النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الضََّلاءِ
6
عناصر الموضوع
مفهوم الصلاح
١٥٠
الصلاح في الاستعمال القرآني
١٥١
الألفاظ ذات الصلة
١٥٢
١٥٤
أنواع الصلاح
١٥٨
صلاح الخلق
١٦٨
صلاح الأعمال
١٧٣
جزاء الصلاح في الدنيا والآخرة
المُجَلَدَ الحَاذِى وَالعشْرُونْ
حف الصاد
مفهوم الصلاح
أولًا: المعنى اللغوي:
الصلاح لغة: ضد الفساد، يقال: أصلح الشيء بعد فساده، أي: أقامه، وأصلح الدابة، إذا
أحسن إليها (١). قال ابن فارس: ((صلح)) الصاد واللام والحاء أصل واحد يدل على خلاف
الفساد، يقال: صلح الشيء يصلح صلاحًا))(٢).
والصلاح والفساد، يختصان في أكثر الاستعمال بالأفعال، وقوبل الصلاح في القرآن تارة
بالفساد، وأخرى بالسوء(٣).
وقال ابن سيده: ((الصلاح ضد الطلاح، صلح يصلح ويصلح صلاحًا وصلوحًا، فهو
صالح وصليح، والجمع صلحاء، وصلوح، والصالح هو: الذي يؤدي إلى الله عز وجل
ما افترض عليه، ويؤدي إلى الناس حقوقهم، أي القائم بما عليه من حقوق الله وحقوق
العباد (٤)، وقيل الصالح: المستقيم الحال في نفسه)) (٥).
والمصلح هو: المقيم على الإيمان المؤدي فرائضه اعتقادًا وعملًاً(٦).
ثانيا: المعنى الاصطلاحي:
ذكر المفسرون عدة تعريفات للصلاح منها ما يأتي:
أولًا: الصلاح عند الإمام أبي جعفر الطبري: لفظ عام يشمل الصلاح في استواء الخلق،
والصلاح في الدين، والصلاح في العقل والتدبير(٧).
ثانيًا: عرف السمعاني الصلاح بقوله: ((الصلاح هو الاستقامة على ما توجبه الشريعة))(٨).
ثالثًا: عرفه الزمخشري بقوله: ((هو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة)) (٩).
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥١٦/٢، تاج العروس، الزبيدي ٦/ ٥٤٧.
(٢) مقاييس اللغة ٣٠٣/٣.
(٣) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٢١٨.
(٤) المحكم والمحيط الأعظم ٣/ ١٥٢.
(٥) انظر: الكليات، الكفوي ص ٥٦١.
(٦) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ١٥٢/٣.
(٧) جامع البيان ٣٠٨/١٣.
(٨) تفسير السمعاني ٣/ ٤٧٨.
(٩) الكشاف ١/ ٦٢.
١٥٠
القرآن الكريم
الصلاح
الصلاح في الاستعمال القرآني
وردت مادة ((صلح)) في القرآن الكريم (١٨٠) مرة، يخص موضوع البحث منها (١٦٨)
مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٢
﴿َجَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَآءِهِمْ ﴾ [الرعد: ٢٣]
اسم الفاعل
١٣٦
﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلَنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]
وجاء الصلاح في الاستعمال القرآني على أربعة أوجه (٢):
الأول: الإيمان: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَآِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣] يعني: ومن آمن من
آبائهم.
الثاني: حسن المنزلة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ، قَوْمًا صَلِحِينَ﴾ [يوسف: ٩]
يعني: تحسن منزلتکم عند أبیکم.
الثالث: تسوية الخلق: ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَّعَوَا ◌َللَّهَ رَبَّهُمَا لَيْنْ ءَاتَيْتَنَا صَلِحًا
تَتَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ
[الأعراف: ١٨٩- ١٩٠] يعني: سوي الخلق في
أَفَلَمَآ ءَاتَهُمَا صَلِحًافَـ
(١٨٩
صورة الإنس.
الرابع: الطاعة: ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]
يعني: الطاعات التي أطاعوا الله عز وجل.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب الصاد، ص٦٩٩-٧٠٣.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٢٩٩- ٣٠٠، نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر،
ابن الجوزي، ص٣٩٧-٣٩٨.
www. modoee.com
١٥١
حرف الصاد
الألفاظ ذات الصلة
الإصلاح:
١
الإصلاح في اللغة :
خلاف الإفساد (١).
الإصلاح اصطلاحًا:
التغيير إلى استقامة الحال(٢).
وقيل: هو ((إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله بإزالة ما طرأ عليه من الفساد))(٣).
الصلة بين الصلاح والإصلاح:
أن الصلاح قاصر على الشخص نفسه، والإصلاح متعدي إلى الغير، بحيث يشمل إصلاح
العقائد عن طريق إرشاد الخلق إلى حقائق المبدأ والمعاد وما بينهما تحت عنوان الإيمان
بالله تعالی وملائكته ورسله واليوم الآخر، وإصلاح العبادات عن طریق إرشاد الخلق إلى ما
يزكي النفوس ويغذي الأرواح ويقوم الإرادة ويفيد الفرد والمجموع منها، وإصلاح الأخلاق
عن طريق إرشاد الخلق إلى فضائلهم وتنفيرهم من رذائلها في قصد واعتدال وعند حد وسط
لا إفراط فيه ولا تفريط (٤).
(١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٤/ ١٤٢.
(٢) انظر: التبيان في تفسير غريب القرآن، ابن الهائم ص٥١.
(٣) القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص٢١٥.
(٤) انظر: مناهل العرفان، الزرقاني ٣٥١/٢.
١٥٢
القرآن الكريم
الصلاح
الصلح:
٢
الصلح لغة:
الصلح بالضم هو السلم- بكسر السين وفتحها من تصالح القوم بينهما، والصلح
أيضًا: اسم جماعةٍ متصالحين، يقال: هم لنا صلحٌ: أي مصالحون(١).
الصلح اصطلاحًا:
عبارة عن عقد وضع لرفع المنازعة بالتراضي (٢).
الصلة بين الصلاح والصلح:
أن الصلح سبب للصلاح والاستقامة؛ لأن القيام بالصلح بين الناس من أخلاق الصالحين.
الفساد:
٣
الفساد لغة هو:
خروج الشيء عن الاعتدال، قليلًا كان الخروج عنه أو كثيرًا، ويضاده الصلاح، ويستعمل
ذلك في النفس والبدن والأشياء الخارجة عن الاستقامة (٣).
الفساد اصطلاحًا:
كلمة عامة تتناول كل ما هو خلاف الصلاح من المعاصي والهلاك قحط المطر
وقلة النبات القتل السحر وغيرها(٤).
الصلة بين الصلاح والفساد:
أن الفساد ضد الصلاح ونقيضه.
(١) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٥٤٨/٦.
(٢) انظر: أنيس الفقهاء، القونوي ص٩١.
(٣) انظر: المفردات، الراغب ص٦٣٦، لسان العرب، ابن منظور ٣٣٥/٣.
(٤) انظر: تفسير يحيى بن سلام ص ١١٥.
www. modoee.com
١٥٣
حفالصاد
أنواع الصلاح
الصلاح في القرآن الكريم يأتي على
نوعين هما:
أولًا: صلاح الخلق:
وصلاح الخلق على قسمين:
١. الصلاح المادي.
وهو استواء الخلق والعقل كما قال
هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنِ نَّفْسِ
تعالى:
وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَاً فَلَمَّا
تَفَشَّنَهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِّ فَلَمَّاً
أَثْقَلَتْ دَّعَوَاللَّهَ رَبَّهُمَا لَيْنْ ءَاتَيْتَنَا صَالِحًا لَّتَكُونَنَّ
مِنَ الشَّكِرِينَ (٠١ فَلَمَّآ ءَاتَنُهُمَا صَالِحًا جَعَلَا
لَهُ شُرَّكَآءَ فِيمَآ ءَاتَمُهُمَاً فَتَعَلَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
:[الأعراف: ١٨٩ - ١٩٠].
قال أبو جعفر الطبري: ((﴿وَعَوَا اللَّهَ
رَبَّهُمَا﴾، يقول: نادى آدم وحواء ربهما
وقالا يا ربنا: ﴿لَيْنْ ءَاتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَّكُونَنَّ مِنَ
الشَّكِينَ﴾، واختلف أهل التأويل في
معنى الصلاح الذي أقسم آدم وحواء عليهما
السلام أنه إن آتاهما صالحًا في حمل حواء:
﴿لَّكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾، فقال بعضهم:
ذلك هو أن يكون الحمل غلامًا، وقال
آخرون: بل هو أن یکون المولود بشرًا سويًا
مثلهما، ولا يكون بهيمة، فقد أشفقا أن لا
یکون إنسانًا».
ثم قال أبو جعفر: ((والصواب من القول
في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن آدم
وحواء أنهما دعوا الله ربهما بحمل حواء،
وأقسما لئن أعطاهما ما في بطن حواء،
صالحًا لیکونان لله من الشاکرین »(١).
وفي هذه الآية اختلف المفسرون في
مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿جَعَلَاً لَهُ
شُرَّكَآَةَ ﴾هل يعود إلى آدم وحواء، أم يعود
إلى غيرهما، على أقوال، والراجح أن
الضمیر یرجع إلى ذرية بني آدم، ممن جاء
بعده جعلا لله شركاء من الآلهة والأوثان
حين رزقهما ما رزقهما من الولد (٢)
.
قال الإمام الرازي: ((قال الإمام القفال:
إنه تعالى ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب
المثل وبيان أن هذه الحالة صورة حالة
هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم
بالشرك، وتقرير هذا الكلام كأنه تعالى
يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من
نفس واحدة و جعل من جنسها زوجها إنسانا
يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج
زوجته وظهر الحمل، دعا الزوج والزوجة
ربهما لئن آتيتنا ولدا صالحا سويا لنكونن
من الشاكرين لآلائك ونعمائك. فلما
آتاهما الله ولدا صالحا سويا، جعل الزوج
والزوجة لله شركاء فيما آتاهما، لأنهم تارة
(١) جامع البيان ٣٠٦/١٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣١٤/١٣.
١٥٤
جوبي
القرآن الكريم
الصلاح
ینسبون ذلك الولد إلى الطبائع كما هو قول
الطبائعیین، وتارة إلى الکواکب کما هو قول
المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان
كما هو قول عبدة الأصنام، ثم قال تعالى:
﴿فَتَعَلَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ أي: تنزه الله عن
ذلك الشرك، وهذا جواب في غاية الصحة
والسداد))(١).
ومن الصلاح المادي في القرآن ما
ورد في قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّ إِذْ نَادَى
رَبَّهُ رَبٍ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِنَ
(٥)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ, وَوَهَبْنَا لَهُ, يَحْبَى
وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُمَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ
يُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
وَرَهَبَّ وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ ﴾
[الأنبياء: ٨٩ - ٩٠].
﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ: زَوْجَهُمْ﴾ جعلناها
صالحة للولادة بعد العقار أي: بعد عقرها،
أو حسنة وكانت سيئة الخلق (٢).
((قال قتادة وسعيد بن جبير وأكثر
المفسرين: إنها كانت عاقرًا فجعلت ولودًا،
وقال ابن عباس وعطاء: كانت سيئة الخلق،
طويلة اللسان، فأصلحها الله تعالى فجعلها
حسنة الخلق. قلت: ويحتمل أن تكون
جمعت المعنيين فجعلت حسنة الخلق
ولودا))(٣).
(١) مفاتيح الغيب ٤٢٧/١٥.
(٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٤١٨/٢.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
وعموم اللفظ يتناول جميع الإصلاح (٤).
قال الراغب الأصفهاني: ((وإصلاح الله
تعالى الإنسان يكون تارة بخلقه إياه صالحًا،
وتارة بإزالة ما فيه من فساد بعد وجوده،
وتارة یکون بالحكم له بالصلاح، قال تعالی:
﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢].
قال تعالى: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾
[الأحزاب: ٧١].
وقال تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِى فِ ذُرِيَّقِ
[الأحقاف: ١٥] قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ
عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١].
أي: المفسد يضاد الله في فعله، فإنه
يفسد والله تعالى يتحرى في جميع أفعاله
الصلاح، فهو إذا لا يصلح عمله))(٥).
٢. الصلاح المعنوي.
والمراد به الإيمان والاستقامة على
الدين، وهذا الصلاح قد يكون في جماعات
وأمم، وقد يكون في أفراد، على ما يأتي:
الأول: فمن الصلاح المعنوي الذي
يكون في جماعات وأمم، قوله تعالى في
بني إسرائيل: ﴿وَقَّعْنَهُ فِى الْأَرْضِ
أُسَمَّاً مِنْهُمُ الصَّلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌ
وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
[الأعراف: ١٦٨].
٣٣٦/١١.
(٤) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ٤ / ٩٩.
(٥) المفردات ص٤٨٩.
www. modoee.com
١٥٥
حرف الصاد
أي: فرقًا متباينين في أقطار الأرض فقل اٌلْمُنكَرِ وَيُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ
الصَّلِحِينَ ﴾ [آل عمران: ١١٣ -١١٤].
