النص المفهرس
صفحات 21-40
الطبع
لأنه یهوي بصاحبه في النار(١). وقال ابن
عباس: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا
ذمه (٢)، قال الله تعالى:
فَكَاءُ
﴿وَاتّبعَ هُوَّئُهَ
كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦].
وقال تعالى: ﴿وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ.
فُرْطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿بَلِ أَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلٍّ فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللّهُ
وَمَا لَهُمْ مِّن نَّصِرِينَ﴾ [الروم: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّعَ هَوَنُهُ
بِغَيْرِ مُدَّى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن
سَبِيلِ الَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
وثبت في الحديث الصحيح عن حذيفة
بن اليمان قال: سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: (تعرض الفتن على
القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأيُّ قلب
أُشْرِبها، نُكِتَ فيه نُكتَةٌ سوداء، وأيُّ قلبٍ
أنکرها، نُکِتَ فیه نُکتةٌ بيضاء، حتى تصير
على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره
فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر
أسود مربادًّا؛ كالكوز مجخيًّا، لا يعرف
معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من
هواه)(٣).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢٤١٩/٧.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٦٧/١٦.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، ١٢٨/١، رقم
وروي عن شداد بن أوس عن النبي
صلى الله عليه وسلم: (الكيس من دان نفسه
وعمل لما بعد الموت. والعاجز من أتبع
نفسه هواها وتمنى على الله)(٤
.
إن التعبير القرآني في قوله تعالى:
﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إَِهَهُ هَوَنُهُ﴾ يرسم نموذجًا
عجيبًا للنفس البشرية حين تترك الأصل
الثابت، وتتبع الهوى المتقلب وحين
تتعبد هواها، وتخضع له، وتجعله مصدر
تصوراتها وأحکامها ومشاعرها وتحر کاتها.
وتقيمه إلها قاهرًا لها، مستوليًّا عليها، تتلقى
إشاراته المتقلبة بالطاعة والتسليم والقبول.
يرسم هذه الصورة ويعجّب منها في استنكار
شديد: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إَِهَهُ هَوَنُهُ﴾.
أفرأيته؟ إنه كائن عجيب يستحق الفرجة
والتعجيب! وهو يستحق من الله أن يضله،
فلا يتداركه برحمة الهدى. فما أبقى في
قلبه مكانًا للهدى وهو يتعبد هواه المريض!
﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلِّ﴾﴾ [الجاثية: ٢٣].
على علم من الله باستحقاقه للضلالة. أو
١٤٤.
وذكر الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي في شرحه
لقوله: (كالكوز مجخيا) أي: قُلِبَّ ونُكِّسَ
حتی لا یعلق به خير ولا حكمة.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٨/ ٣٥٠، رقم
١٧١٢٣، والترمذي في سننه، ٢١٩/٤، رقم
٢٤٥٩.
وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة،
٤٩٩/١١، رقم ٥٣١٩.
www. modoee.com
٤٠٧
حرف الطاء
على علم منه بالحق، لا يقوم لهواه ولا يصده خلقه بآياته الكونية -الأفقية والنفسية-،
لذا نجده سبحانه وتعالى في كتابه الكريم
عن اتخاذه إلهًا يطاع. وهذا يقتضي إضلال
الله له والإملاء له في عماه ﴿وَخْتَمَ عَلَى سَمْعِهِ.
وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَوَةَ﴾ [الجاثية: ٢٣].
يكثر من الاستدلال على العلم والقدرة
والحكمة بأحوال السماوات والأرض
وتعاقب الليل والنهار وكيفية تبدل الضياء
بالظلام وبالعكس، وأحوال الشمس والقمر
والنجوم، وأمر بالنظر في ملكوت السماء
والأرض وبالتفکر فيهما.
فانطمست فيه تلك المنافذ التي يدخل
منها النور، وتلك المدارك التي يتسرب منها
الهدى، وتعطلت فيه أدوات الإدراك بطاعة
للهوى طاعته العبادة والتسليم ﴿فَمَن يَهْدِيهِ
مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ﴾ [الجاثية: ٢٣](١).
وجملة القول: إنّ من سننه تعالى في
البشر أن من يتبع هواه في أعماله، ويستمرّ
على ذلك ويدمنه الزمن الطويل، تضعف
إرادته في هواه حتى تذوب وتفنی فیه، فلا
تعود تؤثر فيه المواعظ القولية، ولا العبر
المبصرة ولا المعقولة، وهذه الحالة يعبر
عنها بالختم والرين والطبع على القلب،
والصمم والعمى والبكم(٢).
رابعًا: عدم الانتفاع بآيات الله في
الآفاق:
ومن أسباب الطبع على القلوب عدم
الانتفاع بآيات الله تعالى. سواء كانت
هذه الآيات منظورة في الكون الفسيح أو
مسطورة في القرآن الكريم كقصص الأمم
السالفة. وقد أرشد الله تعالى الناس إلى
التأمل والتفكر والتدبر ليقيم الحجة على
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٢٣٠/٥.
(٢) المنار، رشيد رضا ٩/ ٥٢٩.
وإن من أعظم أسباب الضلال عدم تدبر
القرآن وترك التفكر في حال الرسول وعدم
النظر في ملكوت السموات والأرض وما
خلق الله، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِى
مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اَللَّهُ مِن شَىْءٍ
وَأَنَّ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ أَقْرَبَ أَجَلُهُمْ فِيَأَتِّ حَدِيثِ
بَعْدَهُ, يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥].
إنّ القلب محل التدبر والتفكر بآيات الله
تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبُّونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ
أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
أي: بل على قلوب أقفال تمنع من التدبر
والتفكر، وبه يتدبر آيات الله الكونية الخلقية
في الآفاق وفي الأنفس، قال الله تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَمُمْ قُلُوبٌ
يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَانَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى
الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ آلَتِى فِى اُلُّدُورِ
[الحج: ٤٦].
فبيّن سبحانه وتعالى أن المعتبر في
الانتفاع بالآيات الخلقية والكونية في
٤٠٨
جوبيع
القرآن الكريم
الطبع
الأنفس والآفاق عقل القلوب وإبصارها.
قال الطبري: أفلم يسيروا هؤلاء
المكذّبون بآيات الله والجاحدون قدرته
في البلاد، فينظروا إلى مصارع ضربائهم
من مكذّبي رسل الله الذين خلوا من قبلهم،
كعاد وثمود وقوم لوط وشعيب، وأوطانهم
ومساكنهم، فيتفكّروا فيها ويعتبروا بها
ويعلموا بتدبرهم أمرها وأمر أهلها، سنة الله
فیمن کفر وعبد غیرہ و كذّب رسله، فینیبوا
من عتۆّهم و کفرهم، ویکون لهم إذا تدبروا
ذلك واعتبروا به وأنابوا إلى الحقّ ﴿قُلُوبٌ
يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ حجج الله على خلقه وقدرته
على ما بيّنا ﴿أَوْ ءَانَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ يقول: أو
آذان تصغي لسماع الحقّ فتعي(١).
وذكر الزمخشري لطيفة في هذه الآية
حیث قال: قد تعورف واعتقد أنّ العمى على
الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة
بما يطمس نورها. واستعماله في القلب
استعارة ومثل، فلما ارید إثبات ما هو خلاف
المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة
ونفيه عن الأبصار، احتاج هذا التصوير إلى
زيادة تعيين وفضل تعريف، ليتقرّر أنّ مكان
العمى هو القلوب لا الأبصار، كما تقول:
ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي
بين فكيك، فقولك: ((الذي بين فكيك)» تقرير
لما ادعيته للسانه وتثبيت؛ لأنّ محلّ المضاء
(١) جامع البيان ١٨/ ٦٥٧.
هو هو لا غير، وكأنك قلت: ما نفيت المضاء
عن السيف وأثبته للسانك فلتة وسهوًا، بل
تعمدنا ذلك تعمدًا(٢).
