النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الصَّحَابَةُ
و
عناصر الموضوع
مفهوم الصحابة
٢٦٤
مكانة الصحابة
٢٦٦
صحابة لهم مكانة خاصة
٢٧٥
نماذج قرآنية لمواقف الصحابة
٢٨٣
٣٠٧
منزلة أهل البيت رضي الله عنهم
٣١٨
واجب المؤمنين تجاه الصحابة الكرام
المُجَلَدُ العُشْرُونْ

حف الصاد
مفهوم الصحابة
أولًا: المعنى اللغوي:
الصحابي مشتق من الصحبة، والصحابة مصدر قولك: صاحبك الله وأحسن صحابتك.
ومادة (صحب) تأتي لمعان، منها:
الملازمة: كل شيء لازم شيئًا فقد استصحبه)) (١). وكذا كل شيء لاءم شيئًا (٢) ..
المعاشرة قال ابن منظور: ((صحبه يصحبه صحبة بالضم وصحابة بالفتح، وصاحبه:
عاشره، والصحب: جمع الصاحب مثل راكب وركب، والأصحاب: جماعة الصحب،
مثل فرخ وأفراخ، والصاحب: المعاشر))(٣).
الانقياد: ((أصحبت أي: انقدت له))(٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
يعرف المحدثون الصحابي بأنه: ((من لقي النبي مؤمنًا به، ومات على الإسلام، ولو
تخللت ردة، في الأصح»(٥).
قال ابن كثير: «هذا قول جمهور العلماء خلفًا وسلفًا، وقد نص على أن مجرد الرؤیة کاف
في إطلاق الصحبة: البخاري وأبو زرعة، وغير واحد ممن صنف في أسماء الصحابة، كابن
عبد البر، وابن مندة وأبي موسى المديني، وابن الأثير)) (٦).
ويرى الفقهاء والأصوليون أنه ((اسم لمن اختص بالنبي عليه السلام، وطالت صحبته معه
على طريق التتبع له والأخذ منه))(٧).
قال الشوكاني: ((والحق ما ذهب إليه الجمهور، وإن كانت اللغة تقتضي أن الصاحب هو
من كثرت ملازمته؛ فقد ورد ما يدل على إثبات الفضيلة لمن لم يحصل له منه إلا مجرد اللقاء
(١) تهذيباللغة، الأزهري ٤/ ١٥٣.
(٢) الصحاح، الجوهري ١ / ١٦١.
(٣) لسان العرب ٥١٩/١.
(٤) تهذيب اللغة، الأزهري ١٥٣/٤.
(٥) انظر: اختصار علوم الحديث، ابن كثير ص ١٧٤، نزهة النظر، ابن حجر ص ١٤٠ ..
(٦) اختصار علوم الحديث ص ١٧٤ .
(٧) كشف الأسرار ٣٨٤/٣.
مُوسُوبَةُ النفسية
جوبيـ
القرآن الكريم
٢٦٤

الصحابة
القليل أو الرؤية ولو مرة)) (١). يضاف لذلك:
١. شرف منزلة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلو قدره، وأن لصحبته عليه الصلاة
والسلام مزية عن صحبة غيره.
٢. أن المحدثين حين عرفوا الصحابي بالمعنى الاصطلاحي اعتمادًا على المعنى
اللغوي، أخذوا المعنى اللغوي بمعناه العام الشامل لطول الصحبة وقصرها، ولم يقصروه
على بعض أفراده، وهو طول الصحبة دون قصرها، كما فعل أهل الأصول الذين راعوا بعض
أفراد التعريف، وهو طول الصحبة، ولا شك أن مراعاة المعنى اللغوي بجميع أفراده أولى
من قصره على بعضها.
٣. إن كثيرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم تطل صحبتهم للنبي صلى الله
عليه وسلم، ومع ذلك فقد اتفق أهل الحديث الذين ترجموا للصحابة على عدهم فيهم إلى
غير ذلك(٢).
٤. أما ما يتعلق بما ماذكره أنس رضي الله عنه، فإنه إنما نفى الصحبة الخاصة، وهذا لا
ينافي ما اصطلح عليه الجمهور من الاكتفاء باللقاء؛ لما مر من شرف هذا اللقاء ومزيته، ولذا
ورد في الحديث عن أبى سعيد الخدرى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يأتى على
الناس زمانٌ يغزو فئامٌ من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فيقولون: نعم فيفتح لهم، ثم يغزو فئامٌ من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول
الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم. فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل
فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم. فيفتح
لهم)(٣).
ويدل على رجحان الأول قصة الأشعث ابن قيس؛ فإنه كان ممن ارتد، وأتي به إلى أبي
بكر الصديق أسيرًا، فعاد إلى الإسلام، فقبل منه ذلك، وزوجه أخته، ولم يتخلف أحد عن
ذكره في الصحابة، ولا عن تخريج أحاديثه في المسانيد وغيرها (٤).
(١) إرشاد الفحول، ص٣٤٢.
(٢) انظر: صحابة رسول الله في الكتاب والسنة ص٧١-٧٤.
(٣) اختصار علوم الحديث، ابن كثير ص١٧٥.
والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم
الذین یلونهم، رقم ٢٥٣٢.
(٤) نزهة النظر، ابن حجر ص ١٤٠- ١٤١.
www. modoee.com
٢٦٥

