النص المفهرس
صفحات 21-37
الصلاح
ثالثًا: الإيمان أفرد وحده في آيات كثيرة،
وقرن مع العمل الصالح في آيات كثيرة،
فالآيات التي أفرد فيها يدخل فیه جمیع عقائد
الدين وشرائعه الظاهرة والباطنة، ولهذا
يرتب الله عليه حصول الثواب، والنجاة
من العقاب، ولولا دخول المذكورات ما
حصلت آثاره، وهو عند السلف: قول القلب
واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح.
والآيات التي قرن الإيمان فيها بالعمل
الصالح، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧].
يفسر الإيمان فيها بما في القلوب من
المعارف والتصديق، والاعتقاد والإنابة،
والعمل الصالح بجميع الشرائع القولية
والفعلية(١).
رابعًا: أن عامة ذكر الإيمان في القرآن
مقرونة بالأعمال الصالحة تنبيهًا إلى أن
جملة الاعتقاد والمقال لا اعتداد بها ما
كالأس، والعمل كالبناء، ولا غناء في أس
بلا بناء، کما لا ثبات لبناء بلا أس(٢).
خامسًا: أن الأعمال الصالحة من تمام
الإیمان، ومن لم يأت بذلك فإنه يقال له
مؤمن على المجاز(٣).
(١) انظر: القواعد الحسان لتفسير القرآن،
السعدي ص٤٨.
(٢) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٢٤٥.
(٣) انظر: المصدر السابق ٢٠٨/٤.
سادسًا: أن العمل الصالح خارج عن
وَالّذِينَ
مسمى الإيمان؛ لأنه تعالى قال:
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ﴾ فلو دل الإيمان
على العمل الصالح لكان ذكر العمل الصالح
بعد الإيمان تكرارًا، وإن كان يدخل فيه جميع
الأعمال الصالحة (٤)؛ لأن العمل الصالح
معتبر مع الإيمان، فإن الإيمان المجرد مفيد
للنجاة دون رفع الدرجات ولا يبلغ المؤمن
الدرجة العالية إلا بإيمانه وعمله الصالح،
وأما الكافر فهو في الدركات بمجرد كفره
فلو قال: والذين كفروا وعملوا السيئات
في العذاب محضرون، لكان العذاب لمن
يصدر منه المجموع، فإن قيل فمن يؤمن
ويعمل السيئات غير مذكور في القسمين،
فنقول: له منزلة بين المنزلتين لا على ما
يقوله المعتزلة، بل هو في الأول في العذاب
ولكن ليس من المحضرین دوام الحضور،
وفي الآخرة هو في الریاض ولكنه ليس من
لم يضامها الأعمال الصالحة، إذ الاعتقاد المحبورين غاية الحبور كل ذلك بحكم
الوعد (٥).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَنِهِمْ
تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَدِرُ فِي جَنَّتِ النَّعِيمِ
[يونس: ٩] دلت هذه الآية على أن
الإيمان الذي يستحق به العبد الهداية
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣/ ٥٨٤.
(٥) انظر: المصدر السابق ٨٥/٢٥.
www. modoee.com
١٦٩
حرف الصاد
والتوفيق والنور يوم القيامة، هو إيمان جمعهما كان عمله من أعمال المؤمنين
﴿الَّذِينَ تَنَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَشَجَاوَزُ عَن
سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦](٣).
مقيد، وهو الإيمان المقرون بالعمل الصالح
والإيمان الذي لم يقرن بالعمل الصالح
فصاحبه لا توفیق له ولا نور (١).
وبهذا يتبين أن الإيمان هو الاعتقاد فقط،
أما الأعمال الصالحات والإيمان فكل
منهما غير الآخر ولكن الجمع بينهما شرط
لاستحقاق البشارة بالجنات (٢).
ثانيًا: أسباب صلاح الأعمال:
إن أسباب العمل الصالح تتمثل في:
الإخلاص لله تعالى ومتابعة الرسول صلى
الله عليه وسلم، ومن الآيات التي جمعت
بين ذلك قوله تعالى :. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
الصَلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا
وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ، لِلَّهِ
١٢٤
وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًاً وَأَّخَذَ اللّهُ
١٢٥ ٠ [النساء: ١٢٤ -١٢٥].
إِبْرَهِيمَ خَلِيلًا
فالآيتان تبينان شرطا العمل الصالح
اللذان لا يصح عمل عامل بدونهما، وهما
الإخلاص والمتابعة فمتى فقد العمل أحد
هذين الشرطين فسد، فمتى فقد الإخلاص
كان منافقا وهم الذين يراءون الناس،
ومن فقد المتابعة كان ضالًا جاهلًا، ومتى
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٣٠/٢.
(٢) انظر: اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر،
فهد الرومي ٣٣٩/١.
وكل عمل لا يقوم على أسباب العمل
الصالح یکون یوم القيامة لا قيمة له ولا وزن،
قال تعالى: ﴿وَقَدِمِنَّا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ
فَجَعَلْنَهُ هَبَلَهُ مَنْشُورًا ﴾ [الفرقان: ٢٣].
قال ابن كثير: «هذا يوم القيامة حين
يحاسب الله العباد على ما عملوه من
الخير والشر، فأخبر أنه لا يحصل لهؤلاء
المشركين من الأعمال التي ظنوا أنها
منجاة لهم شيء، وذلك لأنها فقدت الشرط
الشرعي إما الإخلاص فيها وإما المتابعة
لشرع الله. فكل عمل لا يكون خالصا وعلى
الشريعة المرضية فهو باطل، فأعمال الكفار
لا تخلو من واحد من هذین، وقد تجمعهما
معا فتکون أبعد من القبول حينئذ، ولهذا قال
تعالى: ﴿وَقَدِمْنَّا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ
هَبَلَهُ مَّنثُورًا ﴾ قال مجاهد والثوري
﴿ وَقَدِمْنَآ﴾ أي: عمدنا، وكذا قال السدي،
وبعضهم يقول: أتينا عليه.
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَهُ هَبَلَهُ مَنْشُورًا﴾
قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن
الحارث عن علي رضي الله عنه في قوله:
﴿هَبَلَهُ مَنُورًا﴾ قال: شعاع الشمس إذا
دخل الكوة، وكذا روي من غير هذا الوجه
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٣٧٣.