لقد أظهر الله تعالى اليأس من إيمانهم،
لأن القلوب قد عميت، فلا تبصر الدلائل
الكونية، ولا البراهين العقلية فقال: ﴿فَإِنَّهَا
لَا تَعَّمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ
الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦](٣).
ومما يؤكد ضرورة العناية بالقلب أنه
هو المطية التي يقطع بها العبد سفر الآخرة،
فإن السير إلى الله تعالى سير القلوب لا سير
الأبدان. يقول الحافظ ابن رجب: الاعتبار
بلين القلوب وتقواها وتطهيرها عن الآثام
فسفر الدنيا ينقطع بسير الأبدان وسفر الآخرة
ينقطع بسير القلوب. وقال بعض العارفين:
إن سير القلوب أبلغ من سير الأبدان. کم
من واصل ببدنه إلى البيت وقلبه منقطع عن
رب البيت، وكم من قاعد على فراشه في بيته
وقلبه متصل بالمحل الأعلى (٤).
فمجرّد سماع القصص، ورؤية الآثار،
والعلم بالأمم الخالية التي عوقبت
لإعراضها، لا خير يرجى من ذاك ما لم يكن
معه عبرة توصل إلى التوبة والتقوى؛ لذا بيّن
تعالى أنّ العمى الضّارّ هو عمى البصيرة؛
لأنّها قوة فقه العبر، والنفاذ إلى المغزى،
(٢) الكشاف ٣/ ١٦٢.
(٣) تفسير المراغي ١٧/ ١٢٣.
(٤) انظر: لطائف المعارف، ابن رجب ص٢٥١.
www. modoee.com
٤٠٩
حرف الطاء
والتيقّن من الحق، والطمأنينة بالمعاينة
القلبيّة؛ لذا بعدها يكون التذكر؛ لقوله تعالى:
﴿َتَبِّصِرَةَ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: ٨].
فالتبصّر آلة البصر، والتذكرة آلة الذكر،
وهما للعبد المنيب التائب، فيبصر مواقع
الآيات، ومحال العبر؛ فيزول عنه العمى
والغفلة فيتذکر؛ لأنّ التبصّر یوجب حصول
صورة المدلول بعد الغفلة عنها، فيتذكّر
فيكون من أولي الألباب، وهم أعلى من
أولي الأبصار؛ لذا قيل: إن الله يحب ذا
البصر النافذ عند ورود الشبهات، والعقل
الكامل عند حلول الشهوات.
ومما تقدم نخلص إلى أنّ البصيرة خصّت
بالعبرة، واللّب خصّ بالتذكّر، فالبصيرة نورٌ
في القلب؛ لقوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى
اَلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَمُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ مَانَانٌ
يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى
اَلْقُلُوبُ أَلَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
فأمر بالسياحة في الأرض، وتأمّل آثار
الأمم الغابرة، وما حلّ بها بعد أن عمرت في
الأرض قرونًا، فذكر ما يتكامل به الاعتبار؛
لأنّ الرؤية لها حظّ عظيم في الاعتبار، مع
الاستماع لقصص من مضى، ولكن لا يكمل
الأمر إلاّ بالتدبّر بالقلب، ((وعقل ذلك؛ بأن
يعقل التّوحيد بما حصل له من الاستبصار
والاعتبار))(١).
(١) حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي، شهاب
جَوْسُورُ
القرآن الكريمِ
طرق تجنب الطبع
من المعلوم أن قلب المرء هو منطلق
أعماله، فبصلاحه تصلح الأعمال عند الله
وتزکو، وبفساده تفسد ولا ينتفع بها، ومن ثم
فإن من فقه المرء ورجاحة عقله أن يحرص
على سلامة قلبه ويجنبه دنس الشرك والآثام
والذنوب، ولابد للمسلم أن يسلك الطرق
التي تجنبه الطبع على القلوب لا سيما
عندما تشرئب الفتن ويعظم الجهل بدين
الله. وسنتحدث في المطالب الآتية عن أهم
طرق تجنب الطبع والختم على القلوب،
ومنها: الاستجابة لدواعي الحق سبحانه
وتعالى في كتابه الكريم. ومعرفة الله تعالى
والبصيرة في الدين. والانتفاع بآيات الله
تعالى في الآفاق والأنفس، ومن ثم الاعتبار
بالمصائب والمحن والشدائد فهي تمحص
قلب المؤمن وتميز الخبيث من الطيب،
لذلك ينبغي للمسلم أن يعرف هذه الطرق
والوسائل كي يتجنب الطبع على قلبه.
أولًا: الاستجابة لدواعي الحق:
إن من أسباب شفاء القلوب من مرضها
وتجنب الختم والطبع عليها الاستجابة
لأوامر الله تعالی وما أنزله الله في کتابه.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَحَ
قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَّلَ مِنَ الْمَّ وَلَا يَكُونُواْ
الدين الخفاجي، ٥٢٦/١.
٤١٠
الطبع
كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَقَلِهِ.
وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ مُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤].
فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ [الحديد:
١٦].
فذكر الله تعالى وقراءة القرآن الكريم
وتدبره والعمل بمقتضاه، تنجي القلب من
قسوته وتجنبه الطبع والران الذي يصيبه.
قال ابن القيم رحمه الله: القرآن حياة
القلوب، وشفاء لما في الصدور، فبالجملة
لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر،
والتفكر، وهذا الذي يورث المحبة والشوق،
والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل،
والرضى، والتفويض، والشكر، والصبر،
وسائر الأحوال التي بها حياة القلب،
وكماله، وكذلك يزجر عن جميع الصفات
والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب،
وهلاكه، فلو علم الناس ما في قراءة القرآن
بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها (١).
وقال الحافظ ابن رجب: وفي الآية
إشارة إلى أن من قدر على إحياء الأرض
بعد موتها بوابل القطر فهو قادر على إحياء
القلوب الميتة القاسية بالذكر، عسى لمحة
من لمحات عطفه ونفحة من نفحات لطفه
وقد صلح من القلوب كل ما فسد (٢).
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وقال تعالى:
أَسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ
(١) انظر: مفتاح دار السعادة ١/ ١٨٧.
(٢) انظر: لطائف المعارف ص٣١٧.
قال الطبري: أي: استجيبوا للحق الذي
جاءكم من الله عن طريق رسوله صلى الله
عليه وسلم فإن الله تعالى أملك القلوب
عباده من أنفسهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا
شاء، حتی لا یقدر ذو قلب أن يدرك به شيئًا
من إيمان أو كفر، أو أن يعي به شيئًا، أو أن
يفهم، إلا بإذنه ومشيئته. وذلك أن ((الحول
بين الشيء والشيء))، إنما هو الحجز بينهما،
وإذا حجز جل ثناؤه بين عبد وقلبه في شيء
أن يدركه أو يفهمه، لم يكن للعبد إلى إدراك
ما قد منع الله قلبه إدراكه سبيلٌ (٣).
وقيل في معنى الآية: إنه سبحانه قريب
من قلبه لا تخفى عليه خافية. فهو بينه
وبین قلبه. قال ابن القيم: وكان هذا أنسب
بالسياق؛ لأن الاستجابة أصلها بالقلب فلا
تنفع الاستجابة بالبدن دون القلب، فإن
الله سبحانه بين العبد وبين قلبه. فیعلم هل
استجاب له قلبه، وهل أضمر ذلك أو أضمر
خلافه (٤).
قال ابن القيم: إنّ الحياة النافعة إنما
تحصل بالاستجابة لله ورسوله، فمن لم
تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له وإن
کانت له حياة بهیمیة مشترکة بینه وبین أردل
(٣) جامع البيان ٤٧١/١٣.
(٤) انظر: التفسير القيم، ابن القيم ٣٠١/١.
www. modoee.com
٤١١
حرف الطاء
الحيوانات، فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة وخفقاته ولفتاته والحذر من كل هاجسة فيه
وكل ميل مخافة أن يكون انزلاقا والاحتياط
الدائم للمزالق والهواتف والهواجس ..
