النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الظَّد.
د
عناصر الموضوع
مفهوم الضعف
٢٥٤
الضعف في الاستعمال القرآني
٢٥٥
ألفاظ ذات الصلة
٢٥٦
أنواع الضعف
٢٥٧
مراعاة الضعف في الأحكام الشرعية
٢٦٢
٢٦٤
حقوق الضعفاء بين الرعاية والنصرة
٢٨٣
الاستضعاف
المُجَلَدَ الحَاذِى وَالعشْرُونْ

حرف الضاد
مفهوم الضعف
أولًا: المعنى اللغوي:
مصدر قولهم: ضعف يضعف، وهو مأخوذٌ من مادة ((ض ع ف)) التي تدل على خلاف
القوة، يقال منه: ضَعُف فهو ضعيفٌ، والضَعْف بفتح الضاد لغة تميم، وبضمها لغة قريش،
وقيل: الضُّعف-بالضم - في الجسد، والضَعف - بالفتح - في الرأي والعقل(١).
ويقول الراغب الأصفهاني: والضعف قد يكون في النفس، وفي البدن، وفي الحال(٢).
والضُعفة: ضعف الفؤاد وقلة الفطنة، ورجل مضعوفٌ ومبهوتٌ إذا كان في عقله ضعفٍّ.
وأضعف الرجل: ضعفت دابته يقال هو ضعيفٌ مضعف: فالضعيف في بدنه والمضعف في
دابته، وضعفه السير: أي أضعفه (٣). ففي حديث خيبر: (من كان مضعفًا فليرجع)(٤)، أي: من
كان دابته ضعيفةً(٥).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الضعف وهن القوة حسًا أو معنى، وهو من فعل الله تعالى، كما أن القوة من فعل الله،
تقول: خلقه الله ضعيفًا، أو خلقه قويًا، قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨].
ويكون الضعف في النفس، وفي البدن، وفي الحال. وقيل: الضعف في العقل والرأي،
وبالضم في الجسم، وبالكسر بمعنى المثل(٦).
يقول ابن القيم: فإنه - أي الإنسان- ضعيف البنية ضعيف القوة ضعيف الإرادة ضعيف
العلم ضعيف الصبر، والآفات إليه مع هذا الضعف أسرع من السيل في صيب الحدور،
فبالاضطرار لابد له من حافظ معين يقويه ويعينه وينصره ويساعده، فإن تخلى عنه هذا
المساعد المعين، فالهلاك أقرب إليه من نفسه(٧).
فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن معناه اللغوي، فكلاهما يدل على خلاف القوة.
(١) لسان العرب، ابن منظور ٣٠٥/٥.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٠٧.
(٣) لسان العرب ٥/ ٥٠٤.
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير ١٩٢/٨، رقم ٧٧٩٢.
(٥) انظر: الفائق في غريب الحديث، الزمخشري ٢/ ٣٤٠.
(٦) موسوعة نضرة النعيم ١٠/ ٤٧٨٧.
(٧) طريق الهجرتين ص ١٨٥.
٢٥٤
جوببيو
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الضَّعف
الضعف في الاستعمال القرآني
وردت مادة (ضع ف) الدالة على الضعف في القرآن الكريم (٣٠) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٨
﴿وَضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ [الحج: ٧٣]
الفعل المضارع
٢
[القصص : ٤]
﴿وَأَذْكُرُوَاْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِ اُلْأَرْضِ:
٥
[الأنفال:٢٦]
﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا
اسم تفضيل
٢
[الجن: ٢٤]
للَّهُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ
مصدر
٤
[الروم: ٥٤]
صفة مشبهة
٩
﴿وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: ٢٨]
وجاء (الضعف) في القرآن الكريم بمعناها اللغوي، وهو خلاف القوة(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٤٢٠ - ٤٢١.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٦٢/٣، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٩٥، لسان العرب، ابن
منظور ٩/ ٢٠٣.
www. modoee.com
٢٥٥
اسم المفعول
﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَايِفَةٌ

حرف الضاد
ألفاظ ذات الصلة
١
الوهن:
الوهن لغة:
مأخوذ من مادة ((و هـ ن)) التي تدل على الضعف. تقول منه: وهن الشيء يهن وهنّا:
ضعف، وأوهنته أنا ((أي أضعفته)). والوهن: الضعف في العمل وفي الأشياء، وكذلك في
العظم ونحوه (١).
الوهن اصطلاحًا:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي الدال على الضعف، سواء في العمل
أو الأشياء.
٢ الاستكانة:
الاستكانة لغة:
مأخوذة من مادة ((س ك ن)) التي تدل على الخضوع والذلة، ويقال: استكان فلان، إذا
(٢)
خضع (٢).
الاستكانة اصطلاحًا:
لا يختلف عن معناه اللغوي الدال على الاستسلام والخضوع والذل.
الصلة بين الضعف، والوهن، والاستكانة:
فرق الرازي بينها بأن الوهن: ضعف القلب أو الجبن، والضعف: مطلقٌ شاملٌ لكافة أنواع
الضعف البدني والمادى. والاستكانة: التظاهر بالعجز(٣).
(١) تهذيب اللغة، الأزهري ٦/ ٢٣٤.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٣٩٧٠/٥.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/٣.
٢٥٦
جوية
الْقُرآن الكَرِيمِ