حرفالصاد
مكانة الصحابة
أولًا: ذكر أوصافهم في الكتب
السماوية السابقة:
ذكر الله سبحانه وتعالى صفة الصحابة
رضي الله عنهم في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ
اللّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَاءُ بَيْنَهُمْ
تَرَّهُمْ رُكَّعًا سُبَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اَللَّهِ وَرِضْوَنًا
سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثْرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ
فِ التَّوْرَةِ وَمَثَلُهُمْ فِ الْإِلِ كَزَرِعْ أَخْرَجَ شَّطَهُ.
فَازَرَهُ، فَأَسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِ، يُعْجِبُ
الزُّعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ مَا مَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّْلِحَتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرًا عَظِيمًا
[الفتح: ٢٩].
يقول الإمام الطبري: ((﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى
التَّوْرَةِ﴾ يقول: هذه الصفة التي وصفت لكم
من صفة أتباع محمد صلى الله عليه وسلم
الذين معه صفتهم في التوراة ﴿وَمَثَلُهُمْ فِ
اَلْإِجِلِ كَزَوَعْ أَخْرَجَ شَطَهُ﴾ وصفتهم في
إنجيل عيسى صفة زرع أخرج شطاه، وهو
فراخه وإنما مثلهم بالزرع المشطئ؛ لأنهم
ابتدءوا في الدخول في الإسلام، وهم عدد
قليلون، ثم جعلوا يتزايدون، ويدخل فيه
الجماعة بعدهم، ثم الجماعة بعد الجماعة،
حتی کثر عددهم، كما يحدث في أصل
الزرع الفرخ منه، ثم الفرخ بعده حتى يكثر
وينمي))(١).
وقال ابن كثير: ((وقد نوه الله تبارك
وتعالى بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار
المتداولة، ولهذا قال سبحانه وتعالى ههنا:
إِذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَةِ﴾ ثم قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ
فِىِ الْإِنجِيلِ كَزَرِعْ أَخْرَجَ سَطْحَهُ﴾ أي: فراخه
فَازَرَهُ﴾ أي: شده ﴿ناستغلَطَ ﴾ أي: شب
وطال ﴿فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّرَّعَ﴾
أي: فكذلك أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم آزروه وأيدوه ونصروه، فهم معه
كالشطء مع الزرع)»(٢).
ولیس بنا حاجة -بعد خبر الله تعالى - أن
نرجع إلى التوراة أو الإنجيل لمعرفة تفاصيل
ذلك، وقد أخبرنا الله تعالى أنهم قد حرفوا
(٣)
کتبهم (٣).
(١) جامع البيان ١١/ ٣٧٢ بتصرف يسير.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٢٦٣٦/٤ -٢٦٣٧.
(٣) ذكر ابن عاشور ما وصفه مما يصلح لتطبيق
هذه الآية، فقال: ((والذي وقفنا عليه في التوراة
مما يصلح لتطبيق هذه الآية هو البشارة الرمزية
التي في الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر
التثنية من قول موسى عليه السلام : جاء الرب
من سينا، وأشرق لهم من سعير، وتلألا من
جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن
يمينه نار شريعة لهم، فأحب الشعب جميع
قديسيه، وهم جالسون عند قدمك يتقبلون من
أقوالك. فإن جبل فاران هو حيال الحجاز.
وقوله: فأحب الشعب جميع قديسيه يشير
إليه قوله: (رحماء بينهم)، وقوله: (قديسيه)
يفيد معنى (تراهم ركعًا سجدًا)، ومعنى
(سيماهم في وجوههم من أثر السجود).
وقوله في التوراة: (جالسون عند قدمك)
٢٦٦
جَوَسُوع
القرآن الكريم

الصحابة
ثانيًا: الشهادة لهم بحقيقة الإيمان:
لقد شهد القرآن الكريم للصحابة رضي
الله عنهم بالإيمان في مواضع كثيرة، بل
إننا لنجزم أن كل آية صدرت بـ ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فهم أول المخاطبين بها، وقد
ناهزت هذه الآيات ثمانین موضعًا، وإننا
لنلحظ هذا الوصف العظیم حتى في باب
العتاب وتصحيح الأخطاء، من مثل قوله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى
وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ [الممتحنة: ١].
يفيد معنى قوله تعالى: (يبتغون فضلاً من
الله ورضوانًا)، ويكون قوله تعالى: (ذلك)
إشارة إلى ما ذكر من الوصف، (ومثلهم في
الأنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ
فاستوى على سوقه يعجب الزراع) ابتداء
كلام مبتدأ. ويكون الوقف على قوله: (في
التوراة)، والتشبيه في قوله: (كزرع) خبره،
وهو المثل. وهذا هو الظاهر من سياق
الآية، فيكون مشيرًا إلى نحو قوله في إنجيل
متى الإصحاح ١٣ فقرة ٣: (هو ذا الزارع
قد خرج ليزرع (يعني عيسى عليه السلام)
وفيما هو يزرع، سقط بعضٍ على الطريق،
فجاءت الطيور وأكلته. إلى أن قال: وسقط
الآخر على الأرض الجيدة فأعطى ثمره بعض
مائة وآخر ستين وآخر ثلاثين. قال فقرة، ثم
قال: وأما المزروع على الأرض الجيدة، فهو
الذي يسمع الكلمة ويفهم، وهو الذي يأتي
بثمر فيصنع بعض مائة وبعض ستين وآخر
ثلاثين وهذا يتضمن نماء الإيمان في قلوبهم،
وبأنهم يدعون الناس إلى الدين حتى يكثر
المؤمنون، كما تنبت الحبة مائة سنبلة، وكما
تنبت من النواة الشجرة العظيمة)). التحرير
والتنوير ٢٦/ ٢٠٧.
وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ
بَيْنَ يَدَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١].
فضلًا عن تلك الآيات التي تثني عليهم،
وتأخذ بأيديهم في مدارج الطاعات؛ ليرتقوا
إلى أعلى الدرجات، فتوجههم آمرة ناهية،
وهي كثيرة ..
من الآيات التي نصت على إيمانهم:
قوله تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُوّاْ أَنْ يَحْدَعُوكَ
فَإِنَّ حَسْبَكَ اَللَّهُ هُوَ الَّذِىّ أَيَّكَ بِنَصْرِهِه
﴾ [الأنفال: ٦٢].
وَبِالْمُؤْمِنِينَ {(٦٢)
في الآية ثناء عظيم على الصحابة رضي
الله عنهم من وجھین:
الأول: وصفهم بالإيمان.
والآخر: امتنان الله تعالى على رسوله
صلی الله عليه وسلم بأنه أيده بهم.
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اَللَّهُ وَمَنِ
أَتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: ٦٤].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ
وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُوّا
أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّاً لَُّ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ
فَأُوْلَكَ مِنْكُرُّ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَ يِبَعْضٍ
فِ كِتَبِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
[الأنفال: ٧٤ -٧٥].
يبين الله تعالى ما للصحابة رضي الله
عنهم من الجزاء يوم القيامة، فبين أولًا أنهم
هم المؤمنون حقّا، ثم ذكر أنه سيجازيهم
www. modoee.com
٢٦٧