والتعلق الدائم بالله سبحانه مخافة أن يقلب
هذا القلب في سهوة من سهواته، أو غفلة من
غفلاته، أو دفعة من دفعاته.
من استجاب لله والرسول ظاهرًا وباطنًا،
فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم
أموات وإن كانوا أحياء الأبدان، ولهذا كان
أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة
الرسول والتي تتمثل بالإسلام والإيمان
والقرآن والجهاد في سبيل الله(١). فمن
استجاب فاز ونجا، ومن ترك الاستجابة
عاقبه الله تعالى بأن يحول بينه وبين قلبه
فلا يقدر على الاستجابة بعد ذلك، فيطبع
ويختم على قلبه(٢).
قال سيد قطب في تفسير قوله تعالى:
﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ
وَقَلْيِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]: ويا لها من صورة
رهيبة مخيفة للقدرة القاهرة اللطيفة. ﴿يَحُولُ
بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ فيفصل بينه وبين
قلبه ويستحوذ على هذا القلب ويحتجزه،
ويصرفه كيف شاء، ويقلبه كما يريد. وصاحبه
لا يملك منه شيئًا وهو قلبه الذي بین جنبیه!
إنها صورة رهيبة حقًّا يتمثلها القلب في
النص القرآني، ولكن التعبير البشري يعجز
عن تصوير إيقاعها في هذا القلب، ووصف
هذا الإيقاع في العصب والحس! إنها صورة
تستوجب اليقظة الدائمة، والحذر الدائم،
والاحتياط الدائم. اليقظة لخلجات القلب
(١) انظر: الفوائد ص ٨٨-٨٩.
(٢) انظر: شفاء العليل، ابن القيم ص٣١.
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهو رسول الله المعصوم يكثر من
دعاء ربه: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت
قلبي على دينك)(٣). فكيف بالناس، وهم
غير مرسلين ولا معصومين؟! إنها صورة
تهز القلب حقًّا ويجد لها المؤمن رجفة في
كيانه حين يخلو إليها لحظات، ناظرًا إلى
قلبه الذي بين جنبيه، وهو في قبضة القاهر
الجبار وهو لا يملك منه شيئًا، وإن كان
يحمله بين جنبيه ويسير! صورة يعرضها
على الذين آمنوا وهو يناديهم: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا
يُهِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
ليقول لهم: إن الله قادر على أن
یقهرکم علی الهدى- لو كان يريد- وعلى
الاستجابة التي يدعوكم إليها هذه الدعوة،
ولكنّه سبحانه يكرمكم فيدعوكم لتستجيبوا
عن طواعية تنالون عليها الأجر وعن إرادة
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ١٩/ ١٦٠، رقم
٠١٢١٠٧
وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث
الصحيحة، ١٢٦/٥، رقم ٢٠٩١.
٤١٢
جوبيه
القرآن الكريمِ
الطبيع
تعلو بها إنسانيتكم وترتفع إلى مستوى سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَالنَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ -
١٩١].
الأمانة التي ناطها الله بهذا الخلق المسمى
بالإنسان. أمانة الهداية المختارة وأمانة
الخلافة الواعية، وأمانة الإرادة المتصرفة
عن قصد ومعرفة (١).
ثانيًا: معرفة الله والبصيرة في الدين:
أما السبب الثاني من أسباب شفاء
القلوب وصلاحها وحياتها وصحتها
وتجنب الطبع أو الختم عليها هو أن يستقرّ
فيها معرفة الله تعالى وعظمته، ومحبته
و خشیته والإنابة إليه. قال سعيد بن إسماعيل
رحمه الله: ((صلاح القلب من أربع خصال:
التواضع لله، والفقر إلى الله، والخوف من
الله، والرجاء لله))(٢).
ومعرفة الله سبحانه وتعالى تكون
بالقلب والعقل معًا، فالتفكر في مخلوقات
الله يكون بالعقل، ثم ينتقل من دائرة العقل
إلى دائرة اليقين بالقلب، وقد قرنت الآيات
القرآنية التفكر في خلق السماوات والأرض
- وهذا يكون بالعقل - بالتوجه القلبي لذكر
الله وعبادته فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ
لَيَتٍ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ ﴿ أَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ
قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى
خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا
(١) في ظلال القرآن ٣/ ١٤٩٥.
(٢) انظر: حلية الأولياء، أبو نعيم ٢٤٤/١.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: ((الرب
تعالى يدعو عباده في القرآن إلى معرفته
من طريقين: أحدهما: النظر في مفعولاته،
والثاني التفكر في آياته وتدبرها، فتلك
آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة
المعقولة)»(٣).
ولمعرفة الله عزوجل دور كبير في
إخضاع القلب له سبحانه؛ لأنه بقدر المعرفة
تكون العبودية، فنحن نحتاج لمعرفة الله
عز وجل لتزداد خشيتنا له، وخوفنا منه،
ورجاؤنا فيه، وتوكلنا عليه وغير ذلك من
ألوان العبودية، وقد سأل موسى عليه السلام
ربه: ((يا رب أي عبادك أخشى لك؟ فقال:
أعلمهم بي»(٤).
وما أنزل القرآن الكريم وما بعث الرسل
إلا لشيء واحد كل شيء يندرج فيه، ألا
وهو أن يعرّف بالرب تبارك وتعالى وأعظم
التعريف برب العالمين جل جلاله توحيده،
فما توحيده إلا ناجم عن المعرفة الحقة به،
وقال أحمد بن عاصم: ((من كان بالله أعرف
کان من الله أخوف»(٥). فأصل الدين معرفة
الله؛ لأنك إذا عرفت الله، ثم عرفت أمره
(٣) الفوائد ١/ ٢٠.
(٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد ص٧٥.
(٥) انظر: نضرة النعيم، مجموعة باحثين
٣٤٥٤/٨.
www. modoee.com
٤١٣
حرف الطاء
فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين
فإنك تتفانى في طاعته.
فالقلوب إذا لم يحركها معرفة الله عز إذا فقدت نورها، بل فساد القلب إذا خلا من
محبة فاطره وبارئه» (٤)
٠
وجل وتعظيمه، فإنّ العطب سيتمكن منها،
فمن أعظم وسائل علاج القلب وصحته
وسلامته من الأمراض: أن يمتلئ قلب
الإنسان بمحبة الله.
والطبع والران سيكسوها، يقول ابن رجب
رحمه الله: «فلا صلاح للقلوب حتى تستقر
فيها معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته
ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه، وتمتلئ
من ذلك، وهذا هو حقيقة التوحيد، وهو
معنى (لا اله إلا الله)، فلا صلاح للقلوب
حتى يكون إلهها الذي تألهه وتعرفه وتحبه
وتخشاه هو الله وحده لا شريك له))(١).
وعن أنس رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (لا يستقيم
إيمان عبد حتى يستقيم قلبه)(٢). والمراد
باستقامة إيمانه: استقامة أعمال جوارحه،
فإن أعمال جوارحه لا تستقيم إلا باستقامة
القلب، ومعنى استقامة القلب: أن يكون
ممتلئًا من محبة الله، ومحبة طاعته، وكراهة
معصيته(٣).
يقول ابن القيم: ((فكيف بالمحبة التي هي
حياة القلوب وغذاء الأرواح؟ وليس للقلب
لذة ولا نعیم ولا فرح ولا حیاة إلا بها، وإذا
(١) انظر: جامع العلوم والحكم ١/ ٢١١.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٤٣/٢٠، رقم
١٣٠٤٨.
قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده ضعيف
لضعف علي بن مسعدة الباهلي.
(٣) انظر: جامع العلوم والحكم ٢١١/١.
