتصام، الشاطبي ٣١٨/٢.
(٤) مقدمة ابن خلدون ص ٥٥٩.
٨٤
صفات الله عز وجل
بالوحي فقط لأن الأسماء والصفات توقيفية،
والعقل الصحيح الصريح في هذه الحالة
یکون تابعًا للوحي ومؤيدًا له.
طريقة القرآن في عرض صفات الله
((فهذا القرآن عمدته ومقصوده الإخبار
عن صفات الرب سبحانه وتعالى وأسمائه
وأفعاله وأنواع حمده والثناء عليه والإنباء
عن عظمته وعزته وحكمته وأنواع صنعته
والتقدم إلى عباده بأمره ونهيه))(١).
ومن الأساليب البارزة عند تأمل طريقة
القرآن في التعريف بالله وأسمائه وصفاته
على سبيل الإجمال ما يلي:
١. الحديث عن الأسماء والصفات
مباشرة.
ومما تحدث عنه القرآن من أسماء الله
وصفاته: اسم الله الدال على ألوهيته سبحانه
وتعالى، والدال على جميع أسمائه وصفاته
فقال عز وجل: ﴿اللّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ
عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ [الرعد: ٢].
کما تحدث عن کمال حیاته و قیامه علی
كل شيء فقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلََّ هُوَ
الْحَىُّ الْقَيُّوُمُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌّ لَّهُ, مَا فِى
السَّمَوَاتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وتحدث عن وحدانيته وكماله كما في
قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْأَسْمَاءُ
اَلْحُسْنَى ﴾ [طه: ٨].
وقال ابن القيم: ((هذا القرآن من أوله
لآخره إنما يدعو الناس إلى النظر في صفات
(١) طريق الهجرتين، ابن القيم ص١٢٨.
www. modoee.com
٨٥
حف الصاد
الله وأسمائه وأفعاله»(١).
ومراده رحمه الله بذلك دلالة المطابقة
والالتزام والتضمن.
وقال تعالى: ﴿هُوَالَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّافِى
الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّنُهُنَّ
سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[البقرة: ٢٩].
قال ابن سعدي: ((أي: لما خلق تعالى
الأرض، قصد إلى خلق السماوات
فخلقها
﴿فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَتٍ﴾
وأحكمها، وأتقنها، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾
وكثيرًا ما يقرن بين خلقه للخلق وإثبات
علمه كما في هذه الآية))(٢).
﴿وَاللَّهُ يَخْنَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَآءُ﴾
[البقرة: ١٠٥]:
والله يختص من يشاء بنبوته ورسالته
فيرسله إلى من يشاء من خلقه، فيتفضل
بالإيمان على من أحب فيهديه له،
واختصاصه إياهم بها إفرادهم بها دون
غيرهم من خلقه، وإنما جعل الله رسالته إلى
من أرسل إليه من خلقه وهدايته من هدى
من عباده رحمة منه له ليصيره بها إلى رضاه
ومحبته وفوزه بها بالجنة واستحقاقه بها
وَاَللَّهُ
ثناءه، وكل ذلك رحمة من الله له،
(١) مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ٢٣٣.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٨.
ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥].
خبر من الله عن أن کل خير ناله عباده في
دینهم فإنه من عنده ابتداءً وتفضلًا منه عليهم
غير استحقاق منهم ذلك عليه)) (٣).
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ
رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ * الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا
وَالسَّمَآءَ بِنَآءَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ
الثَّمَرَّتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ {
﴾ [البقرة: ٢١-٢٢].
٢٢
قال البغوي رحمه الله تعالى: ((قوله
تعالى ﴿یَأُهَا النَّاسُ﴾ قال ابن عباس رضي
الله عنهما: يا أيها الناس خطاب أهل مكة،
وقال أبو جعفر في تفسير قوله تعالى: و يا أيها الذين آمنوا خطاب أهل المدينة
وهو هاهنا عام إلا من حيث إنه لا يدخله
الصغار والمجانين ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ
فِرَشًا﴾ أي بساطًا وقيل: منامًا، وقيل:
وطاء، أي: ذللها ولم يجعلها حزنة لا یمکن
القرار عليها، والجعل هاهنا بمعنى الخلق
﴿وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ﴾ وسقفًا مرفوعًا. ﴿وَأَنْزَّلَ مِن ◌َنَّ
السَّمَآِمَآءَ﴾ المطر ﴿فَأَخْيَرَبِهِ، مِنَ الثَّمَرَاتِ
ألوان الثمرات وأنواع النبات ﴿رِزْقًا لَّكُمْ﴾
طعاما لكم وعلفا لدوابكم ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ
أَنْدَادًا﴾ أي أمثالا تعبدونهم كعبادة الله.