أرض لا يكون منهم فيها شرذمة، وهذا
حالهم في كل مكان تحت الصغار والذلة
سواء كان أهل تلك الأرض مسلمين أم کفارًا
ومنهم منحطون عن الصالحين وهم الكفرة،
وذلك إشارة إلى الصلاح أي ومنهم قوم
دون أهل الصلاح؛ لأنه لا يعتدل التقسیم إلا
(١)
على هذا التقدير
((يذكر تعالى أنه فرق بني إسرائيل في
الأرض أممًا أي طوائف وفرقًا كما قال:
﴿ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِه لِبَنِيّ إِسْرَهِيلَ أَسْكُنُواْ الْأَرْضَ
فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ﴾
[الإسراء: ١٠٤].
منهم الصالحون ومنهم دون ذلك أي
فیهم الصالح وغير ذلك»(٢)، وجعل كل
فرقة منهم في قطر من أقطارها، بحث لا
تخلو ناحية منها، منهم، تکملة لإدبارهم،
حتى لا تكون لهم شوكة منهم الصالحون
ومنهم دون ذلك، أي من ينحط عن درجة
الصلاح، لكفر أو فسق(٣).
﴿﴿ لَيْسُواْ سَوَاءٌ مِّنْ أَهْلِ
وقال تعالى:
اُلْكِتَبِ أُمَّةٌ قَآَيِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ ءَانَآءَ الَّلِ
وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ
اُلْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
(١) انظر: البحر المحيط في التفسير، أبو حيان
٢٠٩/٥.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤٨/٣.
(٣) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٢١٤/٥
فقد بين الله تعالى في الآية أن أهل
الكتاب ليسوا سواء بل إن منهم أمة أهل
الإيمان، ومنهم أمة أهل الكفر، فهم غير
متساوين، ولكنهم متفاوتون في الصلاح
والفساد، والخير والشر (٤).
الثاني: وقد يكون الصلاح المعنوي في
أفراد وصفهم الله بذلك، قال تعالى في
يحيى عليه السلام: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْبَى
مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ
الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩].
والصالح الذي يؤدي لله ما افترض عليه،
وإلى الناس حقوقهم(٥).
وقال سبحانه في عيسى عليه السلام:
﴿وَيُكَلِمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ
[آل عمران: ٤٦] يعني أنه
الصَّالِحِينَ
من العباد الصالحين مثل إبراهيم وإسحاق
ویعقوب وموسی وغيرهم من الأنبياء وإنما
ختم أوصاف عيسى عليه السلام بكونه من
الصالحين بعدما وصفه بالأوصاف العظيمة؛
لأن الصلاح من أعظم المراتب وأشرف
المقامات؛ لأنه لا يسمى المرء صالحًا حتى
يكون مواظبًا على النهج الأصلح والطريق
الأکمل في جمیع أقواله وأفعاله، فلما وصفه
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١١٨/٧.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٧٩/٤.
١٥٦
جوية
القرآن الكريمِ
الصلاح
الله تعالى بكونه وجيها في الدنيا والآخرة مخبرين عن أنفسهم: ﴿ وَأَنَامِنَا الصَّلِحُونَ وَمِنَّا
ومن المقربين وأنه يكلم الناس في المهد دُونَ ذَلِكَ﴾ أي غير ذلك ﴿كُنَا طَرَّبِقَ قِدَدًا﴾
و کھلا أردفه بقوله ومن الصالحين ليكمل له
أعلى الدرجات وأشرف المقامات (١).
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيًّا وَنَحْبَ
وَعِيسَى وَإِلَيَاسَّ كُلٌّ مِنَ الصَّلِحِينَ ﴾
[الأنعام: ٨٥].
والآيات الواردة في وصف الأنبياء
بالصلاح كثيرة وما ذكرناه هو على سبيل
المثال لا الحصر.
وقال تعالى في وصف الأفراد من
غير النبيين: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ
يَتِيمَيْنِ فِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ، كَنْ لَّهُمَا وَكَانَ
أَبُوهُمَا صَِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَهُمَا
وَيَسْتَخْرِحَا كَنَزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِكَّ وَمَا فَعَلْنُهُ.
عَنْ أَمْرِىّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَالَمْ تَسْطِع عَلَيْهِ صَبْرًا ل
٨٢
[الكهف: ٨٢].
فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه
قال: إن الله يصلح بصلاح الرجل ولده
وولد ولده ويحفظه في ذريته والدويرات
حوله، فما يزالون في ستر من الله وعافية (٢)
أما صلاح الجن فإنه من الصلاح
المعنوي، قال تعالى: ﴿وَأَنَا مِنَّا الصَّلِحُونَ
وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَّبِقَ قِدَدًا ﴾ [الجن: ١١]
((يقول تعالى مخبرًا عن الجن أنهم قالوا
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٤٦/١.
(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٢٣٧٥/٧.
أي طرائق متعددة مختلفة وآراء متفرقة، قال
ابن عباس ومجاهد وغير واحد ﴿كُنَّا طَرَّبِقَ
قِدَدًا﴾ أي منا المؤمن، ومنا الكافر))(٣).
والمعنى كما قال القرطبي: ((أي لم
يكن كل الجن كفارا بل كانوا مختلفين:
منهم كفار، ومنهم مؤمنون صلحاء، ومنهم
مؤمنون غير صلحاء))(٤).
ثانيًا: صلاح الأعمال:
إن صلاح الأعمال یکون فى إخلاصها
لله سبحانه وتعالى، فالعمل الصالح هو
ما أريد به وجه الله تعالى وينتظم جميع
أنواعه من الصلاة والزكاة وغيرهما (٥)، كما
يكون العمل صالحًا، بالمتابعة على منهج
الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد جمع
الله ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ
مِنَ الصََّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُوْلَيْكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا
١٢٤
وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِنَّةَ إِبْرَهِيَمَ حَنِيفًا وَأَّخَذَ اَللّهُ
إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء: ١٢٤ -١٢٥](٦).
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٤/٨.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١٥/١٩.
(٥) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٢/ ٢٩٠.
(٦) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٣٧٣.
www. modoee.com
١٥٧
حرف الصاد
صلاح الخلق
أولًا: صلاح الأنبياء عليهم السلام:
وصف الله سبحانه وتعالى الأنبياء
عليهم السلام بالصلاح، فقال في إبراهيم
عليه السلام: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرِهِمَ
إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَةُ، وَلَقَدٍ أَصْطَفَيْنَهُ فِ الدُّنْيَاً وَإِنَّهُ.
فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ لـ
﴾ [البقرة: ١٣٠].
