النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ ـانِكُ عَلَيْهِ السَّلام ١ L عناصر الموضوع التعريف بصالح عليه السلام ١٧٨ ١٨١ ذكر صالح عليه السلام في القرآن الكريم ١٨٢ دعوة صالح عليه السلام ١٨٧ معجزة صالح عليه السلام ١٩٦ نجاة صالح عليه السلام ١٩٨ الدروس المستفادة من قصته عليه السلام المُجَلَدُ العُشْرُونْ حف الصاد التعريف بصالح عليه السلام أولًا: اسمه ونسبه عليه السلام: هو صالح بن عبد الله بن ملسح بن عبید بن حاجر بن ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح (١)، وقيل: صالح بن عبيد بن أنيف بن ماشخ بن جادر بن جاثر بن ثمود قاله: مقاتل، وقيل: صالح بن کانوه، قاله الربيع: وقیل: صالح بن عبيد بن يوسف بن شالخ بن عبيد بن جاثر بن ثمود، قاله مجاهد: قال مجاهد: كان بينه وبين ثمود مائة سنة وكان في قومه بقایا من قوم عاد على طولهم وهيئاتهم(٢). أرسله الله تعالى إلى قومه ثمود، وهي قبيلة مشهورة، من العرب العاربة البائدة (٣)، سموا باسم جدهم ثمود أخي جدیس من ذریة سام بن نوح، ویری آخرون أن ثمود ابن عابرٍ، أو جاثر أو جائر بن إرم بن سام بن نوح (٤)، وعمروا الأرض بعد عاد، كما بين ذلك القرآن حيث يقول حاكيًا عن صالح يخاطب قومه: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤](٥). وديار ثمود بالحجر بين تبوك والمدينة (٦)، في وادي القرى بين بلاد الشام والحجاز(٧)، ولهذا عرف قومه بأصحاب الحجر (٨)، قال سبحانه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَبُ الْحِجْرِ ﴾ [الحجر: ٨٠]. ٨٠ الْمُرْسَلِينَ وتعرف الآن بمدائن صالح عليه السلام، وموقعها في شمال مدينة العلا، على بعد ٣٦٥ كيلو متر من المدينة المنورة عن طريق خيبر. وجاء في الأثر: عن نوف الشامي: (أن صالحًا النبي صلى الله عليه وسلم من العرب لما (١) البداية والنهاية، ابن كثير: ١٣٠/١-١٣١. (٢) عمدة القاري، العيني ٣٣/ ٢٧٠. (٣) انظر: تاريخ الطبري، ١٣٣/١، تاريخ ابن خلدون، ٢٨/٢. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٢٤/١، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣٨/٧، البداية والنهاية، ابن كثير ١/ ١٣٠، التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٥٢٤/١. (٥) انظر: قصص القرآن، فؤاد عبدالغفار، ص ١٧١. (٦) قصص الأنبياء، ابن كثير ١/ ١٤٥. (٧) انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي، ٢/ ٢٥٥، مروج الذهب، المسعودي، ٤٢/١. (٨) الحجر: كل ممنوع فهو حجر محجور، والحجر كل بناء بنيته وحجرت عليه من الأرض فهو حجر، ومنه سمي حطیم البیت حجرًا. انظر: فتح الباري، ابن حجر ١/ ١٠٢. مَوَسُولَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ ١٧٨ صالح عليه السلام أهلك الله عادا، وانقضى أمرها عمرت ثمود بعدها، فاستخلفوا في الأرض فانتشروا، ثم عتوا على أمر الله، فلما ظهر فسادهم وعبدوا غير الله بعث الله إليهم صالحًا، وكانوا قومًا عربًا وهو من أوسطهم نسبًا وأفضلهم موضعًا، وكانت منازلهم الحجر إلى قرع - وهو وادي القرى ثمانية عشر ميلا فيما بين الحجر إلى الحجاز - فبعثه الله إليهم غلامًا شابًا فدعاهم إلى الله حتى شمط (١) وكبر، ولا يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون، فهلكت عاد وثمود ومن كان منهم من تلك الأمم، وكانوا من ولد لاوذ بن سام بن نوح، ولم يكن بين نوح وإبراهيم نبي قبله، يعني: قبل إبراهيم إلا هود وصالح)(٢). ثانيًا: زمان سيدنا صالح عليه السلام: وظاهر سياق القرآن أن ثمود كانوا بعد عاد، كما صرح بذلك الترتيب في سورة الأعراف، وعلى هذا فهم قبل إبراهيم عليه السلام، وقد ورثت ثمود قوم عاد، كما ورثت عاد قوم نوح، وهذا الترتيب لهؤلاء الأقوام ورد في قوله تعالى: ﴿وَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَافِى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَّا أَصَابَ قَوْمَ نُوجِ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَلِحْ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمِْبَعِيدٍ ( ** [هود: ٨٩]. ٨٩ وقد وجدت بالحجاز أطلال، مدينة قديمة على بعد خمسة وأربعين ميلًا إلى الشمال الغربي من تبوك، ويظهر أن منشأ ثمود هو جنوب الجزيرة العربية، إلا أن مجموعة كبيرة منها انتقلت إلى الشمال في تاريخ مبكر واستقرت في منطقة الحجر. ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَمَلَكُتْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ أي: بعد هلاكهم، وكانت ديار عاد بحضر موت جنوب الجزيرة العربية، وديار ثمود بالحجر شمال الجزيرة بمنطقة الحجر، يقول تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا (١٤٩) [الشعراء: ١٤٩]. فَِمِينَ تتخذون من سهولها قصورًا تسكنونها في الصيف، وتنحتون من الجبال بيوتا تسكنونها في الشتاء (٣). ثالثًا: مكانة سيدنا صالح عليه السلام في قومه: كان صالح عليه السلام معروفًا بالحكمة والنقاء وأفعال الخير، مرجوًا لدى قومه قبل أن (١) شمط: هو مخالطة البياض شعر الرأس، وهو بياض اللحية. ومنه امرأة شمطاء أي: وخط رأسها الشيب. ولا يقال للمرأة: شيباء، ولكن يقال لها: شمطاء. انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٧/ ٣٣٥، تاج العروس، الزبيدي، ٤٨٩٩/١. (٢) أخرجه، الحاكم في المستدرك على الصحيحين، ٢/ ٦١٦، رقم ٤٠٦٥. (٣) انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري ١/ ٤٧٧. www. modoee.com ١٧٩ حرف الصاد يوحي الله إليه، يقول سبحانه وتعالى: ﴿قَالُواْ يَصَلِحُ قَدَّكُنْتَ فِنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَاْ أَنَتْهَيْنَا أَنْ تَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى سَلِكٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ [هود: ٦٢]. أي: قالوا: مؤملين برجاء خيرك؛ لعلمك وعقلك وصدقك وحسن تدبيرك، ثم خاب رجاؤنا فيك(١). أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ !. ما كنا نتوقع منك أن تعيب آلهتنا التي وجدنا آبائنا عاكفين عليها. وهكذا يعجب القوم مما يدعوهم إليه. ويستنكرون ما هو واجب وحق، ويدهشون أن يدعوهم أخوهم صالحُ عليه السلام إلى عبادة الله وحده. وذلك لأن آباءهم كانوا يعبدون هذه الآلهة. فهم قوم يشركون بالله ويفسدون في الأرض ولا يصلحون، وقد دعاهم صالح علیه السلام إلى الإيمان بالله وإلى عبادة الله وحده لا شريك له بأسلوب جميل وحسن تأن، وطلب منهم أن يخلعوا عبادة الأصنام والأنداد، ولا يشركوا بربهم شيئًا، فآمنت به طائفة منهم، وكفر جمهورهم، ونالوا منه بالمقال والفعال. (١) النكت والعيون، الماوردي ٤٧٩/٢. ١٨٠ جَوَسُو ◌َب التفسير لِلْقُرآن الكَرِيمِ صالح عليه السلام ذكر صالح عليه السلام في القرآن الكريم ورد ذكر صالح عليه السلام في القرآن الكريم (٢٦) مرة، في (٢٢) سورة. وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية: السورة الآيات الأعراف ٧٣-٧٩ هود ٦١-٦٨ الشعراء ١٤٢-١٥٩ النمل ٤٥-٥٣ www. modoee.com ١٨١ حرف الصاد دعوة صالح عليه السلام أولًا: معالم دعوته عليه السلام: تتفق دعوة الرسل لأقوامهم في أصلها، وهو توحيد الله جل وعلا بالعبادة، فهم جميعًا، متفقون في ذلك. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِ» إِبْزَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىٌّ أَنْ أَقِيمُواْ الَّذِينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ [الشورى: ١٣]. أما شرائعهم فإنها تختلف؛ كما قال تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ [المائدة: ٤٨]. وفي الحديث المتفق عليه: (أن الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد). وفي رواية البخاري: (أولاد علات)(١). ومعنى الحديث: أن الرسل متفقون في أصول الدين، وعبر عن ذلك بأنهم أولاد علات، وأولاد العلات الإخوة من الأب، وأصله أن من تزوج امرأة ثم تزوج أخرى كأنه عل منها، والعلل: الشرب بعد الشرب، فأولاد العلات الإخوة من الأب وأمهاتهم شتى، وفي بعض الروايات: أمهاتهم شتى (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَأَذَكَرْ في الْكِتَبِ﴾، ١٧٦/٤، رقم ٣٤٤٣. ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب فضل عيسى عليه السلام، ٤ /١٨٣٧، رقم ٢٣٦٥. ودينهم واحد، فكنى عن توحيد دينهم باشتراكهم في الأبوة، فأصل الدين الذي هو التوحيد واحد وإن اختلفت فروع الشرائع (٢). وكان صالح عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله، ويبين لهم نعم الله الكثيرة، وأنه يجب شکره وحمده عليها، فقالوا له: یا صالح ما أنت إلا بشر مثلنا، بل وذلك خطاب كل الأمم المكذبة لرسلهم الذين بعثوا إليهم: ﴿مَآ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: ١٥]. أي: كان هذا احتجاجهم في رد الرسالات يحتجون على الرسل فيقولون: إن الرسل في العادة إنما يجيئون من عند المرسل، وأنتم نشأتم بين أظهرنا لم تأتونا من عند أحد في الظاهر، ولا نرى لك خصوصية لا في الخلقة ولا في القدرة والمال وغيره وإذا کنت تدعي أنك رسول الله، فلابد أن تأتینا بمعجزة وآية. قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًاً قَالَ يَقَّوْمِ أَعْبُدُوا اللَّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْجَآءَ تَكُمْ بَيِّنَةٌ﴾ [الأعراف: ٧٣]. وكان رد الرسل عليهم صلوات الله وسلامه: ﴿إِن ثَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اُللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ﴾ [إبراهيم: ١١]. وقد أسس الله سبحانه وتعالى دعوة (٢) انظر فتح الباري، ابن حجر ٤٨٩/٦. جَوَسُولَةُ النَّقِينَ الْقُرآن الكَرِيمِ ١٨٢ صالح عليه السلام أنبيائه على منهج التوحيد وجعله مناط الدعوة، ووضح ذلك في خطابه لهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَ فِ كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللّهَ وَأَجْتَنِبُواْ اَلَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَأَعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وإذا كان الخطاب في الآيات السابقة ورد مجملًا، فقد ورد تفصيله في الآيات الآتية. يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْ سَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِ. فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُرُ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٢٣]. ويقول تعالى: ﴿وَ إِلَى عَادٍأَخَاهُمْ هُوَذَا قَالَ يَنْقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ,﴾ [هود: ٥٠]. وَإِلَی ويقول سبحانه وتعالى: مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٨٤]. قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُنْ هُوَ أَنشَأَ كُمْ مِنَ آلْأَرْضِ وَاُسْتَعْمَرَكُِّهَا﴾ [هود: ٦١]. فلما دعاهم لعبادة الله وترك الأوثان، وألح علیهم بالوعید والعذاب الشديد. فهو هو هنا يذكر قومه، ويدعوهم مترفقًا بهم منوهًا بنعم الله عليهم وأفضاله من الإنشاء لهم من سبل المهارة والقوة البدنية، ومما ملكهم من أساليب الفنون في البناء والزراعة والسقي، فهذه دعوة هادئة جميلة من هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. فقد قال لقومه: ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُّهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ﴾ أي: هو خلقكم سبحانه من هذه الأرض، فقد كنتم ترابًا فأنشأكم منها وفوقها. ﴿واسْتَغمرگُ﴾ أي: جعلكم تعمرون هذه الديار. ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ﴾ أي: عاملوا ربكم بما أنعم عليكم بأن تحسنوا عبادته، وأن تستغفروه سبحانه. ﴿إِذَّرَبِ قَرِيبٌ أُجِيبٌ﴾ أي: إن ربنا العظيم سبحانه قريب منا، فإذا استغفرناه غفر لنا، وهو مجيب يستجيب الدعاء، فادعوا ربكم یستجب لكم. وكذلك يذكرهم تذكير الرفيق الشفيق فيقول لهم: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ ويقول تعالى: ﴿وَإِلَى تَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَنَنْحِئُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَأَذْكُرُوَاْ ءَالَاءَ اللَّهِ وَلَا نَعْثَوْاْ فِ اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ [الأعراف: ٧٤]. يقول الخازن: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدٍ عَادٍ﴾ يعني: أن الله أهلك عادًا، وجعلكم تخلفونهم في الأرض في الأرض بوراثتها وإعمارها، وبما هيأ وتعمرونها، ﴿وَبَوََّكُمْ﴾ يعني: وأسكنكم www. modoee.com ١٨٣ حف الصاد فِ الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ يعني: تبنون القصور من سهولة الأرض؛ لأن القصور إنما تبنى من اللبن والآجر المتخذ من الطين السهل اللين، ﴿وَنَنْحِئُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ يعني: وتشقون بيوتًا من الجبال(١). يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهُمَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُةُ، قَدْ جَآءَنْكُم بَيِّنَةٌ مِّن وقيل: كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء. رَّبِّكُمْ هَذِهِ، نَاقَةُ اُللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٍَّ فَيَأْخُذَكُمْ وهذا يدل على أنهم كانوا متمتعين مترهفين. عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [الأعراف: ٧٣]. ﴿فَأَذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اللَّهِ﴾ أي: فاذكروا نعمة الله عليكم واشكروه عليها، ﴿وَلَا نعتواً فى الأَرْضِمُفْسِدِينَ﴾ أي: ولا تسیروا ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ ویآتي ردهم: أُسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَلِحًا مُرْسَلٌ في الأرض مفسدين فيها، والعثو أشد مِّن رَّبِّهِ، قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أَزْسِلَ بِهِ، مُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: ٧٥]. ٢٥ الفساد(٢). وقيل: أراد به عقر الناقة. وقيل: هو على ظاهره، فيدخل فيه النھي عن جميع أنواع الفساد. وفيه و جهان: أحدهما: أنه السعي في الباطل. والثاني: أنه الفعل المؤدي لضير فاعله. وفي الإفساد الشدید وجهان أيضًا: أحدهما: لا تعملوا فيها بالمعاصي. والثاني: لا تدعوا إلى عبادة غير الله(٣). فسيدنا صالح عليه السلام يذكرهم (١) لباب التاويل، الخازن، ٢/ ٢٢١. (٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج، ١٤٢/١. (٣) النكت والعيون، الماوردي ٢٣٦/٢. وراثتهم لقوم عاد وما مكنهم الله فيه من البناء، ففي هذه الآية ذکرهم بوجوب إفراد الله تعالى بالعبادة. طلبوا منه أن يخرج لهم آية في عيدهم، دالة على صدقه عنادًا ونفاقًا، فآتاهم الله الناقة آية بينة، فأصروا على عنادهم، بل استمروا في غیهم حتى يؤمنوا به ويصدقون رسالته، فدعا الله فأخرج لهم الناقة مع فصيلها بالأوصاف التي طلبوها من صخرة (٤). (٤) خروج الناقة بهذه الصفة، وطلبهم لها ذكرها الخازن: ٢٢٠/٤، وأبو السعود: ٢٤١/٣، وصاحب أضواء البيان ١٨/٧ وغيرهم. والمعجزة التي أوتيها سيدنا صالح عليه السلام، تناسب ما مھر فیه قوم صالح، فقد كان لهم ولع بالنحت بالصخور، فعملوا لمنازلهم واجهات من الصخور لازالت تحكي تمكنهم وعظمة فنهم في النحت، ولذلك كان طلبهم ١٨٤ جوبيه القرآن الكريم صالح عليه السلام وكانت مميزة بكثرة لبنها وشكلها رغم أنها آية من الله وحجة ظاهرة، أصروا على عنادهم، وعتوا من أمر ربهم وتجرؤوا على انتهاك حرمة الله فعقروا الناقة، فحق عليهم الهلاك، وحقت عليهم كلمة العذاب. ولما عقروا الناقة وعدهم سيدنا صالح بالهلاك بعد ثلاث أيام، قال تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِىِ دَارِكُمْ ثَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيِّرُ مَكْذُوبٍ ﴾ [هود: ٦٥]. وقد ذاقوا مرارة الترقب والانتظار خلال تلك الأيام، فلما اكتملت الأيام الموعودة آتاهم العذاب صبيحة يوم نحس، فأخذتهم رجفة شديدة زلزلت بهم الأرض، وصاعقة محرقة من فوقهم، وصيحة واحدة مفزعة قطعت نیاط قلوبهم وترکتھم أجسادًا بلا أرواح، وبقيت مساكنهم و ديارهم عبرة على من الأيام والعصور (١). ثانيًا: أساليب دعوته عليه السلام: ١. أسلوب الترغيب. کان صالح عليه السلام يخاطب قومه بأخلاق الداعي الكريمة، وآدابه الرفيعة ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة. أن يخرج لهم ناقة من الصخر. فأخرجها لهم بأجمل ما يكون، فهي ليست صخرة جامدة، ولكنها ناقة على هيئة كاملة تسير بينهم مع فصیلھا. (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩/٩، فتح القدير، الشوكاني ٥٠٨/٢. ويجادلهم في موضع الجدال، مؤكدًا على أن عبادة الله هي الحق، والطريق المستقيم. ولكن قومه تمادوا في كفرهم، وأخذوا يدبرون له المكائد والحیل حتى لا يؤمن به أکثر الناس، وحينما كان صالح عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله، ويبين لهم نعم الله الكثيرة، وأنه يجب شکره وحمده علیھا، فقالوا له: يا صالح ما أنت إلا بشر مثلنا. بل وذلك خطاب كل الأمم المكذبة لرسلهم الذين بعثوا