حرف الصاد
بالمغفرة والصفح عن ذنوبهم إن كانت، نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[الحشر: ٩].
ووعدهم بالرزق الكريم، وهو الحسن
الكثير الطيب الشريف، وأن من يسير على
نهجهم فهو معهم في الآخرة (١).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ
وَجَهَدُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُ الْغَايِرُونَ ﴾
[التوبة: ٢٠].
يقول الطبري: ((وهذا قضاء من الله
بين فرق المفتخرين الذين افتخر أحدهم
بالسقاية، والآخر بالسدانة، والآخر بالإيمان
بالله والجهاد في سبيله. يقول تعالى ذكره:
بالله، وصدقوا بتوحيده
لَّذِينَ ءَامَنُواْ
من المشركين ﴿وَهَاجَرُواْ﴾ دور قومهم
﴿وَجَهَدُوا﴾ المشركين في دين الله
﴿يَمَوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ﴾، وأرفع
منزلة عنده، من سقاة الحاج وعمار المسجد
الحرام، وهم بالله مشركون ﴿وَأُوْلَكَ﴾،
يقول: وهؤلاء الذين وصفنا صفتهم، أنهم
آمنوا وهاجروا وجاهدوا
الْفَايِرُون
بالجنة، الناجون من النار))(٢).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ والدَّارَ وَالْإِيمَنَ
مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى
صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُعَّ
(١) انظر تفسير القرآن العظيم ٢٦٥/٢.
(٢) جامع البيان ٣٣٨/٦.
وإذا كانت الآية السابقة في مدح
المهاجرين، فإن هذه الآية في الثناء على
الأنصار، أي:(سكنوا دار الهجرة من قبل
المهاجرین وآمنوا قبل کثیر منهم»(٣).
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِىَّ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَةٌ، نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
وَ بِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَأَغْفِرْ لَنَاً
إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨].
قال ابن عاشور: ((وفي صلة ﴿وَأَلَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَهُ﴾ إيذان بأن سبب انتفاء الخزي
عنهم هو إيمانهم، ومعية المؤمنين مع النبي
صلی الله عليه وسلم صحبتهم النبي صلى
الله عليه وسلم)» (٤).
مما يلفت الانتباه أن أغلب الآيات التي
مرت تصف جميع الصحابة بالإيمان، فقوله
تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَيَدَكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾
[الأنفال: ٦٢] في شأن من شارك في بدر (٥).
وإذا كان لا بد من وقفة عند الآيات
٠
التي مرت، فلتکن عند قوله تعالى:
لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ
تَّحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ
عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا { وَمَغَانِمَ
كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (
(٣) تفسير القرآن العظيم ٢١٠/٤.
(٤) التحرير والتنوير ٣٧٠/٢٨.
(٥) انظر منزلة الصحابة في القرآن ص ١١.
٢٦٨
القرآن الكريم

الصحابة
[الفتح: ١٨-١٩] يقول ابن كثير: ((يخبر تعالى وسلم قال لهم: (أنتم خير أهل الأرض)»(٤).
ويقول السعدي: ((يخبر تعالى بفضله
عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول
الله صلى الله عليه وسلم، تحت الشجرة،
وقد تقدم ذكر عدتهم وأنهم كانوا ألفًا
وأربعمائة (١).
ورحمته، برضاه عن المؤمنين إذ يبايعون
الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المبايعة
التي بيضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة
الدنيا والآخرة)»(٥).
.
ولا يخفى على المتأمل سبب اختيار هذه
الآية، وذلك:
أنها عنت جمًا غفيرًا من الصحابة رضي
الله عنهم.
أنها نصت على إيمانهم؛ بل رسوخهم
في الإيمان(٢).
إخبار الله تعالى بما في قلوبهم.
وهذا أمر خفي لا يطلع عليه إلا الله
تعالى، وهي منقبة أظهرها الله تعالى لهؤلاء
الکرام؛ تدل على صدقهم وإخلاصهم،
يقول الطبري: ((فعلم ربك يا محمد ما في
قلوب المؤمنين من أصحابك إذ يبايعونك
تحت الشجرة، من صدق النية، والوفاء بما
یپایعونك علیه، والصبر معك»(٣).
* أنهم قد حازوا رضا الله تعالی.
يقول الألوسي عن تلك المبايعة:
((استوجبت رضا الله تعالى الذي لا يعادله
شيء، ويستتبع ما لا يكاد يخطر على بال،
وصح برواية الشيخين وغيرهما في أولئك
المؤمنین من حديث جابر أنه صلى الله عليه
(١) تفسير القرآن العظيم ٢/ ١٣٣.
(٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٧/ ٢٠٣.
(٣) جامع البيان ١١/ ٣٥٠.
والآيات في هذا المقام كثيرة.
وقبل أن أختم هذا المطلب أود أن أبين
أن الآيات الكريمة قد أكدت هذا المعنى في
مناسبات شتى،-أعني: الشهادة لهم بحقيقة
الإيمان-ولولا خشية التكرار لذكرتها في
مواضعها، ولكني سأشير إلى طرف منها:
ففيما ما يتعلق بغزوة بدر:
يقول تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ
يَكْفِيَّكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ
الْمَلَتِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَىُّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ
وَيَأْتُوُكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ
[آل
ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١)
عمران: ١٢٤ - ١٢٥].
وقال تعالى: ﴿ إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً
مِنْهُ وَيَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِيَطَهِّرَكُمْ
بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى
(٤) روح المعاني ١٣ / ٢٦١.
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه،
كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية،
رقم٤١٥٤، ومسلم في صحيحه، كتاب
الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش
عند إرادة القتال، رقم ١٨٥٦.
(٥) تيسير الكريم الرحمن ص ٩٤٤.
www. modoee.com
٢٦٩

حف الصاد
قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ
إِلَى الْمَلَبِكَةِ أَنّ مَعَكُمْ فَنَّبِتُوا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
سَأَلِّقِى فِي قُلُوبٍ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ
فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ
بَنَانِ ﴾ [الأنفال: ١١- ١٢].
وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ
قَتَلَهُمُّ وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَنَّ
وَلِسُبْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَاءٌ حَسَنَّاً إِنَّ اللَّهَ
سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: ١٧].
تأمل قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُلِلْمُؤْمِنِينَ﴾،
و﴿ وَلِسُبْلِىَ
و﴿فَشَبِتُواْ أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾،
الْمُؤْمِنِينَ﴾ تدرك عظم منزلة هؤلاء
الصحب الكرام رضي الله عنهم.
وفيما يتعلق بغزوة أحد، يقول الله
تعالى: ﴿وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوُِّ الْمُؤْمِنِينَ
مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾﴾﴾
ويقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ
اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهٌِ حَتَّى إِذَا
فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم
مِنْ بَعْدِ مَآ أَرَنَكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُمْ
مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُمْ مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ
ثُمَّ صَرَفَّكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا
عَنكُمْ وَاَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (
١٥٢
[آل عمران: ١٥٢].
((وقد قال فيهم الله تعالى بعدما ندبهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعقب
المشركين بعد انتهاء معركة أحد: ﴿الَّذِينَ
أُسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ
اَلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَأَتَّقَوْاْ أَبْرٌ عَظِيمٌ
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ
فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُّنَا اللَّهُ
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ
يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَتَّبَعُواْرِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ
[آل عمران: ١٧٢ -١٧٤](١).
عَظِيمٍ (٧)
أما في غزوة الأحزاب فقد صدرت
الآيات بالنداء لأهل الإيمان ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُودٌ
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوَّهَأْ وَكَانَ
اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٩].
ووصفهم بالإيمان، بل بكماله، ﴿هُنَالِكَ
أَبْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالَّ شَدِيدًا ﴾
[الأحزاب: ١١].
[آل
عمران: ١٢١].
وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَمَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ
قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اُللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَصَدَقَ اللَّهُ
وَرَسُولُهُ، وَمَا زَادَهُمْ إِلََّ إِيَمَنَا وَتَسْلِيمًا
٢٢
[الأحزاب: ٢٢].
ثالثًا: صادقون متقون:
كان للتربية التي تلقاها الصحابة رضي
الله عنهم من النبي صلى الله عليه وسلم
الأثر الكبير في غرس القيم والأخلاق في
نفوسهم، فلقد كان صلى الله عليه وسلم
(١) منزلة الصحابة في القرآن ص١٤.
٢٧٠
جوبي
القرآن الكريم

