النص المفهرس
صفحات 41-60
الصحابة وتخلف عن رسول الله صلى الله صاحب أيلة، وبعث خالدًا إلى أکیدر دومة، عليه وسلم النساء والذرية ومن عذره الله فجيء به فصالحه أيضًا ورده. ثم رجع صلى الله عليه وسلم، وكان رجوعه من هذه الغزاة في رمضان من سنة تسع، وأنزل فيها عامة سورة التوبة، وعاتب الله عز وجل من تخلف عنه صلى الله عليه وسلم، فقال عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ اْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]))(١). من الرجال، ممن لا يجد ظھرًا یرکبه، أو نفقة تکفیه، فمنهم البکاؤون وكانوا سبعة وتخلف منافقون كفرًا وعنادًا، وكانوا نحو الثمانين رجلًا، وتخلف عصاة، مثل مرارة بن الربيع، و کعب بن مالك، وهلال بن أمية، ثم تاب الله علیهم بعد قدومه صلی الله علیه وسلم بخمسين ليلة. فسار صلى الله عليه وسلم فمر في طريقه بالحجر، فأمرهم أن لا يدخلوا عليهم بیوتهم إلا أن يكونوا بکائین، وأن لا يشربوا إلا من بئر الناقة، وما كانوا عجنوا به من غيره فليطعموه للإبل، وجازها صلى الله عليه وسلم مقنعًا، فبلغ صلى الله عليه وسلم تبوك وفيها عين تبض بشيء من ماء قليل، فكثرت بیر کته مع ما شوهد من برکة دعائه في هذه الغزوة، من تكثير الطعام الذي کان حاصل الجیش جمیعه منه مقدار العنز البارکة، فدعا الله عز وجل، فأكلوا منه وملؤوا كل وعاء كان في ذلك الجيش، وكذا لما عطشوا دعا الله تعالى فجاءت سحابة فأمطرت فشربوا حتی رووا واحتملوا. ولما انتهى إلى هناك، لم يلق غزوًا، ورأى أن دخولهم إلى أرض الشام بهذه السنة يشق عليهم، فعزم على الرجوع وصالح صلى الله عليه وسلم يحنة بن رؤبة تتسطيع أن نستخلص بعض الدروس مما سبق: لا تزال الفتن تميز الخبيث من الطيب، فهذه الغزوة، التي سميت بالعسرة، بكل ما تحمله من معان، وقد وقعت في وقت طابت فيه الثمار، والحر شديد، والشقة بعيدة، فلن یثبت أمام هذا کله إلا المؤمنون، وهذا ما حدث، فلقد انقسم الناس إلى ثلاثة أصناف: * المؤمنون، وهم الغالبية، وقدروا بثلاثين ألفًا. * العصاة، وهم نفر قليل، سنذكر في المواقف حدیث أحدهم. # المنافقون، وقد تولت سورة التوبة فضحهم، وبیان صفاتهم. فيما يتعلق بالمؤمنین یکفي أن يشار إلى قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ (١) الفصول في سيرة الرسول، ابن كثير ص٢١٠- ٢١٣ بحذف یسیر. www. modoee.com ٣٠٣ حرف الصاد مَعَدُ جَهَدُواْ بِأَقْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمَّ وَأُوْلَتِكَ هه أَعَدَّ لَهُمُ الْخَيْرَتُّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِينَ فِيَهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة:٨٨-٨٩]. ويتأكد هنا ما سبق بيانه أن وصف الإيمان قد لازم الصحابة رضي الله عنهم، فما غيروا وما بدلوا تبديلا رضي الله عنهم. وتأمل كيف يقرنهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وينص على أنهم معه، ثم وعدهم الله تعالى بالخيرات، وهي تتناول منافع الدارين؛ لإطلاق اللفظ، ووصفهم بالفلاح، بل هم الكاملون فيه، ثم وعدهم الجنة، مبينًا أن ذلك الأمر العالي المكانة، هو الفوز العظيم، الذي لا فوز مثله(١). شهد الله تعالى للصحابة رضي الله عنهم باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في ساعة العسرة، والتقييد بالعسرة يدل على أنهم كانوا صادقين في إيمانهم وحبهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى: لَّقَدِ تَابَ اللّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثَُّّ تَابَ عَلَيْهِمَّ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (١٧)﴾ [التوبة: ١١٧]، وافتتاح الآية بمؤكدات ثلاثة، والإتيان بالفعل الماضي، دلالة على (١) انظر فضائل الصحابة في القرآن الكريم ص١٥٠ - ١٥١. تحقق هذه التوبة، وذکر النبي صلى الله عليه وسلم، وتقديمه ههنا، لبيان عظم منزلتها.(٢) أما المنافقون، فقد فضحتهم سورة التوبة، حتى سميت بالفاضحة، ومن الآيات التي أشارت إلى بعض أفعالهم الذميمة: قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيَبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّأَتَبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ أُسْتَطَعْنَا ◌َرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ تَكَذِبُونَ ﴾ [التوبة: ٤٢]. قال الطبري: ((وكانت جماعة من أصحابه قد استأذنوه في التخلف عنه حين خرج إلى تبوك، فأذن لهم: لو كان ما تدعو إليه المتخلفين عنك، والمستأذنيك في ترك الخروج معك إلى مغزاك الذي استنفرتهم إليه، ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾ يقول: غنيمة حاضرة ﴿وَسَفَرًّا قَاصِدًا ﴾، يقول: وموضعًا قريبًا سهلًا ﴿لَّأَ تَّعُوكَ﴾، ونفروا معك إليهما، ولكنك استنفرتهم إلى موضع بعيد، وكلفتهم سفرًا شاقًا عليهم، لأنك استنهضتهم في وقت الحر، وزمان القيظ وحين الحاجة إلى الكن. ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوٍ أُسْتَطَعْنَا ◌َرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ يقول تعالى ذكره: وسیحلف لك، یا محمد، هؤلاء المستأذنون في ترك الخروج معك، اعتذارًا منهم (٢) انظر التحرير والتنوير ٤٨/١١. جُوبُ حَرَ النَّفْسِيَةْ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٣٠٤ الصحابة إليك بالباطل، لتقبل منهم عذرهم، وتأذن ولوٍ لهم في التخلف عنك، بالله كاذبين أُسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾، يقول: لو أطقنا الخروج معكم بوجود السعة والمراكب والظهور وما لا بد للمسافر والغازي منه، وصحة البدن والقوى، لخرجنا معكم إلى عدوكم ﴿يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ يقول: یوجبون لأنفسهم، بحلفهم بالله كاذبين، الهلاك والعطب؛ لأنهم يورثونها سخط الله، ويكسبونها أليم عقابه ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾، في حلفهم بالله))(١). ومنها قوله تعالى: ﴿وَمِنَّهُم مَّن يَقُولُ أَثْذَن ◌ِ وَلَا نَفْتِنِِّّ أَلَا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِينَ [التوبة: ٤٩]. وقوله جل جلاله: ﴿ وَمِنْهُم مَّنِلْمِزُكَ فِی الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنْهَاآَ إِذَا هُمْ يَسْخَطُطُونَ ﴾ [التوبة: ٥٨]. إلى غير ذلك من الآيات. وأما العصاة، فسنذکر حدیث کعب بن مالك رضي الله عنه (٢)، ولطوله سنختصره في الآتي: (١) جامع البيان ٣٧٩/٦ - ٣٨٠. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك، رقم ٤٤١٨، ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب ابن مالك وصاحبیه، رقم٢٧٦٩. تخلف کعب بن مالك رضي الله عنه عن غزوة تبوك من غير عذر، ولقد حاول اللحاق بالرسول صلی الله عليه وسلم ومن معه، لكنه لم (يفعل، قال كعب: (وهممت أن ارتحل فأدر کھم وليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك)»، ثم عند عودة الرسول صلى الله عليه وسلم أجمع على أن يقول الصدق، وطفق المخلفون يعتذرون ويحلفون، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله، أما كعب فيصف حاله: (فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال: (تعالى) فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: (ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك) فقلت: بلی إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذرٍ ولقد أعطيت جدلًا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك الیوم حدیث کذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فیه، إني لأرجو فيه عفو الله لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك)، وقد (نھی رسول الله صلی الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين www. modoee.com ٣٠٥ حفالصاد من تخلف عنه، فاجتنبا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً). وأن ملك غسان دعاه بقوله: (أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوانٍ ولا مضيعةٍ، فالحق بنا نواسك). يقول كعب: (فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتیممت بها التنور فسجرته بها) ثم لما مضت أربعون، طلب منهم أن يعتزلوا نساءهم، يقول کعب: ((فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر)). ثم نزلت توبتهم بعد مضي خمسين ليلة. في هذه الحادثة دروس كثيرة، منها: ١. الصحابة رضي الله عنهم ليسوا معصومين من الخطأ، ولكنهم يبادرون إلى التوبة. ٢. عظم صدق الصحابة رغم ما نالهم من الأذى، ويكفي الوصف القرآني لحالهم: ﴿وَعَلَ الثََّثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَنْ لَّا مَلْجَأَ مِنَ اَللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ ١١٨ [التوبة: ١١٨]. ٣. رسوخ إيمانهم مع ما تعرضوا له من الفتن، يقول ابن حجر معلقًا على خطاب ملك غسان، وما فعله كعب رضي الله عنه:(و دل صنیع کعب هذا على قوة إيمانه ومحبته لله ولرسوله، وإلا فمن صار في مثل حاله من الهجر والإعراض، قد يضعف عن احتمال ذلك، وتحمله الرغبة في الجاه والمال على هجران من هجره، ولا سيما مع أمنه من الملك الذي استدعاه إليه أنه لا يكرهه على فراق دينه، لكن لما احتمل عنده أنه لا يأمن من الافتتان حسم المادة وأحرق الكتاب ومنع الجواب، هذا مع كونه من الشعراء الذين طبعت نفوسهم على الرغبة، ولا سيما بعد الاستدعاء والحث على الوصول إلى المقصود من الجاه والمال، ولا سيما والذي استدعاه قريبه ونسيبه، ومع ذلك فغلب عليه دينه و قوي عنده یقینه، ورجح ما هو فيه من النكد والتعذیب على ما دعي إليه من الراحة والنعيم، حبًا في الله ورسوله))(١). ٤. سرعة امتثالهم لأوامر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، تأمل قوله لما طلب منه أن يعتزل امرأته: ((فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل)). (١) فتح الباري ٨/ ٤٦٢. ٣٠٦ جوبيع القرآن الكريمِ الصحابة ونكتفي بحديث كعب بن مالك رضي الله عنه في بيان مواقف الصحابة رضي الله عنهم. منزلة أهل البيت رضي الله عنهم أولًا: زوجات النبي صلى الله عليه وسلم: نزلت آيات كريمة تبين فضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ولو لم ينزل إلا قوله تعالى: ﴿النَِّىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمَّ [الأحزاب: ٦]. وَأَزْوَجُهُ أُمَّهَدُهُمْ لكفاهن فخرًا، كيف وقد قرنهن الله تعالی بالنبي صلی الله عليه وسلم، وأضافهن إليه، قال القرطبي: ((شرف الله تعالی أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم بأن جعلهن أمهات المؤمنين، أي: في وجوب التعظيم والمبرة والإجلال وحرمة النكاح على الرجال، وحجبهن رضي الله تعالى عنهن بخلاف الأمهات)»(١). وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزَّوَِكَ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِفَكُنَّ وَأُسَيْحْكُنَّ سَرَامًا جَمِيلًا (٨) وَإِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّلِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَ أَجْرًا عَظِيمًا يَنِسَآءَ الَّبِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَ بِفَاحِشَةٍ تُبَيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍّ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ يَقْنُّتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. يَسِيرًا وَتَعْمَلْ صَلِحًا تُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمَا ٦، بَنِسَآءُ النَّيْ لَسْئُنَّ كَلَّمَدٍ (١) الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ١٢٣. www. modoee.com ٣٠٧ حرف الصاد مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ أَتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُونَا (٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَّجْنَ تَّبُّجَ الْجَِهِلِيَّةِ اٌلْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوَةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ:" إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَظْهِيرًا وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِ بُيُوتِكُنَّمِنْ ء ءَايَتِ اللَّهِ وَاَلِكْمَةٍ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا [الأحزاب: ٢٨-٣٤]. ٣٤ خَبِيرًا تتحدث هذه الآيات فى بدايتها عن التخيير، وقد ورد في صحيح