الضَّعف
أنواع الضعف
يتحدث هذا العنوان عن أنواع الضعف
عند الإنسان، وهو نوعان:
أولًا: الضعف الطبيعي:
كل عباد الله ضعفاء ضعفًا ذاتيًا وهو
ضعف طبيعي، لقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ
اُلْإِنسَنُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨].
والمراد بضعف الإنسان الطبيعي ثلاثة
أقوال:
أحدهما: أنه ضعيف في أصل الخلقة.
قال الحسن: هو أنه خلق من ماء مهین.
والثاني: أنه قلة الصبر على النساء.
والثالث: أنه ضعف العزم عن قهر الهوى(١)،
فإن هواه يستميله، وشهوته وغضبه
يستخفانه، وهذا أشد الضعف(٢).
وقال مجاهد وغيره: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَنُ
ضَعِيفًا﴾ فناسبه التخفيف لضعفه في
نفسه، وضعف عزمه وهمته(٣).
ويقول الشيخ السعدي رحمه الله:
((وذلك لرحمته التامة، وإحسانه الشامل،
وعلمه وحكمته بضعف الإنسان من جميع
الوجوه، ضعف البنية، وضعف الإرادة،
وضعف العزيمة، وضعف الإيمان، وضعف
(١) زاد المسير، ابن الجوزي ٣٩/٢.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣٥/٣.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٦٠.
الصبر، فناسب ذلك أن يخفف الله تعالى
عنه ما يضعف عنه، وما لا يطيقه إيمانه
وصبره و قوته»(٤).
وقد تحدث القرآن الكريم عن بعض
مظاهر هذا الضعف، والتي منها:
١. ضعف في أصل الخلقة.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَكَةِ إِنِ
خَلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَلٍ مِنْ حٍَ مَّسْنُونٍ﴾
[الحجر: ٢٨].
إن الله تبارك وتعالى خلق هذا الإنسان
من صلصال من حمل مسنون، ذلك لأن
لعنصرى الصلصال والحمل المسنون في
خلق الإنسان وفي حياته بعد ذلك دورًا لا
يمكن إغفاله، فالصلصال لا يتماسك كثيرًا،
بل سرعان ما يتحطم ويتفتت، فهو هش
لأنه الطين الذي جففته الشمس، فهو لا
يملك خاصية المحافظة على ذاته، فسرعان
ما يتفتت، فليس في شدته كالفخار الذي
سوته النار، والحما المسنون: الطين الذي
اشتد سواده وتغيرت رائحته تغیرًا مکروهًا
والمسنون المصور. هاتان خصيصتان: عدم
التماسك وعدم الاحتفاظ بخاصية الصلاح
وطروء الفساد والتغير، وهما ملازمتان
للإنسان، إلا إذا تدار كه الله بعفوه ورحمته،
فإنه حين ذلك يكون قويًا بعيدًا عن أن يطرأ
(٤) تيسير الكريم الرحمن ص ٣٢٥.
www. modoee.com
٢٥٧

حرف الضاد
عليه فساد(١).
٢. ضعف أمام الشهوات.
فالإنسان یمیل بفطرته إلى حب الشهوات
كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ
مِنَ النِسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَاُلْأَنْعَمِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤].
ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه
الشهوات، وهو جزء من تكوينه الأصيل،
وهذا ضروري للحياة البشرية كي تتأصل
وتنمو (٢).
والإنسان بطبعه خلق خلقًا لا يتمالك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لما صور
الله آدم في الجنة تر که ما شاء الله أن يتركه،
فجعل إبليس يطيف به، وينظر ما هو، فلما رآه
أجوف عرف أنه خلق خلقًا لا يتمالك)(٣).
وقد تحدث القرآن الكريم عن بعض
الصفات البشرية الدالة على الضعف، ومنها:
١. ظلوم كفار.
قال تعالى: ﴿إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ
كَفَارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
هذه طبيعة الإنسان من حيث هو ظالمٌ
متجرئ على المعاصي، مقصر في حقوق
(١) قصص القرآن الكريم، فضل عباس ص ١١٣.
(٢) في ظلال القرآن ١/ ٣٧٤.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة، باب خلق الإنسان خلقًا لا يتمالك،
رقم ٣٦١١.
ربه، كفار لنعم الله لا يشكرها ولا يعترف
بها، إلا من هداه الله، فشكر نعمه، وعرف
حق ربه، وقام به (٤).
وقال تعالى في موضع آخر واصفًا
الإنسان بأنه جهول: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا ﴾
[الأحزاب: ٧٢].
وهذا دليل على كثرة الظلم والجهالة،
لا ينفك الإنسان من التخلق منها رغم كل
ما وصل إليه وما سيصل إليه من حضارة
وتقدم.
٢. عجول.
لقد وصف القرآن الكريم الإنسان بأنه
عجول.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَنُ عَجُولًا﴾ [الإسراء:
١١].
والعجل هو العجلة والتسرع والسبق إلى
مخاطر الأمور من غير تفكير، وقوله تعالى:
﴿خُلِقَ الْإِنْسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧].
هذا التعبير فيه تأكيد في عجلته، وكأنه
يكون من عجلة، وهذا كناية عن استعجاله
للأمور، وفيه مجاز بتشبيه في عجلته و کونها
طبعًا له غير منفصل عن ذاته بأنه خلق منها
طبعًا له لا تنفصل عنه(٥).
فالعجلة في طبعه وتكوينه وهو يمد
ببصره دائمًا إلى ما وراء اللحظة الحاضرة
(٤) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٧٠.
(٥) زهرة التفاسير ٩/ ٤٨٦٤.
٢٥٨
جوبيين
القرآن الكريم

الضَّعف
یرید لیتناوله بیده، ویرید لیحقق کل ما يخطر
له بمجرد أن يخطر بباله، ویرید أن یستحضر
ما یوعد به ولو كان في ذلك ضرره وإيذاؤه.
٣. يؤوس قنوط.
قال تعالى: ﴿لَّا يَسْتَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ
اَلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسُ قَنُوطٌ﴾
[فصلت: ٤٩].
هذه هي طبيعة الإنسان یؤوس من الخير،
کفور بالنعمة بمجرد أن تنزع منه، مع أنها
کانت هبة من الله تعالى له (١).
٤. هلوع.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾
[المعارج: ١٩].
الهلع قلة إمساك النفس عن اعتراء
ما يحزنها أو ما يسرها أو عند توقع ذلك
والإشفاق منه. والهلع طبيعة كامنة فيه مع
خلقه تظهر عند ابتداء شعوره بالنافع والضار
فهو من طباعه المخلوقة كغيرها من طباعها
البشرية. والهلع صفة غير محمودة فوصف
الإنسان هنا بها لوم عليه في تقصيره عن
التخلق بدفع آثارها(٢).
ثانيًا: ضعف طارئ:
الضعف الطارئ هو الضعف الكسبي،
أي ما يكتسبه العبد من أعمال وأقوال تدل
على هذا الضعف.
(١) في ظلال القرآن ٤/ ١٨٦٠.
(٢) التحرير والتنوير ٢٩/١٢ بتصرف.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن
القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن
الضعيف، وفي كلٍ خيرٌ)(٣).
فالتفاوت في ضعف المؤمنين وقوتهم
هو بسبب قبول أسباب ضعف الإيمان أو
قبول أسباب قوته، فإذا سعى المؤمن في
إزالة ضعفه بمقتضى الأسباب المزيلة له،
توصل إلى إزالة الضعف الذي يضر به،
وهو الكسبي، ولا يضره الضعف الطبيعي
الوهبي، لأن ما يصل به إلى درجة الكمال
هو الإقبال على ما يتحقق به كمال إيمانه.
والضعف الطارئ في المؤمنين يكون على
قسمین: ديني، ودنيوي.
وعموم الضعف في المؤمنين يرجع إلى
ضعف في الدين وهو المعنوي، وضعف
في أمور الدنيا وهو الحسي، ومن المؤمنین
من يجتمع فيه الضعفان. فأما الضعف في
الدین فأصنافه اثنان: فقراء طالحون وأغنياء
طاغون، فهؤلاء فقراء في الدين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَنَّهُمُ الْمَتِكَةُ
ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ
فِي الْأَرْضِّ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اُللَّهِ وَسِعَةً فَنْهَاجِرُواْ
فِيهَاً فَأُوْلَكَ مَأْوَهُمْ جَهََّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيًّا﴾
[النساء: ٩٧].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب
الأمر بالقوة وترك العجز، رقم ٢٦٦٤.
www. modoee.com
٢٥٩