١٣٠
وقال في يحيى عليه السلام: ﴿فَنَادَتْهُ
الْمَلَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِى فِ اَلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ
يُبَشِّرُكَ بِيَحْبَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا
[آل
وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّلِحِينَ ﴾﴾
عمران: ٣٩].
وقال في عيسى عليه السلام: ﴿وَيُكَلِّمُ
النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّلِحِينَ (١)
[آل عمران: ٤٦].
وقال سبحانه في زكريا وإلياس عليهم
السلام مع السابقين: ﴿وَزَكَرِيًّا وَنَحْبِى
وَعِيسَى وَإِلَيَاسَّ كُلُّ مِنَ الصَّلِحِينَ (٥)
[الأنعام: ٨٥].
وقال في لوط عليه السلام: ﴿وَلُوطًا
ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَيْنَهُ مِنَ الْقَرْيَةِ
الَِّى كَانَتْ تَّعْمَلُ الَْبَِّتُّ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْمٍ
فَسِقِينَ ﴿ وَأَدْخَلْنَهُ فِ رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ
الصَّلِمِينَ ﴾ [الأنبياء: ٧٤ -٧٥].
وقال في إسماعيل عليه السلام:
﴿وَإِسْمَعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِّ كُلُّ مِنَ
الصَِّينَ ﴿ وَأَدْخَلْنَهُمْ فِي رَحْمَتِنَّاً إِنَّهُم
مِنَ الصَّلِمِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨٥-٨٦].
وقال في يونس عليه السلام: ﴿فَاضِرٌ
◌ِّكْمِ رَيْكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْمُتِ إِذْنَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ
الَوَلَّ أَنْ تَدَرَّكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّيِّهِ، لَنُِّذَ بِلْعَرَآءِ وَهُوَ
مَذْمُومٌ ﴿ فَاجْتَبَهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّلِحِينَ (
[القلم: ٤٨- ٥٠].
ويمكن بيان الحكمة من وصفهم
بالصلاح فيما يأتي:
أولًا: تعظيم صفة الصلاح، وتعظيم
للموصوف بها، قال الزمخشري مبينًا
الحكمة من وصف الأنبياء عليهم السلام
بالصلاح: ((واعلم أن الصفة قد تذكر للعظم
في نفسها ولينوه بها إذا وصف بها عظيم
القدر، كما يكون تنويها بقدر موصوفها.
فالحاصل أنه كما يراد إعظام الموصوف
بالصفة العظيمة، قد يراد إعظام الصفة
بعظم موصوفها، وعلى هذا الأسلوب جرى
وصف الأنبياء بالصلاح في قوله تعالى:
وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ بِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ (١)
[الصافات: ١١٢] وأمثاله، تنويهًا بمقدار
الصلاح إذ جعل صفة الأنبياء، وبعثًا لآحاد
الناس على الدأب في تحصيل صفته))(١).
وقال الرازي: ((والمعنى وأولئك
الموصوفون بما وصفوا به من جملة
الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله
(١) الكشاف ٦٣٦/١.
١٥٨
مَشَوَالَرُ النَّسَيَّة
القرآن الكريم
الصلاح
تعالى ورضيهم، واعلم أن الوصف بذلك من المستعدين لقبول الفيض الإلهي بلا
واسطة(٢).
غاية المدح ويدل عليه القرآن والمعقول، أما
القرآن، فهو أن الله تعالى مدح بهذا الوصف
أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال:
بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل
وغيرهم: ﴿وَأَدْخَلْنَهُمْ فِى رَحَتِنَّاً إِنَّهُمْ
[الأنبياء: ٨٦]وذکر
مِنَ الصَّلِينَ أَ
حكاية عن سليمان عليه السلام أنه قال:
﴿وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ﴾
[النمل: ١٩].
وقال: ﴿فَإِنَّاللّهَ هُوَ مَوْلَنُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ
اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤].
وأما المعقول فهو أن الصلاح ضد بأنه صالح، ويوصف متبع الرسول بأنه
الفساد، و کل ما لا ينبغي أن یکون فهو فساد،
سواء كان ذلك في العقائد، أو في الأعمال،
فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن
یکون، فقد حصل الصلاح، فکان الصلاح
دالاً على أكمل الدرجات))(١).
ثانيًا: خص الأنبياء بذكر الصلاح؛ لأنه
لا يتخلل صلاحهم خلاف ذلك، وقال
الزجاج: الصالح هو الذي يؤدي ما افترض
عليه وإلى الناس حقوقهم.
ثالثًا: ومن الحكمة أيضًا أن الصلاح
والإصلاح هو الغاية للنبوة؛ لتضمنها معنى
الكمال والتكميل بالفعل على الإطلاق،
کما أن وصفهم بالصلاح فيه بیان بأنهم
(١) مفاتيح الغيب ٨/ ٣٣٤.
رابعًا: ووصف الأنبياء عليهم السلام
بالصلاح يدل على أن الصلاح درجة عالية
لا ينالها إلا أهل الاجتباء(٣).
وذكرها للتنويه بشأن الصلاح، فإن
الأنبياء معدودون في زمرة أهله، وإلا فإن
كل نبي لا بد أن يكون صالحًا، والنبوة أعظم
أحوال الصلاح (٤)، وفي ذلك إيماء إلى أن
الصلاح هو أصل الخير ورفع الدرجات(٥).
خامسًا: أن الصلاح وصف للأنبياء
عليهم السلام، ومن دونهم؛ فيوصف النبي
صالح(٦).
والصلاح على إطلاقه هو أكمل صفة
وأتمها يمكن أن يظفر بها إنسان حتى الأنبياء
فهى الكمال الإنسانى فى أعلى مراتبه
وأشرف منازله، ولهذا كان من دعوات
الأنبياء عليهم السلام أن یکونوا من عباد الله
الصالحين.
كما قال الله تعالى على لسان سليمان
عليه السلام: ﴿فَنَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ
(٢) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٧ /٤٧٩.
(٣) انظر: المصدر السابق ١٠/ ١٢٧.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣/ ١٦٢.
(٥) انظر: المصدر السابق ٢٩/ ١٠٧.
(٦) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين،
الفاتحة والبقرة ٢/ ٧١.
www. modoee.com
١٥٩
حرف الصاد
رَبِّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَِّ أَنْعَمْتَ عَلَىّ والطاعة ويؤنسني في الغربة يعني الولد
لأن لفظ الهبة على الإطلاق خاص به (٣)،
ولقوله تعالى سأل إبراهيم رب هب لي من
الصالحين [الصافات: ١٠٠].
وَعَ وَلِدَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَنَّهُ وَأَدْخِلْنِى
بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ
ء
[النمل: ١٩].