البخاري ما يوضحه، (قالت عائشة: فأنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأةٍ فقال: (إني ذاكرٌ لك أمرًا، ولا عليك أن لا تعجلي، حتى تستأمري أبويك). قالت: قد أعلم أن أبوي لم يكونا بأمراني بفراقك. ثم قال: (إن الله قال: ﴿يَكَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾) قلت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم خير نساءه. فقلن مثل ما قالت عائشة)(١). قال ابن كثير: «هذا أمر من الله تبارك وتعالی لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره، ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم، باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها، رقم ٢٤٦٨. وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله تعالى في ذلك الثواب الجزیل، فاخترن رضي الله عنه وأرضاهن الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله تعالى لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة. قال تعالى: ﴿َنِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَ بِفَاحِشَةٍ تُبَيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَلِحًا تُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَمَا رِزْقًا كَرِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٣٠ - ٣١]. ٣١ يقول الله تعالى واعظًا نساء النبي صلى الله عليه وسلم اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخر، واستقر أمرهن تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فناسب أن یخبرهن بحکمھن وتخصیصھن دون سائر النساء بأن من يأت منهن بفاحشة مبينة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: وهي النشوز وسوء الخلق، وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَّكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. فلما كانت محلتهن رفيعة، ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظًا؛ صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ٣٠٨ القرآن الكريمِ الصحابة يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ قال مالك عن زيد بن أسلم: ﴿يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قال: في الدنيا والآخرة، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ سهلًا هينًا، ثم ذكر عدله وفضله في ﴿وَمَنِ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قوله: ويستجب ﴿نَّوْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَّمَا رِزْقَا كَرِيمًا﴾ في الجنة، فإنهن في منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلى العليين، فوق منازل جميع الخلائق في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش. وقال تعالى: ﴿يَنِسَآءُ النَّيِّ لَسْأُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ الْنِسَاءِ إِنِ اتَّقَيَتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ فَوْلاً مَّعْرُونًا ﴾. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّعْنَ تَبُّجَ الْجَِهِيَّةِ اْأُولِىّ وَأَقِمْنَ الصَّلَوَةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهٌ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَبُطَهِرَكُونَظْهِیرًا وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَّمِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا [الأحزاب: ٣٢- ٣٤]. ٣٤ خَبيرًا هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك، فقال تعالى مخاطبًا لنساء النبي صلى الله عليه وسلم بأنهن إذا اتقين الله عز وجل کما أمرهن، فإنه لا یشبههن أحد من النساء، ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة. ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَولِ﴾ قال السدي وغيره: يعني بذلك ترقيق الكلام إذا ﴿فَيَطْمَعَ خاطبن الرجال، ولهذا قال تعالى: الَّذِى فِى قَلْبِهِ، مَرَضٌ﴾ دغل ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ قال ابن زيد: قولًا حسنًا جميلًا معروفًا في الخير، ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بکلام لیس فیه ترخیم. ﴿وَقَرْنَ فِ بُيُوتِكُنَّ﴾ الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة، ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تفلات)(١). وفي رواية (وبیوتهن خير لهن)(٢). ﴿وَلَا تَبَّجْنَ تَبُّجَ الْجَِهِلِيَّةِ الْأُوْلَى﴾ قال مجاهد: کانت المرأة تخرج تمشي بین يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية. وقال قتادة: إذا خرجتن من بیوتکن، و کانت لهن مشية وتكسر وتغنج، فنهى الله تعالى عن (١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب ما جاء في خروج النساء ١ / ٢١٠، رقم ٥٦٥. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١٢٤٢/٢، رقم ٧٤٥٧. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٣٧/٩، رقم ٥٤٦٨، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب ما جاء في خروج النساء، ١٥٥/١، رقم ٠٥٦٧ وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١٢٤٢/٢، رقم ٧٤٥٨. www. modoee.com ٣٠٩ حرف الصاد ذلك. وقال مقاتل بن حيان: ﴿وَلَا تَبَرَّحْنَ تَبُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ والتبرج: أنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده، فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وذلك التبرج، ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج. ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَوَةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ نهاهن أولًا عن الشر، ثم أمرهن بالخير من إقامة الصلاة، وهي: عبادة الله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة وهي: الإحسان إلى المخلوقين ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهذا من باب عطف العام على الخاص. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيرًا﴾ وهذا نص في دخول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في أهل البيت ههنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولًا واحدًا، إما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح. وروى ابن جرير عن عكرمة أنه كان ينادي في السوق: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُونُ تَظْهِيرًا﴾ نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في شأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن، فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن ففيه نظر؛ فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك». ثم قال ابن كثير: «ثم الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم داخلات في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَقِّرَكٌُ تَطْهِیرًا ﴾؛ فإن سياق الكلام معهن، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَنْتِ اَللَّهِ وَاَلِكْمَةِ﴾ أي: واعملن بما ينزل الله تبارك وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم في بيوتكن من الكتاب والسنة، قاله قتادة وغير واحد، واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بین الناس، أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما أولاهن بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصهن من هذه الرحمة العميمة؟ فإنه لم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي في فراش امرأة سواها، كما نص على ذلك صلوات الله وسلامه علیه،»(١). وقال ابن العربي في قوله تعالى: ﴿لَسْئُنَّ (١) انظر تفسير القرآن العظيم ٢٢١/٣. ٣١٠ جَوَسُو القرآن الكريم الصحابة عائشة رضي الله عنها. كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ﴾ ((يعني: في الفضل لقد أنزل الله تعالى في شأن عائشة رضي الله عنها قرآنًا یتلی، یظهر براءتها مما رماها والشرف، فإنهن وإن كن من الآدميات، فلسن كإحداهن، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان من البشر جبلة، فليس به أهل الإفك، ولنترك عائشة الصديقة منهم فضيلة ومنزلة، وشرف المنزلة لا تحكي ذلك، تقول في حديث طويل نجتزئ منه الآتي: (وأنا أرجو أن يبرثني الله، ولكن يحتمل العثرات، فإن من يقتدى به، وترفع منزلته على المنازل جدير بأن يرتفع فعله على الأفعال، ويربو حاله على الأحوال))(١). ولنذکر شيئًا مما ورد في فضل بعضهن: خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. أخرج الإمام البخاري عن علي رضي الله عنه عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة). (٢) قال ابن حجر: ((خير نسائها، أي: نساء زمانها))(٣). والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيًا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولکنی کنت أرجو أن یری رسول الله صلی الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أحدٌ من أهل البیت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شاتٍ، فلما سري عن رسول الله صلی الله عليه وسلم وهو يضحك، فكان أول كلمةٍ تكلم بها أن قال لي: (يا عائشة احمدي الله؛ فقد برأك الله). فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله. فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَهُوِ يِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ [النور: ١١] الآيات)(٥) یکفي في فضلها حديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: (أتی جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناءٌ فيه إدامٌ أو طعامٌ أو شرابٌ، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيتٍ في الجنة من قصبٍ، لا صخب فيه ولا نصب)(٤). (١) أحكام القرآن/ ٥٦٨. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها، رقم ٣٨١٥. (٣) فتح الباري ٥١٤/٧. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها، رقم ٣٨٢٠. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضًا، رقم ٢٦٦١. www. modoee.com ٣١١ حف الصاد يقول الزمخشري: ((ومعنى كونه خيرًا ذلك، واستفظاع ما أقدم عليه، ما أنزل فيه لهم: أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم؛ لأنه على طرق مختلفة وأساليب مفتنة. كل واحد منها کاف في بابه، ولو لم ينزل إلا هذه الثلاث لكفى بها، حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعًا، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا، وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الواجب الذي هم أهله، حتی یعلموا عند ذلك أَنَّ اُللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾[النور:٢٥]. کان بلاء مبينًا ومحنة ظاهرة، وأنه نزلت فيه ثماني عشرة آية، كل واحدة منها مستقلة، بما هو تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسلية له، وتنزيه لأم المؤمنين رضوان الله عليها، وتطهير لأهل البيت، وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به فلم تمجه أذناه، وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم القيامة، وفوائد دينية، وأحكام وآداب لا تخفى على متأمليها)) (١). وقال ابن كثير: ((﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، لسان صدق في الدنيا ورفعة منازل في الآخرة، وإظهار شرف لهم، باعتناء الله تعالى بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، حيث أنزل الله براءتها في القرآن العظيم ﴿لَّا يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢])(٢) وللزمخشري کلام نفیس حول هذا، يقول:((ولو فليت القرآن كله، وفتشت عما أوعد به من العصاة، لم تر الله تعالى قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان الله عليها، ولا أنزل من الآيات القوارع، المشحونة بالوعيد الشديد والعتاب البليغ والزجر العنيف، واستعظام ما ركب من (١) الكشاف ٢٢٢/٣. (٢) تفسير القرآن العظيم ١/ ١٧٠. فأوجز في ذلك وأشبع، وفصل وأجمل، وأكد وكرر، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين عبدة الأوثان إلا ما هو دونه في الفظاعة، وما ذاك إلا لأمر)) (٣). زينب بنت جحش رضي الله عنها. يقول تعالى: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَّقِي اُللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اَللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَةٌ فَلَمَّا قَضَىْ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَقَّحْتَكَهَا لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَجٍ أَدْعِيَآيِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَرَّ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ولن نطيل في شرح هذه الآية، لأن المراد ذكر فضلها رضي الله عنها، والشاهد من الآية الكريمة، قوله تعالى: ﴿زَوَّحْتَكَهَا ﴾، وأن آية الحجاب نزلت بسببها، ففي صحيح (٣) الكشاف ٣/ ٢٢٧-٢٢٨ بحذف یسیر. ٣١٢ مَوَسُولَة النَّفي القرآن الكريمِ الصحابة البخاري عن أنس رضي الله عنه: نزلت آية الحجاب في زينب بنت جحش، وأطعم عليها يومئذ خبزًا ولحمًا، وكانت تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت تقول: (إن الله أنكحني في السماء)(١). وفي رواية: (زوجكن أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات)(٢). ومما له صلة بهذا الحديث مما يدل على فضلها، قول أنس رضي الله عنه: (ما أولم رسول الله صلی الله عليه وسلم على امرأةٍ من نسائه أكثر أو أفضل مما أولم على زينب. فقال ثابتٌ البنانى: بما أولم قال: أطعمهم خبزًا ولحمًا حتى تركوه)(٣). آيات العتاب في حق أزواج النبي صلی الله عليه وسلم: قال تعالى: ﴿يَأَتُهَا النَِّىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكِّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ قَ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَئِكٍُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الَْكِيمُ ، وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبََّتْ بِهِ، وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ، وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَا نَتَأَهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَنِىَ الْعَلِيمُ اَلْخَبِيُ ٣) إِن تَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء ، رقم ٧٤٢١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء، رقم ٧٤٢٠ . (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب زواج زينب بنت جحش، رقم ١٤٢٨. قُلُوبُكُمَاً وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنَّ وَالْمَلَبِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيُ ن عَسَى رَبُُّ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَجًا غَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَتٍ قَنِتَتِ تَيِّبَاتٍ عَيِدَاتٍ سَبِحَتٍ ثَيِّبَتٍ وَأَبْكَارًا﴾﴾ [التحريم: ١ - ٥]. قبل البدء في تناول هذه الآيات لا بد أن نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم غير معصومين، وأنهم بشر، يقع منهم الذنب، ولكنهم يسارعون إلى التوبة، وفي الآيات التي معنا حصل ما يحصل بين الضرائر من الغيرة، والله تعالى يريد للصحابة أرفع المقامات، وبخاصة أن الأمر يتعلق بزوجات النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. ومن أفضل من تناول بيان هذه الآيات مع الإيجاز: الشيخ السعدي رحمه الله تعالى، يقول: «هذا عتاب من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، حين حرم على نفسه سريته ((مارية)) أو شرب العسل(٤)، مراعاة لخاطر بعض زوجاته، في قصة معروفة، فأنزل الله تعالى هذه الآيات ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُمْمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآيات ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ (٤) اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآيات، وقد رجح د.خالد المزيني، بعد مناقشة مستفيضة، أنها في تحريم الرسول صلى الله عليه وسلم جاريته، لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن، واختيار جمهور السلف من المفسرين له. انظر: المحرر في أسباب نزول القرآن ١٠٣٩/٢. www. modoee.com ٣١٣ حرف الصاد أَزْوَجِ حَدِيثًا﴾. قال كثير من المفسرين: هي حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها، أسر لها النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، وأمر أن لا تخبر به أحدًا، فحدثت به عائشة رضي الله عنهما، وأخبره الله بذلك الخبر الذي أذاعته، فعرفها صلی الله عليه وسلم ببعض ما قالت، وأعرض عن بعضه، کرمًا منه صلى الله عليه وسلم، وحلمًا، فـ ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأََ هَذَا﴾ الخبر الذي لم يخرج منا؟ ﴿ قَالَ نَّأَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيُ ، إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ الخطاب للزوجتين الکریمتین من أزواجه صلی الله علیه وسلم: عائشة وحفصة رضي الله عنهما، کانتا سببًا لتحريم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه ما يحبه، فعرض الله عليهما التوبة، وعاتبهما على ذلك، وأخبرهما أن قلوبهما قد صغت، أي: مالت وانحرفت عما ينبغي لهن، من الورع والأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم واحترامه، وأن لا يشققن عليه. ﴿وَإِن تَظَهَرًا عَلَيْهِ﴾ تعاونا على ما يشق عليه، ويستمر هذا الأمر منكن، ﴿فَإِنَّاللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِيِنِّ وَالْمَلَبِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ الجميع أعوان للرسول، مظاهرون، ومن كان هؤلاء أعوانه فهو المنصور، وغيره ممن يناوئه مخذول، وفي هذا أكبر فضيلة وشرف لسيد المرسلين؛ حيث جعل الباري نفسه الكريمة، وخواص خلقه، أعوانًا لهذا الرسول الكريم. وهذا فيه من التحذير للزوجتين الكريمتين ما لا يخفى، ثم خوفهما أيضًا، بحالة تشق على النساء غاية المشقة، وهو الطلاق، الذي هو أكبر شيء عليهن، فقال: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجَا خَيْرًا مِنُنَّ﴾ فلا ترفعن علیه، فإنه لو طلقكن، لم یضق علیه الأمر، ولم یکن مضطرًا إليكن، فإنه سيلقى ويبدله الله أزواجًا خيرا منكن، دينًا وجمالًا، وهذا من باب التعليق الذي لم یوجد، ولا يلزم وجوده، فإنه ما طلقهن، ولو طلقهن، لكان ما ذكره الله