حرفالضاد
وقوله: ﴿وَبَرَزُوْلِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ اُلْضُّعَفَوْاْ
لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم
مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابٍ اَللَّهِ مِنْ شَىْءٍ﴾ [إبراهيم:
٢١].
وأما الضعفاء في الدنيا فاثنان أيضًا:
فقراء صالحون وفقراء فاسدون، والفقراء
المنحرفون اجتمع فيهم الضعفان أيضًا،
فعن حارثة بن وهب رضي الله عنه، أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم
بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم
على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل
عتل جواظ مستكبر)(١).
قال الحافظ ابن حجر: ((والمراد
بالضعيف: من نفسه ضعيفة، لتواضعه
وضعف حاله في الدنيا، والمستضعف:
المحتقر، لخموله في الدنيا))(٢).
فالحديث دل على الضعف الحسي
والمعنوي الممدوحين، فالضعف في
الدین إذا کان بمعنى التواضع فهو ممدوح،
والضعف الحسي إذا أجبر بالقوة الإيمانية
فهو ممدوح. ومن الأدلة العامة في القرآن
الكريم على الضعف الطارئ من حيث
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب عتل بعد ذلك زنيم، رقم ٤٩١٨، ومسلم
في صحيحه، كتاب صفة الجنة، باب أهل
الجنة وأهل النار وعلاماتهم في الدنيا، رقم
٢٨٥٣.
(٢) فتح الباري ٨/ ٧٢٧.
المعنى: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ
عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُّ الْمَأَنَّ ◌ِهٌ وَإِنْ أَصَابَتْهُ
فِئْنَةُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ
ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١].
أي: على طرف من الدين لا في وسطه
وقلبه، فهو في قلق واضطراب فيه لا في
سكون وطمأنينة، فمثله مثل الذي يكون
على طرف من العسكر إن أحس بغنيمة
قر وسكن، وإن كانت هزيمة فر وهام على
وجهه، وهذا هو النفاق بعينه كما يرشد إلى
ذلك قوله تعالى في المنافقين: ﴿مُّذَبّذَبِينَ
بَيْنَ ذَلِكَ لَآ إِلَى هَؤُلَاءٍ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءٍ وَمَن يُضْلِلِ
اُللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٣].
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءَامَنَا
بِاللَّهِ فَإِذَا أُوْذِىَ فِ اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابٍ
اللَّهِ وَلَيْن جَآءَ نَصْرٌ مِّنِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا
مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٠].
فجعل فتنة الناس له على الإيمان وطاعة
رسله كعذاب الله لمن يعذبه على الشرك
ومخالفة رسله.
وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض مظاهر
الضعف الطارئ، والتي منها:
١. الجهل.
قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّأَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾
[الأنعام: ١١١].
وقوله تعالى على لسان نبي الله لوط
عليه السلام: ﴿بَّ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل:
٢٦٠
الْقُرْآن الكَرِيمِ

الضَّعف
٥٥].
فالجهل ضارب أطنابه على كثير من
الناس، وهو فيهم بحسب قلة إقبالهم على
علم الشريعة وكثرته، يقول ابن القيم رحمه
الله: ((أما شجرة الجهل فتثمر كل ثمرة قبيحة
من الكفر والفساد والشرك والظلم والبغي
والعدوان والجزع والهلع والكنود والعجلة
والطيش والحدة والفحش والبذاءة والشح
والبخل))(١).
٢. تمکن الشهوات والشبهات من
القلوب.
قد ذكر الله تعالى هذين المرضين في
كتابه، أما مرض الشبهات وهو أصعبهما
وأقتلهما للقلب، ففي قوله في حق
المنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِم قَّرَضٌّ فَزَادَهُمُ اللهُ
مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠].
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم ◌َرَضْ
وَالْكَفِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [المدثر: ٣١].
وقال تعالى: ﴿لَيَجْعَلَ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ
فِتْنَةٌ لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ
قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٣].
فهذه ثلاثة مواضع المراد بمرض القلب
فيها مرض الجهل والشبهة، وأما مرض
الشهوة، ففي قوله: ﴿يَنِسَآءُ النَّبيِّ لَسْتُنَّ
كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ أَتَّقَيتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ
فَيَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلْبِهِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾
(١) المصدر السابق ٣٨٢/١- ٣٨٣.
[الأحزاب: ٣٢].
أي: لا تلن في الكلام، فيطمع الذي في
قلبه فجور وزنا)) (٢).
وقال ابن بطة: «لا تجعل قلبك للإيرادات
والشبهات، مثل السفنجة، فيتشربها فلا
ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة
المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر
فيها، فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا
فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار
مقرًا للشبهات))(٣).
٣. السقوط في الفتن.
والفتنة ما يقع به اضطراب الأحوال،
ومرجها وتشتت البال وهي تظهر الضعف
الكامن في باطن العبد، فإذا وقعت الفتنة
في أي مجتمع إيماني لا تخرج ولا تنتهي
إلا بنصيبها من المؤمنین، فمنهم من تنسفه،
ومنهم من تزلزله، ومنهم من تضعفه في
سیره إلی الله وتمسكه بدینه.
قال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ أَثْذَن ◌ِىِ
وَلَا نَفْتِنِىَّ أَلَا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ [التوبة:
٤٩].
وقال تعالى على لسان موسى عليه
السلام: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ
وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
أي: تضل بمقتضاها من تشاء من عبادك
(٢) المصدر السابق ٣٦٧/١.
(٣) الإبانة، ابن بطة، كتاب الإيمان ١/ ٣٩٠.
www. modoee.com
٢٦١