مَوْسُو ◌َرَ النَّقِنَّ
الْقُرآن الكَرِيْمِ
١٧٠
الصلاح
عن علي وروي مثله عن ابن عباس ومجاهد
وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي والضحاك
وغيرهم، وكذا قال الحسن البصري: هو
الشعاع في كوة أحدهم، ولو ذهب يقبض
عليه لم يستطع. وقال علي بن أبي طلحة
عن ابن عباس ﴿هَبَدُ مَنْشُورًا﴾ قال: هو
الماء المهراق. وقال أبو الأحوص عن
أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﴿هَبَآءُ
منتُورًا﴾ قال: الهباء رهج الدواب، وروي
مثله عن ابن عباس أيضًا والضحاك، وقاله
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم))(١).
وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلِّ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ
مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنََّا إِلَهُكُمْإِلَهٌ وَحِدٌّ فَتَنْ كَانَ يَرْجُو ◌ْلِقَآَةَ
رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةٍ رَبِّهِ أَحَدًاً
[الكهف: ١١٠]
إن العمل لا یکون صحیحًا مقبولاً عند
الله إلا إذا توفرت فيه ثلاثة شروط على وجه
الإجمال، دل عليها الكتاب العزيز والسنة
المطهرة، وهذه الشروط هي:
الشرط الأول: أن يكون العامل مؤمنًا
موحدًا.
الشرط الثاني: الإخلاص وهو أن يقصد
بعمله وجه الله عز وجل.
الشرط الثالث: المتابعة للنبي صلى الله
عليه وسلم وهو أن يعمل مهتديا بشريعة
النبي صلی الله عليه وسلم من دون غلو أو
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٩٣.
ابتداع
(٢)
٠
والدليل على وجوب المتابعة قوله
تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَأَنَّهِعُونِ يُحْبِبْكُم
اللَّهُ ﴾ [آل عمران: ٣١].
قال ابن المنذر: ((جعل الله اتباع نبيه
صلى الله عليه وسلم علما لحبه، وكذب
من خالفها، ثم جعل علی کل قول دليلا من
عمل يصدقه أو يكذبه، فإذا قال العبد قولا
حسنا، وعمل عملا حسنا رفع الله قوله
بعمله، وإذا قال العبد قولا حسنا، وعمل
عملا حسنا رفع الله قوله بعمله، وإذا قال
العبد قولا حسنا، وعمل عملا سيئا رد الله
القول على العمل، وذلك في كتابه: ﴿إِلَيْهِ
يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ الطَِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾
[فاطر: ١٠]))(٣).
ثالثًا: تمني القيام بالعمل الصالح بعد
الموت:
بين الله تعالى أن من لا يعمل صالحًا
يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيعمل صالحًا،
قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِعُونَ فِيَهَا رَبَّنَا أَخْرِحْنَا
نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرُ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ
تُعَمِّرَّكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ
النَّذِيرٌّ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ
٣٧
[فاطر:٣٧]
(٢) انظر: الأمثال القرآنية القياسية المضروبة
للإيمان بالله، الجربوع ٥٤١/٢.
(٣) تفسير ابن المنذر ١٦٩/١.
www. modoee.com
١٧١
حف الصاد
فهم يستغيثون ربهم يقولون: ﴿رَمَّنَآ
أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا
نَعْمَلُ﴾، أي أخرجنا إلی الدنیا فنؤمن بدل
الكفر ونطيع بدل المعصية، فوبخهم الله
فقال: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن
تَذَكَّرَ﴾(١).
قال الماوردي: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَّا
فيه خمسة
يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾
تأويلات:
زمان التذكر.
الثاني: ثماني عشرة سنة.
الثالث: أربعون سنة، قاله ابن عباس
ومسروق.
الرابع: ستون سنة، قاله علي بن أبي
طالب مرفوعًا.
الخامس: سبعون سنة؛ لأنه آخر زمان
التذكر، وما بعده هرم.
قوله عز وجل: ﴿وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ فیه
أربعة أقاويل:
أحدها: محمد صلی الله عليه وسلم،
قاله ابن زید.
الثاني: الشيب، حكاه الفراء والطبري.
الثالث: الحمى.
الرابع: موت الأهل والأقارب.
ويحتمل خامسًا: أنه كمال العقل (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ
نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا
وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ
(١٢)﴾ [السجدة: ١٢].
((يخبر تعالى عن حال المشركين يوم
القيامة وقالهم حين عاينوا البعث وقاموا بين
يدي الله عز وجل، حقیرین ذلیلین ناكسي
رؤوسهم، أي من الحياء والخجل يقولون:
أحدها: أنه البلوغ، قاله الحسن لأنه أول ربنا أبصرنا وسمعنا أي: نحن الآن نسمع
قولك ونطيع أمرك، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ
بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم:٣٨].
وكذلك يعودون على أنفسهم بالملامة
إذا دخلوا النار بقولهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْكُنَّا نَسْمَعُ أَوْ
نَعْقِلُ مَاكُنَا فِ أَصْحَبِ السَّعِيرِ
[الملك: ١٠]،
١٠
وهكذا هؤلاء يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا
فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ أي: قد
أيقنا وتحققنا فيها أن وعدك حق ولقاءك حق،
وقد علم الرب تعالى منهم أنه لو أعادهم إلى
دار الدنيا لكانوا كما كانوا فيها كفارًا يكذبون
بآيات الله ويخالفون رسله))(٣).
ولا يقتصر تمني من لا يعمل صالحًا
على ذلك في الآخرة بل يتمنى قبل ذلك
عند حضور الموت، قال تعالى: ﴿حَقَّى إِذَا
جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ الَعَلِيّ
(٢) النكت والعيون ٤ / ٤٧٦.
(١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٧١/٤. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢٣/٦.
صَوَسُولَةُ النفسية
القرآن الكريم
١٧٢
الصلاح
أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْثُّ كَلَّأَّ إِنَّهَا كَلِمَةُ هُوَ
قَائِلُهَا وَمِن وَرَآيِهِمْ بَّزَخُ إِلَى يَوَّرِ يُبْعَثُونَ
١٠٠
[المؤمنون: ٩٩-١٠٠].