قال أبو عبيدة: الند الضد، وهو من
الأضداد، والله تعالى بريء من المثل
(٣) جامع البيان ١/ ٥٤٦.
٨٦
جَوَبُور
القرآن الكريم
صفات الله عز وجل
والضد. ﴿وَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه واحد خالق
هذه الأشياء))(١).
وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌ لَّ إِلَهَ إِلَّا
هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: ١٦٣].
«ففي هذه الآية إثبات وحدانية الباري
وإلهيته، وتقريرها بنفيها عن غيره من
المخلوقین، وبيان أصل الدليل على ذلك
وهو إثبات رحمته التي من آثارها وجود
جمیع النعم، واندفاع جمیع النقم، فهذا دليل
إجمالي على وحدانيته تعالى))(٢).
بل تجد حديث القرآن عن بعض
الصفات حديثًا مفصلًا وعلى سبيل المثال:
صفة الاستواء حيث إنه جل وعلا وصف
نفسه بالاستواء على العرش، ووصف غيره
بالاستواء على بعض المخلوقات، فتمدح
جل وعلا في سبع آيات من كتابه باستوائه
على عرشه، ولم يذكر صفة الاستواء إلا
مقرونة بغيرها من صفات الكمال والجلال،
القاضية بعظمته وجلاله جل وعلا، وأنه
الرب وحده، المستحق لأن يعبد وحده،
وبحسب ترتيب المصحف الكريم إليك
هذه المواضع:
الموضع الأول: في سورة الأعراف قوله
تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
(١) معالم التنزيل، البغوي ١/ ٧١ -٧٣.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٨.
[الأعراف: ٥٤].
الموضع الثاني: قوله تعالى في سورة
يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
[يونس : ٣].
الموضع الثالث: قوله تعالى في سورة
الرعد: ﴿اَللَّهُالَّذِى رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرٍ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا
ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢].
الموضع الرابع: قوله تعالى في سورة طه:
﴿الرَّحْنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى (٥)﴾ [طه:٥]
الموضع الخامس: قوله تعالى في سورة
الفرقان: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِِّ الرَّحْمَنُ﴾
[الفرقان: ٥٩].
الموضع السادس: قوله تعالى في سورة
السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
[السجدة: ٤]
الموضع السابع: قوله تعالى في سورة
الحديد: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤].
٢. ذكر مفعولات الرب سبحانه
وتعالی وآياته.
فمن خلالها يتعرف على أسمائه وصفاته
وأفعاله.
قال ابن القيم: ((وإذا تأملت ما دعا الله
سبحانه وتعالى في كتابه عباده إلى التفكر
فيه، أوقعك على العلم به سبحانه وتعالى
www. modoee.com
٨٧
حرفالصاد
وبوحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله، من فهذاوجه النظم.)) (٢).
عموم قدرته وعلمه وكمال حكمته ورحمته
وإحسانه ويره ولطفه وعدله ورضاه وغضبه
وثوابه وعقابه فبهذا تعرف إلى عباده وندبهم
إلى التفكر في آياته»(١).
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿أَلْ عَجْعَلَ الأرْضَ
مِهَدًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا وَخَلَقْتَكُمْ أَزْوَجًا
٥ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَانًا وَجَعَلْنَا أَلَيْلَ لِبَاسًا
◌َوَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ، وَبَنَّيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا
شِدَادًا (١) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَمَّاجَاء ◌ِ وَأَنْزَلْنَا
مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَاءُ تَجَّاجً الِتُخْرِجَ بِهِ، حَبَّا وَنَبَاتًا
٥ وَجَنَّتٍ أَلْفَافًا ﴾ [النبأ: ٦-١٦].