يقول ابن القيم رحمه الله: فالقلب لا
يفلح ولا يصلح ولا ينعم ولا يتلذذ ولا
یسکن، إلا بعبادة ربه و حبه، والإنابة إليه، ولو
حصل له جمیع ما یلتذ به من المخلوقات لم
يطمئن إليها، ولم يسكن إليها، بل لا تزيده
إلا فاقةً وقلقًا حتی یظفر بما خلق له، وهي
له: من كون الله وحده نهاية مراده، وغاية
مطالبه، وكلما تمكنت محبة الله من القلب
وقويت فيه أخرجت منه تألّهه لما سواه
وعبو دیته له(٥).
فالمسلم لا بد أن يعبد الله على بصيرة؟
لأنها تقوده إلى الفهم الثاقب الصحيح في
دين الله كونها أساس السعادة ومنبع الخير،
وتكمن أهمية البصيرة في دين الله عزوجل
باكتساب الثقة في النفس والطمأنينة
وانشراح الصدر.
ولأهمية البصيرة في الدين فقد جعلها
ابن القيم رحمه الله المنزلة الثانية من منازل
﴿إِنَّكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾ حيث يقول:
(٤) الجواب الكافي، ص٢٣٣.
(٥) انظر: إغاثة اللهفان، ابن القيم ٢ / ١٩٨.
جَوْسُو ◌َرَ النَّقْتَبَّ
القرآن الكَرِيمِ
٤١٤
الطبع
((فالبصيرة نور يقذفه الله في القلب، يرى وحق))(٥).
به حقيقة ما أخبرت به الرسل، كأنه يشاهده
رأي العين، فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما
دعت إليه الرسل، وتضرره بمخالفتهم،
وهذا معنى قول بعض العارفين: البصيرة
تحقق الانتفاع بالشيء والتضرر به))(١).
ولقد ذكر الله عز وجل البصيرة في كتابه
العزيز بل وربطها بمقام الدعوة الذي هو من
أجل المقامات حيث قال عزوجل: ﴿قُلّ
هَذِهِ، سَبِيلِي أَدْ عُواْ إِلَى اللَّه عَلَى بَصِيرَةٍ أَنْ وَمَنِ
أَتَّبَعَنِّ وَسُبْحَنَ اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[يوسف: ١٠٨].
جاء في لسان العرب: البصيرة الحجة
والاستبصار من الشيء. والبصر نفاذ
في القلب، وبصر القلب نظره وخاطره،
والبصيرة هي عقيدة القلب(٢).
وقال الراغب الأصفهاني: يقال لقوة
القلب المدركة: بصيرة وبصر، وجمع البصر
أبصار، وجمع البصيرة بصائر، ومنه ﴿عَلَى
بَصِيرَةٍ﴾ أي: معرفة وتحقق (٣).
وقال القرطبي: أي: ((على يقين
(١) انظر: مدارج السالكين ١٤٣/١.
(٢) انظر: لسان العرب، ٤ /٦٥.
(٣) انظر: المفردات ص ١٢٧.
(٤) الكليات ص٢٤٧.
وقال البيضاوي: ((أي: بيان وحجة
واضحة غير عمياء» (٦).
وقال الإمام البغوي: ((البصيرة هي
المعرفة التي تميز بها الحق والباطل»(٧).
وقال الإمام البقاعي ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ أي:
(حجة واضحة من أمري، بنظري الأدلة
القاطعة والبراهين الساطعة، وترك التقليد
الدال على الغباوة والجمود، لأن البصيرة
المعرفة التي يتميز بها الحق من الباطل
دينًا ودنيا بحيث يكون كأنه يبصر المعنى
بالعین»(٨).
فالبصيرة هي الدليل الواضح من غير
لبس فيه، الذي يعصم الإنسان من الزلل
والشطط والانحراف، ويهديه الى جادة
الصواب ويصحح سلوكه، والبصيرة هي
الدین والبيان، وهي العلم الذي تمیز به الحق
والباطل، بل هي النور الذي يبصر به القلب
والحجة التي تدرك بها الحقائق العملية.
والبصيرة فعلها ووظيفتها التبصر، وهذه
درجة قبل التذکر، فهي نور في القلب يبصر
وذكر الكفوي رحمه الله أن البصيرة:
((قوة في القلب تدرك بها المعقولات، وقوة به، فيقوم في قلبه شواهد الحق ويرى
حقيقة ما يبلغه ويخبر به عن طريق الرسل،
القلب المدركة بصيرة» (٤).
فالبصيرة هي ما يخلصك من الحيرة، فمن
(٥) الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٢٧٤.
(٦) أنوار التنزيل ١٧٨/٣.
(٧) معالم التنزيل ٤/ ٢٨٢.
(٨) نظم الدرر ١٠/ ٢٤٢.
www. modoee.com
٤١٥
حرف الطاء
عرفها ورزقها وذاقها فإنه يسير في حياته
علی هدی من ربه ويقين، من غير شك ولا
شبهة ولا اضطراب.
فهناك بصر وبصيرة، وهناك رؤية عينية
ورؤية قلبية، فقد يمر الإنسان ببصره على
كثير من الآيات والدلائل على القدرة
الإلهية ولا يحسّ بها ولا يدرك حقيقتها؛
لأن بصيرته مظلمة، ولأن قلبه أعمى، وقد
تتكشف الحقائق فيراها أمامه جلية واضحة،
يراها بقلبه، يراها ببصيرته، التي في أعماق
نفسه، فيدرك أبعادها ويفهم دقائقها فيعرف
ما ورائها من حكمة.
والبصيرة في الدين من أعظم ما يرزق
به المتقي، حيث تكون له بصيرة وفرقان
يفرّق به بين الحق والباطل وأن يكون له نورًا
يضيء دربه فيحذر الشر ويرجو الخير.
وختامًا يمكن القول: إن معرفة الله
والبصيرة في الدين هي خير دواء للقلوب
من أمراضها؛ لأنها تجعل القلب دائم
الحضور مع الله، حتى يصبح القلب حيًّا
أبيض يشعّ النور من جنباته؛ لأن البصيرة
في الدين هي الرؤية الإيمانية التي تضيء
القلوب بنور الإيمان، فيرى الوجود بعين
البصيرة لا بعين البصر، لأن القلب البصير
أصبح يعقل ويدرك فتتكشف أمامه الحقائق
كما يسلط النور على الأشياء فتتضح وسط
الظلمة.
ثالثا: لزوم التقوى والعمل الصالح:
ومن أوجه التقوى: تنزيه القلب عن
الذنوب، وهذه هي الحقيقة في التقوى، ألا
ترى في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَيَخْشَ اَللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَآيِزُونَ﴾ [النور:
٥٢].
فالملاحظ هنا أن الله تعالى ذكر الطاعة
والخشية ثم ذكر التقوى، فعلم بهذا أن
حقيقة التقوى بمعنى غير الطاعة والخشية،
وهي تنزيه القلب عن ذنب لم يسبق منك
مثله(١).
وأما المعنى الاصطلاحي للتقوى فقد
عرفها العلماء بتعاريف عديدة فمن ذلك قال
الإمام ابن القيم رحمه الله: ((وأما التقوى:
فحقیقتها العمل بطاعة الله إيمانًا واحتسابًا،
أمرًا ونھیًا، فيفعل ما أمر الله به، إيمانًا بالأمر
وتصديقًا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه
إيمانًا بالناهي وخوفًا من وعيده))(٢). وقال
الإمام ابن عطية: التقوى: أن تجعل بينك
وبين عذاب الله وقاية (٣).
.
ومما قيل في حقيقة التقوى: ما قاله طلق
بن حبيب: ((التقوى عمل بطاعة الله، على
نور من الله، رجاء رحمة الله، وأن تترك
معصية الله، على نور من الله، خيفة عذاب
(١) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي
٢٥٨/٥.
(٢) الرسالة التبوكية ١/ ١٣.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ١/ ٢٣٠.
٤١٦
جَوَسُوع
القرآن الكريم
الطبع
الله)»(١).
ما يواري عورات الظاهر والباطن ويتجمل
قال الحافظ الذهبي معلقًا على قول به وهو لباس التقوى (٤). قال ابن عباس
رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَلَاشُ
النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾: ((هو العمل الصالح))(٥).