وقال تعالى على لسان إبراهيم، وهو
يطلب الولد الصالح: ﴿رَبِّ هَبْ لِ مِنَ
الصَّلِحِينَ فَ
﴾ [الصافات: ١٠٠].
١٠٠)
وقال سبحانه فى وصف عيسى عليه
السلام: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا
[آل عمران: ٤٦]ومعنى
٤٦
وَمِنَ الصَّمَلِحِينَ
هذا أن الصلاح صفة ملازمة له، قبل النبوة
ومع النبوة، فلو لم یکن نبيا من الأنبياء لكان
صالحا من عباد الله الصالحين(١).
أما الحكمة من طلب الذرية الصالحة:
الحكمة من الدعاء بطلب الصالحين
في قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِىِ مِنَ الصَّالِحِينَ
﴾ [الصافات: ١٠٠]؛ لأن الصلاح أفضل
الصفات بدليل أن الخليل عليه السلام طلب
الصلاح لنفسه، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا
وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ ﴾ [الشعراء: ٨٣].
وطلبه للولد فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِ مِنَ
[الصافات: ١٠٠]؛ وذلك يدل
الصَّلِحِينَ {١٠٠).
على أن الصلاح أشرف مقامات العباد(٢).
والمعنى: ﴿رَبِّ هَبْ لِ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾
أي بعض الصالحين يعينني على الدعوة
(١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم
الخطيب ٤٤٠/٢.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٤٥/٢٦.
وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا
مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَِّنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَأَجْعَلْنَا
لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: ٧٤].
هكذا الواجب أن يطلب الولد، لا
ما يطلبون من الاستئناس والاستنصار
والاستعانة بأمر المعاش بهم(٤).
لأن نعمة الولد تكون أكمل إذا كان
صالحًا فإن صلاح الأبناء قرة عين للآباء،
ومن صلاحهم برهم بوالديهم(٥).
وفي قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ
إِحْسَنَا حَمَلَتْهُ أُنَّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرُمًّاً وَحَمْلُهُ.
وَفِصَلُهُ، ثَثُونَ شَهْرَأْ حََّ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ
أَرْبَعِينَ سَنَّةً قَالَ رَبٍ أَوْ زِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِىّ
أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَنَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَنُهُ
وَأَصْلِحَ لِ فِ ذُرِّيَّتِىٌّ إنِّ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأحقاف: ١٥].
﴿وَأَصْلِحْ لِ فِ ذُرِّيَِّئَ﴾ أي: واجعل
الصلاح ساريًا في ذريتي راسخًا فيهم، أو:
اجعل ذريتي موقعا للصلاح دائمًا فيهم، إني
تبت إليك من كل ذنب، وإني من المسلمين
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٧ /١٩٩.
(٤) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٣١٠/٢.
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤٨/٢٣.
جَوَسُولَةُ النَّقَتِيَّة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١٦٠
الصلاح
الذين أخلصوا لك أنفسهم، وانقادوا إليك ثانيًا: أسباب صلاح الخلق:
بکلیتهم(١).
وفي الآية إشارة لرغبة المؤمن في أن
يتصل عمله الصالح في ذريته، وأن يؤنس
قلبه شعوره بأن في عقبه من یعبد الله ويطلب
رضاه، والذرية الصالحة أمل العبد الصالح،
وهي آثر عنده من الكنوز والذخائر، وأروح
لقلبه من كل زينة الحياة. والدعاء يمتد من
الوالدين إلى الذرية ليصل الأجيال المتعاقبة
في طاعة الله(٢).
ولأن في صلاح الولد الإحسان إلى
الوالدين في المشاهدة والغيبة وبجميع
وسائل الإحسان الذي غايته حصول النفع
لهما، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ
أَرْحَمْهُمَا كَا رَبِّيَانِ صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤].
وأن الله لما أمر بالدعاء للأبوين وعد
بإجابته على لسان رسوله صلى الله عليه
وسلم لقوله: (إذا مات الإنسان انقطع عنه
عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو
علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)(٣).
(١) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٣٣٤/٥.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٢٦٣/٦.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الهبات،
باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته،
رقم ١٦٣١ ٣/ ١٢٥٥، عن أبي هريرة رضي
الله عنه.
١. الاصطفاء الإلهي.
إن من أسباب صلاح الخلق الاصطفاء
الإلهي، قال تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةٍ
إِبْرَهِمْ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَةُ، وَلَقَدِ أَصْطَفَيْنَهُ فِى
الدُّنْيَاً وَإِنَّهُ فِى الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
١٣٠
[البقرة: ١٣٠]
والاصطفاء حال يستحقه العبد بكونه
صالحًا، والاصطفاء ضربان، أحدهما في
الآخرة والآخر في الدنيا، وهو اختصاص
الله بعض العبيد بولايته ونبوته لخصوصيته
فيه (٤).
والاصطفاء: الاختيار بإخراج الصفوة
من العباد والصالح من بني آدم: هو المؤدي
حقوق الله عليه(٥).
وهذا خبر من الله تعالی ذکره عن أن من
خالف إبراهيم فيما سن لمن بعده، فهو لله
مخالف، وإعلام منه خلقه أن من خالف ما
جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فهو
لإبراهيم مخالف. وذلك أن الله تعالى ذكره
أخبر أنه اصطفاه لخلته، وجعله للناس إمامًا،
وأخبر أن دينه كان الحنيفية المسلمة، ففي
ذلك أوضح البيان من الله تعالى ذكره عن
أن من خالفه فهو لله عدو لمخالفته الإمام
(٤) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٣١٧.
(٥) انظر: تفسير ابن فورك ١٧١/٢.
www. modoee.com
١٦١
حف الصاد
الذي نصبه الله لعباده(١).
قال الشنقيطي: ((وقد دلت هذه الآية
وبسبب الصلاح اصطفى الله تعالى الكريمة على أنه تعالى يجتبي من خلقه
من يشاء اجتباءه، وقد بين في مواضع
أخر بعض من شاء اجتباءه من خلقه، فبين
أن منهم المؤمنين من هذه الأمة في قوله
تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْ كَعُوا
وَأُسْجُدُواْ وَأَعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُوْ اَلْخَيْرَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ وَجَهِدُواْ فِ
اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِْ هُوَ أَجْتَبَنكُمْ﴾ [الحج: ٧٧-
٧٨].