يخبر تعالى عن حال المحتضر عند
الموت من الكافرين أو المفرطين في أمر
الله تعالى، وقيلهم عند ذلك وسؤالهم
الرجعة إلى الدنيا ليصلح ما كان أفسده
في مدة حياته، ولهذا قال: ﴿رَبّ آُرْجِعُونِ
اُلَعَلِّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، كما قال
٩٩
تعالى: ﴿وَأَنْفِقُواْ مِنْمَّارَزَقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِى
أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ
قَرِيبٍ فَأَصَّدَفَ وَأَكُنْ مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿ وَلَن
يُؤَخِرَ اللّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا
[المنافقون: ١٠- ١١](١).
تَعْمَلُونَ ﴿
ولما تمنى أن يرجع ليعمل رد الله عليه
ذلك بقوله: كلا إنها كلمة هو قائلها فجاء
بكلمة الردع والزجر، والضمير في ((إنها))
يرجع إلى قوله: رب ارجعون أي: إن هذه
الكلمة هو قائلها لا محالة، وليس الأمر على
ما یظنه من أنہ یجاب إلى الرجوع إلى الدنيا،
أو المعنى: أنه أجيب إلى ذلك لما حصل
منه الوفاء، كما في قوله: ﴿وَلَوَّرُدُ واْلَعَادُواْ لِمَا
نُهُوْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨]. وقيل:
إن الضمير في ﴿قَآَيِلُهَا﴾ يرجع إلى الله،
أي: لا خلف في خبره(٢).
(١) المصدر السابق ٤٢٩/٥.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٥٨٩/٣.
جزاء الصلاح في الدنيا والآخرة
بين الله تعالى في كتابه الكريم الجزاء
على الصلاح، وأنه يكون في الدنيا
للصالحین، ویکون كذلك في الآخرة بسبب
صلاحهم.
أولًا: جزاء الصلاح في الدنيا:
إن جزاء الصلاح في الدنيا يتمثل في
وراثة الأرض، وصلاح الأولاد، وولاية الله
تعالى، والنجاة من المجرمين، والاصطفاء
الإلهي، والتوفيق للهداية للحق والصواب،
والمودة والمحبة في قلوب الخلق، وفضل
الله تعالى على الصالحين، والخروج من
الظلمات إلى النور، والخيرية بين الخلق،
وبيان ذلك فيما يأتي:
١. وراثة الأرض.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبنَا فِ الزَّبُورِ
مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ
الصََّلِحُونَ (١٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
يقول تعالى مخبرًا عما حتمه وقضاه
لعباده الصالحين من السعادة في الدنيا
والآخرة ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة؛
كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ
كَمَا أُسْتَخْلَفَ أَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ
لَّمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُ مِنْ بَعْدِ
www. modoee.com
١٧٣
حرف الصاد
خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥].
وأخبر تعالى أن هذا مسطور في الكتب
الشرعية والقدرية وهو كائن لا محالة، ولهذا
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ
الذِّكْرِ﴾(١).
وقد اختلف المفسرون في معنى الأرض
المذكورة في الآية، على أقوال، والراجح
من هذه الأقوال: إن الأرض هي الدنيا (٢)،
ورجح هذا القول الإمام الزجاج (٣)؛ وذلك
لما مضى في السورة ذكر الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام وأممهم، وختم الحديث
عنهم بذكر الساعة وقربها ومقدماتها،
وأحوال الخلق يوم القيامة جاء في هذه
الآية ذكر الأمة التي جاءت بعد تلك الأمم
کلها، وهي أمة محمد صلى الله عليه وسلم،
وإنما كانت هذه الآية في أمة محمد؛ لأنه
لما تكلم على الأمم الخالية لم يسبق الكلام
إلا عليها؛ فخوطبت بما قضاه الله و کتبه من
إرث الصالحين الأرض.
ولأن المخاطبين بهذه الآية المكية هم
المؤمنون بالله، الموحدون له، المتبعون
لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣٧/٥.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢/ ١٩٢.
وانظر: جامع البيان، الطبري ٥٥٠/١٨،
النكت والعيون، الماوردي ٤٧٥/٣، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٣٤٩/١١.
(٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٠٧/٣.
المصدق لجميع الرسل صلوات الله
عليهم، وهم أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم وهم الصالحون الموجودون يوم ذاك
على وجه الأرض، فكانت الآية إعلامًا بما
کتبه الله لهم، ووعدًا بإرثهم الأرض (٤).
٢. صلاح الأولاد.
ذكر الله سبحانه وتعالى أن من جزاء
الصلاح في الدنيا صلاح الأولاد، قال تعالى:
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى الْمَدِينَةِ
وَكَانَ تَحْتَهُ، كَنْ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا
فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآأَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِهَا كَنزَهُمَا
رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ، عَنْ أَمْرِىَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا
لَمْ تَسْطِع عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ [الكهف: ٨٢].
فقد أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي
حاتم عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَكَانَ
أَبُوهُمَا صَلِحًا﴾ قال: حفظا بصلاح أبيهما،
وما ذکر منهما صلاح(٥).
وعن ابن عباس أيضا قال: إن الله يصلح
بصلاح الرجل ولده وولد ولده ويحفظه في
ذريته والدويرات حوله، فما يزالون في ستر
من الله وعافية (٦)، وبهذه الروايات يتبين أن
صلاح الأولاد ثمرة وجزاء لصلاح الآباء في
الدنیا.
(٤) انظر: تفسير ابن باديس ص٣٤٥.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨ /٩١، تفسير
ابن أبي حاتم ٧/ ٢٣٧٥.
(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٢٣٧٥/٧.
١٧٤
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الصلاح
٣. ولاية الله تعالى.
ثبتت ولاية الله تعالى للصالحين في
قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِقِىَ اللهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبِّ
﴾ [الأعراف: ١٩٦].
وَهُوَ يَتَوَلَى الصَّلِينَ ﴿
والمعنى: أن الله تعالى هو حسبي
وكافي، وهو نصيري وعليه متكلي وإليه
ألجأ، وهو وليي في الدنيا والآخرة وهو
ولي كل صالح بعدي، وهذا كما قال هود
عليه السلام لما قال له قومه: ﴿إِن تَّقُولُ
إِلَّا أَعْتَرَنكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٌ قَالَ إِنَّ أُشْهِدُ اللَّهَ
ج مِن دُونٌِّ.
وَأَشْهَدُواْ أَنِى بَرِىٌّ مِّمَّا نُشْرِكُونَ
فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ) إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى
اللَّهِ رَبِى وَرَبِّكُمْ مَّا مِنْ دَابَةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا
[هود: ٥٤-
إِنَّ رَبِي عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾﴾
٥٦].