حرف الضاد
ولست بالظالم لهم في تقديرك، وتهدي من
تشاء ولست بالمحابي لهم في توفيقك،
فأمرهم دائر بين العدل والفضل (١).
مراعاة الضعف في الأحكام الشرعية
الناظر إلى الأحكام الشرعية يجد أنها
جاءت في حدود الوسع وعدم المشقة،
وليس فيها تضيق ولا حرج ولها أسباب منها
اختيارية كالسفر والجهل والإكراه، ومنها
أسباب اضطراريه وهي ما تحصل للإنسان
رغمًا عنه كالمرض والنسيان.
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا﴾﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَاّ
ءَاتَنُهَا﴾ [الطلاق: ٧].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُكَلِّفُ نَفْسًا
إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَتَّنَاكِنَبُ يَطِقُ بِالْحِ﴾ [المؤمنون:
٦٢].
هکذا یتصور المسلم رحمة ربه وعدله في
التكاليف التي يفرضها الله عليه في خلافته
للأرض، وفي ابتلائه في أثناء الخلافة، وفي
جزائه على عمله في نهاية المطاف ويطمئن
إلى رحمة الله وعدله في هذا كله، فلا يتبرم
بتکالیفه، ولا یضیق بھا صدرًا، ولا يستثقلها
كذلك، وهو يؤمن أن الله الذي فرضها عليه
أعلم بحقيقة طاقته، ولو لم تکن في طاقته ما
فرضها عليه. فهناك أوامر ونواهي، ولكنها
في حدود الوسع وعدم المشقة وليس فيها
تضييق وعسر وإحراج، لقوله تعالى: ﴿مَا
يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجِ﴾
(١) تفسير المراغي ٣/ ٢٨٢.
٢٦٢
جَوْبُورُ
القرآن الكريمِ

الضَعف
[المائدة: ٦].
وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَحْتَبَنِكُمْ وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وقوله: ﴿مَّا كَانَ عَلَى النَِّّ مِنْ حَرَجُ فِيمَافَرَضَ
اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨].
هذا الكلام يفيد النفي المؤكد بأنه ليس
في الدين حرج، والمعنى: ما كان من أمر
الله تعالى في عباده أن يجعل الدين عليهم
فيه مشقة مجهدة أو ضيق وحرج. ومثل
ذلك الآيات التي جاءت تنفي الحرج عن
فئة معينة، كقوله تعالى في سورتي النور
والفتح: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ
حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧].
ولهذا التخفيف ومراعاة الضعف في
الأحكام الشرعية أسباب تنقسم إلى قسمين:
١. أسباب اختيارية: وهي التي ينشئها
الإنسان باختياره كالسفر المبيح
للإفطار، وقصر الصلاة، وجمعها، فإن
الإنسان مخير في إنشائه، إن شاء سافر،
وإن شاء لم يسافر، إلى غير ذلك من
الأمور التي ذكرت في كتب الفقه ولا
يتسع المقام هنا للحديث عنها.
٢. أسباب اضطرارية: وهي ما تحصل
للإنسان رغمًا عنه، دون أن یکون له
دخل في اختيارها، أو يحدثها بنفسه
كالمرض والنسيان، وسنكتفي فيما
يأتي بذكر طائفة محدودة مما أورده
العلماء من التيسيرات سواء كانت
في العبادات أو في غيرها: ففي حالة
المرض نجد أن الشرع راعى التخفيف
في کثیر من العبادات منها:
* التيسيرات في الطهارة: رخص له في
التيمم بالتراب من أجل الصلاة عند
الخوف على النفس أو العضو، أو زيادة
المرض أو بطء شفائه، أو حدوث شيء
قبيح في عضو ظاهر، ومن ذلك تجويز
المسح على الجبيرة، أو ما يغطى
الجروح(١).
التيسيرات في الصلاة: طلب من
المريض أداءها بالكيفية التي يستطيعها،
قاعدًا أو مضطجعًا أو مومئًا وجوز له
التخلف عما فيه مشقة عليه، كالتخلف
عن الجمعة والجماعة، مع حصول
الفضيلة، والجمع بين الصلاتين.
التيسيرات في الصوم: أباح له الفطر
في رمضان، والخروج من المعتكف،
والانتقال من الصوم إلى الإطعام في
كفارتي الظهار والإفطار المتعمد في
نهار رمضان، وأجاز لمن كان فيه عجز
دائم كالشيخ الهرم ترك الصيام مع
وجوب الفدية عليه، قال تعالى: ﴿فَمَن
كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ
مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ
(١) الأشباه والنظائر، السيوطي ص ٨٥.
www. modoee.com
٢٦٣