وقيل: السمت الحسن في الوجه (٦). وقيل:
ما علمه الله عزوجل وهدي به، وقيل: ستر
العورة للصلاة، التي هي التقوى. وقيل:
الحياء(٧) .
طلق: في التقوى: ((أبدع وأوجز، فلا تقوى
إلا بعمل، ولا عمل إلا بتروِّ من العلم
والإتباع، ولا ينفع ذلك إلا بالإخلاص لله،
لا ليقال: فلان تارك للمعاصي بنور الفقه، إذ
المعاصي يفتقر اجتنابها إلى معرفتها، ويكون
الترك خوفًا من الله، لا لیمدح بترکها، فمن
دوام على هذه الوصية فقد فاز))(٢).
وقد جمع الإمام الطبري رحمه الله
بین هذه المعاني جمیعًا وعلّل ذلك بقوله:
وسأل عمر بن الخطاب أبي بن كعب
رضي الله عنهما عن التقوى فقال: أما («لأن من اتقى الله كان به مؤمنًا، وبما أمره
سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم. قال: به عاملًا، ومنه خائفًا، وله مراقبًا، ومن أن
يرى عندما يكرهه مستحيًا، ومن كان كذلك
فما عملت؟ قال: شمّرت واجتهدت، قال:
فذلك التقوى(٣).
ظهرت آثار الخیر فیه، فحسن سمته وهديه،
ورئیت عليه بهجة الإيمان ونوره»(٨).
وخير لباس يتزود به العبد الصالح
لمرحلة الآخرة هو التقوى والعمل الصالح،
مما يؤكد هذا الكلام قوله تعالى: ﴿ يَبِِّّ
ءَادَمَ قَدْ أَنَزَلْنَا عَلَيْكُوْ لِيَاسًا يُؤَرِى سَوْءَِّكُمْ
وَرِيِشَاٌ وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ
اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦].
فبعد أن تمنن الله عز وجل على عباده
بأن جعل لهم من اللباس والريش، ما يستر
به العورات، دلّهم على أفضل لیاس، وهو
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهدص ٤٧٣.
(٢) سير أعلام النبلاء ٤/ ٦٠١.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٠/ ٣٢، منهج القرآن في تربية الرجال، عبد
الرحمن عميرة ص٩٩.
والتقوى كما ذكر القرآن الكريم أصلها
في القلب، وثمرتها على الجوارح بأداء
الفرائض والنوافل واجتناب المحرمات،
والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب لا تقوى
الجوارح؛ لأن العبد إنما يقطع منازل السير
إلى الله بقلبه وهمته لا بدنه(٩). قال تعالى:
﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَيْرَ اَللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧٥/٨.
(٥) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢١٤/٢.
(٦) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ١١٠.
(٧) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢١٤/٢.
(٨) جامع البيان ٣٧١/١٢.
(٩) انظر: الفوائد، ابن القيم ص١٤١.
www. modoee.com
٤١٧
حرف الطاء
اٌلْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
يقول سيد قطب: ((إن التقوى زاد القلوب
والأرواح منه تقتات، وبه تتقوى وترف
وتشرف، وعليه تستند في الوصول والنجاة
وأولوا الألباب هم أول من يدرك التوجيه
إلى التقوى وخير من ينتفع بهذا الزاد))(١).
والتقوى للقلب كجهاز المناعة للبدن،
فكلاهما يدرك ويواجه أسباب المرض،
وتنشأ التقوى من الإيمان بالله وخشيته
والعلم بما أنزله من أحكام وحدود، فبالتقوى
يدرك القلب إلقاءات الشيطان بسرعة، فإذا
همّ بالذنب أو أصابه تذکر وعد الله ووعيده،
وأبصر غواية الشيطان، فيستغفر الله من
قريب، وبهذا يقي نفسه التعرض لسخط الله
وعقابه، أما غير التقي فيترك الفتنة تدمر قلبه
كما تدمر الجراثيم عضوًا في الجسد لضعف
جهاز المناعة (٢)، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
أَتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ
[الأعراف: ٢٠١].
فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ {
فإذا ما طاف الشيطان بالمس للذين اتقوا
تذكروا خالق الشيطان وخالقهم، وتذكروا
منهج الله الذي يصادم شهواتهم، وتذكروا
إن عين الله تراهم ولا تغفل عنهم(٣).
فالتقوى تجعل القلب نورًا لكشف
الشبهات، ويزيل الوساوس والأوهام،
(١) في ظلال القرآن ١/ ١٩٧.
(٢) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ٨٨/٣.
(٣) انظر: تفسير الشعراوي ٤٥٣٨/٨.
ويثبّت الأقدام على الطريق الشائك الطويل،
بل إنها لتجعل قلب المؤمن مرجعًا عند
التباس الأمور، واضطراب الموازين
والأفهام، وهي تجعل في قلب المؤمن
فرقانا یکشف له معالم الطريق إلى الله، ولا
يعرف هذه الحقيقة إلا من ذاقها وأخلص في
التعامل معها، وغمرت مخافة الله وتقواه
فؤاده(٤).
والتقوى تفتح مغاليق القلوب، قال
تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾
[البقرة: ٢٨٢].
وهداية القرآن لا تكون بغير ذوي
النفوس التقية، والقلوب الزكية تتوقى
الضلالة، وتتجنب سبل الغواية، وبالتقوى
يكون الفرقان بين الحق والباطل، وبها
العرفان الذي تتجلى به الأمور، والنور الذي
یشرح به الصدور.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُوا اللَّهُ
وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَبَجْعَل
لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
[الحديد: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن
تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فِرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
اَلْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩].
فالتقوى هي فرقان القلب و(الفرقان)
(٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٤٩٩/٣.
٤١٨
جَوْسُو ◌َرَ النَفسِية
القرآن الكريم
الطبع
هو: ((النصر؛ لأنه يفرق بين الحق القلوب.
وكما أن القلب يتعرض للأمراض
والباطل))(١). وعن ابن عباس رضي الله
عنهما ﴿فُرْقَانًا﴾: «مخرجًا، وزاد مجاهد
في الدنيا والآخرة))(٢).
والعلل، فإن هذا القلب يحصل له من
الأحوال الإيمانية، والمقامات التعبدية،
وحقيقة التقوى أنها حالة قلبية، تقوم من الصفحات المحمودة مثل: اللين،
على خشية الله ومراقبته، وتعظيم أمره
والإخبات، والخشوع، والإخلاص،
ونهيه، تبعث صاحبها على فعل ما يحب والحب، والتقوى، والثبات، والخوف
والرجاء والإنابة، والنتيجة سلامة القلب
التي قال عنها الخالق سبحانه: ﴿إِلََّ مَنْ أَتَى اللّهَ
بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩].
الله ویرضی، والمسارعة فیه، واجتناب ما
يسخطه والبعد عنه، ومحلها القلب، والقلب
يضخّ آثارها على سائر الجوارح والأعضاء،
كما يضخّ الدم من القلب، فينشر في سائر
الجسد، فتعمل أجهزته، وتحيا به خلاياه(٣).
قال أبو حاتم: ((العاقل يدبر أحواله
بصحة الورع، ويمضي لسانه بلزوم التقوى؛
لأن ذلك أول شعب العقل، ولیس إلیه سبیل
إلا بصلاح القلب)»(٤).
واعتبر القرآن الكريم القلب مركزًا
لسلسلة من الإلهامات والإلقاءات الإلهية،
حيث إن كل إنسان وفي أي مستوى محافظ
على طهارته القلبية، وعامل منقذ لها،
فإن هذا المركز سيكون طريقًا للخلاص
من جميع الأمراض ولا سيما الطبع على
(١) الكشاف، الزمخشري ٢/ ١٥٤.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣/٤،
أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ٥٢
(٣) انظر: موسوعة فقه القلوب، التويجري
٦/ ٨٧.