وكقول الخليل عليه السلام:
قَالَ أَفَهَّيْتُم مَّا كُتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿ أَنْتُمْ
وَءَابَاؤُكُمُ الْأَقْلَمُونَ ﴿ فَهُمْ عَدُوٌّ لِّ إِلَّا
رَبَّ الْعَلَمِينَ * الَّذِى خَلَقَفِ فَهُوَ يَدِينِ
٧٨
[الشعراء: ٧٥-٧٨].
وكقوله لأبيه وقومه: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ
لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ: إِنَّنِى بَرَآءُ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ) إِلَّا
الَّذِى فَطَرَبِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا
كَلِمَةٌ بَاقِيَّةً فِ عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
[الزخرف: ٢٦-٢٨](١).
قال الخازن: ((إن وليي الله يعني: أن
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٧٩/٣.
الذي يتولى حفظي وينصرني عليكم هو الله
الذي نزل الكتاب، يعني القرآن، والمعنى
كما أيدني بإنزال القرآن علي، کذلك یتولی
حفظي وينصرني، وهو يتولى الصالحين
يعني يتولاهم بنصره وحفظه، فلا تضرهم
عداوة من عاداهم من المشركين وغيرهم
ممن أرادهم بسوء أو کادهم بشر، قال ابن
عباس: يريد بالصالحين الذين لا يعدلون
بالله شيئًا ولا يعصونه وفي هذا مدح
للصالحين لأن من تولاه الله يحفظه فلا
يضره شيء)»(٢).
وقال الشعراوي في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ
يَتَوَلَّى الصَّلِينَ﴾ (( أي أنه لا يجعل الولاية
خصوصية للرسول صلى الله عليه وسلم،
بل يقول لكل واحد من أتباعه: كن صالحًا
في أي وقت، أمام أي عدو، ستجد الله وهو
يتولاك بالنصر، وساعة يعمم الله الحكم؛
فهو ينشر الطمأنينة الإيمانية في قلوب أتباعه
صلى الله عليه وسلم، وكل من يحمل من
أمر دعوته صلى الله عليه وسلم شيئًا ما
سوف يكون له هذا التأييد، وهو سبحانه
الذي جعل رسوله مبلغًا عنه هذا المنهج،
وهو سبحانه يتولى الصالحين لعمارة
الكون؛ لأن الله قد جعل الإنسان خليفة
ليصلح في الكون، وأول مراتب الإصلاح
أن یبقی الصالح علی صلاحه، أو أن یزیده
(٢) انظر: لباب التأويل ٢٨٣/٢.
www. modoee.com
١٧٥
حرف الصاد
صلاحًا إن أمكن)) (١).
٤. النجاة من المجرمين.
إن الله تعالى ينجي الصالحين من
المجرمين ومكرهم وتآمرهم كما نجى
الله تعالى نبيه إبراهيم عليه السلام، قال
تعالى: ﴿قَالُوْ حَرِّقُوهُ وَأَنْصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ إِن
كُنْتُمْ فَعِلِينَ ﴿ قُلْنَا يَنَارُ كُنِي بَرَّدًا وَسَلَمَا
عَلَى إِبْرَاهِيمَ ا وَأَرَدُواْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ
اْأَخْسَرِنَ ﴿ وَّيْنَهُ وَلُوطًا إِلَى اْأَرْضِ
أَلَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَيِينَ (٦) وَوَهَبْنَا لَهُ
إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلُّاَ جَعَلْنَا صَلِحِينَ
[الأنبياء: ٦٨ - ٧٢].
والمعنى: ونجينا إبراهيم ولوطًا من
أعدائهما نمرود وقومه من أرض العراق
﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِ بَشَرَّكْنَا فِيهَا لِلْعَلَمِينَ﴾ وهي
أرض الشام، فارق صلوات الله عليه قومه
ودينهم وهاجر إلى الشام(٢).
وكما نجى الله تعالى نبيه لوط عليه
السلام، قال تعالى: ﴿وَلُوطًا ءَانَيْنَهُ حُكْمًا
وَعِلْمًا وَنَجَيْنَهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتَ تَّعْمَلُ
اَلْقَبَّيِتُّ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ
وَأَدْخَلْنَهُ فِ رَحْمَتِّنَاْ إِنَّهُ مِنَ الصَّلِينَ
٧٤
[الأنبياء: ٧٤ -٧٥].
vo
والمعنى: ونجيناه من القرية التي كانت
تعمل الخبائث يعني: قرية سدوم وأراد أهلها
(١) انظر: تفسير الشعراوي ٨/ ٤٥٣٠.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨ / ٤٦٨.
وأراد بالخبائث إتيان الذكور في أدبارهم،
وكانوا يتضارطون في مجالسهم مع أشياء
أخرى كانوا يعلمونها من المنكرات إنهم
کانوا قوم سوء فاسقين وأدخلناه في رحمتنا
قيل: أراد بالرحمة النبوة وقيل أراد بها
الثواب إنه من الصالحين أي الأنبياء(٣).
كما نجى الله تعالى نبيه موسى عليه
السلام وبني إسرائيل من فرعون وقومه،
قال تعالى: ﴿يَبَنِيّ إِسْرَّهِ يَلَ قَدْ أَنْيَّنَكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُتْ
وَوَعَدْنَكُمْ جَاِبَ اُلْتُورِ اَلْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ
وَالسَّلْوَى كُواْ مِن طَيْبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَلَا
تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَِىٌّ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ
غَضَبِىِ فَقَدْ هَوَى ) وَإِّ لَغَفَّارُ لِّمَنْ تَابَ وَءَامَنَ
وَعَِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى (١)﴾ [طه: ٨٠-٨٢].
كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنَيْنَكُمْ مِّنْ
ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِّ
يُقَفِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِ
ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ
وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَثِينَ لَيْلَةٌ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ
مِيقَتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَّيْلَةُ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِهِ
هَرُونَ أَخْلُفْنِ فِ قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَِّعْ سَبِيلَ
١٤٢): [الأعراف: ١٤١- ١٤٢].