حرف الضاد
طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤].
التيسيرات في الحج: رخص له في
الاستنابة فيه، أو في بعض أفعاله كرمي
الجمار، وإباحة محظورات الإحرام،
كلبس الثياب، أو حلق الرأس مثلًا، مع
الفدية، والتحلل على رأي، قال تعالى:
﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُ وسَكُمْ حَّ ◌َتْعَ الْهَدِىُ عَجِلَّةٌ، فَنَ
كَانَ مِنكُمْ فَرِيضًا أَوْ يِة أَذَّى مِّن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ
مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍّ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمْنَ تَمَنَّعَ
بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَيْ فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدِّىَّ فَ لَّمْ يَهِدْ
فَصِيَامُ ثَثَةٍ أَيَّامٍ فِ اٌلَّ وَسَبْعَةِإِذَا رَجَمْتُمُّ ◌ِلْكَ
عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِرِ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
التيسير فيما عدا العبادات: وفيما عدا
العبادات أبيح ما تدعوا إليه الضرورة أو
الحاجة، مما به المحافظة على نفسه(١).
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ
وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ
فَمَنِ أَضْطَرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ فَلاَ إِنَّمَ عَلَيْهِ
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
التيسير في السهو والنسيان: فهما
عذران شرعيان، يسقطان المؤاخذة في
بعض الحالات، رحمة بالناس ورفعًا
للحرج والمشقة عنهم، قال تعالى:
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَ﴾
[البقرة: ٢٨٦].
حقوق الضعفاء بين الرعاية والنصرة
حرص الشرع الحنيف على رعاية
الضعفاء والمحتاجين والدفاع عنهم
ونصرتهم، سواء كانت هذه الرعاية والنصرة
معنوية أو حسية، فأوصى بالصغير ورعايته
من قبل أن يخرج إلى الحياة الدنيا، كما
أقر أن لليتيم حقوق يجب أن تراعى، منها:
الإحسان إليه، والاهتمام به من الناحية
النفسية، والاجتماعية، والمالية. بل نالت
اليتيمة في القرآن الكريم رعاية خاصة.
فكما عالجت مشكلة اليتامى الصغيرات
من الناحيتين المادية والاجتماعية شأنها في
ذلك شأن الیتامی الذكور.
عالجت أيضًا مشكلة اليتيمات إذا بلغن
سن الزواج. بل للنساء على وجه العموم
حق الرعاية والنصرة، وللوالدین کذلك حق
الرعاية والإحسان.
وأما أصحاب الضعف الطارئ كالفقراء
والمساكين وغيرهم من المحتاجين لأسباب
بدنية (أولو الضرر) هؤلاء ينبغي العناية بهم
واحترامهم ورعايتهم؛ فدعا سبحانه وتعالى
إلى مجالستهم والإحسان إليهم، والإنفاق
عليهم.
بل فرض على المخالفين لأحكامه
الشرعية أن يدفعوا جزءًا من مالهم عند كل
مخالفة لأحكام الشريعة ككفارة عن تلك
(١) انظر: المصدر السابق ص ٨٥.
٢٦٤
جوببيو
القرآن الكريمِ

الضَّعف
المخالفة وحدد الشرع مسؤلية المسلم نحو وذلك على نحو ما جاء في قوله تعالى
عن بشارة الملائكة لإبراهيم عليه السلام:
هؤلاء الضعفاء فأوجب نصرتهم وعدم
خذلانهم.
﴿قَالُواْ لَا نَوَجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِعُلَمٍ عَلِيمٍ﴾
[الحجر: ٥٣].
أولًا: رعاية الضعفاء والمحتاجين:
لقد كفل دين الإسلام جميع الحقوق
لأتباعه عامة، وللضعفاء منهم خاصة،
فأوجب وحث على رعاية هذه الحقوق:
١. رعاية أصحاب الضعف
الطبيعي:
أولًا: رعاية حقوق الأطفال:
لما كانت مرحلة الطفولة من المراحل
المهمة والأساسية في بناء شخصية الفرد
إيجابًا أو سلبًا، وفقًا لما يلاقيه من اهتمام
جاء الإسلام ليقرر أن لهؤلاء الأطفال
حقوقًا وواجبات لابد من رعايتها والاهتمام
بها، ولا يمكن إغفالها أو التغاضي عنها.
وهذه الحقوق التى كفلها الإسلام متعددة
الجوانب:
فمنها: حقه قبل ولادته؛ لأن الدور
الأكبر في رعاية وتنشئة الطفل تنشئة سليمة
يتمثل في دور الوالدين، فقد حرص الإسلام
على أن تنشأ الأسرة في الأساس بزوج تقي
وزوجة صالحة.
﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيَ مِنكُ
قال تعالى:
وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَّبِكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
ومنها: الاستبشار بالمولود عند ولادته،
ومنها أيضًا بشارة زوجه: ﴿وَأَمْرَتُهُ قَآَيِمَةٌ
فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَهَا بِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ
يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١].
وقوله تعالى حكاية عن زكريا عليه
السلام: ﴿فَنَادَتَّهُ الْمَلَتِكَةُ وَهُوَ قَآپِمٌ يُصَلِی فِ
اَلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْبَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ
اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل
عمران: ٣٩].
وهذه البشارة للذكر والأنثى على السواء
من غير تفرقة بينهما: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم
بِالْأُنثَ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:
٥٨].
ومنها: إتمام الرضاعة، والرضاعة عملية
لها أثرها البعيد في التكوين الجسدي
والانفعالي والاجتماعي في حياة الإنسان
وليدًا ثم طفلًا، فكان على الأم أن ترضع
طفلها حولين كاملين، وجعل ذلك حقًا من
حقوق الطفل.
قال تعالى: ﴿وَأَلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾
[البقرة: ٢٣٣].
وقوله: ﴿وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنِ﴾ [لقمان:
١٤].
www. modoee.com
٢٦٥