من ذکرهم وآباءهم وإخوانهم وذریتهم في
قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلَّا
هَدَيْنَأَ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ،
دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُّوَبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى
وَهَرُونٌّ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (3) وَزَكَرِيًّا
وَيَحْبَى وَعِيسَى وَإِلَيَاسَّ كُلٌّ مِنَ الصَّلِينَ
﴿ وَإِسْمَعِيلَ وَاَلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطَأْ وَكُلَّا
فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ (١) وَمِنْ ءَابَِّهِمْ
وَذُرِّيَّتِهِمْ وَ إِخْوَنِهِمْ وَأَجْتَبَيْنَهُ وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ
تُسْتَقِيمٍ ﴾ [الأنعام: ٨٤-٨٧].
وقوله: ﴿فَأَضْبِر ◌ِشُكْمِ رَيْكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِب
اَلْتُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومُ الَّوْلاً أَنْ تَدَرَّكَهُ نِعْمَةٌ مِن
رَّيِِّ، لَنُبِذَ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ) فَأَجْنَبَهُ رَبُّهُ، فَجَعَلَهُ.
مِنَ الصَّلِحِينَ ﴾ [القلم: ٤٨-٥٠].
وهذا الاصطفاء هو بمشيئة الله تعالى
واختياره، قال تعالى: ﴿اَللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ
مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾
[الشورى : ١٣].
والمعنى: أن الله يصطفي إليه من يشاء
من خلقه، ويختار لنفسه وولايته من أحب،
ويوفق للعمل بطاعته، واتباع ما بعث به نبيه
صلی الله عليه وسلم من الحق من أقبل إلى
طاعته، وراجع التوبة من معاصيه(٢).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٩١/٣.
(٢) انظر: المصدر السابق ٥١٤/٢١.
﴿ ثُمَّأَوْرَتْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ
وقوله تعالى:
أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ،
وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ
اللَّهِّ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
٣٢
[فاطر: ٣٢].
وبين في موضع آخر أن منهم آدم، وهو
ثُمّ ◌َحْتَبَهُ رَبُّهُ،فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى
قوله تعالى:
(١٢٢)﴾ [طه: ١٢٢].
وذكر أن منهم إبراهيم في قوله:
﴿إِنَّ ◌ِزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَّ
يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ { شَاكِرًا لِأَنْعُمِّةِ
اجْتَبَتُهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم
١٢١
[النحل: ١٢٠-١٢١].
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على
اجتباء بعض الخلق بالتعيين))(٣).
(٣) أضواء البيان ٦٣/٧.
١٦٢
مَوَسُولَةُ النَّقِين
الْقُرآن الكَرِيْمِ
الصلاح
٢. المسارعة في الخيرات.
إن من أسباب صلاح الخلق المسارعة
في الخيرات، فقد ذكر سبحانه أن من
أسباب صلاح بعض أهل الكتاب وغيرهم
هو المسارعة في الخيرات.
قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَّوْمِ
الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِّ وَيُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ
الصَّلِحِينَ (١١٤﴾ [آل عمران: ١١٤].
قال ابن باديس: ((ذكر الله تعالى في الآية
الکریمة الأعمال، ثم حکم لأهلھا بأنھم من
الصالحين، فأفادنا أن الأعمال هي دلائل
الصلاح، وأن الصلاح لا یکون إلا بها، ولا
يستحقه إلا أهلها، ثم إن العباد يتفاوتون في
درجات الصلاح على حسب تفاوتهم في
الأعمال، ويكون لنا أن نقضي بتفاوتهم في
الظاهر بحسب ما نشاهد. ولكن ليس لنا
أن نقضي بين أهل الأعمال الصالحة في
تفاوتهم عند الله في الباطن؟ فندعي أن هذا
أعلى درجة في صلاحه عند الله تعالی من
هذا، لأن الأعمال قسمان: أعمال الجوارح،
وأعمال القلوب، وهذه أصل لأعمال
الجوارح))(١).
والمسارعة في الخيرات سبب لصلاح
الذرية والأزواج، ماديًّا ومعنويًّا، خَلْقًا
وخُلُقًا، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ.
(١) انظر: تفسير ابن بادیس ص٧٥.
وَوَهَبْنَا لَهُ, يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ
إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ
وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّ وَكَانُواْ لَنَا
خَشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ, زَوْجُدُر﴾ يروى أنها
كانت عقيمًا فجعلها الله عز وجل ولودًا،
ویروی أنه كان في خلقها سوء فأصلح الله
ذلك وحسن خلقها (٢).
٣. الدعاء.
إن من أسباب صلاح الخلق الدعاء،
فقد أرشد الله تعالی الإنسان إلى ذلك في
قوله: ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنَّاً حَمَلَتْهُ
أُمُّ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ, وَفِصَلُهُ تَثُونَ
شَهْرَأْ حََّ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِيْنَ سَنَّةً قَالَ رَبِّ
أَوْزِعْنِىَ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَِّىّ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى
وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنُ وَأَصْلِحِ لِىِ فِ
ذُرِّيَّتِىٌّ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[الأحقاف: ١٥].
ففي الآية إرشاد بالدعاء بصلاح الذرية،
وإرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة
والإنابة إلى الله عز وجل ويعزم عليها (٣)
وروي: أن الآية نزلت في أبي بكر
الصدیق وأبيه أبي قحافة عثمان بن عمرو،
وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو، قال علي
بن أبي طالب رضي الله عنه: الآية نزلت في
(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٠٣/٣.
(٣) أضواء البيان ٢٥٩/٧.
www. modoee.com
١٦٣
حف الصاد
ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أسلم أبواه
غيره أوصاه الله بهما، ولزم ذلك من بعده،
وكان أبو بكر صحب النبي صلى الله عليه
وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة والنبي
صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة في
تجارة إلى الشام، فلما بلغ أربعين سنة، ونبئ
النبي صلى الله عليه وسلم آمن به ودعا ربه
فقال رب أوزعني، ألهمني، أن أشكر نعمتك
التي أنعمت علي وعلى والدي، بالهداية
والإيمان، وأن أعمل صالحًا ترضاه.
قال ابن عباس رضي الله عنه: وأجابه
الله عز وجل فأعتق تسعة من المؤمنين
يعذبون في الله، ولم يرد أبو بكر رضي الله
عنه شيئًا من الخیر إلا أعانه الله علیه، ودعا
أيضا فقال: وأصلح لي في ذريتي، فأجابه
الله فلم یکن له ولد إلا آمنوا جميعا، فاجتمع
له إسلام أبويه وأولاده جميعا فأدرك أبو
قحافة النبي صلى الله عليه وسلم وابنه أبو
بکر وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر وابن عبد
الرحمن أبو عتيق كلهم أدركوا النبي صلى
الله عليه وسلم، ولم یکن ذلك لأحد من
الصحابة. قوله: إني تبت إليك وإني من
المسلمين(١).