(٤) روضة العقلاء، ابن حبان ص ٣٠.
فالحياة الإيمانية صفة قلب صاحبه
أبيض.
فالتقوى هي الدواء لكل الأمراض التي
يصاب بها القلب كالجهل والنفاق والحقد
والتكبر وغير ذلك، والتقوى هي العلاج
الوحيد الواقي من هذه الأمراض، فهي تزيد
مرآة القلب جلاءً وإشراقًا، ونورًا وضياءً
حتى يتلألأ(٥).
فالواجب على العاقل أن لا ينسى تعاهد
قلبه بترك ورود السبب الذي يورث القساوة
له عليه؛ لأنه بصلاح الملك تصلح الجنود،
وبفساده تفسد الجنود، فإذا اهتم بإحدى
الخصلتين تجنب أقربها عن هواه، وتوخى
أبعدها من الردى، فلا بد من إصلاح السرائر،
وترك إفساد الضمائر، والواجب على العاقل
الاهتمام بإصلاح سريرته، والقيام بحراسة
(٥) انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي ١٢/٣
www. modoee.com
٤١٩
حرف الطاء
قلبه عند إقباله وإدباره، وحركته وسكونه، رقيب أو حسيب، فهي كالحاجز للمسلم من
كل شر وسوء، والدافعة إلى كل خير.
لأن تكدر الأوقات، وتنقص اللذات، لا
يكون إلا عند فساده(١).
قال مالك بن دينار رحمه الله: إن القلب
إن لم یکن فيه حزن خرب، كما يخرب
البيت إذا لم يكن فيه ساكن، وإنّ قلوب
الأبرار تغلي بأعمال البر، وإن قلوب الفجار
تغلي بأعمال الفجور، والله یری همومكم،
فأنظروا ما همومكم ؟ رحمكم الله (٢).
والمتأمل لآيات القران الكريم
يجد أن الله عز وجل ربط عدم السماع
بالطبع بالذنوب، فقال تعالى ﴿لَّوْنَشَاءُ
أَصَبْنَهُم بِذُنُوبِهِذَّ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لًا
يَسْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ١٠٠].
١٠٠٠
كما ربط السماع بالتقوى فقال تعالى:
﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَسْمَعُواْ ﴾ [المائدة: ١٠٨].
وخلاصة المقال: إن القلب إذا زاد
نوره بالتقوى والعمل الصالح ينيب إلى
الله، ويحب الطاعات ويكره المعاصي،
وبالإيمان وبتقوى الله وامتثال أوامره في كل
حال يزيد نور القلب، وبالكفر والمعاصي
يزيد ظلام القلب والطبع عليه(٣)؛ لأن
التقوى هي التي تحبب الوازع الديني في
النفس، فلا يحتاج صاحبها بعد ذلك إلى
(١) انظر: أمراض القلوب وشفاؤها، ابن تيمية
ص٤٢.
(٢) انظر: مفتاح دار السعادة، ابن القيم ١/ ١٢٤
(٣) انظر: موسوعة فقه القلوب، التويجري ٣/١.
رابعًا: الانتفاع بآيات الله في الآفاق
والأنفس:
ومن الأسباب الأخرى التي تؤدي إلى
شفاء القلوب من أمراضها وتمنع الطبع عليها
الانتفاع بآيات الله في الآفاق والأنفس، إذ
إن التفكر في مخلوقات الله تعالى والتدبر
والتأمل في كتاب الكون المفتوح، وتتبع
قدرة الله المبدعة وهي تحرّك هذا الكون،
وتقلب صفحاته من شأنه أن يجعل القلب
دائم الصلة بالله، فيملؤه بالخوف والرجاء
والتعظيم والتوكل والاستسلام لله عز وجل.
إن التفكر والانتفاع بآيات الله في الآفاق
والأنفس ومعرفة الله عزوجل، إنما ينشأ من
توجيه القلب إلى الله تعالى وإيقاظه لرؤية
آلائه، أمام هذا الخلق الهائل العجيب، من
خلال رؤية مخلوقاته، وعجائب قدرته
وبديع صنعه، ورؤية آثار رحمته ومظاهر
قدرته، وقوته وبطشه في إهلاك الظالمين
على مرّ القرون والأزمان (٤).
وآيات الله في الآفاق والأنفس، تعدّ بابًا
واسعًا من أبواب الإيمان الحق بالله تعالى،
وطريقًا إلى خشيته وطاعته، فالباحث في
العلم یوقن، والمتأمل في الکون یشعر حينما
(٤) انظر: المصدر السابق ٣١/٣.
٤٢٠
جوبيه
القرآن الكريمِ
الطبع
يقرأ آيات القرآن الكريم المتعلقة بخلق
الكون والإنسان، يوقن بأن القرآن الكريم
مستحيل أن يأتي به بشر، ومصداق هذا قوله
تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِى آلآفَاقِ وَفِّ
أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقٌ أَوَلَمْ يَكْفِ
بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣].
إن القرآن الكريم يدعونا إلى التأمل
والتدبر والنظر في آيات الله تعالى في
عالم الطبيعة والخلق - آفاق الكون وأغوار
النفس- ويعد هذا النظر والتفکر جدیرًا
بأهل الفكر والألباب وأصحاب الضمائر
الحية والقلوب السليمة، وكثيرًا ما تأتي
اللفتات الكريمة في القرآن الكريم إلى آيات
الله وعظيم صنعه، وكريم لطفه وإحسانه، ثم
تذيل هذه الآيات بقوله: ﴿أَفَلا تَمْقِلُونَ﴾
[المؤمنون: ٨٠]،
﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾
[يونس: ٣].
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ
وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ أَلَّتِى تَخْرِى
فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ
مِن ◌َّآءٍ فَأَعْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا
مِن كُلِّ دَآَّةٍ وَتَصْرِيفِ الْرِّيَجِ وَالسَّحَابِ
الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَاَلْأَرْضِ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤].
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى مَدَّ اْأَرْضَ
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِقَ وَأَنْهَرًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ
فِيهَا زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ يُغْشِى أَلَّيْلَ النَّارَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ
لَيَتِ لِّقَوْمِ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣].
وشفاء القلوب من الطبع عليها إنما يكون
بتحصين القلوب بالإيمان واليقين من خلال
تفكر الإنسان بآيات الله في الآفاق والأنفس
والانتفاع بها، فالإيمان هو الذي يفتح
القلوب لتلقي الأصداء، والأضواء، ورؤية
النعيم والآلاء، يقول الإمام ابن القيم: كلما
قوي الإيمان وازداد نوره في القلب، أحسّ
المرء بانشراح في صدره، وتضائل شعوره
بالضيق، فإذا ما استمرّ النور في دخول
القلب، ازدادت مساحة الإیمان فیه، وشيئًا
فشيئًا تصبح مساحة الإيمان في القلب أكثر
فأكثر اتساعًا من غيرها، فيحدث حدث مهم
ومادي يشعر به المرء في لحظة سعيدة من
لحظات عمره، ألا وهو شعوره بتحرك قلبه
في صدره حركة سريعة ومضطربة، وهذا
ما يسمى بولادة القلب الحي أو الولادة
الثانية (١).
فالإيمان له آثار إيجابية في حياة الإنسان،
والقلب إذا استنار بنور الإيمان انعكست
آثار ذلك على الإنسان، فترى الطمأنينة تملأ
قلبه، وهذا الإيمان يجعل الإنسان في رقابة
على نفسه من داخله.
إن تأمل آيات الله في الآفاق والأنفس
يوقظ القلوب، ويفتح مغاليقها، ويوجه
القلب إلى تعظيم مبدع هذا الكون.
(١) انظر: شفاء العليل ١٠٧.
www. modoee.com
٤٢١
حرف الطاء
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتِ
لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَفِ خَلْفِكُمْ وَمَا يَبْثُ مِن دَابَّةِ ءَايَتٌّ لِّقَوْمٍ
يُوقِنُونَ ، وَأَخْلَفِ أَِّلِ وَالنََّارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ
السَّمَآِ مِن رِّزْقٍ فَلَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَّوْتِهَا وَتَصْرِيفِ
اَلْرِّيَجِ ءَايَتُّ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٣ - ٥].