حرف الضاد
ثانيًا: رعاية اليتيم:
واليتم نوعان:
١. اليتيم الحقيقي: ويطلق على كل من الخاتمة بل كانت في الشرائع السابقة
مات أبوه، ذکرًا كان أو أنثى وهو دون
سن البلوغ، وبقی یتیمًا حتى يبلغ، فإذا
بلغ زال عنه اسم اليتيم.
٢. اليتيم الحكمي: هو الذي فقد معيله
وحامیه وراعیه، ویمکن أن یقاس علیه
الأطفال الذين لهم آباء على قيد الحياة
لكنهم في حكم الأموات، ويمكن
اعتبار أولادهم في حكم الأيتام، وفي
المجتمع نماذج كثيرة من هذهالأصناف
كاللقطاء، وأبناء المعاقين، والأطفال
المتشردين ((أبناء الشوارع))، فهم في
حكم الأيتام من الناحية الفعلية، وهم
بحاجة إلى الرعاية والمساعدة والنفقة
کالأيتام الحقیقین.
وقد تعرضت الآيات في القرآن الكريم
لبيان حقوق اليتيم ومن تدبرها وجدها
مقسمة إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الإحسان إلى اليتيم والوصية به:
قال تعالى: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ
بِهِ، شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ
وَاُلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ﴾ [النساء: ٣٦].
وقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى خُبْهِ،
مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨].
وقوله سبحانه: ﴿وَيَسَْلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَىَّ قُلْ
إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
ورعاية اليتيم لا تقتصر على الشريعة
لشرعنا، فمن جملة بنود الميثاق الذي أخذه
الله تعالى على بني إسرائيل: الإحسان إلى
الیتامی.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِيّ
إِسْرَّهِ يلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَ بِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا
وَذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَّسَكِينِ وَقُولُواْ
لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ
الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ
وَأَنْتُم مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣].
الثاني: الاهتمام باليتيم من الناحية
النفسية والاجتماعية:
فأوصى له من يبادله العطف والحنان،
والتربية الصالحة ليكون فردًا صالحًا لا تؤثر
على نفسيته حياة اليتم. ولما كان النبي صلى
الله عليه وسلم قد نشأ يتيما بين الله تعالى له
بأنه قد أنعم عليه وكفله وأغناه، فقال تعالى:
وَوَجَدَكَ ضَالًا
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيِمًا فَشَاوَى
فَهَدَى ﴾ وَوَجَدَكَ عَآَيِلًا فَأَغْفَ ل ◌َمَّا الْيَّنِيَمَ
فَلَاتَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٦ - ٩].
وهذه الآيات الكريمة يستنبط منها ما
يحتاجه اليتيم في الحياة الاجتماعية:
٤ المسكن الذي یأوي إليه.
التربية الصالحة بما تشتمل عليه من
تأديب وتعليم حتى لا يقع فريسة
٢٦٦
جَوَسُـ
القرآن الكريم

الضَعف
الضلال.
والمال الذي ينفق عليه منه.
* المعاملة الحسنة والرفق به، وعدم
إهانته وقد ذم الله تعالی أولئك الذين
يهينون اليتيم ولا يكرمونه، فقال
تعالى: ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ
فَذَلِكَ الَّذِى يَدُغُ اَلْبَنِيِمَ
١
وَلَا يَحُّ عَلَى طَعَامِ اَلْمِسْكِينٍ﴾
[الماعون: ١-٣]. وقوله تعالى: ﴿كَلَّ بَل
لَا تُكْرِمُونَ أَلْيِِّمَ﴾ [الفجر: ١٧]
الثالث: الاهتمام باليتيم من الناحية
المالية:
١. إذا كان اليتيم فقيرًا فقد شرع له
موارد كثيرة يأخذ منها المال، منها: قوله
تعالى: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَى
وَأَلْيَتَعَى وَالْمَسَكِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ
قُلْ مَآ أَنَفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
وَالْبَى وَالْسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلُّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ
خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥].
وفرض الله تعالی لهم نصيبًا من الخمس
مما يحصل عليه المسلمون من الغنائم
التي غنموها من قتال الكفار، قال تعالى:
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ.
وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَى وَاَلْمَسَكِينِ
وَأَبْنِ السَبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١].
وفرض لهم نصيبًا من الفئ؛ وهو کل مال
أخذ من الكفار من غیر قتال.
قال تعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ
أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْبَنَّمَ
وَالْمَسَكِيْنِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧].
بالإضافة إلى ما يستحقه من أموال
الزكاة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْمُقَرَآءِ
وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ
وَفِي الْرِقَابِ وَالْفَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَأَبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةٌ مِّنَ اللَهُّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
حَكِيمٌ﴾[التوبة: ٦٠].
فاليتيم الفقير يدخل في هذه الآية.
٢. أما إذا كان اليتيم غنيًا فقد حذر الله
سبحانه وتعالى من أكل مال اليتامى، أو
التهاون فیه، أو التضییع له.
قال تعالى: ﴿وَءَاتُوْ اَلْيَ أَمْوَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا
اَْبِيثَ بِالطَّيِّبِّ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ إِنَّهُ
كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢].
ويدعو سبحانه وتعالى القومة على
اليتامى، من أولياء وأوصياء أن يضعوهم
دائمًا تحت التجربة والاختبار، لسياسة
أموالهم، وتدبيرها بأنفسهم، وذلك بأن
يشركوهم معهم في بعض التصرفات،
ويطلعوهم على طرق الأخذ والعطاء بين
الناس، فقال تعالى: ﴿وَأْثَلُواْالْيَنَ حَقَّى إِذَا
بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُمُ مِنْهُمْ رُشْدًا فَدَفَعُواْ إِلَيْهِمْ
أَمْوَُّ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ﴾
[النساء: ٦].
www. modoee.com
٢٦٧