ولما كان الدعاء سببًا في صلاح الخلق
(١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٩/ ١٢، معالم
التنزيل، البغوي ٤ /١٩٥.
أبي بكر رضي الله عنه أسلم أبواه جميعا كان من سنة الأنبياء عليهم السلام، فقد قال
الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ﴿الَّذِى
خَلَقَتِ فَهُوَ يَدِينِ ) وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِ وَيَسْقِيْنِ
(٦) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِيْنِ ، وَأَلَّذِى
يُمِيتُنِ ثُمَّ يُحْبِينِ ﴿ وَأَلَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ
يَغْفِرَ لِ خَطِيْفَقِ يَوْمَ الدِّينِ رَبِّ هَبْ
لِ حُكْْمًا وَأَلْحِقِ بِالصَّالِحِينَ
[الشعراء: ٧٨- ٨٣].
والمعنى في قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِ
حُكْمًا﴾ أي كمالًا في العلم والعمل
أستعد به لخلافة الحق ورئاسة الخلق.
وألحقني بالصالحين ووفقني للكمال في
العمل لأنتظم به في عداد الكاملين في
الصلاح الذین لا یشوب صلاحهم کبیر ذنب
ولا صغيره (٢).
وقال عن سليمان عليه السلام: ﴿فَنَبَسَّمَ
صَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبٍ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ
نِعْمَتَكَ الَِّ أَنْعَمْتَ عَنَّ وَعَلَى وَالِدَفَّ وَأَنْ أَعْمَلَ
صَلِحًا تَرْضَنَهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِىِ عِبَادَِ
الصَّلِحِينَ ﴾ [النمل: ١٩]
فقد دعا سلیمان ربه بأن يوفقه؛ لأن يعمل
صالحًا، وأن يدخله في عباده الصالحين في
الجنة (٣) مما يدل على أن الدعاء سبب في
صلاح الخلق.
وقال عن يوسف عليه السلام:
(٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ / ١٤٢.
(٣) انظر: تفسير السمعاني ٤ / ٨٧.
١٦٤
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
الصلاح
رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِنْ تَأْوِيلِ
الْأَحَادِيثِ، فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَإِ،
فِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَقَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِىِ
بِالصَّلِحِينَ
﴾ [يوسف: ١٠١].
يقول: وألحقني بصالح آبائي إبراهيم
وإسحاق ومن قبلهم من أنبيائك ورسلك(١)،
أو ألحقني بالصالحين قال: يعني أهل
الجنة (٢).
وفي الآية إشارة إلى أن الدعاء سبب
في صلاح الخلق الذي هو سبب للحوق
الصالحين في الجنة.
٤. التواصي بالحق والتواصي
بالصبر.
إن من أسباب الصلاح التواصي بالحق
بين الناس، ويدل على ذلك قوله تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ )) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ) إِلَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ
بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: ١ -٣].
والحق الذي ذكر الله بالتواصي به هو
كتاب الله تعالى، وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
يقول: وأوصى بعضهم بعضا بالصبر على
العمل بطاعة الله(٣).
فأما الصبر فلأنه ملاك استقامة الأعمال
ومصدرها فإذا تخلق به المؤمن صدرت
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦/ ٢٧٨.
(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٠٤.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٥٩٠.
عنها الحسنات والفضائل بسهولة (٤).
ثالثًا: مظاهر صلاح الخلق:
١. تحري أكل الطيبات.
إن من مظاهر صلاح الخلق تحري أكل
الطيبات، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ
اُلَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًاً إِنِِّ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
﴾ [المؤمنون: ٥١].
فقد أمر الله کل نبى فى زمانه بأن یأکل
من المال الحلال مالذ وطاب، وأن يعمل
صالح الأعمال، ليكون ذلك جزاء ما أنعم به
عليه من النعم الظاهرة والباطنة.
وهذا الأمر، وإن كان موجهًا إلى
الأنبياء، فإن أممھم تبع لهم، وكأنه يقول:
أيها المسلمون فى جميع الأقطار، كلوا من
الطيبات أي من الحلال الصافي القوام،
والحلال ما لا يعصى الله فيه، والصافي ما
لا ينسى الله فيه، والقوام ما يمسك النفس
ويحفظ العقل واعملوا صالح الأعمال(٥).
والمراد بالأكل الانتفاع من جميع
الوجوه. وقيل: هو الأكل المعتاد (٦).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيها
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٨/١٣.
(٥) تفسير المراغي ٢٩/١٨.
وانظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ / ٨٩.
(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢١٥/٢.
www. modoee.com
١٦٥
حرف الصاد
الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن
الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال:
وَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحَاً
إِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: ٥١].
وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِنْ
طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ
تَعْبُدُونَ (١٧)﴾ [البقرة: ١٧٢].
ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث
أغبر، یمد یدیه إلى السماء، يا رب، يا رب،
ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام،
وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟)(١).
وفي تقديم أكل الطيبات على العمل
الصالح إيماء إلى أن العمل الصالح لا يتقبل
إلا إذا سبق بأكل المال الحلال.
ثم علل هذا الأمر بقوله: ﴿إِنِ بِمَاتَعْمَلُونَ
عَلِيمٌ﴾ أي إني بأعمالكم علیم، لا يخفى
على شيء منها، وأنا مجازيكم بجميعها،
وموفیکم أجوركم، وثوابكم عليها، فخذوا
في صالح الأعمال، واجتهدوا قدر طاقتكم
فيها، شكرًا لربكم على ما أنعم به عليكم،
وفي هذا تحذير من مخالفتهم ما أمروا به،
وإذا قيل للأنبياء ذلك فما أجدر أممهم أن
تأخذ حذرها، وترعوي عن غیها، وتخشى
بأس الله وشديد عقابه(٢).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها،
رقم ٢،١٠١٥ / ٧٠٣.
(٢) انظر: تفسير المراغي ٢٩/١٨.
٢. الصدقات.
إن من مظاهر الصلاح الصدقات بكل
أنواعها، وذلك لارتباط العمل الصالح
بها، سواء أكان ذلك في الصدقات الواجبة،
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصََّلِحَتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٢٧٧]
فقد وعد سبحانه الذين آمنوا وعملوا
الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة
بالأجر العظيم، والرحمة والرضوان،
والأمن يوم الفزع الأكبر ذلك لأنهم استقاموا
على الصراط المستقيم، وجاءتهم الموعظة
فاستمعوا إليها، وامتثلوا لها، وانتهوا عما
نهوا عنه من منكرات كانوا يأتونها وهم
جاهلون، و((إيتاء الزكاة)) هنا له آثاره فى
التحريض على البذل والإنفاق على ذوي
الحاجات، حتى لا تضطرهم الحاجة إلى
التعامل بالربا(٣).