(«لما حكى الله تعالى عنهم إنكار البعث
والحشر، وأراد إقامة الدلائل على صحة
الحشر قدم لذلك مقدمة في بیان کونه تعالی
قادرًا على جميع الممكنات عالمًا بجميع
المعلومات؛ لأنه إذا ثبت هذان الأصلان ثبت
القول بصحة البعث، فأثبت هذين الأصلين بأن
عدد أنواعًا من مخلوقاته المتقنة المحكمة؛ فإن
هذه الأشياء من جهة حدوثها تدل على القدرة،
ومن جهة إحكامها وإتقانها تدل على العلم،
وإذا ثبت هذان الأصلان، وثبت أن الأجسام
متساوية في قبول الصفات والأعراض ثبت لا
محالة كونه قادرًا على تخريب الدنيا بسماواتها
وكواكبها وأرضها، وعلى إيجاد عالم الآخرة،
٣. التذکیر بنعم الله عز وجل.
معرفة النعمة سبيل معرفة المنعم
والهبات دالة على الوهاب والعطايا دالة
على المعطي سبحانه وتعالى، لذا فقد ذكر
القرآن كثيرًا بنعم الله مجملة تارة، ومفصلة
تارة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا
نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٨)﴾ [النحل: ١٨].
قال القاسمي: ((ثم نبه سبحانه وتعالى
على كثرة نعمه عليهم وإحسانه بما لا
يحصى، إشارة إلى أن حق عبادته غير
مقدور، بقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ
اللَّهِ لَا تُخْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨].
أي: لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم،
فضلًا أن تطيقوا القيام بحقها من أداء الشكر.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: حيث
يتجاوز عن التقصير في أداء شكرها، ولا
يقطعها عنكم لتفريطكم. ولا يعاجلكم
بالعقوبة على كفرانها. قاله الزمخشري.
ولحظ ابن جرير أن مغفرته تعالى
ورحمته لهم، إذا تابوا وأنابوا. أي فيتجاوز
عن تقصيرهم بشكرها الحقيقي، ولا يعذبهم
بعد توبتهم وإنابتهم إلى طاعته))(٣).
فالعارف يسير إلى الله بين مشاهدة
(١) مفتاح دار السعادة ١ / ١٨٧.
(٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٢٠ / ٩٥.
(٣) محاسن التأويل، القاسمي ٦/ ٣٦٠.
٨٨
القرآن الكريم
صفات الله عز وجل
المنة ومطالعة عيب النفس، فمشاهدة المنة
توجب له المحبة الحمد والشكر لولي النعم
والإحسان، ومطالعة عيب النفس توجب له
الذل والانكسار والتوبة.
٤. تعريف العباد بأنفسهم وأصل
خلقتهم وضعفهم وفقرهم.
فمن عرف نفسه عرف ربه.
* يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ
قال تعالى:
اَلْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ﴾
[فاطر: ١٥].
(يخاطب تعالى جميع الناس ويخبرهم
بحالهم ووصفهم، وأنهم فقراء إلى الله من
جميع الوجوه:
فقراء في إيجادهم، فلولا إيجاده إياهم
لم یوجدوا.
فقراء في إعدادهم بالقوى والأعضاء
والجوارح، التي لولا إعداده إياهم بها،
لما استعدوا لأي عمل كان.
فقراء في إمدادهم بالأقوات والأرزاق
والنعم الظاهرة والباطنة، فلولا فضله
وإحسانه وتيسيره الأمور، لما حصل
لهم من الرزق والنعم شيء.
فقراء في صرف النقم عنهم، ودفع
المكاره، وإزالة الكروب والشدائد.
فلولا دفعه عنهم، وتفريجه لكرباتهم،
وإزالته لعسرهم، لاستمرت عليهم
المكاره والشدائد.
فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية،
٠
وأجناس التدبير.
* فقراء إليه، في تألههم له، وحبهم له،
وتعبدهم، وإخلاص العبادة له تعالى،
فلو لم يوفقهم لذلك، لهلكوا، وفسدت
أرواحهم، وقلوبهم وأحوالهم.
فقراء إليه، في تعليمهم ما لا يعلمون،
وعملهم بما يصلحهم، فلولا تعليمه،
لم يتعلموا، ولولا توفيقه، لم يصلحوا.
فهم فقراء بالذات إليه، بكل معنى،
وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع
الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم،
الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من
أمور دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا
يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على
جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في
كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه
وإلهه، الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها.
﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ أي: الذي له
الغنى التام من جميع الوجوه، فلا يحتاج
إلى ما يحتاج إليه خلقه، ولا يفتقر إلى شيء
مما يفتقر إليه الخلق، وذلك لكمال صفاته،
و کونھا کلها صفات کمال ونعوت وجلال.
ومن غناه تعالى أن أغنى الخلق في الدنيا
والآخرة، الحميد في ذاته، وأسمائه، لأنها
حسنى، وأوصافه، لكونها علیا، وأفعاله لأنها
فضل وإحسان وعدل وحكمة ورحمة، وفي
www. modoee.com
٨٩
حرف الصاد
أوامره ونواهيه، فهو الحمید على ما فيه،
وعلى ما منه، وهو الحميد في غناه الغني في
حمده.))(١).
﴿﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اَللَّهِ ﴾ إلى
فضل الله والفقير المحتاج، ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ
اٌلْحَمِيدُ﴾ الغني عن خلقه المحمود في
إحسانه إليهم)»(٢).
«فمن أراد الله به خيرًا فتح له باب الذل
والانكسار ودوام اللجئ إلى الله سبحانه
وتعالى والافتقار إليه ورؤية عيوب نفسه
وجهلها وعدوانها كمشاهدة فضل ربه
وإحسانه ورحمته وجوده وبره وغناه وحمده
فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين
الجناحین لا یمکنه أن یسیر إلا بهما»(٣).
٥. مخاطبة عقول العباد بالأدلة
الواضحة التي تبين لهم صفات المعبود
الحق.
كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِشَىْءٍ أَمْ
هُمُ الْخَلِقُونَ ﴿ أَمْ خَلَقُواْالسَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ
﴾ [الطور: ٣٥-٣٦].
بَل لَّا يُوقِنُونَ ()
((من لابتداء الغاية، أي: أم أحدثوا
وقدروا هذا التقدير البديع والشكل العجيب
من غير محدث ومقدر، وقيل: أم خلقوا من
أجل لا شيء من عبادة وجزاء، فمن للسببية.
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٨٧.
(١)
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٦ / ٤١٧.
(٣) الوابل الصيب، ابن القيم ص١١.
ثمَّ هُمُ الْخَلِقُونَ﴾ لأنفسهم فلذلك
لا يعبدون الله تعالى ﴿أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَّ بَل لَّا يُوقِنُونَ ﴾ أي: إذا سئلوا من
خلقكم وخلق السموات والأرض)) (٤).
فإن زعم الإنسان أنه خلق من غير شيءكان
في ذلك مناقضة لقانون السببية الذي يربط بين
مسببات وأسبابها والنتائج بمقدماتها والظواهر
بعللها،فلا يوجدخلق بلا خالق.
ونتأمل طريقة القرآن الكريم في إبطال
الشرك بكافة أنواعه على سبيل الإيجاز في
الأمور الآتية:
١. بيان عجز الشركاء عن الخلق: ﴿أَفَمَّن
يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَعْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
(٢)) [النحل: ١٧].
٢. عجز الشركاء عن التصرف في الكون
بالنفع والضر والإحياء والإماتة ونحو
ذلك: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ
اللّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّوْ فِي
السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢].
٣. إبطال الشركة أو الشراكة بين العبيد
وساداتهم فيما يملكه السادة فمن باب
أولى إبطال الشركة أو الشراكة بين الله
وبین أحد من خلقه، والخلق کلهم عبيد
لله ولم يبق إلا الرب وحده لا شريك
له.
٤. غنی الله عن كل شيء ومنه غناء عن
(٤) روح البيان، الألوسي ٩/ ٢٠٢.
٩٠
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
صفات الله عز وجل
الصاحبة والولد إبطالًا لما قيل في حقه فقال: أنا الجواد وهم البخلاء وأيديهم هي
اتخذ الله ولدا وأن الملائكة بناته تعالی
الله عن ذلك علوا کبیرًا.
٦. تصحيح التصورات الخاطئة عن
الله وأسمائه وصفاته.
وفي هذا الصدد نذكر على سبيل المثال:
الرد على اليهود الذين لم يقدروا الله حق قدره
فقالوا فيما يحكيه عنهم القرآن: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ [المائدة: ٦٤].
فصحح هذه التصور الفاسد بقوله
تعالى: ﴿بَلّ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءٍ﴾
[المائدة: ٦٤].