الصحابة
يغذوهم بإرشاداته وبسلوكه، فلا غرو أن
تأثروا به عليه الصلاة والسلام،
ولا نعني بالصدق ما يتعلق بالأقوال
فقط، وإنما صدق القوم في أعمالهم، وفي
نیاتهم، فلما أسلموا، أسلموا قیادهم لله رب
العالمين، فصدقوا في ذلك، فإذا ما دعوا
لأمر سارعوا إلى تنفيذه، فقدموا أنفسهم
رخيصة في سبیل الثبات على الدین یوم كانوا
بمكة، يعذبون أشد العذاب، ثم تركوا مكة،
موطنهم، وتر کوا أهالیھم، والغالي والنفيس
يوم دعا داعي الهجرة، ولم يلتفتوا إلى أي
حظ من حظوظ الدنيا، ولا يكاد ينقضي
العجب حينما يتأمل المرء في ترك قرشي
مكة المكرمة، وما تعني له وللعرب، ثم
يمضي إلى الحبشة، يحمل معه دینه، إن هذا
بحق عين الصدق في المواقف، ثم صدقوا
في جهادهم، فبذلوا أنفسهم وأموالهم في
سبيل الله تعالى، وفي هذا يقول تعالى:
﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ
فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَن يَنْتَظِرٌّ وَمَا بَدَّلُواْ
تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٢٣].
قال الطبري: ((أوفوا بما عاهدوه عليه
من الصبر على البأساء والضراء، وحين
البأس»(١).
ويقول سبحانه وتعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ
اَلْمُهَجِنَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ
(١) جامع البيان ٢٧٩/١٠.
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اَللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟
أُوْلَيْكَ هُمُ الصَّدِقُونَ ﴾ [الحشر: ٨].
(«هؤلاء الذين صدقوا قولهم بفعلهم،
وهؤلاء هم سادات المهاجرين»(٢).
ولنضرب مثلاً يبين صدق الصحابة
رضي الله عنهم:
موقف أنس بن النضر رضي الله عنه.
أخرج الإمام البخاري عن أنس رضي
الله عنه قال: (غاب عمي أنس بن النضر
عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن
أول قتال قاتلت المشر کین، لئن الله أشهدني
قتال المشر کین لیرین الله ما أصنع، فلما كان
يوم أحد وانكشف المسلمون، قال: اللهم
إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني:
أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني:
المشر کین، ثم تقدم، فاستقبله سعد بن معاذ،
فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر،
إني أجد ریحها من دون أحد، قال سعد: فما
استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس:
فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف
أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد
قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد
إلا أخته بینانه، قال أنس: كنا نرى أو نظن
أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه ﴿مِّنَ
اُلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾
(٢) تفسير القرآن العظيم ٤/ ٢٨٠.
www. modoee.com
٢٧١

حرف الصاد
إلى آخر الآية)(١).
قال ابن حجر: ((وفيه فضيلة ظاهرة لأنس
بن النضر، وما كان عليه من صحة الإيمان،
وكثرة التوقي والتورع وقوة اليقين))(٢).
رابعًا: نفي الخزي عنهم يوم القيامة
وإثبات الكرامة لهم:
لما كان للصحابة الكرام هذا الشرف
العظيم، وهو صحبة النبي صلى الله عليه
وسلم ونصرته، وما قاموا به من جهد عظيم
في سبيل الله تعالى، فقد وعدهم الله تعالى
على ذلك أحسن الوعد.
يقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ
إِلَى اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ
سَيَِّائِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِىٍ مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَةٌ، نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَبْدِيهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ
يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَأَغْفِرْ لَنَاْ إِنَّكَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾﴾ [التحريم: ٨].
يقول ابن عاشور: ((انتفاء الخزي يومئذ،
يستلزم الكرامة إذ لا واسطة بينهما، وفي
صلة ﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ﴾ إيذان بأن سبب
انتفاء الخزي عنهم هو: إيمانهم وفي هذه
الآية دليل على المغفرة لجميع أصحاب
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب قول الله عز وجل: (من
المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)
رقم ٢٨٠٥.
(٢) فتح الباري ٦/ ١٠٠.
النبي صلى الله عليه وسلم))(٣).
وقال البقاعي في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَهُ﴾: ((وهم الصحابة رضي الله
عنهم إن كان المراد المعية في مطلق الزمان،
وسابقوهم إن كان المراد بالوصف أو زمان
مخصوص كبدر وبيعة الرضوان»(٤).
والحقيقة أن الكرامة الحقيقية في
اصطفاء الله تعالى هذا الجيل ليكون في
صحبة سيد ولد آدم، رسول الله صلى الله
عليه وسلم وخاتم النبيين، ولعلنا نلحظ هذا
الأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ
اللّهِ﴾ [الحجرات: ٧].
وما يوحي به التقديم؛ فيكم لا في
غيركم، ويا له من شرف عظيم؛ إذ اختارهم
رب العالمين ليقوموا بهذا الأمر العظيم:
مشاركة الرسول صلى الله عليه وسلم في
حمل عبء نشر الرسالة، ولقد قاموا بها خير
قيام، حتى استحقوا وصف: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
قال ابن كثير بعد أن ذكر الأقوال في
المراد بهذه الآية: ((الصحيح أن هذه الآية
عامة في جمیع الأمة، کل قرن بحسبه، وخير
قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى
الله علیه وسلم، ثم الذین یلونهم، ثم الذین
يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وَكَذَلِكَ
(٣) التحرير والتنوير ٢٨/ ٣٧٠ بحذف يسير.
(٤) نظم الدرر ٨/ ٥٤.
٢٧٢
جَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريم

