النص المفهرس
صفحات 21-40
الصبر كَفُورًا﴾ أي: لا تطع الكافرين والمنافقين إن وجهان: الأول: ﴿فَأَصْبِرْ ◌ِّكِّرِ رَبِّكَ﴾ في إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم، والثاني: أرادوا صدك عما أنزل إليك، بل بلغ ما أنزل إليك من ربك، وتوكل على الله؛ فإن الله يعصمك من الناس، فالآثم هو الفاجر في أفعاله، والكفور هو الكافر بقلبه)»(١). ﴿فَأَصْبِرْ لِشُكْرِ رَبِّكَ﴾ في أن أوجب عليك التبليغ والوحي، وأداء الرسالة وتحمل ما يحصل بسبب ذلك من الأذى والمحنة)) (٤). وقال القرطبي رحمه الله: ((قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِشْكِّرِ رَبِّكَ﴾ أي: لقضاء ربك، والحكم هنا القضاء، وقيل: فاصبر على ما حکم به علیك ربك من تبليغ الرسالة، وقال ابن بحر: فاصبر لنصر ربك، قال قتادة: أي: لا تعجل ولا تغاضب، فلا بد من نصرك، وقيل: إنه منسوخ بآية السيف)(٢). وقال الخازن رحمه الله في قوله: ﴿فَاضِر ◌ِشَكِّ رَبِّكَ﴾: ((أي: لعبادته فهي من الحكمة المحضة، وقيل: معناه فاصبر لحكم ربك في تأخير الإذن في القتال، وقيل: هو عام في جميع التكاليف، أي: فاصبر لحكم ربك في كل ما حكم الله به، سواء كان تكليفًا خاصًا كالعبادات والطاعات، أو عامًا متعلقًا بالغير كالتبليغ، وأداء الرسالة وتحمل المشاق وغير ذلك»(٣). وقال الرازي رحمه الله: ((ثم إنه تعالى لما بالغ في تزييف طريقة الكفار، وفي زجرهم عما هم عليه قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاصْبِرْ لِشُكْرِ رَیِكَ﴾ وفيه (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٢٩٤. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٣/١٨. (٣) لباب التأويل، الخازن ١٩٤/٧. قال ابن سعدي رحمه الله في قوله: ﴿ناصِلِشگرِ رِكَ﴾: «أي: لما حکم به شرعًا وقدرًا، فالحكم القدري، يصبر على المؤذي منه، ولا يتلقى بالسخط والجزع، والحكم الشرعي، يقابل بالقبول والتسليم، والانقياد التام لأمره» (٥). قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِئْنَةً ◌َّهُمْ فَأَرْتَّقِبْهُمْ وَأَصْطَيِرْ﴾ [القمر: ٢٧]. قال القرطبي رحمه الله في قوله: ﴿وآمطير﴾: «أي: اصبر على أذاهم، وأصل الطاء في اصطبر تاء؛ فتحولت طاء؛ لتكون موافقة للصاد في الإطباق))(٦). وقال ابن كثير رحمه الله: «ثم قال آمرا لعبده ورسوله صالح: ﴿فَرَتَّقِبْهُمْ وَأَصْطَيْ﴾ أي: انتظر ما يؤول إليه أمرهم، واصبر عليهم؛ فإن العاقبة لك، والنصر لك في الدنيا والآخرة)»(٧). وقال ابن القيم رحمه الله: ((الاصطبار وهو التلذذ بالبلوى، والاستبشار باختيار (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٨٦/٣٠. (٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٨١. (٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧ / ١٤٠. (٧) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٧٩/٧. www. modoee.com ٢٢١ حف الصاد المولى، وهذا هو الصبر على الله، وهو صبر العارفين، فيقال: الاصطبار افتعال من الصبر، كالاكتساب والاتخاذ، وهو مُشْعِر بزيادة المعنی علی الصبر، کأنه صار سجية وملكة، فإن هذا البناء مؤذن بالاتخاذ والاكتساب. ﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطِرْ﴾ قال تعالى: فالاصطبار أبلغ من الصبر، كما أن الاكتساب أبلغ من الكسب؛ ولهذا كان في العمل الذي یکون علی صاحبه، والکسب فیما له، قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] تنبيهًا على أن الثواب يحصل لها بأدنى سعي وكسب، وأن العقاب إنما هو باكتسابها وتصرفها، وما تعانيه، وإذا علم هذا؛ فالتلذذ بالبلوى والاستبشار باختیار الله سبحانه لا یخص الاصطبار، بل یکون مع الصبر، ومع التصبر ولکن لما كان الاصطبار أبلغ من الصبر وأقوى؛ كان بهذا التلذذ والاستبشار أولى والله أعلم))(١). وقال الطاهر ابن عاشور رحمه الله: ((والاصطبار: الصبر القوي، وهو كالارتقاب أيضًا أقوى دلالة من الصبر، أي: اصبر صبرًا لا يعتريه ملل ولا ضجر، أي: اصبر على تكذيبهم ولا تيأس من النصر عليهم، وحذف متعلق ﴿واصطېر﴾ ،لیعم کل حال تستدعي الضجر، والتقديرُ: واصطبر على (١) طريق الهجرتين، ابن القيم ص٤٠٧. أذاهم، وعلى ما تجده في نفسك من انتظار النصر)»(٢). وقال ابن سعدي رحمه الله: «أي: اصبر علی دعوتك إیاهم، وارتقب ما يحل بهم، أو ارتقب ھل یؤمنون أو یکفرون؟»(٣). وقال الله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥]. قال الطبري رحمه الله في قوله: ﴿ناضير صبراجميلا﴾: «یعني: صبرًا لا جزع فيه، يقول له: اصبر على أذی هؤلاء المشرکین لك، ولا يثنيك ما تلقى منهم من المكروه عن تبليغ ما أمرك ربك أن تبلغهم من الرسالة)» (٤). وقال ابن كثير رحمه الله: «قوله: ﴿فَاصْبِرٌ صبرًاجِیًا﴾ أي: اصبر یا محمد على تكذيب قومك لك، واستعجالهم العذاب استبعادًا لوقوعه، كقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا أَلْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨]))(٥). قوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أي: على أذى قومك، والصبر الجميل: هو الذي لا جزع فیه، ولا شکوی لغير الله، وقيل: هو أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا یدری من هو، والمعنی متقارب(٦)، وقيل: (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧/ ٢٠٠. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٢٦. (٤) جامع البيان، الطبري ٢٣ /٦٠٣. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٤/٨. (٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٨٤/١٨. ٢٢٢ جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسَيد القرآن الكريمِ الصبر بأن الأمر بالصبر في الآية قبل أن يؤمر بالقتال)»(١). وقال الثعالبي رحمه الله: ((والصبرُ الجميلُ الذي لا يَلْحَقُه عَيْبٌ ولا شَكٌ ولا قِلَةُ رِضى، ولا غيرُ ذلك، والأمْرُ بالصبرِ الجميلِ مُحْكَمٌّ في كل حالة، أعني: لاَ نَسْخَ فیه))(٢). وقال الماوردي رحمه الله: (﴿ناصپرْصَبْرًا جَمِيلًا﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه الصبر الذي ليس فيه جزع، قاله مجاهد. الثاني: أنه الصبر الذي لا بثَ فيه ولا شكوى. الثالث: أنه الانتظار من غير استعجال، قاله ابن بحر. الحسن. أحدهما: أُمر بالصبر على ما قذفه المشركون من أنه مجنون، وأنه ساحر، وأنه شاعر، قاله الحسن. الثاني: أنه أُمر بالصبر على كفرهم، وذلك قبل أن يفرض جهادهم، قاله ابن زيد))(٣). وقال ابن سعدي رحمه الله: ((وقوله: (١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٢١/٨، لباب التأويل، الخازن ٧/ ١٥٠. (٢) الجواهر الحسان، الثعالبي ٤٨٣/٥. (٣) النكت والعيون، الماوردي ٦/ ٩١. ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ أي: اصبر على دعوتك لقومك صبرًا جميلًا لا تَضَجُرَ فيه ولا ملل، بل استمر على أمر الله، وادع عباده إلى توحیده، ولا يمنعك عنهم ما ترى من عدم انقیادهم، وعدم رغبتهم؛ فإن في الصبر على ذلك خیرًا کثیرًا)» (٤). وقال الله تعالى: ﴿وَلِرَبِكَ فَأَصْبِرٍ﴾ [المدثر: ٧]. قال ابن كثير رحمه الله: ((وقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَأَصْبِرْ﴾ أي: اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك عز وجل، قاله مجاهد، وقال إبراهيم النخعي: اصبر عطيتك لله تعالى))(٥). وقال القرطبي رحمه الله: ((أي: ولسيدك ومالكك فاصبر على أداء فرائضه وعبادته، الرابع: أنه المجاملة في الظاهر، قاله وقال مجاهد: علی ما أوذیت، وقال ابن زید: حملت أمرا عظيمًا، محاربة العرب والعجم؛ فاصبر عليه لله، وقيل: فاصبر تحت موارد وفيما أُمر بالصبر عليه قولان: القضاء لأجل الله تعالى، وقيل: فاصبر علی البلوی؛ لأنه یمتحن أولیاءه وأصفیاءه، وقيل: على أوامره ونواهيه، وقيل: على فراق الأهل والأوطان))(٦). ويقول الطاهر ابن عاشور رحمه الله: ((ويعدى فعل الصبر إلى اسم الذي يتحمله الصابر بحرف ((على))، يقال: صبر على (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٨٥. (٥) تفسير القرآن العظيم، بن كثير ٢٦٤/٨. (٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦٩/١٩. www. modoee.com ٢٢٣ حرف الصاد الأذى، ويتضمن معنى الخضوع للشيء المشركين)) (١). الشاق؛ فيعدى إلى اسم ما يتحمله الصابر باللام، ومناسبة المقام ترجح إحدى التعديتين، فلا يقال: اصبر على الله، ويقال: اصبر على حكم الله، أو لحكم الله، فيجوز أن تكون اللام في قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ﴾ لتعدية فعل الصبر على تقدير مضاف، أي اصبر أَصْبِرْ لأمره وتكاليف وحيه، كما قال: ◌ِحُكْمِ رَيْكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَآَ﴾ [الطور: ٤٨]. وقوله: ﴿فَأَصّبِرٌ لِشُكْرِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوَكَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. فیناسب نداءه بـ ﴿بَأُها المُنَّتِرُ﴾ [المدثر: ١]؛ لأنه تدثر من شدة وقع رؤية الملك، وترك ذكر المضاف لتذهب النفس إلى كل ما هو من شأن المضاف إليه مما يتعلق بالمخاطب. ويجوز أن تكون اللام للتعليل، وحذف متعلق فعل الصبر، أي: اصبر لأجل ربك علی کل ما یشق عليك. وتقديم ﴿وَلِرَبِكَ﴾ على ﴿نَاضِرْ﴾، للاهتمام بالأمور التي يصبر لأجلها مع الرعاية على الفاصلة، وجعل بعضهم اللام في ﴿وَلِرَيِّكَ﴾ لام التعليل، أي: اصبر على أذاهم لأجله، فيكون في معنى: إنه يصبر توكلًا على أن الله يتولى جزاءهم، وهذا مبني على أن سبب نزول السورة ما لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم من أذى وقال الماوردي رحمه الله في قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَأَصَيْ﴾: ((أما قوله: ﴿وَلِرَيْكَ﴾ ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: لأمر ربك. الثاني: لوعد ربك. الثالث: لوجه ربك. وفي قوله: ﴿فَأَصْبِرْ﴾ سبعة تأويلات: على ما لاقيت من أحدها: ﴿فَاضبرْ﴾ الأذى والمکروه قاله مجاهد. الثاني: على محاربة العرب ثم العجم، قاله ابن زید. الثالث: على الحق، فلا يكن أحد أفضل عندك فیه من أحد، قاله السدي. الرابع: فاصْبِرْ على عطيتك لله، قاله إبراهيم. الخامس: فاصْبِرْ على الوعظ لوجه الله، قاله عطاء. السادس: على انتظام ثواب عملك من الله تعالى، وهو معنى قول ابن شجرة. السابع: على ما أمرك الله من أداء الرسالة، وتعلیم الدین، حكاه ابن عیسی)»(٢). وقال السمرقندي رحمه الله: ((قوله تعالى: ﴿وَلِرَيْكَ فَاصْبِرٌ﴾ يعني: اصبر على أمر ربك، قال إبراهيم النخعي: اصبر لعظمة (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩٩/٢٩- ٣٠٠. (٢) النكت والعيون، الماوردي ١٣٨/٦. ٢٢٤ جَوَسُوع القرآن الكريم الصبر ربك، وقال مقاتل: ﴿وَلِرَبِكَ فَاضِرً﴾ يعني وصبر لله أكمل صبر، فصبر على طاعة الله، وعن معاصى الله، وعلى أقدار الله المؤلمة، حتى فاق أولي العزم من المرسلین، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين)»(٣). یعزي نبيه صلی الله عليه وسلم؛ ليصبر على أذاهم، ويقال: فاصبر نفسك في عبادة ربك ﴿وَإِذَا نُقِرَ فِ النَّاقُرِ﴾ [المدثر: ٨]. يعني اصبر فعن قريب ينفخ في الصور))(١). وقال الشوكاني رحمه الله في قوله: ﴿وَلِريّكَ ناصِر﴾: «أي: لوجه ربك فاصبر على طاعته وفرائضه، والمعنى: لأجل ربك وثوابه، وقال مقاتل ومجاهد: اصبر على الأذى والتكذيب، وقال ابن زید: حملت أمرًا عظيمًا، فحاربتك العرب والعجم؛ فاصبر عليه لله، وقيل: اصبر تحت موارده القضاء لله، وقيل: فاصبر على البلوى، وقيل: على الأوامر والنواهي))(٢). وقال ابن سعدي رحمه الله: ((﴿وَلِرَبِّكَ فَأَصْبِرْ﴾ أي: احتسب بصبرك، واقصد به وجه الله تعالى؛ فامتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ربه، وبادر إليه؛ فأنذر الناس، وأوضح لهم بالآيات البينات جميع المطالب الإلهية، وعظم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوء، وهجر كل ما يبعد عن الله من الأصنام وأهلها، والشر وأهله، وله المنة على الناس بعد منة الله، من غير أن یطلب منهم على ذلك جزاء ولا شكورًا، (١) تفسير السمر قندي، ٣/ ٤٩٢. (٢) فتح القدير، الشوكاني ٥/ ٤٥٦. فالأمر بالصبر في القرآن يأتي بصيغة المفرد و بصيغة الجمع، والمراد به النبي صلی الله علیه وسلم وأمته، فنصبر لأمر الله لنا، ونصبر لوعد الله لنا، ونصبر مخلصين بصبرنا لله تبارك وتعالى، نصبر على فعل الطاعة وعن اجتناب المعاصي والسيئات، وعلى أقدار الله تبارك وتعالى، وعلى كل بلاء؛ لننال ما وعد الصابرين من الثواب العظيم. ٢. النهي عن ضد الصبر. فكما أن الله تبارك وتعالى أمر بالصبر في القرآن فإنه نهى عن ضده، ومن ذلك فإنه تبارك وتعالى نهى عن الجبن عند مواجهة الأعداء، ومقارعتهم في ساحة الوغى، فقال: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]. بمعنى: أنكم إذا تقاربتم، فثبتوا واصبروا وإياكم أن تفروا، ثم قال متوعدًا من لم يصبر وفرَ من الزحف بالنار فقال بعدها: ﴿وَمَن يُوَلَّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّقًا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٩٥. www. modoee.com ٢٢٥ حف الصاد اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾، وتكفل لهم سبحانه بالنصر والتثبيت قال تعالى: ﴿إِن تَنْصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرْكُمْ وَيُبَيْتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ﴾ [الحج: ٤٠]. ونھی سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الاستعجال بعد أن أمره بالصبر فقال: ﴿فَأَصْبِرْ كُمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل ◌َّهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. فدل على أن الاستعجال هو ضد الصبر. ونهى سبحانه وتعالى عن الجزع والهلع عند إصابة الإنسان بالشر كما في قوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّجُزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠]. وقال ابن منظور رحمه الله مبينًا معنى الجزع: ((الجَزُوع ضد الصَبُورِ على الشرِ، والجَزَعُ نَقِيضُ الصَيْرِ، جَزِعَ بالكسر يَجْزَعُ جَزَعًا فهو جازع، وجَزِعٌ وجَزُعٌ وجَزُوعٌ، وقيل: إِذا كثر منه الجَزَعُ فهو جَزُوعٌ وجُزاءٌ))(١). وفي مختار الصحاح: والجَزَعُ ضد المذكورة تدل على أن نبي الله يونس عليه الصبر (٢). وقال الزبيدي رحمه الله مبيناً معنى الهلوع: ((وفي التنزيل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُومًا﴾﴾ [المعارج: ١٩]. (١) لسان العرب، ابن منظور ٤٧/٨. وانظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١/ ٢٢١. (٢) مختار الصحاح، الرازي ص١١٩. واختلف في تفسير الهلوع فقيل: هو من يجزع ويفزع من الشر، وقيل: هو الذي يحرص، ويشح على المال، وقال معمر والحسن: هو الشره، أو الضجور، قاله ﴿إِذَا الفراء، قال: وصفته كما قال الله تعالى: مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيّرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠- ٢١]. فهذه صفته، وقيل: هو الذي لا يصبر على المصائب، وقال ابن بَرِي: قال أبو العباس المبرد: رجل هلوع: إذا كان لا يصبر على خير ولا شر؛ حتى يفعل في كل واحد منهما غير الحق، وأورد الآية))(٣). ومما يضاد الصبر وينافيه الغضب كما في قوله تعالى عن يونس عليه السلام عندما خرج مفارقًا لقومه غاضبًا عليهم: ﴿وَذَا اُلتُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّأَنْ لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وقال ناهيًا عن فعل مثل فعله: ﴿فَاضِرٌ ◌ِحُكْمِ رَيِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ الْمُتِ﴾ [القلم: ٤٨]. وقال الشنقيطي رحمه الله: ((وآية القلم وعلى نبينا الصلاة والسلام عجل بالذهاب، ومغاضبة قومه، ولم يصبر الصبر اللازم بدليل قوله مخاطبًا نبينا صلى الله عليه وسلم فيها: ﴿فَأَصِر ◌ِشُكْمِ رَيْكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ (٣) تاج العروس، الزَبيدي ٤٠٥/٢٢ -٤٠٦، وانظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٧٤/٨. ٢٢٦ جوية القرآن الكريم الصبر اَلْوُتِ﴾ الآية، فإن أمره لنبينا صلى الله عليه وسلم بالصبر ونهیه إياه أن یکون کصاحب الحوت دليل على أن صاحب الحوت لم يصبر كما ينبغي))(١). فالصبر في القرآن الكريم إما أن يأتي بالأمر بالصريح للمفرد أو للجمع، فاصبر أو فاصبروا، أو يأتي بالنهي عن ضد الصبر، كالنهي عن الاستعجال أو الهلع والجزع، ذلك لأن الصبر هو حبس النفس، والاستعجال والهلع والجزع ينافي ذلك، والنهي عند ضد الصبر هو أمر بالصبر. ثانيًا: الثناء على الصابرين: إن أي عمل أو خلق لا يخلو صاحبه من أمرین: إما أن يمدح ویثنی علیه، إن كان عمله أو خلقه يستحق الثناء والمدح، وذلك بأن يكون حسنًا، أو يذم ويقبح، وما ذلك إلا لسوء عمله أو سوء خلقه، وخلق الصبر من الأخلاق النبيلة الفاضلة التي يستحق المتخلق بها الثناء عليه ومدحه في الحياة الدنيا بين الناس. بل وقد أثنى الله تبارك وتعالى عليهم في کتابه الکریم ومدحهم في آیات متعددة تتلى إلى يوم القيامة، فمن ذلك: الثناء عليهم بصبرهم في حال الفقر وحين البأس وحال المرض: (١) أضواء البيان، الشنقيطي ٢٤٣/٤. أثنى الله عليهم كما في قوله تعالى: ﴿وَالصَِّينَ فِ الْبَأْسَآءِ وَالشَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسُِ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ ﴾ [البقرة: ١٧٧]. قال ابن كثير رحمه الله: ((وقوله: ﴿وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسُِ﴾ أي: في حال الفقر، وهو البأساء، وفي حال المرض والأسقام، وهو الضراء، ﴿وَحِينَ الْبَأْسُِ﴾ أي: في حال القتال والتقاء الأعداء، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومُرة الهمداني، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك، والضحاك، وغيرهم. وإنما نُصِبَ ﴿وَالصَّبِينَ﴾ على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال؛ لشدته وصعوبته، والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان، وقوله: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾ أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صَدَقوا في إيمانهم؛ لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا ﴿وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ ﴾؛ لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات))(٢). وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَاَ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصََّلِينَ وَالصَّدِّقِينَ وَاُلْقَانِتِينَ 17 (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨٨/١. www. modoee.com ٢٢٧ حرف الصاد وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٦ - ١٧]. قال ابن كثير رحمه الله: «﴿ الصَِّينَ﴾ أَيْ: فِي قِيَامِهِمْ بِالطَّاعَاتِ، وَتَرْكِهِمُ الْمُحَرَمَاتِ))(١). وقال الماوردي رحمه الله: ((قوله عز وجل: ﴿ الصِّينَ﴾ فیه ثلاثة تأويلات: أحدها: الصابرين عما نهوا عنه من المعاصي. والثاني: يعني في المصائب. والثالث: الصائمين. ويحتمل رابعًا: الصابرين عما زُيِن للناس من حب الشهوات)) (٢). وقال الله تعالى: لمُخْبتِينَ وبشر الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّبِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِىِ الصَّلَوَةِ وَمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٤-٣٥]. يأمر الله تبارك وتعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يبشر المخبتين، والمخبتون: هم المطمئنون الراضون بقضاء الله وقدره، والمستسلمون له تعالى (٣). ٹم أثنی علیھم بذکر أوصافھم و جعل من صفاتهم أنهم صابرون على ما أصابهم من المصائب والأقدار المؤلمة، وعلى طاعة الله تبارك وتعالى، وعن معصية الله تعالى. (١) المصدر السابق ٢٣/٢. (٢) النكت والعيون، الماوردي ١/ ٣٧٧. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٢٤/٥. الثناء علیھم بصبرهم على البلاء: أثنى الله تبارك وتعالى عليهم على الصبر على البلاء، وبشرهم ببشرى فقال: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَّقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِّ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥- ١٥٦]. ثم قال مبينًا مالهم: ﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَتِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]. وأثنى الله تبارك وتعالى على نبيه أيوب عليه السلام على صبره على ما ابتلاه الله تبارك وتعالى كما في قوله سبحانه: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا فَأَصْرِب ◌ِّهِ، وَلَا تَحْنَتْ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَارَاً نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ: أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]. الثناء عليهم بصبرهم على الأذى، والشدائد: قال الله تبارك وتعالى في وصفهم عباده المؤمنين: ﴿الَّذِينَ صَبَّرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٤٢]. قال ابن كثير رحمهالله: «أي: صبروا على الأذى من قومهم، متوكلين على الله الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة))(٤). ويقول الطبري رحمه الله: ((يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفنا صفتهم، وآتيناهم الثواب الذي ذكرناه، الذين صيروا (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٧٣/٤. ٢٢٨ القرآن الكريم الصبر في الله على ما نابهم في الدنيا ﴿وَعَلَى رَيِّهِمْ يَتَوَكَلُونَ﴾ يقول: وبالله يثقون في أمورهم، و إليه يستندون في نوائب الأمور التي تنوبهم)) (١). وقال الخازن: ((﴿الَّذِينَ صَبَّرُوا﴾ على الشدائد، ولم يتركوا دينهم لشدةٍ لحقتهم، وقيل: صبروا على الهجرة ومفارقة الأوطان، وعلى أذى المشركين، وعلى المحن والمصائب، وعلى الطاعات، وعن المعاصي، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: يعتمدون على الله في جميع أمورهم»(٢). ويقول ابن سعدي رحمه الله: ((ثم ذكر وصف أوليائه فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ على أوامر الله وعن نواهيه، وعلى أقدار الله المؤلمة، وعلى الأذية فيه والمحن ﴿وَعَلَى رَيِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: يعتمدون عليه في تنفيذ محابه، لا على أنفسهم، وبذلك تنجح أمورهم، وتستقيم أحوالهم؛ فإن الصبر والتوكل ملاك الأمور كلها، فما فات أحدًا شيء من الخير إلا لعدم صبره، وبذل جهده فیما أريد منه، أو لعدم توكله واعتماده على الله))(٣). فعلى الإنسان أن يتحلى بهذا الخلق العظيم؛ ليكون داخلًا في هذا الثناء العظيم من رب كريم، صبر على طاعة الله تبارك (١) جامع البيان، ١٧ / ٢٠٧. (٢) لباب التأويل، الخازن ١٩٨/٥. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٤٠. وتعالى وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله. ثالثًا: بيان العاقبة الحسنة للصابرين: إن المتأمل في الكون يلحظ أن لكل شيء نهاية، ولكل شيء عاقبة، والعاقبة قد تکون حسنة مُسرة لصاحبها، وقد تكون سيئة مُحزنة لصاحبها، وفيما يلي سنذكر - بعون الله لنا- العاقبة الحسنة للصابرين، والإنسان في هذه الحياة معَرض للبِلَى والمصائب والمحن، فإن صبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى المكارة والأقدار؛ فإن عاقبة الصبر تكون حسنة، والصبر صعب لا يستطيع الإنسان عليه إلا بمجاهدة نفسه عليه، والطلب من الله تبارك وتعالى التوفيق له والإعانة. ومن ذلك: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤَّهُمْ وَإِن تُصِبَّكُمّ سَيِتَّةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠]. يخبر الله تبارك وتعالى في هذه الآية بأن من صبر واتقى الله تبارك وتعالى؛ فإن عاقبة ذلك عدم مقدرة عدوهم الإضرار بهم، وأخبرهم بأنه بما يعملون محيط، ومن أصدق من الله قيلًا، ومن أصدق من الله حديثًا. www. modoee.com ٢٢٩ حرفالصاد قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: فقال: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾))(٢). «العداوة منهم للمؤمنين وهو أنه إذا أصاب المؤمنین خصب، ونصر وتأييد، و کثروا وعز أنصارهم؛ ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المسلمين سَنَة - أي: جَذْب-أو أُديل عليهم الأعداء، لما لله في ذلك من الحكمة، كما جرى يوم أُحُد؛ فَرح المنافقون بذلك، قال الله تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكَيْدِ الفُجار، باستعمال الصبر والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقدیره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه)) (١). ثم قال تبارك وتعالى في آية أخرى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ [آل عمران: ١٨٦]. الْأُمُورِ} وقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ [الشورى : ٤٣]. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((يقول تعالى للمؤمنين عند مَقْدمهم المدينة قبل وقعة بدر، مسلیًا لهم عما نالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين، وآمرًا لهم بالصبر والصفح والعفو؛ حتى يفرج الله، (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٩/٢. وقد قيل: (الصبر مفتاح الفرج)). وأخبر الله أن العُسر يعقبه يُسر كما في قوله: ﴿فَإِنَّمَعَ الْعُسْرِ يُشْرًا﴾ [الشرح: ٥]. ثم أكد ذلك بأداة التوكيد (إن)) فقال: ﴿إِنَّمَعَ الْمُسْرِيُشْرًا﴾ [الشرح: ٦]. قال الشنقيطي رحمه الله: ((ذكر في هذه الآية الكريمة أن المؤمنين سيبتلون في أموالهم وأنفسهم، وسیسمعون الأذى الكثير من أهل الكتاب والمشركين، وأنهم إن صبروا على ذلك البلاء والأذى واتقوا الله؛ فإن صبرهم وتقاهم ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، أي: من الأمور التي ينبغي العزم والتصميم عليها لوجوبها. وقد بين في موضع آخر أن من جملة هذا البلاء: الخوف والجوع وأن البلاء في الأنفس والأموال هو النقص فيها، وأوضح فيه نتيجة الصبر المشار إليها هنا بقوله: ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، وذلك الموضع هو قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوع وَنَّقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمْرَتِّ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ (٦) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَتِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥-١٥٧]. (٢) المصدر السابق ٢/ ١٧٩. جَوَسُو ◌َرَ النَّفسيد لِلْقُرآن الكَرِيمِ ٢٣٠ الصبر وبقوله: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ لِكَلِمَتِ اللهِ﴾ أي: التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين)»(٢). اللَّهُ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ,﴾﴾ [التغابن: ١١]. ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويدخل في قوله: الصبر عند الصدمة الأولى، بل فسره بخصوص ذلك بعض العلماء، ويدل على دخوله فيه قوله قبله: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهُ﴾. وبین في موضع آخر أن خصلة الصبر لا یعطاها إلا صاحب حظ عظیم، وبخت کبیر، وهو قوله: ﴿وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا أُلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّنَهَا إِلَّذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]. وبين في موضع آخر أن جزاء الصبر لا حساب له، وهو قوله: ﴿إِنََّا يُوَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]))(١). ٠١٠٠٠١٩٤٠ حَّ أَنَهُمْ نَصْنَا وَلَا مُبَّدِّلَ لِكَلِمَتِ اَللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن ◌َّيَِّى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية له فیمن کذبه من قومه، وأمر له بالصبر، کما صبر أولو العزم من الرسل، ووعد له بالنصر كما نصروا، وبالظفر حتى كانت لهم العاقبة، بعد ما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ، ثم جاءهم النصر في الدنيا، كما لهم النصر في الآخرة؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا مُبَّدِّلَ (١) أضواء البيان، الشنقيطي ٢١٨/١. ومنها: قول الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌّ كَبِيرٌ﴾ [هود: ١١]. بين الله سبحانه في هذه الآية عاقبة الصابرين في الشدائد والمكاره، والعاملين الصالحات في الرخاء والعافية بأن لهم مغفرة من الله بما يصيبهم من الضراء، ﴿وَأَجْرُ كَبِيرٌ﴾ بما أسلفوه في الرخاء (٣). وقد قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كما في حديث: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب، ولاسقم ولاحزن، حتی الھم یهمه إلا کفر به من سيئاته)(٤). وحديث: (فصبر كان خيرًا له)(٥). وَلَقَدْ ومنها: قوله تبارك وتعالى: كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ ومنها: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَِّ الْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكٌ مَاكُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَأَصْبِرٍّ إِنَّ الْعَقِبَةَ لِلْمُنَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]. قال ابن جرير الطبري رحمه الله: ((إن الخير من عواقب الأمور لمن اتقى الله، فأدَى فرائضه، واجتنب معاصيه، فهم (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٢/٣. (٣) انظر: المصدر السابق ٣٠٩/٤. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض، ١٩٩٢/٤،رقم ٣٥٧٣. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، ٢٢٩٥/٤، رقم ٢٩٩٩. www. modoee.com ٢٣١ حف الصاد الفائزون بما يؤمِلون من النعيم في الآخرة، والظفر فى الدنيا بالطلبة، كما كانت عاقبة نوح إذ صبر لأمر الله، أنْ نجَاه من الهلكة مع من آمن به، وأعطاه في الآخرة ما أعطاه من الكرامة، وغرَق المكذبين به فأهلكهم جمیعھم)(١). ومنها: قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّهُ. مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]. أخبر الله تبارك وتعالى أن من يتق فعل ما حرم الله عليه، ويصبر على المصائب والأقدار والطاعات؛ فإن هذا من الإحسان وأن الله لا يضيع أجر المحسنين. ومنها: قوله تبارك وتعالى: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبْتُمْ فِعْمَ عُقْىَ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]. قال ابن سعدي رحمه الله: «أي: حلت عليكم السلامة، والتحية من الله، وحصلت لكم، وذلك متضمن لزوال كل مكروه، ومستلزم لحصول كل محبوب، ﴿بِمَا صَبٌّ﴾ أي: صبركم هو الذي أوصلكم إلى هذه المنازل العالية، والجنان الغالية، عُقْىَ الدَّارِ﴾))(٢). وأخبر سبحانه أنه تعالى يغفر لمن ابتلاه فصبر، فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَهَدُواْ (١) جامع البيان، الطبري ٣٥٦/١٥ (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤١٦. وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ زَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]. قال العلامة ابن سعدي رحمه الله: ((أي: ثم إن ربك الذي ربى عباده المخلصين بلطفه وإحسانه؛ لغفور رحيم لمن هاجر في سبيله، وخلى دياره وأمواله؛ طلبًا لمرضاة الله، وفتن علی دینه؛ ليرجع إلى الكفر، فثبت على الإيمان، وتخلص ما معه من اليقين، ثم جاهد أعداء الله؛ ليدخلهم في دين الله بلسانه ويده، وصبر على هذه العبادات الشاقة علی أکثر الناس، فهذه أکبر الأسباب التي تنال بها أعظم العطايا وأفضل المواهب، وهي مغفرة الله للذنوب صغارها وكبارها، المتضمن ذلك زوال كل أمر مكروه، ورحمته العظيمة التي بها صلحت أحوالهم، واستقامت أمور دينهم ودنياهم، فلهم الرحمة من الله في يوم القيامة))(٣). ومنها: قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِّ وَلَيِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَِّينَ﴾ [النحل: ١٢٦]. وقال الشنقيطي رحمه الله: ((الأمر في قوله: ﴿فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٍِّ﴾ للجواز، والله لا یأمر إلا بحسن؛ فدل ذلك على أن الانتقام حسن، ولكن الله بين أن العفو والصبر خير منه وأحسن في قوله: ﴿وَلَيْن صَبُّمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلِصَِّنَ﴾. (٣) المصدر السابق ص ٤٥٠. ٢٣٢ القرآن الكريم الصبر وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، کقوله تعالى في إباحة الانتقام: ﴿وَلَمَنِ أَنَصَرَ بَعْدَ كُلِمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]. مع أنه بین أن الصبر والغفران خير منه، في قوله بعده: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُرِ﴾. وكقوله في جواز الانتقام: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ اُلْجَهْرَ بِالسُّوْءِ مِنَ الْقَوّلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]. مع أنه أشار إلى أن العفو خير منه))(١). ومنها: قول الله تبارك وتعالى: ﴿إنّ جَزَيْتُهُمُ اَلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ أَنَّهُمْ هُمُ اَلْفَآِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١]. قال ابن كثير رحمه الله: ((أخبر عما جازی به أولیاءه، وعباده الصالحين، فقال: ﴿إِنِّ جَزَيْتُهُمُ اَلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُّواْ﴾ أي: على أذاكم لهم واستهزائكم منهم، ﴿أَنَّهُمْ هُمُ اٌلْفَآِرُونَ﴾ أي: جعلتهم هم الفائزين بالسعادة والسلامة والجنة، الناجين من النار))(٢). فبسبب صبرهم في هذه الحياة الدنيا على أذى الكفار لهم، وسخريتهم بهم، ويصبرهم على طاعة الله، وامتثال أمره تعالى، واجتناب نهيه؛ جازاهم الله بأن (١) أضواء البيان، ٦/ ٣٥٧. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٩٩/٥. جعلهم في يوم القيامة من الفائزين. ومنها: قوله تبارك وتعالى: ﴿أُوْلَمَكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَّحِيَّةً وَسَلَمَا﴾ [الفرقان: ٧٥]. اسم الاسم الإشارة في ﴿أُوْلَئِكَ﴾ عائد إلى عباد الله المؤمنين، أصحاب الصفات المتقدمة، وأخبر أنهم سيجزون الغرفة، وهي الجنة؛ بسبب صبرهم في هذه الحياة على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله ويبتدرون فيها بالتحية والسلام والإكرام، من قِبل ملائكة الرحمن ﴿وَالْمَلَكَةُ يَدْخُلُونَ عَيْهِم مِّنِ كُلِّ بَابٍ (٢) سَلَمُّ عَلَيْكُم بِمَا صَبْتُمْ فَنِعْمَ عُقْىَ النَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]. ومنها: قوله تعالى: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَهُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيْئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤]. أخبر الله في هذه الآية بأنه تعالى يُعطي الصابرين يوم القيامة أجرهم مرتين، وهذه الآية في أهل الكتاب، فهم يؤتون أجرهم بإيمانهم بالرسول الأول، وإيمانهم بالرسول الثاني، وما ذلك إلا بسبب صبرهم على اتباع الحق، ثم إن الله تبارك وتعالى تفضل على المؤمنين من هذه الأمة مثل ذلك كما في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]. www. modoee.com ٢٣٣ حرفالصاد وزادهم على ذلك بقوله: ﴿وَتَجْعَل لَّكُمْ نُورًّا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْلَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. رابعًا: من خلال عرض القصص القرآني: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم واجهوا في سبيل دعوتهم ألوان الأذى، تكذيبًا واستهزاءً وسخريةً، أوذوا بالقول والفعل، قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْكُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَنْهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام: ٣٤]. أي: أن الأنبياء قبلك أوذوا؛ فصبروا حتى أتاهم نصر الله عز وجل الذي وعدهم، ثم أمره بالصبر كما في قوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْوِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل ◌َّهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وقد صبر النبي صلی الله عليه وعلى آله وسلم على أذى قومه وتكذيبهم، فاتهمه كفار قريش بالتكذيب ﴿وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌّكَذَّابُ﴾ [ص: ٤]. وقال عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّ إِفْكُ أَفْتَرَهُ وَأَمَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ ءَآخَرُونٌَ فَقَدْ جَهُو ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: ٤]. وتقول أمنا عائشة رضي الله عنها كما في البخاري للنبي صلى الله عليه وسلم: ((هل أتی علیك یوم كان أشد من يوم أحد، قال: (لقد لقیت من قومك ما لقیت، و کان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد یاليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت؛ فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب(١) فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت؛ فإذا فيها جبريل؛ فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا علیك، وقد بعث إليك ملك الجبال؛ لتأمره بما شئت فيهم؛ فناداني ملك الجبال؛ فسلم عليّ، ثم قال: يا محمد، فقال، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (٢)؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا یشرك به شيئًا)»(٣). ووضع سلا الجزور (٤) على ظهره وهو (١) قال القاضي عياض: ((قرن الثعالب هو قرن المنازل، وهو ميقات أهل نجد، وهو على مرحلتين من مكة وأصل القرن كل جبل صغير ينقطع من جبل))، شرح النووي على صحيح مسلم ١٢ / ١٥٥. (٢) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((قوله: الأخشبين هما جبلا مَكَة قعيقعان))، فتح الباري، ابن حجر ١/ ٧٦. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه، رقم ٣٠٥٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين، رقم ١٧٩٥ . (٤) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((قَوْلِه: الْجَزُور بِفَتْحِ أَولْه هُوَ مَا يجزر من الْإِبِل أَي ٢٣٤ جوبيـ لِلْقُرآن الكَرِيمِ الصبر ساجد بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ وغير ذلك فصبر علی کل ما لاقی حتی مکنه الله سبحانه وتعالى. فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُّنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾))(١). ولقد ضرب الله تبارك وتعالى لنا في کتابه الکریم نماذج رائعة جدا تجسدت فيها حقيقة الصبر، ذكروا بصبرهم في القرآن؛ لیقتدي بهم الصابرون، النموذج الأول عن لون من ألوان الصبر وهو الصبر على طاعة الله عز وجل، ومن ذلك صبر إبراهيم عليه السلام في الدعوة إلى الله حتى أنه صبر صبرًا قويًا، وعانى من التكذيب والرفض والضرب والإبعاد، فهُدد بالإلقاء في النار؛ حتى قذف فيها، فقال الله مخبرًا عن ذلك: قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَأَنصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنُمُ فَعِلِينَ ﴿ قُلْنَا يَثْنَارُ كُنِي بَرْدًا وَسَلَمَا عَلَى إِبْرَهِيمَ ﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٦٩]. فما كان منه إلا أن قال: حسبنا الله ونعم الوكيل كما روى ذلك البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ اَلْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي يذبح وَالْجمع جزائر وجزر)) فتح الباري، ابن حجر ١ / ٩٨. وقال النووي رحمه الله: ((قال العلماء: الجزور بفتح الجيم وهي البعير، قال القاضي: وفرق هنا بين البدنة والجزور، لأن البدنة والهدي ما ابتدي إهداؤه عند الإحرام، والجزور ما اشتري بعد ذلك لينحر مكانها)، شرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ٦٨. ومن ذلك صبره على ترك زوجته هاجر وولده إسماعيل عليه السلام في مكة، وهي أرض لا أنيس فيها، ولا ماء فيها، ولا صديق ولا قریب، ویرجع من عندهم ویقول حاکیا ذلك: ﴿رَبَّنَآ إِنَّ أَسْكَنتُ مِن ذُرِيَّتِى بِوَادٍ غَيّرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّم رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. وعن سعید بن جبير قال ابن عباس رضي الله عنهما: (أَوَلَ مَا أَتَخَذَ النِسَاءُ المِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمْ إِسْمَاعِيلَ، اتَخَذَتْ مِنْطَقًّا لِتُعَفِيَ أَثْرَهَا عَلَىَّ سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَى وَضَعَهُمَا عِنْدَ البَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ، فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى المَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَّا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَ قَفَى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الوَادِي، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ (١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب تفسير سورة آل عمران، رقم ٤٢٨٧. www. modoee.com ٢٣٥ حرفالصاد مِرَارًا، وَجَعَلَ لاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ يقابل ذلك بالرفض، وإنما قابل ذلك الَذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لاَ بالتسليم والاستسلام لأبيه -عليهما الصلاة يُضَبِعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَةِ حَيْثُ لاَ يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ، ثُمَ دَعَا بِهَؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ)(١). وفعلًا لم يضيعهم رب العالمين تبارك وتعالى، رغم أنه ترکھم في وادٍ لا زرع فیه، ولا ماء، ولا مرعى، ولا أكل. ثم بعد ذلك رأى في منامه أنه یذبح ولده إسماعيل عليه السلام ورؤيا الأنبياء حق وصدق كما في قول رب العزة والجلال: ﴿وَقَالَ إِنِّ ذَاهِبٌ إِلَى رَبِ سَيهدِینِ رَبِّهَبْلِ فَلَمَّا ج فَبَشَّرْنَهُ بِعُلَمٍ حَلِيمٍ( مِنَ الصَّلِحِينَ بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبْنَىَّ إِّ أَرَى فِىِ الْمَنَامِآَنِ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَىَّ قَالَ يَتَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَتَجِدُنِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا (١٠٤) قَدْ وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَتَإِبْرَهِيمُ وَتَلَّهُ, لِلْجَبِينِ (١٠٥ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَةَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ وَقَدَيْنَهُ بِذِبْحِ ١٠٦ إِنَّ هَذَا لَهُوَ أَلْبَلَوُاْ الْمُبِينُ سَلَمْ عَلَى ١٠٨ مُ وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِرِينَ لَا ١٠٧ عَظِيمٍ ( كَذَلِكَ تَّجْزِى الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ، مِنْ (١٠٩ إِبْرَهِيمَ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٩٩-١١١]. ثم إن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام بدأ بتنفيذ ما رأى، وعرض ذلك على ولده إسماعيل عليه السلام؛ فلم (١) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، ٤/ ١٤٢، رقم ٣٣٦٤. والسلام-، ولأمر الله طواعية واختيارًا، وكان إسماعيل عليه السلام هو الابن الوحيد لإبراهيم عليه السلام حينئذ، ولم يأته إلا بعد أن طال عمره، ثم إن تعلق الأب بابنه لا يوصف، لكن تعلقه بالله تبارك وتعالى أعظم، وطاعته لله فوق كل ذلك، فلم يتأول إبراهيم عليه السلام الرؤيا لصالحه، ولكن بادر بالامتثال، وعرض على ابنه ما رأى عرضًا في غاية الإيجاز والسهولة. ومع ذلك يتضمن هذا العرض أمرًا في غاية الخطورة، وكانت الإجابة من هذا الابن الصابر على هذا البلاء قوية جدًا دالة على قوة إيمانه وامتثاله لربه تبارك وتعالى فقال مخاطبًا أباه بجملتين حسم بهما الموفق، الجملة الأولى: أمر أباه بامتثال أمر الله له بالذبح، والجملة الثانية: وعد أباه بالصبر على تنفيذ ما یرید أباه، فقال كما أخبر الله عنه: ﴿قَالَ يَبنَىَّ إِّ أَرَىْ فِي الْمَنَامِ آَنِّ أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَّ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَتَجِدُفِّ إِن شَآءَ اَللَّهُ مِنَ الصَِّينَ﴾. قال ابن كثير رحمه الله: ((وإنما أعلم ابنه بذلك؛ ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه في صغره على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه ﴿قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ﴾ أي: امض لما أمرك الله من ذبحي، ٢٣٦ جوسيق القرآن الكريمِ الصبر سأصبر واحتسب ذلك عند الله عز وجل، وصدق صلوات الله وسلامه عليه- فيما وعد؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْفِي الْكِتَبِ إِسْمَعِيلٌّ ◌ِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نِّيَّاً ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ وَكَانَ عِندَ رَيِّهِ، مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤-٥٥]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّ أَسْلَمَا وَقَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: فلما تشهدا وذكرا الله تعالى إبراهيم على الذبح، والولد شهادة الموت، وقيل: أسلما يعني استسلمًا وانقادًا، إبراهيم امتثل أمر الله تعالی، وإسماعیل طاعة لله ولأبيه))(١). وقال رحمه الله: ((المقصود من شرعه أولًا -أي: من الذبح- إثابة الخليل على الصبر على ذبح ولده وعزمه على ذلك ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا ◌َوَ الْبَوَّا الْمُّبِينُ﴾ أي: الاختبار الواضح الجلي حيث أمر بذبح ولده فسارع إلى ذلك مستسلمًا لأمر الله تعالى منقادًا لطاعته، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِبْرَ هِيمَ اَلَّذِى وَ﴾ [النجم: ٣٧]»(٢) . وقال ابن عاشور في قوله: ﴿قَدْصَدَّقْتَ الرُّؤْيَآَ﴾: ((والمراد: أنه صدق ما رآه، إلى حدٍ إمرار السكين على رقبة ابنه، فلما ناداه جبريل بأن لا يذبحه؛ كان ذلك الخطابُ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠/٤. (٢) المصدر السابق ٢٢/٤. ﴿َسَتَجِدُنِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَِّينَ﴾ أي: نسخًا لما في الرؤيا من إيقاع الذبح، وذلك جاء من قِبل الله، لا من تقصير إبراهيم، فإبراهیم صدَق الرؤیا إلى أن نهاه الله عن إكمال مِثالها، فأُطلق على تصديقه أكثرها أنه صدَقها، وجُعِل ذبح الكبش تأويلاً لذبح الولد الواقع في الرؤيا، وجملة: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ إن تعليل لجملة: ﴿ وَنَدَيْنَهُ﴾؛ لأن نداء الله إياه ترفيع لشأنه؛ فكان ذلك النداء جزاء على إحسانه)) (٣). والنموذج الثاني من أبرز الأمثلة وأشدها وضوحًا على الصبر عن معصية الله تبارك وتعالى في كتابه الکریم صبر نبي الله يوسف عليه الصلاة السلام على مراودة امرأة العزيز، لقد كان الصبر شعارًا ودثارًا له عليه السلام في محنته التي ابتلي بها اضطرارًا واختیارًا، كشف عن هذا حين عثر إخوته عليه، فقال الله سبحانه على لسانه: ﴿أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِىّ قَدْ مَنَ اَللَّهُ عَلَيْنَاً إِنَّهُ، مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]. فأعرض عن كل هذه الفتن والإغراءات وخرج من الفتنة بإيمانه وصبره، قال ابن القيم رحمه الله: ((وسمعت شيخ الإسلام ابن تیمیة -قدس الله روحه- يقول: كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥٤/٢٣. www. modoee.com ٢٣٧ حرف الصاد الجب، وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه، فإن السجن على ما دُعي إليه، فقال كما أخبر الله عنه: ﴿قَالَ رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفِ عَنِّى كَيْدَ هُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَكُ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]. هذه أمور جرت عليه بغير اختياره، لا كسب له فيها، ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر، وأما صبره عن المعصية: فصبر اختيار ورضًا ومحاربة للنفس، ولا سيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة. فإنه كان شابًا، وداعية الشباب إليها قوية، وعزبًا ليس له ما يعوضه ويرد شهوته، وغريبًا، والغريب لا يستحي في بلد غربته مما يستحي منه من بين أصحابه ومعارفه وأهله، ومملوكًا، والمملوك أيضًا ليس وازعه كوازع الحر، والمرأة جميلة، وذات منصب، وهي سيدته، وقد غاب الرقيب، وهي الداعية له إلى نفسها، والحريصة على ذلك أشد الحرص، ومع ذلك توعدته إن لم يفعل بالسجن والصغار، ومع هذه الدواعي كلها صبر اختيارًا وإيثارًا لما عند الله، وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه؟