((قال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة:
إناللهتعالیکان قدبسط علی الیهودحتیکانوا
من أكثر الناس مالًا وأخصبهم ناحية فلماعصوا
الله في أمر محمدصلى الله عليه وسلم وكذبوا
به كف الله عنهم مابسط عليهم من السعة، فعند
ذلك قال فنحاص بن عازوراء: يد الله مغلولة،
أي: محبوسة مقبوضة عن الرزق نسبوه إلى
البخل، تعالى الله عن ذلك. قيل: إنما قال هذه
المقالةفنحاص،فلما لم ینھه الآخرون ورضوا
بقوله أشرکهم الله فيها. وقال الحسن: معناهيد
الله مكفوفة عن عذابنا فليس يعذبنا إلا ما تبر به
قسمه قدر ما عبد آباؤنا العجل. والأول أولى
لقوله: ﴿ُفِقُ كَيْفَ يَنَآءُ﴾.
﴿غُلَتْ آَيَدِهِمْ﴾ أي: أمسكت أيديهم عن
الخيرات. وقال الزجاج: أجابهم الله تعالى
المغلولة الممسكة. وقيل: هو من الغل في
النار يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿إِذِالْأَغْلَلُ
فِىّ أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ
٧١
[غافر: ٧١].
﴿وَلُمِنُواْ﴾ عذبوا، ﴿يَمَا قَالُواْ﴾ فمن لعنهم
أنهم مسخوا قردة وخنازير وضربت عليهم
الذلة والمسكنة في الدنيا وفي الآخرة بالنار،
﴿َّ يَدَاهُ مَبِسُوطَتَانِ ﴾ ويد الله صفة من صفاته
کالسمع، والبصر والوجه. وقال جل ذكره:
﴿لِمَا خَلَقْتُ بِبَدَىَّ﴾ [ص: ٧٥].
وقال النبي صلی الله عليه وسلم: (كلتا
يديه يمين) والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها
الإيمان والتسليم. وقال أئمة السلف من أهل
السنة في هذه الصفات: ((أمروها كما جاءت
بلا كيف)»(١).
کذلك سبب نزول سورة الإخلاص: فعن
أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله
صلی الله عليه وسلم انسب لنا ربك فأنزل
الله ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ اللَّهُ الصََّمَدُ
ن﴾ [الإخلاص: ١- ٢] إلى آخر السورة (٢).
(١) معالم التنزيل، البغوي ٧٦/٣ - ٧٧.
والحديث جزء من حديث أخرجه مسلم في
صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام
العادل وعقوبة الجائر، ١٤٥٨/٣، رقم
١٨٢٧.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التفسير،
باب ومن سورة الإخلاص، رقم ٣٣٦٤.
وحسنه الألباني في ضعيف سنن الترمذي رقم
www. modoee.com
٩١
حرفالصاد
(ولأن أهل التفسير قالوا: نزلت الآية جوابًا
لأهل الشرك لما قالوا لرسول الله صلى الله
علیه وسلم: صف لنا ربك، أمن ذهب أم من
نحاس أم من صفر؟ فقال الله جل وعز ردًا
عليهم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾ ففي ((هو)) دلالة
على موضع الرد ومكان الجواب)) (١).
((وفي هذه السورة لما سألوا عن حقيقة الله
ونسبه جاء الجواب بصفاته؛ لأن ما يسألون
عنه إنما يكون في المخلوقات لا في الخالق
سبحانه، وفي الممكن لا في الواجب الوجود
لذاته، سبحان من لا يدرك كنهه غيره»(٢).
الصفات المنفية عن الله تعالى
صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين:
١. صفات ثبوتية.
٢. صفات سلبية.
وهذا التقسيم هو مأخوذ من آيات
الصفات وأحاديثها، فنجدها إما أن تثبت
وإما أن تنفي أو العكس.
فالصفات الثبوتية: ما أثبت الله تعالى
لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى
الله عليه وسلم، وكلها صفات كمال لا نقص
فيها بوجه من الوجوه، كالحياة، والعلم،
والقدرة، والاستواء على العرش، والنزول
إلى السماء الدنيا، والوجه، والیدین، ونحو
ذلك، فيجب إثباتها لله تعالى حقيقة على
الوجه اللائق به.