الصحابة
جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ أي: خيارًا ﴿إِنَكُونُواْ
شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣])).
وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى
الخیرات بنیها محمد صلی الله عليه وسلم؛
فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله،
وبعثه الله بشرع کامل عظیم، لم يعطه نبيًا
قبله ولا رسولًا من الرسل؛ فالعمل على
منهاجه وسبيله، يقوم القليل منه ما لا يقوم
العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه))(١).
خامسًا: الوعد لهم جميعًا بالحسنى:
لاشك أن الصحابة رضي الله عنهم
يتفاوتون في الفضل، فهم ليسوا على درجة
واحدة، وهذا مما دل عليه القرآن الكريم
والسنة المطهرة.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ
مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَ أُوْلَبِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً
مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ
اْنَىَّ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠].
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم
فيما رواه عنه أبو سعيد الخدري: (لا تسبوا
أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد
ذهبًا، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)(٢).
(١) تفسير القرآن العظيم ١/ ٥٣٦، بحذف يسير.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم، باب
قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت
متخذًا خلیلًا، رقم ٣٦٧٣.
والذي نود تأكيده، أن الجميع قد وعدوا
الجنة بنص الآية التي قررت تفاضلهم،
يقول تعالى في الآية نفسها: ﴿وَكُلًّا وَعَدُ
اَللّهُ الْمُسْنَى﴾ قال القرطبي مبينًا المراد من
الآية: ((المتقدمون المتناهون السابقون،
والمتأخرون اللاحقون، وعدهم الله جميعًا
الجنة مع تفاوت الدرجات(٣).
والنص على أن الجميع وعدوا الحسنى؛
«لئلا يهدر جانب الآخر بمدح الأول دون
الآخر، فيتوهم متوهم ذمه، فلهذا عطف
بمدح الآخر والثناء عليه مع تفضيل الأول
علیه»(٤).
يقول ابن عاشور: ((وقوله: ﴿وَكُلَّا وَعَدَ اللّهُ
المُسْنَى﴾ احتراس من أن يتوهم متوهم أن
اسم التفضيل مسلوب المفاضلة للمبالغة،
مثل ما في قول: ﴿قَالَ رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ
مِمَّا يَدْعُونَنِيِ إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣].
أي: حبيب إلي دون ما يدعونني إليه
من المعصية، وعبر بـ﴿آمُنَ﴾؛ لبيان
أن الدرجة هي درجة الحسنى؛ ليكون
للاحتراس معنى زائد على التأكيد وهو
ما فيه من البيان، والحسنى: لقب قرآني
إسلامي يدل على خيرات الآخرة.
قال تعالى: ﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى
وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٧ / ٢٤١.
(٤) تفسير القرآن العظيم ٢٧٧١/٤.
www. modoee.com
٢٧٣

حرف الصاد
وهذه الآية أصل في تفاضل أهل الفضل
فيما فضلوا فيه، وأن الفضل ثابت للذين
أسلموا بعد الفتح من أهل مكة وغيرهم.
وبئس ما يقوله بعض المؤرخين من عبارات
تؤذن بتنقيص من أسلموا بعد الفتح من
قريش مثل كلمة «الطلقاء»، وإنما ذلك من
أجل حزازات في النفوس قبلية أو حزبية،
والله يقول: ﴿وَلَا تَلْمِزُوَاْ أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابُواْ
بِالْأَلْقَبِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيَمَنّ وَمَن لَّمْ
يَتُبْ فَأُوْلَكَ هُ الظَّالِمُونَ﴾[الحجرات: ١١]))(١).
والذي يعنينا هنا أن الصحابة الكرام
رضي الله عنهم جميعًا قد وعدوا بالجنة.
سادسًا: الرضوان من الله تعالى:
إن غاية ما يرجوه المسلم: رضا الله
سبحانه وتعالى، ولقد بشر الله تعالى
الصحابة رضي الله عنهم بذلك، وحازوا
هذا الفضل وهم في دار الدنيا.
قال تعالى: ﴿﴿ لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ
الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى
قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا فَرِيبًا
[الفتح: ١٨].
١٨
ولبيان من هم، وكم عددهم؟ أذكر ما
أخرجه الإمام البخاري بسنده (عن البراء
رضي الله عنه قال: تعدون أنتم الفتح فتح
مکة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد
(١) التحرير والتنوير ٣٧٥/٢٧ -٣٧٦، بحذف
يسير.
الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع
النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة،
والحديبية: بئر فنزحناها، فلم نترك فيها
قطرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم
فأتاها فجلس على شفیرها، ثم دعا بإناء من
ماء، فتوضأ، ثم مضمض ودعا، ثم صبه فيها،
فتر کناها غیر بعید، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا
نحن ور کابنا)(٢).
يقول ابن كثير عن هذه الآية الكريمة:
لايخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين
بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت
الشجرة، وقوله تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ﴾
من الصدق والوفاء والسمع والطاعة))(٣).
وقل مثل ذلك في قوله تعالى:
﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ
وَاْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ رَضِىَ اللهُ
عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى
تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ
﴾ [التوبة: ١٠٠].
يقول الطبري: ((والذين سبقوا الناس أولًا
إلى الإيمان بالله ورسوله ﴿مِنَ الْمُهَچِينَ﴾،
الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم، وفارقوا
منازلهم وأوطانهم ﴿وَالْأَنْصَارِ﴾، الذين
نصروا رسول الله صلی الله علیه وسلم على
أعدائه، من أهل الكفر بالله ورسوله ﴿وَالَّذِينَ
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم ٤١٥٠.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٢٦١/٤، بحذف يسير.
صَوَسُولَةُ التَّفي
القرآن الكريمِ
٢٧٤

الصحابة
أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ﴾، يقول: والذين سلكوا
سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله، والهجرة
من دار الحرب إلی دار الإسلام، طلب رضا
الله ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾))(١).
ويقول ابن كثير: ((يخبر تعالى عن رضاه
عن السابقين من المهاجرين والأنصار
والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم عنه بما أعد
لهم من جنات النعيم والنعيم المقيم، قال
الشعبي: السابقون الأولون من المهاجرين
والأنصار: من أدرك بيعة الرضوان عام
الحدیبیة».
ثم يعقب على هذا بقوله: ((فيا ويل
من أبغضهم أو سبهم، أو أبغض أو سب
بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد
الرسول وخيرهم وأفضلهم أعني الصديق
الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي
قحافة رضي الله عنه))(٢).
فهذه الآيات، ومثلها کثیر، تدل على رفعة
شأن الصحابة، وأنهم نالوا أعلى ما يمكن أن
يتطلع إليه بشر، وهو رضی رب العالمين.
(١) جامع البيان٦/ ٤٥٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٢/ ١٣٣.
صحابة لهم مكانة خاصة
إذا كان الصحابة الكرام قد نالوا شرف
الصحبة بالتقائهم بالرسول الكريم صلى
الله عليه وسلم، فإنهم ولا شك يتفاوتون
في الفضل، فهناك من بادر وأسلم يوم كان
الإسلام غريبًا، والناس يكذبون رسول الله
صلى الله عليه وسلم ويؤذونه، وهناك من
تأخر إسلامه، وبین هذين مراتب لا يعلمها
إلا الله تعالى، وهذا ما صرحت به الآية
الكريمة: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ
الفَتْحِ وَقَتَلَ أُوْلَِّكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ
مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىَّ وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠].
قال ابن حجر: ((لا خفاء برجحان رتبة
من لازمه صلی الله عليه وسلم، وقاتل معه،
أو قتل تحت رایته، على من لم يلازمه، أو لم
يحضر معه مشهدًا، وعلى من كلمه يسيرًا،
أو ماشاه قليلا، أو رآه على بعد، أو في حال
الطفولية، وإن كان شرف الصحبة حاصلًا
للجمیع»(٣).
وسنتناول هذا الأمر في النقاط الآتية:
أولًا: السابقون من المهاجرين
والأنصار رضي الله عنهم:
خص الله تعالى المهاجرين والأنصار
بشرف عظيم.
(٣) نزهة النظر ص ١٤٢.
www. modoee.com
٢٧٥