، وكان يقول: الصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل، فإن مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية، ومفسدة عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية))(١). فضحی عليه الصلاة والسلام بدنياه من أجل دينه، وبحریته من أجل عقيدته، وفضل (١) مدارج السالكين، ابن القيم ١٥٦/٢. وحين أفرج عنه عليه السلام وخرج من السجن واستدعي لمقابلة الملك، طلب منه التحقيق في قضيته حتى تظهر براءته على الملأ كما في قوله: ﴿وَقَالَ الْلِكُ اثْنُنِبِهِّ فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْتَلَهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ أَّتِى قَطَّعْنَ أَبْدِ يَّهُنَّ إِنَّ رَبِّ بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: ٥٠]. وحدث ذلك فعلًا واعترفت امرأة العزيز فـ﴿قَالَ مَا خَطَبْكُنَّ إِذْ رَوَدُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ. قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍّ قَالَتِ أَقْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْقَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَوَدَثُّهُ عَن نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١]. اثْنُوني فازداد إعجاب الملك به، فقال: إِهِ أَسْتَخْلِصِهُ لِنَفْسِى فَلَمَّا كَلَمَّهُ قَالَ إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِيْنُ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤]. وحين عرفه أخوته قال لهم: ﴿إِنَّهُ. مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]. وبعد ذلك أُتي بأبيه إلى مصر فكان ذلك عاقبة الصبر، أخرج من السجن، وظهرت براءته، وأُتي بأبيه إلى مصر. النموذج الثالث من أبرز الأمثلة وأشدها وضوحًا على الصبر على أقدار الله المؤلمة ٢٣٨ فَضْو جوسين القرآن الكريم الصبر صبر نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام، حین أُصيب بضر عظیم في بدنه وأهله وماله فصبر، فخلد الله ذكره في القرآن، فقال: ﴿وَأَيُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ، أَنّ مَسَّفِىَ الُُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّجِينَ ® فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ، فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرِّ وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ، وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣-٨٤]. وقال: ﴿ وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُوُّبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ( أَنِّ مَسَّفِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ أَرَّكُضْ بِحْلِكٌ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَبٌ ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ, وَمِثْلَهُم وَخُذّ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ ! بِيَدِكَ ضِغْتًا فَأَضْرِب ◌ِ وَلَا تَّحْنَثُ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤١ -٤٤]. یذکر تعالی عن أيوب عليه السلام، وما أصابه من البلاء العظیم، في ماله وولده وجسده، فصبر على هذا البلاء العظیم، حتى أن الله أثنى عليه فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِرَا فِعْمَ الْعَبْدٌّ إِنَّهُ: أَوَّبٌ﴾، ثم إن الله يبتلى الرجل علی قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زید في بلائه، وأشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل(١). فذكر الله سبحانه وتعالى له من ألوان التكريم وأوسمة الشرف؛ لعظيم صبره: (١) أخرجه أحمد في المسند، ١٠/٤٥، رقم ٢٧٠٧٩. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٢٣٠، رقم ٩٩٢. أولًا: تكريمه عليه الصلاة والسلام بتخليد ذكره ومباهاة الله به عند رسوله محمد صلی الله عليه وسلم. ثانيًا: تكريمه بقوله: ﴿عَبْدَنَا﴾ حيث أضاف إليه العبودية، وهي من أشرف أو صاف الإنسان التي يتحلى بها. ثالثًا: عندما استجاب الله تبارك وتعالى نداءه وكشف ضره وهب له أهله ومثلهم معهم، قال الحسن وقتادة في قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾: «أحیاهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم»(٢). رابعًا: جعل الله سبحانه له عليه الصلاة والسلام مخرجًا من مأزق الحنث من يمين حلفه على امرأته. قال ابن كثير رحمه الله: ((وقوله: مِنَّا﴾ أي: به على صبره وثباته، وإنابته وتواضعه واستكانته ﴿وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ أي: لذوي العقول؛ ليعلموا أن عاقبةَ الصبر الفرجُ والمخرجُ والراحة)»(٣). وقد ذكر الله تعالى صبره في مواطن متعددة كما في الآيات المتقدمة، وكان نداء أيوب عليه السلام في ضرائه في غاية اللطف والأدب، حيث قال سبحانه: ﴿وَأَيُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّ مَسَِّىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾، فكانت الإجابة في آية (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٧٥. (٣) المصدر السابق. www. modoee.com ٢٣٩ حرف الصاد التمام والكمال، فنادى ربه، ولم يسأله شيئًا فيكشف ما به فلما رأى حاله لم يصبر الرجل حتی ذکر ذلك له فقال أیوب: لا أدري ما بعينه من الأهل والعافية، فذكر ربه بما هو أهله، وبما اتصف به؛ فاستجاب له دعاءه؛ فكشف عنه الضر، ورد عليه الأهل، ومثلهم معهم، وجعله ذکری للعابدين، وإماما من الصابرين. تقول غير أن الله يعلم مني أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله تبارك وتعالى فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهة أن یذکران الله إلا في حق، و کان یخرج إلى الحاجة فإذا قضاها أمسکت امرأته بيده حتى يبلغ فلما ذات يوم أبطأت عليه وأوحي إلى أيوب في مكانه أن ﴿أَنَّكُضْ بِحْلِكَّ هَذَا مُعْتَسَلٌ بارِدٌ وَشراب ومكث أيوب عليه الصلاة والسلام صابرًا مدة طويلة من الزمان، لم يدع ربه في كشف ما به، حتى شمت به قوم؛ فتألم لذلك، ودعا ربه حينئذ، واختلف في المدة التي صبر فيها على البلاء على أقوال متعددة أصحها، كما قال القرطبي رحمه الله بعد أن ذكر عدة أقوال: ((وأصح من هذا -والله أعلم- ثماني عشرة سنة، رواه ابن شهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم))(١). وقد دل على هذا ما رواه الإمام البزار في مسنده من طريق ابن شهاب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله علیه وسلم قال: (إن نبي الله أیوب صلى الله عليه وسلم لبث في بلائه ثماني عشرة سنة؛ فرفضه القريب والبعید إلا رجلین من إخوانه كانا من أخص إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: قد أصابه منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٢٧/١١. قال: فاستبطأته؛ فتلقته تنظر، وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو أحسن ما كان فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله صلى الله علیه وسلم هذا المبتلى، والله على ذلك ما رأیت أحدًا أشبه به منك إذا كان صحيحًا قال: فإني أنا هو قال: وكان له أندران: أندر للقمح، وأندر للشعير فبعث الله تبارك وتعالى سحابتين، فلما كانت أحدهما على أندر القمح؛ أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض) (٢) وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (بينما أيوب (٢) أخرجه البزار في مسنده رقم ٦٣٣٣، وأبو يعلى في مسنده، رقم ٣٦١٧، وابن حبان في صحیحه، رقم ٣٨٩٨. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم ١٧. ٢٤٠ الْقُرآن الكَرِيمِ