والصفات السلبية: ما نفاها الله سبحانه
عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله
صلى الله عليه وسلم، وكلها صفات نقص
في حقه، كالموت، والنوم، والجهل،
والنسيان، والعجز، والتعب، فيجب نفيها
عن الله تعالى لما سبق مع إثبات ضدها على
الوجه الأكمل، وذلك لأن ما نفاه الله تعالى
عن نفسه فالمراد به بیان انتفائه لثبوت كمال
ضده لا لمجرد نفيه، لأن النفي ليس بكمال
إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال، وذلك
لأن النفي عدم، والعدم ليس بشيء فضلًا
٦٦٦.
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١/ ٨٥.
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٩/ ١٥٦.
٩٢
جوب
القرآن الكريم
صفات الله عز وجل
عن أن يكون كمالًا، ولأن النفي قد يكون معلوم.
أما الصفات السلبية فلم تذكر غالبًا إلا
لو قلت: الجدار لا يظلم. وقد يكون للعجز في الأحوال التالية:
وعلى ذلك أمثلة:
المثال الأول: قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى
الْحَيّ الَّذِى لَا يَمُوتُ ﴾ [الفرقان: ٥٨].
فنفي الموت عنه يتضمن كمال حياته.
المثال الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ
رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٤٩].
نفي الظلم عنه يتضمن كمال عدله.
المثال الثالث: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيُعْجِزَُّ مِنْ شَىْءٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ﴾
[فاطر: ٤٤].
فنفي العجز عنه يتضمن كمال علمه
وقدرته، ولهذا قال بعده: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا
قَدِيرًا﴾؛ لأن العجز سببه: إما الجهل
بأسباب الإيجاد، وإما قصور القدرة عنه،
فلكمال علم الله تعالى وقدرته لم يكن
ليعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض.
وبهذا المثال علمنا أن الصفة السلبية قد
تتضمن أکثر من كمال.
والصفات الثبوتية صفات مدح وكمال
فکلما کثرت وتنوعت دلالاتها ظهر من
كمال الموصوف بها ما هو أكثر، ولهذا
کانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن
نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية كما هو
الأولى: بيان عموم كماله.
قال تعالى: ﴿لَمْ يَلِّدْ وَلَمْ يُولَدْ
ث وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌّ ﴾﴾
[الإخلاص: ٣-٤].
«وقوله: ﴿لَمْ لِدْ﴾ يقول: ليس بفان،
لأنه لا شيء يلد إلا هو فان بائد﴿وَلَمْ
يُولَدْ﴾ يقول: وليس بمحدث لم يكن
فكان، لأن كل مولود فإنما وجد بعد أن لم
یکن، وحدث بعد أن کان غیر موجود، ولکنه
تعالی ذکرہ قدیم لم یزل، و دائم لم یبد، ولا
يزول ولا يفنى. وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ.
كُفُوا أَحَدٌ﴾ اختلف أهل التأويل في
معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولم
یکن له شبيه ولا مثل. وقال آخرون: معنى
ذلك، أنه لم يكن له صاحبة))(١).
الثانية: نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون.
قال تعالى: ﴿أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمِنِ وَلَدًّا وَمَا
يَتْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًّا ﴾ [مريم: ٩١-
٩٢]. ((وهذا تقبيح وتشنيع لقول المعاندين
الجاحدين، الذين زعموا أن الرحمن
اتخذ ولدًا، كقول النصارى: المسيح ابن
الله، واليهود: عزير ابن الله، والمشركين:
الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم
(١) جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٦٩٣.
www. modoee.com
٩٣
لعدم قابلية المحل له فلا یکون کمالًا، كما
عن القيام به فیکون نقصًا.
حرف الصاد
علوًا كبيرًا))(١).
((فلشناعة هذه الفرية قدم ذكرها، ثم الرد
على عدم إمكانها بقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ
أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًّا إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ إِلَّّ ءَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ [مريم : ٩٢-
٩٣]»(٢).
الثالثة: دفع توهم نقص من کماله فيما
يتعلق بهذا الأمر المعين.
قال تعالى: ﴿وَقُلِ اَلْحَمْدُّ لِلّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ
وَلَ وَلَمْ يَكُنُ لَّهُ شَرِيِكٌ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ, وَلِيٌّ مِّنَ
الذُّلِّ وَكَبِرْمُ تَكْبِرًا ﴾ [الإسراء: ١١١].