حرف الصاد
يقول سبحانه: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ
مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ آَتَّبَعُوهُم ◌ِإِحْسَنِ
رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَذَّلَهُمْ جَنَّتٍ
تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ
(١٠) ﴾ [التوبة: ١٠٠].
اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ ®
وقد اختلف العلماء في المراد بالسابقين
على أقوال،(١) من أهمها:
الأول: قال ابن عباس رضي الله
عنهما:هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا
بدرًا.
الثاني: عن الشعبي: أنهم الذين بايعوا
بيعة الرضوان.
قال الرازي: ((والصحيح عندي أنهم
السابقون في الهجرة، وفي النصرة، والذي
يدل عليه أنه ذكر كونهم سابقين ولم يبين
أنهم سابقون في ماذا فبقي اللفظ مجملًا،
إلا أنه وصفهم بکونھم مهاجرين وأنصارًا،
فوجب صرف ذلك اللفظ إلى ما به صاروا
مهاجرين وأنصارًا وهو الهجرة والنصرة،
فوجب أن يكون المراد منه السابقون
الأولون في الهجرة والنصرة إزالة للإجمال
عن اللفظ، وأيضًا فالسبق إلى الهجرة طاعة
عظيمة من حيث إن الهجرة فعل شاق على
النفس، ومخالف للطبع، فمن أقدم عليه أولًا
صار قدوة لغيره من هذه الطاعة، وكان ذلك
مقويًا لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام،
وسببًا لزوال الوحشة عن خاطره، وكذلك
السبق في النصرة، فإن الرسول عليه الصلاة
والسلام لما قدم المدينة، فلا شك أن الذين
سبقوا إلى النصرة والخدمة، فازوا بمنصب
عظيم﴾(٢).
الثالث: يتناول جميع الصحابة؛ لأن
جملة الصحابة موصوفون بكونهم سابقين
أولين بالنسبة إلى سائر المسلمين، وكلمة
(من)) في قوله: ﴿مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾
ليست للتبعيض، بل للتبيين، كقوله:
﴿فَاجْتَلِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ اٌلْأَوْثَنِ﴾
[الحج: ٣٠].
وذهب إلى هذا كثير من الناس (٣).
وفي أمر المهاجرين يقول ابن كثير: ((فأما
المهاجرون فلم يكن فيهم أحد نافق؛ لأنه
لم یکن أحد يهاجر مکرهًا، بل يهاجر فيترك
ماله وولده وأرضه رغبة فيما عند الله في
الدار الآخرة»(٤).
ونلحظ في هذه الآية الآتي: الإتيان
بالفعل الماضي في ﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ
وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَذَّلَهُمْ جَنَّتٍ .. ﴾ ولا شك
أن هذا يقتضي تحقق هذا الأمر فيهم، وأنه
لن يتغير، ولأنه غير مقيد بزمن، ولارتباطه
بعلة قد ثبتت، وهي الهجرة والنصرة، يقول
(٢) مفاتيح الغيب ١٦٨/١٦-١٦٩.
(١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣/ ٣٧٠ - (٣) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٨٦/١٠.
٣٧١.
(٤) تفسير القرآن العظيم ١/ ٨١.
٢٧٦
القرآن الكريم

الصحابة
الرازي -مناقشًا من يتناول إمامة أبي بكر جَنَّتٍ تَجْرِى ◌َحْتَهَا الْأَنْهَرُ﴾، وذلك
يقتضي أنه تعالى قد أعد تلك الجنات،
الصديق رضي الله عنه بالطعن -: «قوله:
لم قلتم: إنه بقي موصوفًا بهذه الصفة بعد
إقدامه على طلب الإمامة؟
وعينها لهم، وذلك يقتضي بقاءهم على تلك
الصفة التي لأجلها صاروا مستحقين لتلك
الجنات، وليس لأحد أن يقول: المراد أنه
قلنا: قوله تعالى: ﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ
وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ يتناول جميع الأحوال
والأوقات، بدليل أنه لا وقت ولا حال
إلا ويصح استثناؤه منه؛ فیقال رضي الله
عنهم إلا في وقت طلب الإمامة، ومقتضى
الاستثناء إخراج مالولاء لدخل تحت اللفظ.
تعالى أعدها لهم لو بقوا على صفة الإيمان،
لأنا نقول: هذا زیادة إضمار، وهو خلاف
الظاهر. وأيضًا فعلى هذا التقدير: لا يبقى
بین هؤلاء المذکورین في هذا المدح، وبین
سائر الفرق فرق؛ لأنه تعالی أعد لهم جناتٍ
تجري تحتها الأنهار ولفرعون وهامان وأبي
جهل وأبي لهب، لو صاروا مؤمنين.
أو نقول: إنا بينا أنه تعالى وصفهم بكونهم
سابقين مهاجرين، وذلك يقتضي أن المراد
كونهم سابقين في الهجرة، ثم لما وصفهم
بهذا الوصف أثبت لهم ما يوجب التعظيم،
وهو قوله: ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾
والسبق في الهجرة وصف مناسب للتعظيم،
وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب،
يدل على كون ذلك الحكم معللًا بذلك
الوصف، فدل هذا على أن التعظيم الحاصل
من قوله: ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾
معلل بكونهم سابقين في الهجرة، والعلة
ما دامت موجودة، وجب ترتب المعلول
عليها، وكونهم سابقين في الهجرة وصف
أو نقول: إنه تعالى قال: ﴿وَأَعَدَّلَهُمْ
ومعلوم أنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام
في معرض المدح العظيم والثناء الكامل،
وحمله على ما ذكروه يوجب بطلان هذا
المدح والثناء، فسقط هذا السؤال. فظهر
أن هذه الآية دالة على فضل أبي بكر، وعلى
صحة القول بإمامته قطعًا))(١).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ﴾
قيد هذا الوصف بكونهم محسنين، في
حين خلا وصف المهاجرين والأنصار من
ذلك، وفي هذا يقول ابن عاشور: ((وإنما قيد
هذا الفريق خاصة؛ لأن السابقين الأولين
دائم في جميع مدة وجودهم، فوجب أن ما بعثهم على الإيمان إلا الإخلاص، فهم
يكون ذلك الرضوان حاصلًا في جميع مدة محسنون، وأما الذين اتبعوهم فمن بينهم
من آمن اعتزازًا بالمسلمين حين صاروا
وجودهم.
(١) مفاتيح الغيب ١٦/ ١٧١.
www. modoee.com
٢٧٧