الْمُفْسِدِينَ {
فهذه الآيات الكريمة وغيرها مما هي
في معناها فيها تذكير لبنى إسرائيل بنعمة من
أجل نعم الله عليهم، حيث أنجاهم سبحانه
ممن أراد لهم السوء، وعمل على قتلهم
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٣٢/٣
١٧٦
جوية
القرآن الكريم
الصلاح
وإبادتهم واستئصال شأفتهم، وفي ذلك ما على أنفسنا ﴿نُجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا من دفعه
يدعوهم إلى الا جتهاد في شكر الله عز وجل
لو كانوا ممن يحسنون شكر النعم (١).
اللهَ يَدَفِعْ
عن المؤمنين، قال تعالى:
عَنِ الَّذِينَ مَامَنُواْ﴾ [الحج: ٣٨]
وهذا كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُنَجِى رُسُلَنَا
فإنه - بحسب ما مع العبد من الإيمان-
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ تحصل له النجاة من المكاره(٣).
﴾ [يونس: ١٠٣].
١٠٣
قال أبو جعفر: ((يقول تعالى ذكره: قل
يا محمد، لهؤلاء المشركين من قومك:
انتظروا مثل أيام الذين خلوا من قبلكم من
الأمم السالفة الذين هلكوا بعذاب الله،
فإن ذلك إذا جاء لم يهلك به سواهم، ومن
کان على مثل الذي هم عليه من تكذيبك،
ثم ننجي هناك رسولنا محمداً صلى الله
عليه وسلم ومن آمن به وصدقه واتبعه
علی دینه، كما فعلنا قبل ذلك برسلنا الذين
أهلكنا أممهم، فأنجيناهم ومن آمن به معهم
من عذابنا حين حق على أممهم ﴿كَذَلِكَ
حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يقول: كما فعلنا
بالماضين من رسلنا فأنجيناها والمؤمنين
معها وأهلكنا أممها، كذلك نفعل بك،
يا محمد، وبالمؤمنين، فننجيك وننجي
المؤمنين بك، حقا علينا غير شك»(٢).
والنجاة للصالحين تكون من
أعدائهم، ومن مكاره الدنيا والآخرة،
وشدائدهما ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ أوجبناه
(١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١/ ١٢٤.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١٦/١٥.
٥. الاصطفاء الإلهي.
إن الاصطفاء حال يستحقه العبد بكونه
صالحًا، والاصطفاء ضربان، أحدهما في
الآخرة والآخر في الدنيا، وهو اختصاص
الله بعض العبيد بولايته ونبوته لخصوصيته
فيه (٤)، والاصطفاء: الاختيار بإخراج
الصفوة من العباد والصالح من بني آدم: هو
المؤدي حقوق الله عليه(٥).
ج
وبسبب الصلاح اصطفى الله تعالى
من ذكرهم وآباءهم وإخوانهم وذريتهم في
قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
كُلَّ مَدَيْنَأَ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ وَمِنْ
ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ
وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ فَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
وَذَكَرِيًّا وَيَحْبَى وَعِيسَى وَإِلَيَاسٌَ كُلٌ مِّنَ
الصَّلِحِينَ ﴿ وَإِسْمَعِيلَ وَاَلْيَسَعَ وَيُونُسَ
وَلُوطَأَ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ (١) وَمِنْ
٠١٢٠٠٠٠١/٧/١٠٦
ءَابَبِهِمْ وَذُرِّيَّنِهِمْ وَإِخْوَنِمٌ وَأَجْتَبَيْتَهُ وَهَدَيْنَهُمْ
إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧
﴾ [الأنعام: ٨٤-٨٧].
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٣٧٥.
(٤) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ٣١٧/١
(٥) انظر: تفسير ابن فورك ١٧١/٢
www. modoee.com
١٧٧
حرف الصاد
وقوله: ﴿فَأَصْبِرْ ◌ِّكْرِ رَيْكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِب بالقول والتعليم فالله يخاطب به المؤمنين
والكافرين.
اٌلُّوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٨)الَوْلَا أَنْ تَدَرَّكَهُ نِعْمَةٌ مِن
زَّيِّدِ، لَنُذَ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ فَأَجْنَبَهُ رَبُّهُ، فَجَعَلَهُ:
مِنَ الصَّالِحِينَ؟
[القلم: ٤٨-٥٠].
وهذا الاصطفاء هو بمشيئة الله تعالى
واختياره، قال تعالى: ﴿اَللَّهُ يَجْتَّبِيّ إِلَيْهِ
مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾
[الشورى : ١٣].
والمعنى: أن الله يصطفي إليه من يشاء
من خلقه، ويختار لنفسه وولايته من أحب،
ویوفق للعمل بطاعته، واتباع ما بعث به نبيه
عليه صلى الله عليه وسلم من الحق من أقبل
إلى طاعته، وراجع التوبة من معاصيه (١).
٦ . التوفيق للهداية للحق والصواب.
من الجزاء على الصلاح في الدنيا التوفيق
للهداية للحق والصواب، قال تعالى: ﴿ إِنَّ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ
رَبُّهُم بِإِيمَنِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرُ في
جَنَّتِ التَّعِيمِ ﴾ [يونس: ٩].
والهداية هي: الإرشاد على المقصد
النافع والدلالة عليه، فمعنى: ﴿يَهْدِيهِمْ
رَبُّهُم ﴾ يرشدهم إلى ما فيه خيرهم،
والمقصود الإرشاد التكويني، أي يخلق في
نفوسهم المعرفة بالأعمال النافعة وتسهيل
الإكثار
منها، وأما الإرشاد الذي هو الدلالة
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ٥١٤.
وفي تکوین هدایتهم إلى الخيرات بجعل
الله تعالى، بأن يجعل الله للإيمان نورًا
يوضع في عقل المؤمن، ولذلك النور أشعة
نورانية تتصل بين نفس المؤمن وبين عوالم
القدس فتكون سببًا مغناطيسيًا لانفعال
النفس بالتوجه إلى الخير والكمال لا يزال
يزداد يومًا فيومًا، ولذلك يقترب من الإدراك
الصحيح المحفوظ من الضلال بمقدار
مراتب الإيمان والعمل الصالح(٢).
والهداية هي التسديد والمعنى: يسددهم
بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك الطريق
السديد المؤدي إلى الثواب ولذا جعل
﴿تَجْرِى مِنتَحْنِهِمُ الأَنْهرُ ﴾ بیانًا له وتفسیرًا
إذ التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها،
أو یهدیھم في الآخرة بنور إیمانهم إلی طریق
الجنة(٣).