إنّ آيات الله في الكون لا تتجلى عن
حقيقتها إلا للقلوب الذاكرة العابدة، فالذين
يذكرون الله قياما وقعودًا ويتفكرون في
خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل
والنهار، هم الذين تنفتح لبصائرهم الحقائق
الكبرى المنطوية في خلق السماوات
والأرض، بخلاف الكثير من الناس الذين
يمّرون على آيات الله تعالى، وهم عنها
غافلون، فلا قلب یعقل، ولا عین تبصر، ولا
آذان تسمع، ولا فؤاد یھتز، ولا ضمیر ینیب.
قال تعالى عن هذا الصنف من الناس:
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنّ
وَاُلْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَمْ أَعْيُنُ لَّا
يُصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَانَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ
كَالْأَنْخَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ ﴾
[الأعراف: ١٧٩].
أما أصحاب القلوب السليمة من
الأمراض فهي تحيا مع آيات الله بآذان
صاغية، وعيون راعية، وقلوب واعية.
قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا ذُكِرُ واْ بِثَايَتِ
رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُ واْ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان:
٧٣].
فهو ينظر إليها بعقله، وينتفع بهديها
ويستضيء بنورها، فهو ينظر الى آيات الله
على أنها ناطقة بوجود الله ووحدانيته،
بل هي أبلغ بيان ينطق بصفات الله تعالى
وعظیم آلائه.
وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على عباده
المتفكرين في مخلوقاته ومدحهم؛ لأن
تفگرهم فیها أوصلهم إلى شهادته بأنه تعالی
لم يخلقهم باطلًا بل أحدث في قلوبهم
مزيدًا من الخشية والإنابة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِ
اُلْأَلْبَبِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا
وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
والمعنى: تدبروا أيها الناس واعتبروا،
فيما أنشأته فخلقته من السماوات والأرض،
لمعاشكم وأقواتكم وأرزاقكم، وفيما
عقّبت بينه من الليل والنهار، فجعلتهما
يختلفان ويعتقبان عليكم، تتصرفون في
هذا لمعاشكم، وتسكنون في هذا لراحة
أجسامكم، معتبر ومدکر، وآیات واعظات،
لمن كان منكم ذا لب وعقل(١).
قال الرازي: ((اعلم أن المقصود من هذا
الكتاب الكريم جذب القلوب، والأرواح
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٧٣/٧.
٤٢٢
جَوَيٌ
القرآن الكريم
الطبع
من الاشتغال بالخلق إلى الاستغراق في فهم يتوجهون الى الله بقلوبهم قيامًا وقعودًا
وعلى جنوبهم، فتتفتح بصائرهم، وتشف
مداركهم، وتتصل بحقيقة الكون التي
أودعها الله إياه (٤).
معرفة الحق، فلما طال الكلام في تقرير
الأحكام، والجواب على شبهات المبطلين،
عاد إلى إنارة القلوب بذكر ما يدل على
التوحيد، والإلهية، والكبرياء، والجلال،
فذكر هذه الآيات)»(١).
فالتفكر يذهب الغفلة ويحدث في القلب
الخشیة، کما یحدث الماء للزرع النبات، وما
جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت
بمثل الفكرة، إذ إن التفکر في أمر الله هو من
عمل القلوب (٢).
وما أحسن ما قاله الزمخشري في
وصف أولي الألباب بقوله: ((الذين يفتحون
بصائرهم للنظر والاستلال والاعتبار، ولا
ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها
من عجائب الفطر))(٣).
والقرآن الكريم يوجه القلوب والأنظار
توجيهًا مكررًا مؤكدًا إلى هذا الكتاب
المفتوح الذي لا تفتأ صفحاته تقلب،
فتبتدي في كل صفحة آية موصية، تستجيش
في الفطرة السلمية إحساسًا بالحق المستمر
في صفحات هذا الكتاب، وأولوا الإدراك
الصحيح هم الذين يتفكرون بآيات الله
وينتفعون بها ولا يقيمون الحواجز، ولا
يغلقون المنافذ بينهم وبين هذه الآيات،
(١) مفاتيح الغيب ٤٥٨/٩.
(٢) انظر: الكشاف ١/ ٤٥٤.
(٣) المصدر السابق ٤٥٢/١.
وأولوا الألباب هم الذين ينظرون
ويستفيدون ويهتدون ويستحضرون عظمة
الله ویتذاکرون حکمته وفضله و جلیل نعمه
في جمیع أحوالهم، وهم الذين لا يغفلون
عن الله تعالى في عامة أوقاتهم؛ لأن قلوبهم
مطمئنة بذكره تعالى ومراقبته، وخص
الخالق سبحانه وتعالى في هذه الآيات
أولي الألباب، وهم أصحاب العقول، لأنهم
هم المنتفعون بها، الناظرون إليها بعقولهم
وقلوبهم لا بأبصارهم(٥).
كما أن في خلق الله تعالى للإنسان
آية للمتوسمين، وعبرة للمعتبرين، وعظة
للمتعظين.
يقول سبحانه: ﴿وَفِيَّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ
تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١].
أي: أفلا تنظرون نظر من يعتبر في
اختلاف الألسنة والألوان، والتفاوت في
العقول والإفهام، واختلاف الأعضاء،
وتعدد وظائف كل منها على وجه يحتار فيه
اللب، ويدهش منه العقل(٦).
يقول سيد قطب: ((وهذا المخلوق
(٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٥٤٤.
(٥) انظر: تفسير المراغي ٤/ ١٦٢.
(٦) انظر: المصدر السابق ٢٦/ ١٨٠.
www. modoee.com
٤٢٣
حرف الطاء
الإنساني هو العجيبة الکبری في الأرض،
ولكنه يغفل عن قيمته وعن أسراره الكامنة
في کیانه، حین یغفل قلبه عن الإیمان وحین
يحرم نعمة اليقين))(١).
والنص القرآني يريد أن يوقظ القلب
البشري للتأمل والتدبر واستجلاء العجائب،
غير أنه لا يدرك هذه العجائب إلا القلب
العامر باليقين، فلمسة اليقين هي التي تحيي
القلوب(٢).
يقول ابن القيم: «لما كان أقرب الأشياء
إلى الإنسان نفسه دعاه خالقه وبارئه
ومصوّره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصر
والتفكر في نفسه، فإذا تفكّر الإنسان في
نفسه استنارت له آيات الربوبية وسطعت له
أنوار اليقين واضمحلّت عنه غمرات الشك
والريب، وانقشعت عنه ظلمات الجهل،
فإنه إذا نظر في نفسه وجد آثار التدبير فيه
قائمات، وأدلة التوحيد على ربه ناطقات،
شاهدة لمدبره، دالة علیه، مرشدة إليه))(٣).
فلا بد للمسلم صاحب القلب الحي
أن يتأمل في آيات الله في الأفاق والأنفس
وأن ينتفع بها؛ لأن الله تعالى فضّله عن
باقي خلقه بنعمة القلب والعقل، والسمع
والبصر، والفؤاد، فالإنسان الحي هو من
أحيا قلبه بالتدبر والتفكر والانتفاع من ذلك؛
(١) في ظلال القرآن ٦/ ٣٣٧٩.
(٢) المصدر السابق ٣٣٧٩/٦.
(٣) التبيان في أقسام القرآن ص٣٠٣.
لأن فى ذلك شفاء القلوب المريضة.
إذ ليس الهدف من نزول القرآن الكريم
التلاوة والتلفظ باللسان، بل لكي تكون آياته
منبعًا للفكر والتدبر وسببًا ليقظة الوجدان.
قال تعالى: ﴿كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرٌَّ
لِيَتَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ، وَلِسَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [ص:
٢٩].