حرف الصاد
أكثر أهل المدينة، فمنهم من آمن وفي إيمانه مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى
صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ مِمَّا أُوتُواْ﴾ [الحشر: ٩].
ضعف وتردد، مثل المؤلفة قلوبهم، فربما
نزل بهم إلى النفاق، وربما ارتقى بهم إلى
الإيمان الكامل)» (١).
وقال البخاري: «باب مناقب المهاجرين
وفضلهم، ثم أورد هذه الآية: ﴿لِلْفُقَرَآءِ
اَلْمُهَجِنَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ:
أُوْلَيْكَ هُمُ الصَّدِقُونَ ﴾ [الحشر: ٨].
وقال: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ
اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾
[التوبة: ٤٠].
قالت عائشة وأبو سعيد وابن عباس
رضي الله عنهم: وكان أبو بكر مع النبي
صلى الله عليه وسلم في الغار))(٢).
ثم أورد حديثًا بسنده عن أبي بكر رضي
الله عنه قال: (قلت للنبي صلى الله عليه
وسلم وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت
قدمیه لأبصرنا، فقال: (ما ظنك يا أبا بكر
باثنين الله ثالثهما)(٣).
ثم قال: ((باب مناقب الأنصار، وأورد
هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ
(١) التحرير والتنوير ١٨/١٠.
(٢) علقه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب
مناقب المهاجرين وفضلهم.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم، باب
مناقب المهاجرين وفضلهم، رقم ٣٦٥٣.
ثم أورد حديثًا بسنده ((عن غيلان بن
جرير قال: (قلت لأنس: أرأيت اسم الأنصار
کنتم تسمون به، أم سماکم الله؟ قال:بل
سمانا الله)(٤).
ثم أورد تحت باب حب الأنصار من
الإيمان، حديث البراء رضي الله عنه
قال:(سمعت النبي صلى الله عليه وسلم
أو قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم
(الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم
إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله ومن
أبغضهم أبغضه الله)(٥).
وحدیث أنس بن مالك رضي الله عنهعن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (آية الإيمان
حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار)(٦).
ثانيًا: المؤمنون من أهل الكتاب رضي
الله عنهم:
أهل الکتاب یراد بهم اليهود والنصارى،
وقد أكثر القرآن الكريم من ذكرهم، وميزهم
عن المشركين، وهذا من العدل الرباني،
ولعل في إطلاق هذا اللقب عليهم، ما يبين
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب
الأنصار، باب مناقب الأنصار، رقم ٣٧٧٦.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب
الأنصار، باب مناقب الأنصار، رقم ٣٧٨٣.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب
الأنصار، باب مناقب الأنصار، رقم ٣٧٨٤،.
٢٧٨
◌َرُ النَّفِيَة
جوية
القرآن الكريم

الصحابة
السبب في ذلك، وفيه لوم لهم، على عدم الكتاب، كعبد الله بن سلام، وأسد بن عبيد،
وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وغيرهم،
المسارعة إلى الإيمان، فقد عادى أكثرهم
الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم وكادوا أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من
له، ومع ذلك فقد أسلم منهم نفر قليل، كان أهل الكتاب، وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا
قال تعالى: ﴿لَيْسُواْ سَوَآءُ﴾ أي: ليسوا كلهم
للقرآن إشادة بهم، من ذلك:
على حد سواء، بل منهم المؤمن ومنهم
المجرم.
لَيْسُواْ سَوَاءٌ مِّنْ أَهْلِ
قوله تعالى:
الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَآَيْمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اَللَّهِ ءَانَّةُ الَّلِ
وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ
اُلْآَخِرِ وَبَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
اٌلْمُنكَرِّ وَيُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ
مِنَ الصَّلِحِينَ (١) وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَكَن
يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾
[آل عمران: ١١٣ - ١١٥]
قال ابن العربي: ((وقد اتفق المفسرون
أنها نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب،
وعليه يدل ظاهر القرآن ومفتتح الكلام نفي
المساواة بين من أسلم منهم وبين من بقي
منهم على الكفر، إلا أنه روي عن ابن مسعود
أن معناه نفي المساواة بين أهل الكتاب وأمة
محمد صلی الله عليه وسلم. وقد روي عن
ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن سلام
ومن أسلم معه من أهل الكتاب)»(١).
وقال ابن كثير: ((والمشهور عند كثير
من المفسرین کما ذكره محمد بن إسحاق
وغيره، ورواه العوفي عن ابن عباس أن
هذه الآيات نزلت فیمن آمن من أحبار أهل
(١) أحكام القرآن ١/ ٣٨٦.
ولهذا قال تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ
قَائِمَةٌ﴾ أي: قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه،
متبعة نبي الله، فهي قائمة، يعني: مستقيمة
﴿يَتْلُونَ ءَايَتِ اَللَّهِ ءَاتَّةُ الَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ
أي: يقومون الليل ويكثرون التهجد، ويتلون
القرآن في صلواتهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَأَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكِّرِّ وَيُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ
مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وهؤلاء هم المذكورون في
آخر السورة ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن
يُؤْمِنُ بِلَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ
خَشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩].
﴿وَمَا يَفْعَلُواْ
ولهذا قال تعالى ههنا:
مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾ أي: لا يضيع عند
الله، بل يجزيهم به أوفر الجزاء ﴿وَاللَّهُ
عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ أي: ((لا يخفى عليه
عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن
عملًا))(٢).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ الْكِنَبَ مِن
(٢) تفسير القرآن العظيم ١/ ٥٤٤ - ٥٤٥.
www. modoee.com
٢٧٩