٧. المودة والمحبة في قلوب
الخلق.
ومن الجزاء على الصلاح في الدنيا
أن الله تعالى يجعل المودة والمحبة في
قلوب الخلق للصالحين بسبب صلاحهم،
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّدْلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وَقًّا (٢)﴾
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠١/١١.
(٣) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٨/٢.
١٧٨
جَوْسُورٌ
الْقُرآن الكَرِيْمِ
الصلاح
[مريم: ٩٦].
أي: حبًا يحبهم ويحببهم إلى عباده
المؤمنين من أهل السموات والأرضین(١).
يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين
الذين يعملون الصالحات، - وهي الأعمال
التي ترضي الله عز وجل لمتابعتها الشريعة
المحمدية يغرس لهم في قلوب عباده
الصالحین محبة ومودة-، وهذا أمر لا بد منه
ولا محيد عنه، وقد وردت بذلك الأحاديث
الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم من غير وجه (٢)، منها ما رواه أبو
هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله
علیه وسلم، قال: (إذا أحب الله العبد نادی
جبريل: إن الله يحب فلانا فأحببه، فيحبه
جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن
الله يحب فلانا فأحبوه، فیحبه أهل السماء،
ثم يوضع له القبول في الأرض)(٣).
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة رضي
الله عنه، قال: قال رسول الله صلی الله علیه
وسلم: (إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل
فقال: إني أحب فلانا فأحبه، قال: فيحبه
جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله
يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال
(١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٦/ ٢٣٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣٦/٥.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم ٣٢٠٩،
٠١١١/٤
ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض
عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا
فأبغضه، قال فيبغضه جبريل، ثم ينادي في
أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه،
قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في
الأرض) (٤).
ومودة الناس تكسب بأسباب متعارفة
بينهم منها القرابة، ومنها الصداقة، ومنها
صنائع المعروف، ومآثر الإحسان، أما هذا
الود الذي وعد الله به الذين آمنوا وعملوا
الصالحات، فسببه جعل من الله له في
قلوب العباد لهم، دون تردد منهم، ولا
توقف على تلك الأسباب، فيودهم من لم
يكن بينه وبينهم علاقة نسب أو صداقة،
ولا وصل إليه منهم معروف، فهذا نوع من
الود خاص يكرمهم الله به، وينعم عليهم
به الرحمن من جملة نعمه التي يحدثها
ويجددها لهم، زيادة على ما يقتضيه الإيمان
والعمل الصالح وهما سبب لإكرامات كثيرة
من الله تعالى، هذا الجعل للود منها (٥).
٨. فضل الله.
إن من جزاء العمل الصالح في الدنيا أن
الله تعالى يتفضل على الذين آمنوا وعملوا
الصالحات بنعمه ورزقه زيادة على ما
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب إذا أحب الله عبدا حببه لعباده،
رقم ٢٦٣٧، ٤ / ٢٠٣٠.
(٥) انظر: تفسير ابن باديس ص٣٤٠.
www. modoee.com
١٧٩
حرف الصاد
يطلبوه منه سبحانه، قال تعالى: ﴿وَسَسْتَجِيبُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَيَزِيدُهُم مِّنِ
فَضْلِ، وَالْكَفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾
[الشورى: ٢٦].
قال الإمام ابن جرير في قوله تعالى:
﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ يقول تعالى ذكره: ویزید
الذين آمنوا وعملوا الصالحات مع إجابته
إياهم دعاءهم، وإعطائه إياهم مسألتهم من
فضله على مسألتهم إياه، بأن يعطيهم ما لم
يسألوه. وقيل: إن ذلك الفضل الذي ضمن
جل ثناؤه أن يزيد هموه، هو أن يشفعهم في
إخوان إخوانهم إذا هم شفعوا في إخوانهم،
فشفعوا فیھم(١).
٩. الخروج من الظلمات إلى النور.
إن الله سبحانه وتعالى أنزل الكتاب كي
يخرج الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا
بما أمرهم الله به وأطاعوه من الظلمات
إلى النور، يعني من ظلمة الجهل إلى نور
العلم، ومن ظلمة الباطل إلى ضياء الحق،
ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الباطل إلى
الحق، وما أشبه ذلك، قال تعالى: ﴿ رَسُولًا
يَثْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ اللَّهِ مُبَيْنَتْ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنَ النُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَمَن يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلَّهُ جَنَّاتٍ تَجْرِىٍ مِن تَحْتِهَا
اْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللّهُ لَّهُ رِزْقًا (١)﴾
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ٥١٤.
[الطلاق: ١١] (٢).
قال ابن كثير: ((﴿رَسُولَا يَتْلُواْ عَلَيْكُوْءَايَتِ
الَّهِ مُبَيِّنَةٍ﴾ أي في حال كونها بينة واضحة
جلية ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات
من الظلمات إلى النور، كقوله تعالى:
﴿كِتَبُّ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ
الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [إبراهيم: ١].
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ
وقال تعالى:
ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُورِ﴾
[البقرة: ٢٥٧].
أي: من ظلمات الكفر والجهل إلى نور
الإيمان والعلم، وقد سمى الله تعالى الوحي
الذي أنزله نورًا لما يحصل به من الهدى كما
سماه روحًا لما يحصل به من حياة القلوب،
فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَاً
مَاكُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْتَهُ
نُورًّا تَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَأْ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى: ٥٢])) (٣).
١٠ الخيرية بين الخلق.
إن الخيرية بين الخلق جزاء للعمل
الصالح قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ
[البينة: ٧].
يعني أنهم بسبب أعمالهم الصالحة
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٦٨/٢٣، النكت
والعيون ٦/ ٣٦، تفسير السمعاني ٤٦٨/٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٨/ ١٧٧.
١٨٠
فَضْو
جَوَسُورَةُ النفسية
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الصلاح
واجتنابهم الشرك استحقوا هذا الاسم(١).