حرفالضاد
تحذيرًا للأولياء والأوصياء على اليتامى، الأمر أن تخافوا ظلم اليتيمات في أنفسهن،
من أن ينزع بهم الطمع في مال اليتيم إلى بعد أن خفتم ظلمهن في مالهن فإن كنتم
استغلاله والمبادرة باجتناء ثمرته لهم، قبل
أن يخرج من أیدیھم إلی أصحابه الیتامی،
عند رشدهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌ
وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِذَا دَفَعْتُمْ
إِلَتْهِمْ أَمْوَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمَّ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِبًا ﴾
[النساء: ٦].
وحذر الله تعالى أشد الحذر من أکل
أموال اليتامى بالباطل، فقال تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَمَى ◌ُظُلْمًا إِنَّمَا
يَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ
سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].
ونالت اليتيمة في القرآن الكريم رعاية
خاصة: فالشريعة الإسلامية قد أولت یتامی
النساء عناية كبيرة، فكما عالجت مشكلة
اليتامى الصغيرات من الناحيتين المادية
والاجتماعية -كما سبق بيانه- شأنها في
ذلك شأن اليتامى الذكور، عالجت أيضًا
مشكلة اليتيمات إذا بلغن سن الزواج، فقال
تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى الْيَ فَأَنْكِحُواْ
مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَلِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعٌ فَإِنْ خِفْتُمْ
أَلَّا تَعْدِلُواْ﴾ [النساء: ٣].
والمعنى: أما وقد خفتم أيها الأوصياء
علی الیتامی، أن تأكلوا أموالهم بالباطل،
تريدون بهذا مرضاة الله، فإن من تمام هذا
على خوف من ظلمهن وتريدون أن تجنبوا
أنفسكم هذا الموقف، فدعوهن لشأنهن ولا
تتزوجوهن وهن في أيديكم، لا يملكون
من أمرهن شيئًا، وإن لكم في غيرهن من
النساء ما تشاءون مثنى وثلاث ورباع، ففي
هذه التوسعة لكم في زواج أكثر من واحدة
نعمة من نعم الله علیکم، ومن شکر هذه
النعمة ألا تطمع أعینکم إلی الیتیمات، وما
في الزواج بهن من حرج.
وعن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن
قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى
آلینمى﴾ قالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون
في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها
وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن
يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها
غيره، فنهوا أن ينكحوهن، إلا أن يقسطوا
إلیهن ویبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق،
وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء
سواهن، قال عروة: قالت عائشة رضى الله
عنها: وإن الناس استفتوا رسول الله صلى
الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله
تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِ اَلْنِسَاءِ﴾، وقوله:
﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم عن
يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال، فنهوا
أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من
٢٦٨
صَوْنُو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الضَّعف
النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن، يتجاوزها إلى قهر النفس، وجحود الحق.
وكما قرن الله سبحانه بينهما في شئون
إذا كن قليلات المال والجمال (١).
الحياة، كذلك ساوى بينهما في الإنسانية،
والموالاة، وتكاليف الإيمان، وحسن
المثوبة، وإدخار الأجر، وارتقاء الدرجات
العلى في الجنة))(٢).
ومن ذلك يتضح أن اليتيمة كغيرها من
النساء لها الحرية الكاملة فى اختيار ما تشاء
من الأزواج، ولا تمنع مهرها أو شيئًا منه
كسائر النساء، إلا إذا كان ذلك عن رغبتها
وإرادتها، ولا يجوز للولي أو غيره إكراهها
على شيءٍ من ذلك.
ثالثًا: رعاية حقوق النساء:
إن من استقرأ كتاب الله تعالى وسنة
رسوله صلى الله عليه وسلم يدرك مقاصد
الإسلام في رعايته للمرأة، وعنايته واهتمامه
بكافة قضاياها وعامة شئونها، وفي تقديمه
الحلول الصحيحة، والمعالجات الناجحة
لكافة مشاكلها الحياتية والفكرية والنفسية
أن المرأة بين يدي الإسلام قسيمة الرجل،
لها ما لها من الحقوق، وعليها أيضًا من
الواجبات ما يلائم تكوينها وفطرتها، وذلك
ما أجمله الله عز وجل في قوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ
اُلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعُرُوفِ وَ لِلِّجَالِ عَلَتِنَّ دَرَجَةٌ وَالَهُ
+مكـ
﴾[ البقرة: ٢٢٨].
غيز.
تلك هي درجة الرعاية والحياطة، ولا
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب (وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى)،
رقم ٤٥٧٤، ومسلم في صحيحه، كتاب
التفسير، باب في قوله تعالى: (وإن خفتم ألا
تقسطوا في اليتامى)، وقوله: (يستفتونك في
النساء)، رقم ٣٠١٨.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ
وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَلِينَ وَاَلْقَلِنَتِ
وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَّبِينَ وَالصَّبِرَتِ
وَالْمُتَصَدِّقِينَ
وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ
وَالصََّّبِمَتِ
وَالصَّنَّمِمِينَ
وَالْمُنَصَدِّقَتِ
وَاَلْحَفِظِينَ
وَالْحَفِظَتِ
فُرُوجَهُمْ
وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَاتِ أَعَدَّ
اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:
٣٥].
ويقرر الإسلام الأهلية الكاملة في
تصرفاتها متى بلغت الرشد، فليس لأحد
أن يجبرها على ما تكره، ولا أن يكرهها
على ما لا ترید، ولا أن يتصرف بغير إذنها
فيما تملك، ويضفي عليها من معاني الرعاية
والتكريم في كل أدوار حياتها ما هي جديرة
به مستحقة له.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ
لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضٍ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّ أَن يَأْتِينَ
(٢) المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية،
محمد المقدم ص٧٥.
www. modoee.com
٢٦٩

حرف الضاد
بِفَحِشَةٍ مُبَيِّنَةِ﴾ [النساء: ١٩].
ومن أعظم حقوقها على زوجها:
المعاشرة بالمعروف، ولقد كفى وشفى
في الأمر بحسن المعاشرة آية جليلة
جامعة، فمن ذا الذي يستمع قوله تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِّ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ
فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا
كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
ثم يجفوا امرأته، أو يتسخطها بعد ذلك؟
ولقد شبه الله تعالى حسن القيام على
الزوجة بحسن القيام على الوالدين، فقال
تعالى في حق الوالدين: ﴿وَصَاحِبھُمَا فِی
الدُّنْيَا مَعْرُونًا﴾ [لقمان: ١٥].
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ ◌ِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال القرطبي: أي على ما أمر الله به من
حسن المعاشرة، والخطاب للجميع، إذ
لکل أحدٍ عشرة، زوجًا کان أو ولیًا، ولکن
المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج.
وذلك توفيه حقها من المهر والنفقة، وألا
یعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون
مظهرًا میلا إلى غيرها، وقال ابن كثير رحمه
الله في قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
أي طيبوا أقوالكم لهن وحسنوا أفعالكم
وهیآتکم بحسب قدرتکم، کما تحب منها،
فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: ﴿وَّ
مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعُرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨](١).
بل جبر خاطر المطلقة بشيء من
المال تخفيفًا عن أحزانها، فقال تعالى:
﴿وَلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى
الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤].
وحفظ لها حقها في التعليم، کي تكون
على مستوى يجعلها تصوغ لبنات المجتمع
على أكمل وجه، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ
وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦].
جاء عن علي رضي الله عنه في تفسيرها:
(أدبوهم، وعلموهم))(٢).
وقال تعالى مخاطبًا أمهات المؤمنين
وقال تعالى في حق الزوجات: رضي الله عنهن: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى
فِ بُيُوتِكُنَّ مِنْءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةٍ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤].
رابعًا: حقوق الوالدين ومراعاتهن عند
الکبر:
قد كثرت وصايا القرآن الكريم
والأحاديث النبوية بالأبوين كليهما إن
وجدا، أو بأحدهما إن بقى منفردًا وفارقه
منطلقًا في القول ولا فظًّا ولا غليظًا ولا الآخر، وذلك في حياتهما وبعد مماتهما:
# أداء حقهما في حياتهم:
قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَرَّمَ
رَبُّكُمْ عَلَيْكُمَّ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً
(١) انظر: المصدر السابق ص٣٩٥- ٣٦٠.
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٤/ ٨٣.
٢٧٠
جَوَسُوع
القرآن الكريم