«أمر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة
الناس على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم
((لأن أمر القدوة أمر لأتباعه كما قدمنا)) أن
يقولوا: «الحمد لله» أي: کل ثناء جميل لائق
بكماله وجلاله، ثابت له، مبينًا أنه منزه عن
الأولاد والشركاء والعزة بالأولياء، سبحانه
وتعالى عن ذلك كله علوًا كبيرًا))(٣).
وكما في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءُ
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ ﴾ [الأنبياء: ١٦].
((ما خلقناهما إلا بالحق أي الاستدلال
على خالقهما، لعبادته وطاعته ولكن أكثرهم
لا يعلمون أي حكمة خلقها، فيعرضون
عنه»(٤).
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٠١.
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٩/ ١٥٣.
(٣) المصدر السابق ١٨٩/٣.
(٤) محاسن التأويل، القاسمي ٤٢١/٨.
ثمرات الإيمان بصفات الله تعالى
القرآن الكريم كلام الله عز وجل كتاب
هداية وإرشاد، بين الله سبحانه وتعالى فيه
أمور الدين أعظم بيان ومنها أمور الإيمان
والتوحيد ولاسيما ما يتعلق بأسماء الله
وصفاته وكذلك السنة النبوية الصحيحة.
فمن تدبر القرآن العظيم وجد أن الله
سبحانه تعالى: قد تجلى فيه بأسمائه وصفاته
متعرفًا إلى عباده بصفاته ألوهيته وصفات
ربوبيته وصفات كماله وجلاله، وتأمل العبد
في آياته يجعله (( يعرف ربًا قد اجتمعت له
صفات الكمال والجلال، منزه عن المثال
برئ من النقائص والعيوب، وله كل اسم
حسن وكل وصف كمال فعال لما يريد،
فوق كل شيء ومع كل شيء وقادر علی کل
شيء ومقيم لكل شيء))(٥).
قال ابن القيم: (( فليس شيء أنفع للعبد
في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من
تدبر القرآن وإطالة التأمل فيه وجمع الفكر
على معاني آياته فإنها تطلع العبد على معالم
الخير والشر وتثبت قواعد الإيمان في قلبه
وتشهده عدل الله وفضله، وتعرفه ذاته
وأسمائه وصفاته وأفعاله.
فهذا القرآن عمدته ومقصوده الإخبار
عن صفات الرب سبحانه وأسمائه وأفعاله
(٥) مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ٤٥١.
◌َةُ النَّفِيَّة
جوسين
القرآن الكريم
٩٤
صفات الله عز وجل
وأنواع حمده والثناء عليه والإنباء عن عظمته
وعزته وحكمته وأنواع صنعته والتقدم إلى أعظم الأثر في تحقيق العبودية لله رب
عباده بأمره ونهيه))(١).
(فلو طهرت منا القلوب وصفت
الأذهان، وزكت النفوس، وخلصت الأعمال
وتجردت الهمم للتلقي عن الله ورسوله
لشاهدنا من معاني كلام الله وأسراره
وحكمه ما تضمحل عنده العلوم وتتلاشى
عنده معارف الخلق، وبهذا تعرف قدر علوم
الصحابة ومعارفهم وأن التفاوت الذي بین
علومهم وعلوم من بعدهم كالتفاوت الذي
بينهم في الفضل، والله أعلم حيث يجعل
مواقع فضله ومن يختص برحمته))(٢).
فاعتقاد المسلم بأسماء الله وصفاته
الاعتقاد الجازم المثمر لأعمال القلوب
والجوارح يؤثر في نظرته للحياة وعلاقته
بربه تبارك وتعالى أيما تأثير ويحل له
قضايا الوجود الكبرى كالهدف من وجوده
وكالمبدأ والمعاد والجنة والنار وغير
ذلك من القضايا والأمور العظيمة، ويبدد
من داخل الإنسان الشك والحيرة والقلق
ويكسبه اليقين والسعادة والفوز في الدنيا
والآخرة.
ومن أهم ثمرات الأسماء والصفات
الأمور الآتية:
(١) طريق الهجرتين، ابن القيم ص ٠١٨٢
(٢) إعلام الموقعين، ابن القيم ١ / ١٧١.
١. معرفة أسماء الله وصفاته تجلب
العالمين.