والمعنى: ((إن الذين آمنوا أي بالله
ورسوله محمد، صلى الله عليه وسلم
وعملوا الصالحات، أي من بذل النفس
في سبيل الجهاد للحق، وبذل المال في
أعمال البر، مع القيام بفرائض العبادات،
والإخلاص في سائر ضروب المعاملات؛
لأن إذعانهم الصحيح، ووجدانهم لذة
معرفة الحق، ملكت الحق قيادهم، فعملوا
الأعمال الصالحة، وقوله: ﴿أُوْلَكَ هُرْ خَيْرُ
الْبِيَّةِ﴾ أي أفضل الخليقة؛ لأنهم بمتابعة
الحق عند معرفته بالدليل القائم عليه، قد
حققوا لأنفسهم معنى الإنسانية التي شرفهم
الله بها، وبالعمل الصالح، قد حفظوا نظام
الفضيلة الذي جعله الله قوام الوجود
الإنساني، وهدوا غيرهم بحسن الأسوة إلى
مثل ما هدوا إليه من الخير والسعادة فمن
يكون أفضل منهم؟»(٢).
ثانيًا: جزاء الصلاح في الآخرة:
يتمثل جزاء الصلاح في الآخرة في مغفرة
الذنوب، وتكفير السيئات، والجنة ونعيمها،
والدرجات العليا، ومرافقة الذين أنعم الله
علیهم، ورضا الله ورؤية وجهه الكريم،
وبيان ذلك في النقاط الآتية:
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤٥٦/٤.
(٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٩/ ٥٢٤.
١. مغفرة الذنوب وتكفير السيئات.
ذكر الله تعالى في آيات كثيرات أن
جزاء العمل الصالح في الآخرة هو مغفرة
الذنوب وتكفير السيئات. منها قوله تعالى:
﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا
◌ُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ لَلَقُّ مِن ◌َّيَّهِمْ كُفَّرَ عَنْهُمْ سَيِئَاتِهِمْ
وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [محمد: ٢].
وقوله تعالى: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَءَامَنَ
وَعَِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى ﴾ [طه: ٨٢].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ
وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ
سَبِئَاتِهِمْ حَسَنَتِّ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
﴾ [الفرقان: ٧٠].
٧٠
وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرُ
عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: ٩].
وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ لَتُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَحْسَنَ الَّذِى كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [العنكبوت: ٧].
وغيرها من الآيات.
والمراد بالغفران والمغفرة من الله هو
أن يصون العبد من أن يمسه العذاب (٣)،
والمراد بتكفير السيئات: سترها بالإيمان
والعمل الصالح، والمراد إزالها ولم
يؤاخذهم بها (٤).
(٣) انظر: المفردات، الراغب ص ٦٠٩.
(٤) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٩٥/١٣.
www. modoee.com
١٨١
حرف الصاد
٢. الجنة و نعيمها.
بين الله تعالى في آيات كثيرات أنه
سيدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات
الجنة وأن لهم فيها نعيم دائم وأزواج مطهرة
وظلال وارف، منها قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ
مَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَنُّدْ خِلُهُمْ جَنَّتٍ
تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدٌ لَهُمْ فِيهَا
أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلَّا ظَلِيلًا
[النساء: ٥٧].
والجنات، يعني: بساتين تجري من تحتها
الأنهار، وهم خالدون، أي باقون فيها أبدًا
بغير نهاية ولا انقطاع، دائما ذلك لهم فيها
أبدًا، ولهم في تلك الجنات أزواج مطهرة،
يعني: بريئات من الأدناس والريب والحيض
والغائط والبول والحبل والبصاق، وسائر ما
يكون في نساء أهل الدنيا﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلّا
ظَلِيلًا﴾ أي وندخلهم ظلّا كنينًا، كما قال
جل ثناؤه: ﴿وَظِلِ تَمْدُورٍ﴾ [الواقعة: ٣٠].
وكما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه،
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في
الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة
وَظِلٍ مَمَّدَّود
سنة، واقرؤوا إن شئتم
٣٠
[الواقعة: ٣٠])(١) (٢)
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها
مخلوقة، رقم ٣٢٥٢، ٤ /١١٩.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٨٨/٨.
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن
تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ مُلَوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ
مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ
[الحج: ٢٣].
(٢٣)
والأساور جمع أسورة، وأسورة واحدها
سوار، وفيه ثلاث لغات: ضم السين
وكسرها وإسوار، قال المفسرون: لما كانت
الملوك تلبس في الدنيا الأساور والتيجان
جعل الله ذلك لأهل الجنة، ولیس أحد من
أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة: سوار
من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ،
وفي فاطر: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيَهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ
وَلُؤْلُوًّا﴾ [فاطر: ٣٣].
وقال في سورة الإنسان: ﴿وَحُلُواْ أَسَاوِرَ مِن
فِضَّةِ﴾ [الإنسان: ٢١].
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه سمعت خليلي صلى الله عليه
وسلم يقول: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث
يبلغ الوضوء)(٣)(٤).
وفي الجملة إن الله تعالى يهب للذين
آمنوا وعملوا الصالحات نعمًا كثيرة،
وتنعيمًا عظيمًا في الجنة، قال تعالى:
﴿فَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ فِ
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة،
باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء، رقم
٢١٩/١،٢٥٠.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٨/١٢.
١٨٢
جوسي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الصلاح
[الحج: ٥٦]: والنعيم: النعمة
جَنَتِ الْنّعِيمِ
الكثيرة، وتنعم: تناول ما فيه النعمة وطيب
العيش، يقال: نعمه تنعيما فتنعم. أي: جعله
في نعمة. أي: لين عيش وخصب(١).
٣. الدرجات العليا.
بين الله تعالى أن الدرجات العلى هي
جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، قال
تعالى: ﴿وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ
فَأُوْلَئِكَ ◌َُمُ الَّرَحَتُ اَلْعُلَى ﴾ [طه:٧٥].
أي: الجنة ذات الدرجات العاليات،
والغرف الآمنات، والمساكن الطيبات(٢).
وهذه الدرجات العليا هي جنات
الفردوس على أحد المعاني الواردة في قوله
تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَانَتْ لَمْ
﴾ [الكهف: ١٠٧].
١٠٧
جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا
قال الإمام الماوردي: ((في ﴿اَلْفِرْدَوْسِ﴾
خمسة أقاويل:
أحدها: أن الفردوس وسط الجنة وأطيب
موضع فيها، قاله قتادة.
الثاني: أنه أعلى الجنة وأحسنها، رواه
ضمرة مرفوعًا.
الثالث: أنه البستان بالرومية، قاله
مجاهد.
الرابع: أنه البستان الذي جمع محاسن
کل بستان، قاله الزجاج.