حرفالصاد
وَإِذَا يُنْلَى عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءَامَنَا
قَبْلِهِ هُمْ بِ يُؤْمِنُونَ ◌ّ
٥٣
◌ِ= إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّئَّ إِنَّا كُنَا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ (
أُوْلَيْكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَهُونَ
بِالْحَسَنَةِ السَّيِئَةَ وَمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ
وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَلُنَا
وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمْ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ
﴾ [القصص: ٥٢ -٥٥].
قال ابن كثير: ((يخبر تعالى عن العلماء
الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون
بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ
اُلْكِتَبَ يَتْلُونَهُ، حَقَّ تِلَاَوَيِّ أُوْلَكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾
[البقرة: ١٢١].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ
لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ
خَشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٩
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ»
إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠) وَيَقُولُونَ
سُبْحَنَ رَيْنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا
[الإسراء: ١٠٧- ١٠٨].
وقال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَّهُم
مَّوَدَّةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا
نَصَرَى﴾ إلى قوله: ﴿فَكْتُبْنَا مَعَ
الشَّهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢-٨٣].
﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ﴾ من قبل هذا
القرآن، كنا مسلمين، أي: موحدين مخلصين
لله مستجیبین له.
قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَّوْنَ أَجْرَهُم
هؤلاء المتصفون بهذه
مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا
الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم الثاني،
ولهذا قال: ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ على اتباع الحق،
فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس.
وقد ورد في الصحيح عن أبي موسى
الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة يؤتون أجرهم
مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم
آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله وحق
موالیه، ورجل کانت له أمة، فأدبها فأحسن
تأديبها، ثم أعتقها فتزوجها)(١).
وقال تعالى: ﴿﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ
عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ
وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ
الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ ذَلِكَ بِأَنَّ
مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا
يَسْتَكْبُونَ ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى
الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِنَّا
عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبََّآ ءَامَنًا فَأَكْثُبْنَا مَعَ
الشَّهِدِينَ ﴿ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا
مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ أَلْقَوْمِ
الصَّلِحِينَ ﴿ فَأَتَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى
مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَاً وَذَلِكَ جَزَآءُ
(١) تفسير القرآن العظيم ٢١٢٨/٣-٢١٢٩،
بحذف یسیر.
والحديث في أخرجه البخاري في صحيحه،
كتاب الجهاد، باب فضل من أسلم من أهل
الكتاب، رقم ٣٠١١.
٢٨٠
جوبي
القرآن الكريم

الصحابة
الْمُحْسِنِينَ ﴾ [المائدة: ٨٢ -٨٥].
یقول الطبري: «إن الله تعالی ذکره أخبر
عن النفر الذين أثنى عليهم من النصارى
بقرب مودتهم لأهل الإيمان بالله ورسوله،
أن ذلك إنما کان منهم لأن منهم أهل اجتهاد
في العبادة، وترهب في الديارات والصوامع،
وأن منهم علماء بكتبهم وأهل تلاوة لها، فهم
لا يبعدون من المؤمنين لتواضعهم للحق إذا
عرفوه، ولا يستكبرون عن قبوله إذا تبينوه؛
لأنهم أهل دين واجتهاد فيه، ونصيحة
لأنفسهم في ذات الله، وليسوا کاليهود الذين
قد دربوا بقتل الأنبياء والرسل، ومعاندة الله
في أمره ونهيه، وتحريف تنزيله الذي أنزله
في کتبه))(١).
﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ
تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ وفيض العين من الدمع:
امتلاؤها منه، ثم سیلانه منها، کفیض النهر
من الماء، وفيض الإناء، وذلك سيلانه
عن شدة امتلائه ﴿مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ أَلْحَقِّ﴾
لمعرفتهم بأن الذي يتلى عليهم من كتاب
الله الذي أنزله إلى رسول الله حقٌّ، ﴿يَقُولُونَ
رَبَّنَاَ ءَامَنَا﴾ صدقنا لما سمعنا ما أنزلته إلى
نبيك محمد صلى الله عليه وسلم من
كتابك، وأقررنا به أنه من عندك، وأنه الحق
لا شك فيه. ﴿فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ﴾ وهم
أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الذين
(١) جامع البيان ٦/٥.
يشهدون لأنبيائك يوم القيامة، أنهم قد بلغوا
أممهم رسالاتك(٢).
إلى غير ذلك من الآيات.
نستخلص من الآيات التي تحدثت عن
مؤمني أهل الكتاب الآتي:
١. أن أهل الكتاب ليسوا على طبيعة
واحدة - كما يظن - بل منهم من يرجى
فيه الخير، فيدخل في الإسلام.
٢. أن النصارى أقرب لقبول الحق من
الیهود، وقد بینت الآيات سبب ذلك،
وقد يقال: إن أكثر من أسلم في عهد
النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود،
والجواب: أن مرد ذلك وجود اليهود
في المدينة، ورؤيتهم للنبي صلى
الله عليه وسلم وأحواله، وإننا لنجد
مصداق ما أخبر به القرآن الكريم في
عصرنا هذا من كثرة دخول النصارى
في الإسلام.
٣. وصف القرآن الكريم من آمن
منهم بأوصاف تدل على صدقهم
وإخلاصهم، من ذلك:
أنهم يتلون آيات الله تعالى في صلواتهم
آناء الله وأطراف النهار.
أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، وما
أنزل على الرسول محمد صلى الله
عليه وسلم، وما أنزل من الكتب.
(٢) جامع البيان ٥/ ٦-٨ بتصرف يسير.
www. modoee.com
٢٨١

حرف الصاد
أنهم يأمرون بالمعروف، وینهون عن
المنكر، ويسارعون في الخيرات.
أنهم خاشعون متذللون بين يدي الله
تعالی، بحیث یخرون للأذقان سجدا،
وتفيض أعينهم من الدمع، ویبکون من
الخشوع إذا تليت عليهم آيات القرآن
الكريم؛ لمعرفتهم الحق.
لا یشترون بآيات الله تعالی ثمنا قليلاً،
ولا يكتمون شيئًا مما بأيديهم من
البشارة بالرسول صلی الله عليه وسلم.
يدعون الله تعالی أن یکتبهم مع الرسول
صلى الله عليه وسلم، ومع أصحابه
رضي الله عنهم.
يدرءون بالحسنة السيئة، وينفقون مما
رزقهم الله تعالی.
يعرضون عن اللغو، ولا يقابلون
الجاهلین بالمثل.
ثم وعدهم الله عز وجل بأمور كثيرة،
منها:
١. لن يضيع الله تعالى شيئًا مما قدموه من
الأعمال الصالحة، بل يجازيهم عليها
بأحسن الجزاء.
٢. سيؤتیهم الله عز وجل أجرهم مرتين.
٣. سیثیبهم جنات تجري من تحتها الأنهار
خالدين فيها (١).
ولقد سبقت الإشارة إلى ذكر أسماء
بعض من أسلم، کعبد الله بن سلام، وأسد
بن عبيد، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية
رضي الله عنهم.
(١) فضائل الصحابة في القرآن الكريم ص١٨٤،
بتصرف يسير.
٢٨٢
القرآن الكريم