إذ أن معرفة العبد بها واستحضاره
لمعانيها وتفكره في آثارها تجعله موصولًا
دائمًا پمعبوده الحق سبحانه وتعالى محبًا
له راجيًا قربه وعطاءه، خائفًا غضبه وعذابه،
متو کلا مستعينًا منيبًا.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَأَدَعُوهُ
بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَّيِهِ، سَيُجْزَوْنَ
مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
قال القرطبي: ((قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ
ہا﴾ أي اطلبوا منه بأسمائه، فیطلب بکل
اسم ما یلیق به، تقول يا رحيم ارحمني، یا
حکیم احکم لي، یا رازق ارزقني، يا هادي
اهدني، يا فتاح افتح لي، يا تواب تب علي،
هكذا. فإن دعوت باسم عام قلت: يا مالك
ارحمني، يا عزيز احكم لي، يا لطيف
ارزقني. وإن دعوت بالأعم الأعظم فقلت:
يا الله، فهو متضمن لكل اسم. ولا تقول:
یا رزاق اهدني، إلا أن ترید یا رزاق ارزقني
الخير. قال ابن العربي: وهكذا، رتب دعاءك
تكن من المخلصين)) (٣).
وقال العز بن عبد السلام: (( فهم معاني
أسماء الله تعالی وسيلة إلى معاملته بثمراتها
من الخوف والرجاء والمهابة و المحبة
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/ ٣٢٧.
www. modoee.com
٩٥
حرف الصاد
والتوكل وغير ذلك من ثمرات معرفة
الصفات))(١).
يوم القيامة على
وقد علق الله النجاة
صلاح القلب وسلامته من الشرك فقال
تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٣٥) إِلَّ مَنْ أَتَى
اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩].
قال ابن كثير: ((ولا ينفع يومئذ إلا
الإيمان بالله، وإخلاص الدين له، والتبري
من الشرك؛ ولهذا قال: ﴿إِلََّ مَنْ أَتَى اللَّهَبِقَلْبٍ
سَلِيمٍ﴾ أي: سالم من الدنس والشرك وقال
ابن عباس: ﴿إِلََّمَنْ أَتَى اللَّهَبِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ حيي
يشهد أن لا إله إلا الله))(٢).
فصلاح سائر الجسد وسلامته متعلق به
دل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه
وسلم (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت
صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد
كله ألا وهي القلب)(٣).
كما بين رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن القلب هو محل نظر الله عز
وجل بقوله: (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم
ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم) (٤).
(١) شجرة المعارف والأحوال، العز بن
عبدالسلام ص١.
(٢) تفسير القرآن العظيم ١٤٩/٦.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب من استبرأ لدينه، رقم ٥٢.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة،
باب تحريم ظلم المسلم وخذله رقم ٢٥٦٤.
ويتضمن هذا البيان ندبًا إلى الاهتمام
بما يصل القلب ويحقق عبوديته ويزينه
ويجمله، ورأس هذا معرفة الله وصفاته
واعتقاد وحدانيته وإلهيته التي تبعث على
طاعته عز وجل وإفراده بالعبادة الباطنة منها
والظاهرة.
وتأمل على سبيل المثال: اسم الله الحيي
الذي معناه کثیر الحياء، وحياؤه سبحانه و
تعالى وصف يليق بجلاله وعظمته ومن أثره
ما يرى العبد من إكرام ربه له وإجابته دعوته
وإعطائه سؤله.
العبد الراجي لربه متعلق الأمل بيره
وجوده وكرمه، عابد له بأسمائه: الحليم
الغفور الكريم القريب المجيب والشكور
الودود ونحوها، فإذا استحضر العبد أن ربه
قريب منه یجیب دعوته ویشکر سعیه، وإن
أقبل عليه قبله وإن استغفره غفر له فإنه ولا
شك يحبه ويرجو أن يكون محبوبًا عنده
فيدفعه ذلك إلى تحقيق عبوديته له بأنواع
الطاعات والعبادات التي ترضيه عنه(٥).
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم
بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: بكتاب الله وكلامه ﴿أَلا
بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: ٢٨].
((في (ذكر الله) هاهنا قولان:
أحدهما: أنه ذكر العبد ربه، فإنه يطمئن
(٥) انظر: تحقيق العبودية بمعرفة الأسماء
والصفات ٣٩٢- ٣٩٣.
٩٦
لِلْقُرآن الكَرِيمِ