وتدبر القرآن الكريم هو تحديق نظر
القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره
وتعقله، إذ إن قلب المتدبر للقرآن، ينتابه
تطلّع وتشرّق، كما ينتاب المريض شعور
بالبحث عن العلاج، أو كما ينتاب الحائر
شعور بالبحث عن الدلالة والهداية.
خامسًا: الاعتبار بالمصائب والمحن:
ومن أسباب شفاء القلوب من مرضها
وتجنب الطبع عليها هو الاعتبار بالمصائب
والمحن التي تمرّ بها القلوب عند الشدائد،
إذ إنّ للقلوب أهمية عظيمة عند الشدائد
والمحن، وينبغي للمسلم أن تكون تصرفاته
صحيحة غير طائشة، بل يجب أن تكون
منضبطة بنور شريعة الإسلام، ولابد لنور
القلوب أن يشعشع في قلوب المسلمين
أوقات الشدائد.
فالمؤمن الذي يريد أن يتجنب الطبع
على قلبه لا بد له أن يستحضر في عقله
أنواع المصائب والمحن ويقدر وقوعها،
٤٢٤
جَوَسُون
لِلْطَرَآن الكَرِيمِ
الطبى
وعلى تقديرها ووقوعها يرضى بها؛ لأن
الرضا بقضاء الله تعالى واجب، فعند
وقوعها لا يستعظمها، بل تكون له عبرة
يتعظ بها، بخلاف الجاهل فإنه يكون غافلا
عن تلك المعارف فعند وقوع المصائب
يعظم تأثيرها في قلبه، بخلاف قلب المؤمن
الذي یکون دائمًا منشرحًا بنور معرفة الله
تعالى، والقلب إذا كان مملوءًا من هذه
المعارف، لم يتّسع للأحزان الواقعة بسبب
أحوال الدنيا، وسیکون قلبه سلیمًا من جمیع
أمراض القلوب، أما قلب الجاهل فإنه خال
من معرفة الله تعالی، فلا جرم يصير مملوءًا
من الأحزان الواقعة بسبب مصائب الدنيا.
والقلوب السليمة حينما تسمع القصص
وترى أثار الأمم الخالية التي عاقبها الله تعالى
لإعراضها، حتمًا ستكون هذه المشاهد عبرة
لها وموعظة، قال تعالى واصفًا هذه القلوب
السليمة: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ,
قَلْبُ أَوْأَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: ٣٧].
قال ابن زيد في تفسير قوله تعالى: ﴿لِمَن
كَانَ لَهُ، قَلْبُ﴾ أي: قلب يعقل ما قد سمع من
الأحاديث التي ضرب الله بها من عصاه من
الأمم(١). وبين ابن أبي زمنين أن الخطاب
هنا هو خاص بقلب المؤمن(٢). الذي
صرف قلبه إلى التفهم، فهو في حضور دائم
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٧٣/٢.
(٢) انظر: تفسير القرآن العزيز ٢٧٨/٤
مع الله ولا يغفل عنه طرفة عين.
وقال السمرقندي في تفسيره الآية:
((أي: لمن كان له عقل؛ لأن محل العقل هو
القلب))(٣). فكنى بالقلب؛ لأنه موضعه.
وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿لِمَنْ
كَانَ لَهُ، قَلْبُ﴾ أي: «لمن كان له قلب واع؛
لأن من لا يعي قلبه فكأنه لا قلب له)) (٤).
قال یحیی بن معاذ: القلب قلبان، قلب
محشّ بأشغال الدنيا حتى إذا حضر أمر
من أمور الآخرة لم يدر ما يصنع، وقلب قد
احتشى بأهوال الآخرة حتى إذا حضر أمر
من أمور الدنيا لم يدر ما يصنع لذهاب قلبه
في الآخرة (٥).
وفسر الرازي قوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ,
قَلْبُ﴾ بأن المراد: قلب موصوف بالوعي،
أي: لمن كان له قلبًا سليمًا أدرك الحقائق
وتفکر کما ينبغي، فكأنه تعالی قال: إن في
ذلك لذكرى وعبرة لمن يصلح أن يقال:
له قلب، وحينئذ فمن لا یتذكّر ولا يتعظ لا
قلب له أصلًا، کما في قوله تعالى: ﴿ مُّ
بُكْمَّ عُمْىٌ﴾ [البقرة: ١٨].
حيث لم تكن آذانهم وألسنتهم وأعينهم
مفيدة لما يطلب منها، كذلك من لا يتذكر
کأنه لا قلب له، کالجمادات لھا صور ولیس
(٣) انظر: تفسير السمر قندي ٣٣٨/٣.
(٤) الكشاف ٣٩١/٤.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٣/١٧.
www. modoee.com
٤٢٥
حرف الطاء
لها قلوب للذکر ولا لسان للشکر(١).
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَى
لِمَنْ كَانَ لَهُ، قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾
لطيفة حيث أتى الخالق عزوجل بـ (أو)
لتقسيم المتذكر إلى تال وسامع، أو إلى
فقيه ومتعلم، أو إلى عالم كامل الاستعداد
لا یحتاج لغير التأمل فيما عنده، وقاصر
محتاج للتعلم، فیتذكر إذا أقبل بکلیته، وأزال
الموانع بأسرها، وفي تنکیر (قلب) وإبهامه،
تفخیم وإشعار بأنّ کل قلب لا یتفكر ولا
یتدبر، فهو ليس بقلب(٢).
فالمانع من التأثير والاعتبار هو سهو
القلب وغيبته عن تعقل، وصاحب القلب
الحي لا يمكن أن يتأثر بأي مرض من
أمراض القلوب، بل سيكون هو القلب
الناجي من جميع الأمراض لا سيما الطبع؛
لأنه قلب حي ذکي زکي، إذا ورد عليه شيء
من آيات الله تذكر بها وانتفع فارتفع؛ لأنه
يعقل عن الله، كما قال تعالى: ﴿لِيُنذِرَ مَنْ
كَانَ حَيًّا وَبَحِقَ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [يس:
٧٠]. أي: حي القلب واعيه(٣).
ولما كان القلب هو محل الإيمان
والكفر، ومركز الهداية والضلال، فإنه
يتعرض للمواقف الكبيرة التي تظهر حقيقته؛
(١) انظر: مفاتيح الغيب ٢٨ /١٥٠.
(٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٣٦٩/٣،
محاسن التأويل، القاسمي ٩/ ٣٠.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٩٨.
لأن الله تعالى يمتحن هذه القلوب ليقيم
الحجة على أصحابها، يمتحنها بالابتلاء
والاختبار والفتنة، وهذا قانون إلهي واضح
قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُواْ أَنْ يَقُولُواْ
ءَمَنَا وَهُمْ لَأَ يُقْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢].
والقتال والجهاد في سبيل الله نوع من
أنواع الامتحان والابتلاء، وفي معركة أحد
عندما خالف الرماة الأوامر طلبًا للغنيمة،
تحول النصر إلى هزيمة، فتسرّب اليأس
إلى قلوب المنافقين، بينما ثبت المؤمنون
في الميدان إلى جانب النبي صلى الله
علیه وسلم، هذا الاختبار کشف عن صدق
المؤمنين وكذب المنافقين، وهنا بدأ
التشكيك من قبل المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ
لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَا﴾ [آل عمران:
١٥٤].
وهذا هو الهاجس الذي يجيش في
النفوس التي لم تخلص لله وللعقيدة حينما
تصطدم في موقعة من المواقع بالهزيمة،
وحينما تعاني آلام الهزيمة، وهنا يجيئهم
التصحيح العميق للأمر كله، أمر الحياة
والموت، ولأمر الحكمة الكامنة وراء
الابتلاء (٤).
قال تعالى: ﴿قُل لَّوْكُمْفِ بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَّ
الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ
(٤) انظر: مفهوم العقل والقلب في القرآن والسنة،
محمد الجوزو، ص٢٢٦-٢٢٧.
٤٢٦
القرآن الكريم