الضَّعف
وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الأنعام: ١٥١].
﴿وَقَضَىْ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ
وقوله تعالى:
إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ
الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل ◌َُّمَا
أُنِّ وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾
[الإسراء: ٢٣].
فإذا كان الوحدانية برًا بالخالق، فإن
الإحسان إلى الوالدين برٌّ بمن جعلهم الله
سببًا ماديًا في وجود الولد. والوصية بهما
هي الإحسان إليهما.
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلََّّ تَعْبُدُوَأَ إِلَّآ
إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
وإن الأمر بالإحسان يتضمن النهي عن
الإساءة. يقول صاحب تفسير المنار: ((ولو
لم يرد في التنزيل إلا قوله تعالى: ﴿وَيِلْوَلِدَيْنِ
إِحْسَنًا﴾ ولو غير مكرر لكفى في الدلالة
على عظم عناية الشرع بأمر الوالدين بما
تدل عليه الصيغة والتعدية فكيف وقد قرنه
بعبادته وجعله ثانيها في الوصايا وأكده بما
أکده به في سورة الإسراء كما قرن شكرهما
بشكره في وصية سورة لقمان فقال: ﴿أُنِ
أَشْكُرْ لِي وَلَوْلِدَيْكَ ﴾ [لقمان: ١٤].
ذلك كله بأن حق الوالدين على الولد
أکبر من جميع حقوق الخلق علیھم، فمن
قصر في بر والديه والإحسان بهما کان فاسد
الفطرة مضياعًا للحقوق كلها فلا يرجى منه
خير لأحد))(١).
وعلى ذلك تتفق الآيات القرآنية على
واجب رعاية الوالدين والإحسان إليهما،
وتحريم عقوقهما، والإلزام ببرهما، وترك
إغضابهما وإيذائهما، والتضييق عليهما، ولا
نجد ترغيبًا في أمر خلقي في القرآن الكريم
أکثر من الترغيب في بر الوالدين والأمر به،
والتحذير من العقوق، الذي يأتي دائمًا بعد
الأمر بعبادة الله وتحريم الشرك.
وتوالت الأحاديث النبوية الكثيرة في
تأكيد الأمر ببر الوالدين والإحسان إليهما،
فعن أبي عبدالرحمن عبدالله بن مسعود
رضي الله عنه قال: (سألت النبي صلى
الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله
تعالى؟ قال: (الصلاة على وقتها)، قلت: ثم
أي؟ قال: (بر الوالدين) قلت: ثم أي؟ قال:
(الجهاد في سبيل الله)(٢).
فبر الوالدين أفضل حقوق الناس، وأداء
فريضة الصلاة في وقتها أفضل حقوق الله،
وتقدمت منزلة بر الوالدين في هذا الحديث
الشريف على منزلة الجهاد في سبيل الله،
الذي هو ذروة سنام الإسلام. ولضعف الأم
جعلها الشرع في الترتيب بينها وبين الأب
مقدمة في البر بمراتب ثلاث، والأب بعدها
في المرتبة الرابعة.
(١) المنار، محمد رشيد رضا ٨/ ١٤٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب البر والصلة، رقم ٥٩٧٠.
www. modoee.com
٢٧١

حرف الضاد
رجل إلى رسول الله صلی الله عليه وسلم
فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ -
أي صحبتي- قال: (أمك)، قال: ثم من؟
قال: (أمك) قال: ثم من؟ قال: (أمك) قال:
ثمن من؟ قال: (أبوك)(١).
والحاجة إلى الإحسان للأبوين أشد في
حال الكبر والعجز أو الضعف من أي وقت
آخر.
قال تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرْ
أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَُّمَآ أَنّ وَلَا
تَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَأَخْفِضْ
لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا
كَارَتَانِ صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣-٢٤].
قال القرطبي رحمه الله: ((خص حالة
الكبر لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره
لتغير الحال عليهما بالضعف والكبر، فألزم
في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما
ألزمه من قبل، لأنهما في هذه الحالة قد صارا
كلا عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر
ما کان یحتاج في صغره أن یلیا منه، فذلك
خص هذه الحالة بالذكر، وأيضًا: فطول
المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب البر والصلة، رقم ٥٩٧١، ومسلم في
صحيحه، كتاب البر والصلة، باب في بر
الوالدين وأيهما أحق بحسن الصحبة، رقم
٢٥٤٨.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء ويحصل الملل ويكثر الضجر فيظهر غضبه
علی أبویه، وتنتفخ أو داجه، ویستطیل عليهما
بدالة البنوة وقلة الديانة، وأقل المكروه ما
يظهره بتنفسه المتردد من الضجر، وقد أمر
أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة وهو
السالم عن كل عيب))(٢).
ولا يختص بر الوالدين بأن يكونا
مسلمین، بل إن کانا کافرین یبرهما ویحسن
إليهما إذا كان لهما عهد (٣).
قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَذَكُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ
يُقَِلُكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُحِجُوكُم ◌ِن دِيَزِكُمْ أَنْ تَبَرُؤُهُمْ
وَتُقْسِطُواْ إِلَتْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
[الممتحنة: ٨].
وعن أسماء قالت: (قدمت أمي وهي
مشركة في عهد قريش ومدتهم إذا عاهدوا
النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيها،
فاستفیت النبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي
قدمت وهي راغبة (٤) أفأصلها؟ قال: نعم
صلي أمك)(٥).
وجاءت السنة النبوية مؤكدة تحريم
العقوق، فعن أبي بكرة بن الحارث رضي
الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٥٧٧.
(٣) المصدر السابق ٥/ ٥٧٦.
(٤) راغبة: أي طامعة في برى تسألني شيئًا.
انظر: النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير
٢٣٧/٢.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجزية
باب إثم من عاهد ثم غدر، رقم ٣١٨٣.
٢٧٢
جوبيع
القرآن الكريم