أو كان ذلك في صدقات التطوع والتي
منها الصدقات في الجهاد، قال تعالى: ﴿ مَا
كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ
أَنْ يَتَخَلَّقُواْ عَن رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ
نَّفْسِةٍ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَاً وَلَا
نَصَبُّ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَعُونَ
(٣) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم
الخطيب ٣٥٩/٢.
جَوَسُولَةُ البقية
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
١٦٦
الصلاح
مَوِْنًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُدٍ
ثَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمِهِ عَمَلٌ صَلِحُ إِنَّ اللَّهَ لَا
يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةٌ
صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةٌ وَلَا يَقْطَعُونَ وَاِيًّا إِلَّا
كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ
﴾ [التوبة: ١٢٠- ١٢١].
١٢١)
يَعْمَلُونَ (
فقد بينت الآية ارتباط صدقات التطوع
في الجهاد بالعمل الصالح، مما يدل على ان
الصدقات من مظاهر الصلاح.
وقد بین الله تعالى أن غير المتصدقین من
المؤمنین قد أخلوا بسبب رئیس من أسباب
الصلاح حيث قال الله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِزْمَّا
رَزَقْتَكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى أَحَدُكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ
رَبِّ لَوْلَا لَغَرَنِى إِلَى أَجَلِ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّفَ وَأَكُنْ
مِنَ الصَّْلِحِينَ ﴾ [المنافقون: ١٠].
فقد ذكر الله المؤمنين بما في الإنفاق
من الخیر بأن عليهم أن یکثروا منه ما داموا
مقتدرين قبل الفوت، أي قبل تعذر الإنفاق
والإتيان بالأعمال الصالحة، وذلك حين
يحس المرء بحالة تؤذن بقرب الموت
ويغلب على قواه فيسأل الله أن يؤخر
موته ويشفيه ليأتي بكثير مما فرط فيه من
الحسنات طمعا أن یستجاب له فإن كان في
أجله تأخیر فلعل الله أن يستجيب له، فإن
لم یکن في الأجل تأخير أو لم يقدر الله له
الاستجابة فإنه خیر کثیر (١).
كما بين تعالى أن البخل بالإنفاق من
أعمال المنافقين، قال تعالى:
وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ،
(٧٥) فَكَتَآ
لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ
ءَاتَنُهُم مِّن فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ وَهُم
مُعْرِضُونَ ) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ
يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ
يَكْذِبُونَ ﴾ [التوبة: ٧٥ -٧٧].
أي: ومن المنافقين من أعطى الله عهده
وميثاقه لئن أغناه من فضله مالا وثروة
ليشكرن له نعمته بالصدقة منها، وليعملن
عمل أهل الصلاح بأموالهم من صلة
الرحم به والإنفاق فى سبيل الله: كإعداد
العدة للجهاد وبذل المستطاع لخير الأمة
وسعادتها بما يرقى بها فى مختلف شئونها.
﴿فَلَمَآ ءَاتَنَّهُم مِّن فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّوا
وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي فلما رزقهم وأعطاهم ما
طلبوا بخلوا بما آتاهم وأمسكوه فلم يتصدقوا
منه بشىء، وتولوا وانصرفوا عن الاستعانة به
على الطاعة وإصلاح حالهم وحال أمتهم
كما عاهدوا الله عليه، ولم يكن ذلك التولي
عارضا طارئا، بل تولوا بكل ما أوتوا من قوة
بحافز نفسى ملك عليهم أمرهم ومنعهم عن
التصدق، بحيث إذا ذكروا بما يجب عليهم
لا يذكرون، وإذا دعوا لا يستجيبون(٢).
[انظر: الإصلاح: الإصلاح في الأخلاق]
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٣/٢٨. (٢) انظر: تفسير المراغي ١٦٨/١٠.
www. modoee.com
١٦٧
حرف الصاد
صلاح الأعمال
أولًا: اقتران الإيمان بالعمل الصالح:
يقترن العمل الصالح بالإيمان في القرآن
الكريم في خمس وسبعين مرة، مع الوعد
والبشرى بأن من يعمل صالحا وهو مؤمن،
فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا، ولا كفران
لسعيه، له جزاء الحسنى، وحياة طيبة.
وقد أخبر الله تعالى عن الذين يؤمنون
بالله ويعملون الصالحات، وقليل ما هم،
بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن
لهم الدرجات العلى، وأن لهم أجرهم عند
ربھم، وأن لهم أجر کریم، وعظیم و کبیر،
وغير منون، ولهم مغفرة ورزق کریم،
وليستخلفنهم الله في الأرض، ویزیدهم من
فضله، وسیجعل لهم الرحمن ودا، وهو خير
البرية، وأصحاب الجنة، طوبى لهم وحسن
مآب (١).
ومن هذه الآيات التي اقترن فيها العمل
الصالح بالإيمان قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ أَنَّلَمْ جَنَّتٍ
تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرْ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن
ثَمَرَ وَرِزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأَنُواْ
إِهِ، مُتَشَبِهَا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةً وَهُمْ
فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ [البقرة: ٢٥].
(١) انظر: التفسير البياني للقرآن الكريم، عائشة
بنت الشاطئ ٨٦/٢.
ضوء
جَوَسُوابَرُ النفسية
القرآن الكريمِ
وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا
الشَِّحَتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ (٥)
• [البقرة: ٨٢].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّالِحَتِ وَأَقَامُواْ الضََّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
[البقرة: ٢٧٧].
٢٧٧
يَحْزَنُونَ
وقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لَا
يُحِبُّ الَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: ٥٧].
وغيرها من الآيات الكثير.
وتظهر الحكمة من اقتران العمل الصالح
بالإيمان فيما يأتي:
أولًا: أنه لابد مع الإيمان من العمل
الصالح؛ فمجرد الإيمان لا ينفع العبد حتى
يقوم بواجبه، أي واجب الإيمان: وهو
العمل الصالح.
ثانيًا: أن العمل لا يفيد حتى يكون
صالحًا؛ والصلاح أن ينبني العمل على
أمرين: الإخلاص لله عز وجل، وضده
الشرك؛ والمتابعة، وضدها البدعة؛ فمن
أخلص لله في شيء، ولكنه أتى بعمل
مبتدع لم يقبل منه؛ ومن أتى بعمل مشروع
لكن خلطه بالشرك لم يقبل منه؛ وأدلة هذا
معروفة (٢).
(٢) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين،
الفاتحة والبقرة ٣/ ٣٨١.
١٦٨