من هذه الأزواج الفاضلات، الجامعات بين الإسلام، وهو القيام بالشرائع الظاهرة، والإيمان، وهو: القيام بالشرائع الباطنة، من العقائد وأعمال القلوب. القنوت هو: دوام الطاعة واستمرارها. ﴿تَّبَتِ﴾ عما يكرهه الله، فوصفهن بالقيام بما يحبه الله، والتوبة عما يكرهه الله، بعضهن ثيب، وبعضهن ثَتْبَتِ وَأَبْكَارًا﴾ أبكار، ليتنوع صلى الله عليه وسلم، فيما یحب. فلما سمعن رضي الله عنهن هذا التخويف والتأدیب، بادرن إلی رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان هذا الوصف ٣١٤ صَوْسُو القرآن الكريمِ الصحابة منطبقًا علیهن، فصرن أفضل نساء المؤمنين، وفي هذا دلیل علی أن الله لا يختار لرسوله صلى الله عليه وسلم إلا أكمل الأحوال وأعلی الأمور، فلما اختار الله لرسوله بقاء نسائه المذكورات معه، دل على أنهن خير النساء وأكملهن(١). وما أروع الاستنباط الأخير، الذي يغني عن كل تعليق. ثانيًا: قرابة النبي صلى الله عليه وسلم: قال الإمام البخاري: ((باب مناقب قرابة رسول صلى الله عليه وسلم، ومنقبة فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه وسلم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فاطمة سيدة نساء أهل الجنة). ثم أورد أثرًا عن أبي بكر رضي الله عنه قال: (ارقبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته)(٢). وأردفه بحديث للنبي صلى الله عليه وسلم (فاطمة بضعةٌ مني، فمن أغضبها أغضبتني)(٣). (١) تيسير الكريم الرحمن ص ١٠٣٥ بحذف یسیر. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي صلی الله عليه وسلم، باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم ٣٧١١. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم، باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما كان هذا الموضوع من المواضيع المتشعبة التي كثر فيها الكلام، وكان من الحكمة أن يبدأ الباحث بما انتهى إليه الآخرون، فإني سأعتمد في هذه النقطة على ما کتبه الأستاذ منصور بن حمد العيدي في رسالته (آيات آل البيت في القرآن الكريم)، وقد توصل إلى نتائج طيبة، أقتصر منها على ما يتعلق بالبحث: ١. مفهوم آل البيت في القرآن الكريم صادق على كل مؤمني بني هاشم إضافة إلى أمهات المؤمنين رضي الله عنھن ٢. أمهات المؤمنين من أكثر آل البيت ذكرًا في القرآن الكريم، سواء في جانب الفضائل أو جانب الأحكام. ٣. لم يخص أحد من آل البيت بأحكام في القرآن غير أمهات المؤمنين، رضي الله عنهن. ٤. لا يوجد دليل قرآني يدل على وجوب محبة آل البيت على جهة الاستقلال، أما تبعًا للنبي صلى الله عليه وسلم، فموجود. ٥. لا توجد فضيلة خاصة في آية من القرآن لعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم سوى في آية المباهلة، وما عدا ذلك مما جاء في الأخبار لا يصح رقم ٣٧١٢. www. modoee.com ٣١٥ حرف الصاد قطعًا. ٦. لا يوجد دليل قرآني على عصمة أحد هذه الآية ﴿فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ﴾ من آل البيت، أو على استحقاق أحد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا منهم للخلافة، أو على أنهم مغفور وفاطمة وحسنًا وحسينًا فقال: (اللهم هؤلاء الذنوب. أهلی)(٢). ٧. أن القرآن الكريم يثبت حقًّا ماليًا لأهل البيت، يتمثل في جزء من خمس غنائم الجهاد والفيء فقط. ٨. القرآن الكريم يحث آل البيت على التحلي بأعلى درجات التقوى وعند ذلك یضاعف أجرهم(١). معنا إلا أمينًا. فقال: (لأبعثن معكم رجلًا أمينًا حق أمينٍ). فاستشرف له أصحاب رسول الله صلی الله عليه وسلم فقال: (قم یا أبا عبيدة بن الجراح)، فلما قام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا أمين هذه الأمة)(٣). قال الزمخشري: ((وخص الأبناء والنساء؛ لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب؛ لتمنعهم من الهرب، هذا ما قاله د. العيدي، ولكننا نضيف إليها قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ آخْنَصَمُواْفِى [الحج: ١٩]. وهي وإن لم تکن واردة بخصوص آل البيت، لكنها تتضمن فضلًا لعلي رضي الله عنه. فيما يتعلق بآية المباهلة، فعن سعد بن (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رقم ٢٤٠٤. (١) آيات آل البيت في القرآن الكريم، ص٤٩٧- (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب ٤٩٨. المغازي، باب قصة أهل نجران، رقم ٤٣٨٠. ٣١٦ جوبيبو القرآن الكريمِ أبي وقاص رضي الله عنه قال: (لما نزلت وفي صحيح البخاري عن حذيفة قال: (جاء العاقب والسيد - صاحبا نجران - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيًا فلاعنا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك نستخلص مما سبق أن الآية الوحيدة ما سألتنا، وابعث معنا رجلًا أمينًا ولا تبعث التي تخص آل البيت - إذا استثنينا أمهات المؤمنين رضي الله عنهن ، هي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءُكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَبِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِبِينَ ﴾ [آل عمران: ٦١]. الصحابة ويسمون الذادة عنها بأرواحهم: حماة نزلت هذه الآية: ((وقول مجاهد وعطاء: إن المراد بهذه الكافرون والمؤمنون يشمل الحقائق. الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله عز وجل، الكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان وخذلان الحق وظهور الباطل، وهذا اختيار ابن جرير، وهو حسن)) (٤). وقدمهم في الذكر على الأنفس؛ لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مندون بها، وفيه دلیل لا شيء أقوى منه علی فضل أصحاب الكساء عليهم السلام، وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك))(١). قال تعالى: ﴿﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ آَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمَّ قَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ نِيَابٌ مِّن تَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ﴾ [الحج: ١٩]. في صحيح البخاري: (عن علي رضي الله عنه قال: فينا نزلت هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ آَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾(٢). وكان أبو ذرٍ رضي الله عنه يقسم قسمًا أن هذه الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ آَخْنَصَمُواْفِرَهِمْ﴾ نزلت في الذين برزوا في يوم بدرٍ: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة)(٣). قال ابن كثير بعد أن ذكر الأقوال فيمن (١) الكشاف ١/ ٣٩٧. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل، رقم ٣٩٦٧. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل، رقم ٣٩٦٩. وقال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِ بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَّعْنَ تَبُّعَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىّ وَأَقِمْنَ الصَّلَوَةَ وَءَاتِنَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهٌ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَّكُمْتَظْهِيْرًا ﴾ [الأحزاب: ٣٣]. قد مر أن هذه الآيات نزلت في زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تشمل آل النبي صلی الله عليه وسلم كلهم، قال ابن كثير - بعد أن ذكر قول من قال: إنها في زوجات النبي صلى الله عليه وسلم خاصة: «فإن كان المراد أنهن کن سبب النزول دون غيرهن، فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غیرهن، ففیه نظر، فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك». ثم أورد عدة أحاديث، ومن جملتها حديث الكساء، وفيه: ((قالت عائشة رضي الله عنها: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه مرطٌ مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن رضي الله عنه فأدخله معه، ثم (٤) تفسير القرآن العظيم ١٩١/٣. www. modoee.com ٣١٧ حرف الصاد جاء الحسين فأدخله معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه، ثم جاء علي رضي الله عنه فأدخله معه، ثم قال صلی الله عليه وسلم: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَظْهِيرًا﴾(١). وقال الشنقيطي: ((الصواب شمول الآية الکریمة لأزواج النبي صلی الله عليه وسلم، ولعلي وفاطمة والحسن والحسين، رضي الله عنهم کلهم»(٢). ولا شك أن فيها فضيلة عظيمة لأهل بيت النبي صلی الله عليه وسلم. (١) تفسير القرآن العظيم ٢٤٥/٣. والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أهل بيت النبي صلی الله علیه وسلم، رقم ٢٤٢٤. (٢) أضواء البيان ٦/ ٣٧٩. واجب المؤمنين تجاه الصحابة الكرام بعد أن بينا مكانة الصحابة رضي الله عنهم من حيث قوة إيمانهم وصبرهم على الأذى، وهجرتهم، وما تعنيه من ترك للأهل والوطن، والأموال، ثم جهادهم بالنفس والمال، بذلوا كل ذلك وأكثر؛ لينصروا دين الله عز وجل، فما واجبنا نحن الذين جئنا من بعدهم، ووجدنا أمر الدين ميسرًا، ما موقفنا من هؤلاء النفر الذين اصطفاهم الله تعالى لصحبة خيرة خلقه، وأفضل رسله عليه وعليهم الصلاة والسلام، ما موقفنا منهم، نوجز هذا الأمر في نقاط: الأولى: «اعتقاد إمامتهم في الدين)»(٣)، وأنهم خير القرون، مصداقًا، لقول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرً لَهُمَّ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَسِقُونَ ﴾ [آل عمران: ١١٠]. ١١٠ قال ابن کثیر بعد أن ذکر قول ابن عباس رضي الله عنهما: ((هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ((والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذین بعث فيهم رسول الله صلى (٣) منزلة الصحابة في القرآن ص٤٧. ٣١٨ جوبيـ القرآن الكريمِ الصحابة الله علیه وسلم ثم الذین یلونهم ثم الذين يلونهم))(١)، والآيات في خيريتهم كثيرة، ومنها: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ولا شك أن الصحابة أول الداخلین في ذلك. أما الأحاديث فمنها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)(٢). وفي اعتقاد إمامتهم يعقد الآجري بابًا فيقول: ((باب الحث على التمسك بكتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسنة أصحابه رضي الله عنهم، وترك البدع، وترك النظر والجدال فيما يخالف فيه الكتاب والسنة، وقول الصحابة رضي الله عنهم))(٣). الثانية: «اتباعهم بإحسان: فقد أثنى الله عز وجل على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وعلى كل من اتبعهم بإحسان، فجعل اتباعهم بإحسان سبيلًا إلى مرضاته، قال تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَذَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى (١) تفسير القرآن العظيم ١/ ٥٣٦. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، رقم٢٦٥١، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، رقم ٢٥٣٣. (٣) الشريعة ص ١٧٠. تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١٠٠]، وتوعد بالنار ١٠٠ وسوء المصر من اتبع سبيلاً غير سبيلهم، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ اُلْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ نُوَلّهِ. مَا تَوَلَّ وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيًّا) [النساء:١١٥] الثالثة: الثناء والترضي عليهم والاستغفار لهم، والإمساك عما شجر بينهم: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَآءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [الحشر:١٠] الرابعة: عدم اعتقاد العصمة لأحد منهم: لا عصمة لأحد بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لا يقدح في إمامتهم، والشهادة لهم بحقيقة الإيمان)) (٤). وأود أن أنبه هنا إلى أننا ينبغي أن نقف من الصحابة موقف الاعتدال، فبعض الناس يتوقع عصمتهم من الخطأ، فلا يقبل فكرة أن الصحابة قد یذنبون، وهذا خطأ، وفريق آخر يتلمس أخطاءهم، ويبرزها، ويضخمها، والمنهج الحق، أنهم - مع ما لهم من مكانة قد سبق بيانها - بشر، غير معصومین، قد يقعون في الخطأ، ولكنهم لا یصرون علیه، بل يبادرون للتوبة منه. (٤) منزلة الصحابة في القرآن ص ٤٨-٤٩. www. modoee.com ٣١٩ حرفالصاد وسنورد بعض النصوص حول واجبنا والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة» (٤). نحوهم: أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بیده لو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبًا، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)(١). وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حب الأنصار آية الإيمان، وبغضهم آية النفاق)(٢). وقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (لا یبغض الأنصار رجلٌ يؤمن بالله واليوم الآخر)(٣). قال أبو زرعة: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وسلم فاعلم أنه زنديق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنة أصحاب رسول الله، وإنما یریدون أن يجرحوا شهودنا؛ لیبطلوا الکتاب (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كنت متخذًا خليلًا)، رقم ٣٦٧٣، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة، رقم ٢٥٤٠. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي رضي الله عنه من الإيمان وعلاماته، وبغضهم من علامات النفاق، رقم ١٢٨ . (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي رضي الله عنه من الإيمان وعلاماته، وبغضهم من علامات النفاق، رقم ١٣٠. وقال المزني: ((ويقال: بفضل خليفة قال صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فهو أفضل الخلق وأخیرهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ونثني بعده بالفاروق، وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهما وزيرا رسول الله صلى الله علیه وسلم وضجیعاه في قبره، ونثلث بذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم بذي الفضل والتقى علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، ثم الباقين من العشرة الذين أوجب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة، ونخلص لكل رجل منهم من المحبة بقدر الذي أوجب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من التفضيل، ثم لسائر أصحابه من بعدهم رضي الله عنهم أجمعين، ويقال بفضلهم، ويذكرون بمحاسن أفعالهم، ونمسك عن الخوض فيما شجر بينهم، فهم خيار أهل الأرض بعد نبيهم، ارتضاهم الله عز وجل لنبيه، وخلقهم أنصارًا لدينه، فهم أئمة الدين، وأعلام المسلمين، رضي الله عنهم أجمعين)) (٥). وقال ابن بطة تحت عنوان فضائل (٤) الكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي ١٨٨/١. (٥) إسماعيل بن يحيى المزني، ورسالته شرح السنة، ص٨٦-٨٧. ٣٢٠ جَوَسُو القرآن الكريم الصحابة الصحابة: ((ويشهد لجميع المهاجرين والأنصار بالجنة والرضوان والتوبة والرحمة من الله، ويستقر علمك، وتوقن بقلبك، أن رجلا رأى النبي صلی الله عليه وسلم،" وشاهده وآمن به واتبعه ولو ساعة من نهارٍ، أفضل ممن لم يره ولم یشاهده، ولو أتى بأعمال الجنة أجمعين، ثم الترحم على جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صغیرهم و کبیرهم وأولهم وآخرهم، وذكر محاسنهم ونشر فضائلهم، والاقتداء بهديهم والاقتفاء لآثارهم، وأن الحق في كل ما قالوه والصواب فيما فعلوه))(١). ثم قال تحت عنوان: النهي عن الخوض في أحداث الفتنة الكبرى: ((فقد شهدوا المشاهد معه، وسبقوا الناس بالفضل، فقد غفر الله لهم، وأمرك بالاستغفار لهم والتقرب إليه بمحبتهم، وفرض ذلك على لسان نبيه، وهو يعلم ما سيكون منهم، وأنهم سيقتتلون، وأنما فضلوا على سائر الخلق؛ لأن الخطأ والعمد قد وضع عنهم، و کل ما شجر بینھم مغفور لهم، ولا ينظر في كتاب صفين، والجمل، ووقعة الدار، وسائر المنازعات التي جرت بينهم، ولا تكتبه لنفسك ولا لغیرك، ولا تروه عن أحدٍ، ولا تقرأه علی غیرك، ولا تسمعه ممن یرویه. فعلى ذلك اتفق سادات علماء هذه الأمة من (١) الشرح والإبانة ص٢٩٠ - ٢٩٢. النهي عما وصفناه))(٢). وقال الطحاوي تحت عنوان: حب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ((ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم ویغیر الخیر یذکرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دین وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولًا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم لعثمان رضي الله عنه، ثم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون. وأن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله الحق وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعید وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة رضي الله عنهم أجمعين. ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين (٢) الشرح والإبانة ص ٢٩٤-٢٩٦. www. modoee.com ٣٢١ حرف الصاد من كل رجس، فقد برئ من النفاق(١). وقال الخطيب البغدادي: ((عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن». ثم ذكر الآيات والأحاديث الدالة على ذلك، ثم قال: ((وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطع على تعدیلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالی لهم المطلع على بواطنهم إلی تعدیل أحد من الخلق له، فهو على هذه الصفة إلا أن یثبت على أحد ارتكاب ما لا يحتمل إلا قصد المعصية والخروج من باب التأويل، فیحکم بسقوط العدالة، وقد برأهم الله من ذلك ورفع أقدارهم عنده، على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطع على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين. هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء. وذهبت طائفة من أهل البدع إلى أن حال (١) شرح العقيدة الطحاوية ص٢٩- ٣٠. جوسين القرآن الكريمِ الصحابة كانت مرضية إلى وقت الحروب التي ظهرت بينهم وسفك بعضهم دماء بعض، فصار أهل تلك الحروب ساقطي العدالة، ولما اختلطوا بأهل النزاهة وجب البحث عن أمور الرواة منهم، وليس في أهل الدين والمتحققين بالعلم من يصرف إليهم جرمًا لا يحتمل نوعًا من التأويل وضربًا من الاجتهاد، فهم بمثابة المخالفين من الفقهاء المجتهدين في تأويل الأحكام الإشكال الأمر والتباسه، ويجب أن يكونوا على الأصل الذي قدمناه من حال العدالة والرضا إذ لم يثبت ما یزیل ذلك عنهم» (٢). فهذه بعض النصوص الواردة في واجب المسلمين نحو صحابة الرسول صلى الله علیه وسلم ورضي الله عنهم. موضوعات ذات صلة: الاتباع، الأخوة، الصحبة، القدوة (٢) الكفاية في علم الرواية ١ / ١٨٠-١٨٧. ٣٢٢