(١) انظر: المفردات، الراغب ص ٨١٥.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٩/٥.
الخامس: أنه البستان الذي فيه الأعناب،
قالە کعب»(٣).
قال قتادة: الفردوس ربوة الجنة
وأوسطها وأعلاها وأفضلها وأرفعها. وقال
أبو أمامة الباهلي: الفردوس سرة الجنة.
وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من
جنة الفردوس، فيها الآمرون بالمعروف،
والناهون عن المنكر (٤).
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة
رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (من آمن بالله وبرسوله،
وأقام الصلاة، وصام رمضان كان حقا على
الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو
جلس في أرضه التي ولد فيها)، فقالوا: يا
رسول الله، أفلا نبشر الناس؟ قال: (إن في
الجنة مائة درجة، أعدها اللـه للمجاهدين
في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين
السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فاسألوه
الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة -
أراه - فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار
الجنة)(٥).
والدرجات العليا هي الغرفات المذكورة
(٣) النكت والعيون ٣٤٨/٣.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٦٨/١١.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل
الله، يقال: هذه سبيلي وهذا سبيلي، رقم
٤،٢٧٩٠ /٠١٦
www. modoee.com
١٨٣
حرف الصاد
في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَلُكُمْ وَلَّ أَوْلَدُكُمُ
يَلَّتِى تُقَرِّيَّكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ
صَلِحًا فَأَوْلَكَ لَهُمْ جَزَّةُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ
اَلْغُرُفَتِ ءَاِمِنُونَ (٧)﴾ [سبأ:٣٧].
وفي قوله تعالى: ﴿ وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا
الصَّْلِحَتِ لَنُبَوْتَنَّهُم مِّنَ اَلْجَنَّةِ غُرَفًا تَّجْرِى مِن
تَّحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِهَأْ نِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ
﴾ [العنكبوت: ٥٨].
والغرفة في اللغة: العلية وكل بناء عال
فهو غرفة والمراد به الدرجات العالية (١).
٤. مرافقة الذين أنعم الله عليهم.
أخبر الله تعالى أن مرافقة الذین أنعم الله
عليهم من جزاء الصلاح في الآخرة، قال
تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَكَ مَعَ
الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْئِنَ وَالصِّدِّيقِينَ
وَالشُّهَدَآءِ وَالصَِّحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا
[النساء: ٦٩].
F
والمعنى: ومن يطع الله والرسول
بالتسليم لأمرهما، وإخلاص الرضى
بحکمهما، والانتهاء إلى أمرهما، والانزجار
عما نهیا عنه من معصية الله، فهو مع الذین
أنعم الله عليهم بهدايته والتوفيق لطاعته في
الدنيا من أنبيائه، وفي الآخرة إذا دخل الجنة
والصديقين وهم جمع صديق، والصالحين،
وهم جمع صالح، وهو كل من صلحت
سريرته وعلانيته، وحسن، هؤلاء الذين
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤/ ٤٨٧.
نعتهم ووصفهم، رفقاء في الجنة (٢).
والآية تدل على أن مرتبة الصلاح مرتبة
عظيمة جامعة لجميع المراتب؛ لأن الصالح
إذا ترقى من مقامه يسمى شهيدا ثم صديقا
ثم نبيًا (٣)
٥. رضا الله ورؤية وجهه الكريم.
ثبت رضا الله تعالى عن الذين آمنوا
وعملوا الصالحات، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّدْلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيُّ
اَلْبِيَّةِ ن جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ عَدْنٍ
تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِىَ اَللّهُ
عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ
[البينة: ٧-٨].
﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بما أطاعوه في الدنيا،
وعملوا لخلاصهم من عقابه في ذلك
﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بما أعطاهم من الثواب
يومئذ، على طاعتهم ربهم في الدنيا،
وجزاهم عليها من الكرامة (٤).
وهذا الرضا هو بسبب عملهم الصالح
جزاءلهم قال تعالى: ﴿جَزَآؤُهُمْ عِنْدَ رَيِّْ
جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِىٍ مِن تَمِْهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَداً
رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ.
[البينة: ٨].
٨
ومقام رضاه عنهم أعلى مما أوتوه من
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٨/ ٥٣٠.
(٣) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٣٢٥/٤.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٥٤٢.
١٨٤
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكَرِيْمِ
الصلاح
النعيم المقيم، ورضوا عنه فيما منحهم من والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم من
السلف والخلف»(٢).
الفضل العميم (١).
أما النظر إلى وجهه الكريم فيدل
على ذلك قوله تعالى: ﴿﴿ لِلَِّينَ أَحْسَنُواْ
اَلُْسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَزْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةُ
أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ اَلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾
[يونس: ٢٦].
قال الإمام ابن کثیر: ((یخبر تعالی أن لمن
أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل
الصالح: الحسنى في الدار الآخرة كقوله
تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ
﴾ [الرحمن: ٦٠].
وقوله: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ هي تضعيف ثواب
الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة
ضعف وزيادة على ذلك أيضا، ويشمل ما
یعطیهم الله في الجنان من القصور والحور
والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قرة أعين
وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه
الكريم فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه
لا يستحقونها بعملهم بل بفضله ورحمته،
وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه
الكريم عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن
اليمان وعبد الله بن عباس وسعيد بن
المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد
الرحمن بن سابط ومجاهد وعكرمة وعامر
بن سعد وعطاء والضحاك والحسن وقتادة
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣٩/٨
والزيادة هي النظر إلى وجه الله في قول
أبي بكر الصديق، وأبي موسى الأشعري،
وحذيفة، وابن عباس رضي الله عنهم،
وقتادة، والضحاك، ونحو ذلك فسرها النبي
صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح
الذي رواه صهيب رضي الله عنه، عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل
أهل الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى:
(تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض
وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من
النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا
شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز
وجل، ثم تلا هذه الآية: ﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُواْ لَلُْسْنَى
وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦])(٣) (٤).
موضوعات ذات صلة:
الإصلاح، التغيير، الدعوة، الدفع،
الفساد، النصيحة
(٢) المصدر السابق ٢٢٩/٤.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم
سبحانه وتعالى، رقم ١،١٨١ / ١٦٣.
(٤) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ٥٤٤.
www. modoee.com
١٨٥