إليهم: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلََّ بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: ١٥]. أي: كان هذا احتجاجهم في رد الرسالات يحتجون على الرسل فيقولون: إن الرسل في الشاهد إنما يجيئون من عند المرسل، وأنتم نشأتم بين أظهرنا لم تأتونا من عند أحد في الظاهر، ولا نرى لك خصوصية لا في الخلقة ولا في القدرة والمال وغيره، وإذا کنت تدعي أنك رسول الله، فلابد أن تأتينا بمعجزة وآية. قال تعالى: ﴿وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُوا اللَّهُ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ. قَدْ جَآءَ نْكُمْ بَيِّنَةٌ﴾ [الأعراف: ٧٣]. وكان رد الرسل عليهم صلوات الله وسلامه: ﴿إِن ◌َّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]. www. modoee.com ١٨٥ حرف الصاد ٢. أسلوب الترهيب. إن التدرج في الدعوة والتؤدة في الترغيب فضلًا عن الترهيب من أوليات المنهج السلیم لدى الدعاة، وكان هذا شان الرسل والأنبياء مع أقوامهم ﴿فَلَن ◌َجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣]. أي: سنة الله في الأولين أنهم إذا كذبوا رسلهم أهلكهم ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣]. ومن سنة الله تعالى في عباده أن من اقترح آية على الأنبياء وأتوه بها فلم يؤمن؛ عجل الله هلاكه. أما منهج نبي الله صالح عليه السلام في أسلوب دعوته، فلا يختلف عن منهج وأسلوب أخويه نوح وهود عليهما السلام. فقد دعا قومه إلى إفراد الله وحده بالعبادة دون سواه، وكان منهجه في دعوته لما بعثه الله رسولًا إلی قومه، دعاهم إلى التوحيد وإفراد الله بالعبادة وطرح عبادة الأوثان، وكان أسلوبه رقيقًا مهذبًا، لكن الكثير منهم رفض هذه الدعوة فآذوه، وهموا بقتله، وعقروا الناقة التي جعلها الله آیة علی صدقه، وقد کان حذرهم من قتلها، وَإِلَ فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر: ﴿ تَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحاً قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُّ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاُسْتَعْمَرَّكُمْ فِهَا فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّرِ قَرِيبٌ مُچِيبٌ(٦)﴾ [هود: ٦١]. ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ أي: فاسألوه أن يغفر لكم ما أشركتم وما أجرمتم، ثم توبوا وارجعوا إليه كلما وقع منكم ذنب أو خطأ(١). ﴿ قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْكُنْتَ فِنَا مَرْجُوًا قَبْلَ هَذَا﴾ أي: قد کنا نرجو أن یکون عقلك كاملًا قبل هذه المقالة، وهي دعاؤك إيانا إلى إفراد العبادة لله، وترك ما كنا نعبده من الأنداد، والعدول عن دين الآباء والأجداد. ولهذا قالوا: ﴿أَنَتْهَئِنَّا أَنْ تَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍ مِّمَّا تَدْعُونَّ إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٢) قَالَ يَنقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبٍ وَءَاتَنِى مِنْهُ رَحْمَةٌ فَمَن يَنصُرُفِ مِنَ اَللَّهِ إِنْ عَصَيْنُهُ، فَمَا تَزِيدُونَنِ غَيْرٌ تَخْسِيرٍ ﴾ [هود: ٦٢ -٦٣]. وهذا تلطف منه لهم في العبارة، ولين جانب، وحسن تأن في الدعوة لهم إلى الخير، أي: فما ظنكم إن كان الأمر كما أقول لكم، وأدعو کم إلیه، ماذا عذركم عند الله، وماذا يخلصكم من بين يديه، وأنتم تطلبون مني أن أترك دعائكم إلى طاعته. وأنا لا یمکنني هذا؛ لأنه واجب علي، ولو تركته لما قدر أحد منكم، ولا من غیرکم، أن یجیرني منه ولا ينصرني، فأنا لا أزال أدعوكم إلى الله وحده لا شريك له، حتی یحکم الله بيني وبينكم. أو أي: غير أن تجعلوني خاسرًا (١) المنار، محمد رشيد رضا، ١٠١/١٢. مَشَةُ الْنَسِير القرآن الكريمِ ١٨٦ صالح عليه السلام بإبطال أعمالي وتعريضي لسخط الله تعالى، أو فما تزيدونني بما تقولون غير أن أنسبكم إلى الخسران وأقول لكم: إنكم الخاسرون، فالزيادة، على معناه، والفاء لترتيب عدم الزيادة على انتفاء الناصر المفهوم من إنكاره على تقدير العصيان مع تحقق ما ينفيه من كونه عليه الصلاة السلام على بينة من ربه وإيتائه النبوة (١). وقالوا له أيضًا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَّرِنَ﴾ [الشعراء: ١٥٣]. أي: من المسحورين، يعنون مسحورًا لا تدري ما تقول في دعائك إيانا إلى إفراد العبادة لله وحده، وخلع ما سواه من الأنداد. و المراد بالمسحرين المسحورين المخدوعين (٢). ﴿فَأْتِ بِثَايَةٍ إِن كُنْتَ مِنَ وقولهم: الصَّدِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤]. سألوا منه أن يأتيهم بخارق يدل على صدق ما جاءهم به وعینوا الآية التي يجب أن يخرجها لهم أمام أعينهم (٣). (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٣٦٥/٣. (٢) معام التنزيل، البغوي، ٦/ ١٢٥. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣٠٤٠/١. معجزة صالح عليه السلام أولًا: خروج الناقة: سأل قوم ثمود سيدنا صالح عليه السلام معجزة يخرجها لهم يريدونها، فقال لهم صالح عليه السلام: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم، أتؤمنون بي وتصدقونني وتعبدون الله الذي خلقكم؟ فقالوا له: نعم، وعاهدوه على ذلك، فقام صالح عليه السلام، وصلى لله تعالى، ثم دعا ربه أن یجیبهم إلى ما طلبوا. وكانت الآية التي أوتيها سيدنا صالح عليه السلام هي الناقة. يقول تعالى: ﴿قَدْ جَآءَ نْكُم بَيِّنَةٌ ◌ِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَّعٍ فَيَأْخُذُكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣]. وكانت الناقة بطلب من قومه ولم يأت بها من تلقاء نفسه؛ كما جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَّرِينَ مَآ أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِشَايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ١٥٣ الصَّدِقِينَ (١٥٤﴾ [الشعراء: ١٥٣ - ١٥٤]. و کذلك جاء في الحديث ما يصدق رأي طلبهم الناقة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: (لا تسألوا الآيات، وقد سألها قوم صالح، فكانت أي ناقة ترد من www. modoee.com ١٨٧ حرف الصاد هذا الفج(١)، وتصدر من هذا الفج، فعتوا كانت الناقة هي البيئة كانت جملة: ﴿هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ﴾ منزلة من التي قبلها عن أمر ربهم فعقروها)(٢). منزلة عطف البيان (٥ وذُكِر أن قوم صالح هم الذین حددوا نوع الآية أن تكون ناقة، و كيفية خروجها وشكلها وأن تخرج أمام أعينهم من الصخرة في قبيلتهم (٣). وذكر ابن عطية عن بعضهم: أنه جاء بها (٤) من تلقاء نفسه من غير طلب والرأي الأول هو الأرجح والأصوب؛ لما ظاهره من نص الآية والحديث. وقوله: ﴿هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ﴾ يقتضي أن الناقة کانت حاضرة عند قوله: ﴿قَدْ جَآءَنْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾؛ لأنها الآية نفسها، والبينة: الحجة على صدق الدعوى، فهي ترادف الآية. وقد عبر بها عن الآية في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِيْنَ حَّى تَأْنِيَهُمُ الْبِيِّنَةُ ﴾ [البينة: ١]. و﴿هَذِهِ﴾ إشارة إلى الناقة التي جعلها الله آية لصدق صالح عليه السلام، ولما (١) الفج: هو الطريق الواسع بين جبلين. انظر: مختار الصحاح ص ٤٠١. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٩٦/٣، والحاكم في المستدرك، كتاب التفسير، ٣٥١/٢، رقم ٣٢٤٨. وحسنه ابن حجر في الفتح ٦/ ٣٨٠. (٣) تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٢٨٣/٣. وانظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج، ٣٤٩/٩، الكشف والبيان، الثعلبي ٣٨/٥. (٤) انظر المحرر الوجيز، ابن عطية، ٢/ ٤٢١. لقد تكررت كلمة (الناقة) في القرآن سبع مرات في القرآن الكريم، في سياق قصة ثمود مع نبيهم صالح عليه السلام. في دلالات ومعان مختلفة لیس فیه تكرار، کما توضحه الآيات أدناه: قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَاً قَالَ بَقَوْمِ أَعْبُدُوا اللَّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ. قَدْ جَاءَنْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيَّ أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذُكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣ ﴾ [الأعراف: ٧٣]. أي: آيةٌ ومعجزةٌ ظاهرة شاهدٌ بنبوتي (٦)، (٧) والبينة: الحجة على صدق الدعوى " . وقال تعالى: ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَنَوْاْ عَنْ أَمْيِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ أَثْيِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن ﴾ [الأعراف: ٧٧]. ٧٧ كُثْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ يقول أبو السعود: أي: نحروها، أسند العقر إلى الكل مع أن المباشر بعضهم للملابسة، أو لأن ذلك لما كان برضاهم، فكأنه فعله كلهم، وفيه من تهويل الأمر وتفظيعه بحيث أصابت غائلته الكل ما لا (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٦٨/٨. (٦) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٤/٢. (٧) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٦٨/٨. ١٨٨ جوبيه القرآن الكريم صالح عليه السلام يخفى(١). إنها خرجت من حجرٍ، وفي هذا أعظم الآيات، ويقال: إنها كانت ترد الماء لا ترد الماء معها دابةٌ، فإذا کان یوم لا ترد، وردت الواردة كلها، وفي هذا أعظم آية (٢). وقال تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ هَذِهِ، نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَشُّوهَا بِسُوْءٍ فَأْخُذَّكُمْ عَذَابٌ قَرِبُ [هود:٦٤]. يقول: دعوها ترتع في أرض الحجر ولا تمسوها بسوء، ولا تعقروها، فيأخذكم عذاب أليم، وهو ما عذبوا به(٣). يقول ابن عاشور: لأنهم إذا مسها أحد بسوء، عن رضى من البقية، فقد دل ذلك على خلعهم حرمة الله تعالى، وحنقهم على رسوله عليه السلام (٤). وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِالْآَيَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةٌ فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نَّرْسِلُ بِالْآَيَتِ إِلََّ تَخْوِيمًا [الإسراء: ٥٩]. أي: آية مفيدة للبصيرة والحجة على صدق رسولهم (٥). وقال تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لَّا شِرْبٌ (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٢٤٣/٣. (٢) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج، ٥٩/٣. (٣) تفسير السمر قندي، ٥٤٤/١. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٦٩/٨. (٥) المنار، محمد رشيد رضا ٣٧١/١١. وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ :[الشعراء: ١٥٥]. ١٥٥ هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم، فمكثت الناقة ومعها سقيها في أرض ثمود، ترعى الشجر وتشرب الماء. وكانت ترد الماء غِبًا، فإذا كان يوم ورودها وضعت رأسها في بئر في الحجر، يقال لها: بئر الناقة، فما ترفع رأسها حتى تشرب كل ما فيها، فلا تدع قطرة، ثم ترفع رأسها فتتفحج لهم، فيحلبون ما شاؤوا من لبننها فیشربون ويدخرون، حتى يملؤوا أوانيهم كلها. ثم تصدر الناقة من غير الفج الذي وردت منه، ولا تقدر أن تصدر من حیث وردت، حتی إذا کان من الغد، کان یوم ثمود فيشربوا ما شاء الله من الماء ويدخرون ما شاؤوا ليوم الناقة، فهم على ذلك في سعة ودعة. وكانت الناقة تصيف إذا كان الحر بظهر الوادي فتهرب منها مواشيهم، فتهبط إلى بطن الوادي فتكون في حره وجدبه، وإذا كان الشتاء فتشتو الناقة في بطن الوادي؛ فتهرب المواشي إلى ظهره، فتكون في البرد والجدب. فأضر ذلك بمواشیھم للأمر الذي یریده الله بهم والبلاء الاختبار، فکبر ذلك علیھم، فعتوا عن أمر ربهم، وحملهم ذلك على عقر (٦). (٦) لباب التأويل، الخازن، ٢٢٢/٢. www. modoee.com ١٨٩ حرف الصاد وقال تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِئْنَةٌ لَّهُمْ مُعْرِضِينَ ﴾[الحجر: ٨١]. فَرْ تَقِبْهُمْ وَأَصْطَيْ ﴾ [القمر: ٢٧]. أي: باعثوها ومخرجوها من الهضبة التي سألوا، وذلك أنهم تعتتوا على صالح، فسألوه أن يخرج لهم من صخرة حمراء ناقة عشراء، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِئْنَةً﴾ أي: محنةً واختبارًا ﴿لَهُمْ نَارْتَقْهُمْ﴾ أي: فانتظر ما هم صانعون ﴿وَأَصْطَيْ﴾ أي: على أذاهم ﴿وَنَبِّتَهُمْ﴾ أي: أخبرهم ﴿أَنَّالْعَّةَ قِسْمَةُ بَنَهُمْ﴾ أي: بين الناقة وبينهم، لها يوم (١) ولهم يوم (١). وقال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةً اَللَّهِ وَسُقْيَهَا ﴿ [الشمس : ١٣]. ١٣ أي: ذروا ناقة الله ﴿وَسُقْيَهَا ﴾ ولا تذودوها عنها في نوبتها (٢). وقد جعل الله عز وجل الناقة آية مبصرة لثمود. قال الله تعالى: ﴿وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَاْ وَمَا نُرْسِلُ بِلَيَتِ إِلَّا تَخْرِفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿قَدْ جَآءُ نْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمُّ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلٌ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَّعٍ فَيَأْخُذُكُمْ عَذَابٌ أَلِيٌِّ﴾ [الأعراف: ٧٣]. وقال تعالى: ﴿ وَءَانَيْنَهُمْ ءَايَتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا (١) المصدر السابق، ٢٢٠/٤. (٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٧/ ٢٠. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه آتى أصحاب الحجر آياته فكانوا عنها معرضين. والإعراض: الصدود عن الشيء والإضراب عنه(٣) وعدم الالتفات إليه؛ كأنه مشتق من العرض - بالضم - وهو الجانب؛ لأن المعرض لا یولي وجهه بل یثنی عطفه ملتفتًا صادًا (٤). ولم يبين جل وعلا هنا شيئًا من تلك الآيات التي آتاهم، ولا كيفية إعراضهم عنها، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر، فبين أن من أعظم الآيات التي آتاهم: تلك الناقة التي أخرجها الله لهم، بل قال بعض العلماء: إن في الناقة المذكورة آيات جمة: كخروجها عشراء وبراء جوفاء من صخرة صماء، وسرعة ولادتها عند خروجها، وعظمها حتى لم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها حتی یکفيهم جميعًا، و کثرة شربها؛ کما قال تعالى: ﴿لَّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]. ﴿وَنَبِتَّهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَنَهُمْ كُلُ شِرْبِ وقال: تَحْضَرٌ ﴾ [القمر: ٢٨](٥). روی الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال: (لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم (٣) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ٧٦/١. (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١٦٧/٧. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٨/ ١١٧. ١٩٠ القرآن الكريمِ صالح عليهالسلام بالحجر قال: (لا تسألوا الآيات وقد سألها جاء في هذه الإشارة كفاية عن كل تفصيل آخر )) (٢). قوم صالح، فکانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، فكانت تشرب ماءهم يومًا ويشربون لبنها يومًا، فعقروها، فأخذتهم، إلا رجلًا واحدًا کان في حرم الله عز وجل)، قيل: من هو یا رسول الله: قال: (هو أبو رغال؛ فلما خرج من الحرم أصابه ما أصابهم)(١). ويعلق سيد قطب رحمه الله تعالى على آية الأعراف عند قوله تعالى: ﴿قَدْ جَآءَنْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ، نَاقَةٌ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً﴾ فيقول: ((والسياق هنا -لأنه يستهدف الاستعراض السريع للدعوة الواحدة ولعاقبة الإيمان بها وعاقبة التكذيب- لا يذكر تفصيل طلبهم للخارقة، بل يعلن وجودها عقب الدعوة، وكذلك لا يذكر تفصيلًا عن الناقة أكثر من أنها بينة من ربهم، وأنها ناقة الله، ومن هذا الإسناد نستلهم أنها كانت ناقة غير عادية، أو أنها أخرجت لهم إخراجًا غير عادي؛ مما يجعلها بينة من ربهم، ومما يجعل نسبتها إلى الله ذات معنى، ويجعلها آية على صدق نبوته.ولا نزيد على هذا شيئًا مما لا يرد ذكره من أمرها في هذا المصدر المستیقن، وفيما (١) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٢/ ١٦٠، رقم ١٤١٦٠. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، ٣١٨/٩، رقم ٤٣٣٤. ثانيًا: موقف قوم صالح عليه السلام من الناقة: كان موقف ثمود من معجزة رسولهم وآياته هو الإعراض والتكذيب، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَحْسَبُ اَلِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ـ) وَءَانَيْنَهُمْ مَيَدِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ) ٨٠ [الحجر: ٨٠-٨١]. وقد دلت الآيات على تكذيبهم وإعراضهم عن الآيات التي أظهرها الله تعالى لهم؛ تصديقًا لنبيه عليه السلام، دلالة علی عظمته ووحدانيته. وقد أوتي سیدنا صالح عليه السلام الناقة آية، وقد جمعت باعتبار ما احتوت عليه من آيات متعددة في إظهارها، قال ابن الجوزي: (والمراد بالآيات الناقة، قال ابن عباس: كان فيها آيات، خروجها من الصخرة ودنو نتاجها عند خروجها، وعظم خلقها فلم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها حتى كان يكفيهم جميعًا)(٣). والأولى عدم تخصيص الآيات بالناقة فقط، بل تحمل على الناقة وغيرها، وهو ما جنح إلیه بعض المفسرين. قال الطبري في تفسير الآية: ((يقول: وأریناهم أدلتنا وحججنا على حقيقة ما بعثنا (٢) في الظلال، سيد قطب، ٢٤٤/٣. (٣) زاد المسير، ابن الجوزي، ٣٠١/٤. www. modoee.com ١٩١ حرف الصاد به إليهم رسولنا صالحًا))(١). صَلِكَأْ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُوا اللَّهُ مَا لَكُمْ مِنْ وهذه الآيات يدخل فيها الناقة دخولاً إِلَهٍ غَيْرٌ، فَدْجَآءُنْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمّْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيّ أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [الأعراف: ٧٣]. أوليًا لأنها ذكرت في القرآن الکریم، ولکن عدم ذكر غيرها لا يدل على أنها هي الآية الوحيدة التي أعطيت لسيدنا صالح عليه السلام، حتى يضطر لحمل الآيات على الناقة فقط، فهذه الآيات تشتمل على الحجج والبراهين الكونية الدالة على عظمة الله تعالى ووحدانيته، ولا شك أن صالحًا عليه السلام قد ذكّر قومه بهذه البراهين والآيات، وقد تکون الآيات التي کذبوا بها غير هذه الآيات(٢). قال البيضاوي: ﴿وَءَانَيْنَهُمْ ءَيَدِّنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (١)﴾ [الحجر: ٨١] يعني: آيات الكتاب المنزل على نبيهم أو معجزاته المتضمنة في الناقة من سقيها وشربها وغيره، أو ما نصب لهم من الأدلة (٣). وبعد أن أخرج الله لهم الناقة بالكيفية التي طلبوها طلب منهم صالح عليه السلام الوفاء بعهدهم ومواثيقهم التي قطعوها على أنفسهم في أمور منها: أولًا: الإيمان بالله جل جلاله ونبذ عبادة الأوثان والتصديق برسالة صالح. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٥٣١/٧. (٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٣٧٧/٥، روح المعاني، الألوسي، ١٠ / ٦٠. (٣) أنوار التنزيل، ٥٣٤/١. فاقتران الدعوة إلى التوحيد بالإشارة إلى الناقة يدل على أنه طلب منهم الإيمان عقب مجیٹھا. ثانيًا: تقسيم الماء بينهم وبين الناقة، فلقوم صالح عليه السلام يوم والناقة يوم، في یومهم لا ترد الناقة الماء، فيأخذون ما یکفیھم ویکفي بهائمهم، وفي يوم الناقة لا يردون الماء. وفي ذلك يقول تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لَّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ١٥٥ [الشعراء: ١٥٥]. وقال تعالى: ﴿وَنَبِّتَهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ يَتََّهُمْ كُلُّ شِرْبٍ تُحْتَضَرُ ﴾ [القمر: ٢٨]. كما حذرهم صالح عليه السلام من نقص حصة الناقة من الماء، قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا [الشمس: ١٣]. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: أي: احذرواناقة الله أن تمسوها بسوء ولا تعتدوا عليها يوم سقياها، فإن لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم (٤). (٤) تفسير القرآن العظيم ٤ / ٥٥٢. موسوعة النفسية القرآن الكريمِ ١٩٢ صالح عليه السلام ثالثًا: أن لا تمس الناقة بأي سوء، وقد السلام، فقد أمر أن ينتظر، يرتقب ما يؤول حذرهم من مساس الناقة بسوء تحذيرًا إليه أمرهم بعد هذا الامتحان، وأن يصبر صارمًا واضحًا، ونبههم بأنه يستدعي العذاب العاجل. قال تعالی حکایة عن سيدنا صالح عليه السلام: ﴿وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَاْ قَالَ يَقَّوْمِ أَعْبُدُوا الَّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرَةٌ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَهِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ، نَاقَةٌ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلٌ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ ٧٣ [الأعراف: ٧٣]. فقد اقتصر النهي في هذه الآيات عن مس الناقة بسوء، فلم ينههم عن عقرها أو قتلها. وفي ذلك لطيفة عبر عنها ابن عاشور بقوله: ((وأنيط النهي بالمس بالسوء؛ بالجسم، فکل ما ینالها مما يراد منه السوء فهو منھي عنه)»(١). وقد كان خروج الناقة ابتلاء لثمود، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَأَرْتَقِبْهُمْ وَأَصْطَيْرٌ ﴾ [القمر: ٢٧]. فهي ابتلاء لثمود أيؤمنون بصالح عليه ويكفرون؟ وكان الابتلاء عدم مساسهم بالناقة بسوء وتقسيم الشرب بينهم. أما صالح عليه (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٩١/٩. عليهم حتى يأتي الفرج من الله. إلا أن قوم ثمود خسروا الامتحان ونكثوا العهد و أصروا على الكفر والتكذيب وبذلك حكموا على أنفسهم باستحقاق العذاب، وكذلك عتوا في الضلال والعناد وضاقوا ذرعًا بالناقة ویوم شربها، و کبر علیھم رؤيتها تجوب، وديانهم وحقولهم شاهدة على قدرة الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِ دَارِكُمْ ثََّثَةَ أَّاءٍ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوپٍ 10 ﴾ [هود: ٦٥]. ، تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَدِمِينَ - فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا لأن المس يصدق على أقل اتصال شيء كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ [الشعراء: ١٥٨ ١٥٧-١٥٨]. والربط بين عقر الناقة وهلاك القوم (بالفاء) في هذه الآيات كلها يدل دلالة واضحة على أن عقرها كان السبب المباشر لهلاکھم (٢). والعقر: ضرب قوائم البعير أو الشاة السلام كما وعدوه بذلك، أم ينكصون بالسيف (٣). وأطلق العقر مكان النحر من باب إطلاق (٢) انظر: أسباب هلاك الأمم، سعيد بابا سيلا، ٤٠٣. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٣٠٣٥/٥. www. modoee.com ١٩٣ حرف الصاد اسم المسبب على السبب (١). وعلى الرغم من استجابة سيدنا صالح عليه السلام لقومه في إخراج الناقة من الصخرة، وتحذیرہ لهم، فإنهم كانوا قومًا مفسدین، فلم يستجيبوا لنداء الله تعالی ولا لتحذير رسوله فعقروا هذه الناقة. ويأتي البيان الإلهي ليصف هذا التعدي على حدود الله وعاقبة ذلك. لتأمل الآيات الثلاث الآتية: قال تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ تَثَةَ أَّاءٍ ذَلِكَ وَعْدَّ غَيْرُ مَكْذُوپٍ ﴾ [هود: ٦٥]. ٦٥ فهذه الآية تحدثت عن وعد صالح عليه السلام لهم بالعذاب جزاء فعلتهم. وقال تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْنَدِمِينَ [الشعراء: ١٥٧]. ١٧ ثم تأتي هذه الآية لتعبر عن ندمهم لأنهم أدركوا أن العذاب واقع لا محالة. وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَئِهِمْ فَسَوَّنَهَا ﴾ [الشمس: ١٤]. وفي هذه الآية الثالثة جاء التصريح بوقوع العذاب مباشرة ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم﴾. إذن جاء التدرج الزمني للأحداث عبر الآيات الثلاث من الوعد بالعذاب إلى اقتراب هذا العذاب حيث لا ينفع الندم، (١) البحر المحيط، أبو حيان ٣٦٥/٥. وأخيرًا وقوع هذا العذاب. ومع أن هذه الآيات متباعدة من حیث النزول ومن حيث الترتيب في القرآن، فقد جاءت متناسقة ومتدرجة، وتعبر تعبيرًا دقيقًا عن حقيقة هذه القصة. وقد أسند العقر إلى قوم صالح عليه السلام جميعًا مع أن الذي باشره شخص واحد منهم، كما في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَنِهَا (١) إِذْ أَنْبَعَثَ أَشْقَنَهَا ﴾ [الشمس: ١١-١٢]. وذلك لأنهم كلهم كانوا متواطئين على عقرها راضين به. قال الطبري رحمه الله: ((عن رضا جميعهم قتلها قاتلها وعقرها من عقرها، ولذلك نسب التكذيب والعقر إلى جمیعھم)) (٢). وقد سعى في قتل الناقة تسعة رجال من ثمود کانوا یحرضون من قتلها يدفعونه دفعًا. قال تعالى: ﴿فَادَوْاْ صَاِجَهٌ فَنَعَاطَى فَعَقَرَ ﴾ [القمر: ٢٩]. ٢٩ وبهذا فالقبيلة مشتركة في قتلها جميعًا لا ذلك الرجل العارم (٣)، ولا التسعة (٢) جامع البيان، الطبري، ١٤/١٥. وانظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ١٧٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٤٢٣، مفاتيح الغيب ٧/ ١٧٢. (٣) العارم: هو الشرير المفسد الخبيث، وقيل: القوى الشرس. انظر صحيح مسلم بشرح النووي ١٨٨/١٧، ١٩٤ الْقُرآن الكَرِيمِ صالح عليه السلام المفسدون. قال الطبري رحمه الله تعالى: إن الذي عقر الناقة أشقى ثمود يسمى قدار بن سالف، وكان أحد التسعة المفسدين الذين قال تعالى فيهم (١): ﴿وَكَانَ فِ اٌلْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ *[النمل : ٤٨]. ٤٨ و قد جاءت صفته في الحديث الصحيح الذي ذكره الإمام البخاري في صحيحه، عن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه قال: (خطب رسول الله صلی الله عليه و سلم، فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها فقال: ﴿إِذِ اُنْبَعَثَ أَشْقَنَهَا﴾ انبعث لها رجل عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة)(٢) الذي ظن أن منعته في قومه تحميه من العذاب الموعود به على عقر الناقة. فكانت جريمته هذه والتي مالأه عليها قومه سببًا في إنزال الهلاك بهم، فآتاهم الله سبحانه وتعالى بعذاب الصيحة، فهي صيحة واحدة قطعت نياط قلوبهم، وتركتهم أجسادًا هامدة. أما ولد الناقة فیقال: إنهم ذبحوه مع أمه . النهاية في غريب الحديث ٢٢٣/٣. (١) جامع البيان، الطبري، ١١ / ٥٦١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقِ﴾، ١٦٩/٦، رقم، ٤٩٤٢. ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب النار يدخلها الجبارون، ٢١٩١/٤، رقم ٢٨٥٥. وقال آخرون: إنه دخل في صخرة، فغاب فيها، والله أعلم. فلما فعلوا ذلك وبلغ الخبر صالحًا، فجاءهم وهم مجتمعون، فلما رأى الناقة بكى، وقال: ﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود:٦٥]. [انظر: ثمود: موقف قوم ثمود من رسولهم عليه السلام] www. modoee.com ١٩٥ حرفالصاد نجاة صالح عليه السلام أولًا: سيدنا صالح عليه السلام يطلب من قومه الاستغفار والتوبة: وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ يقول تعالى: صَلِحَاْ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَّكُمْ فِيهَا فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِى قَرِيبٌ مُجِيبٌ )﴾ [هود: ٦١] فإن ما خصكم الله تعال من فنون الإحسان داعٍ إلى الاستغفار عما وقع منهم من التفريط والتوبة عما كانوا يباشرونه من القبائح (١). فللاستغفار آثارٌ عقديةٌ وثمارٌ إيمانيةٌ جليلةٌ: منها: إنابة العبد إلى ربه، واعترافه بذنبه وإقراره بـ(أن له ربا يغفر الذنوب)، وتنشأ فيه تربية الخشوع والخضوع في نفسه، ويذوق به حلاوة تلذذه بالتذلل بين يدي ربه. ويعتبر بسر وجوده والإنشاء من الأرض، فيعلم أن وجوده من وجود خلق أبيه آدم عليه السلام من الأرض؛ لأن إنشاءه إنشاء لنسله، وإنما ذكر تعلق خلقهم بالأرض لأنهم كانوا أهل غرس وزرع، كما قال في: ﴿وَأَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَهُنَآ ءَامِنِينَ (٦ فِي جَنَّتٍ وَزُرُوعِ وَتَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيٌ ١٤٧ وعیونٍ [الشعراء ١٤٦ - ١٤٨]. (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٣٦٣/٣. ولأنهم كانوا ينحتون من جبال الأرض بیوتًا، ویینون في الأرض قصورًا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَأَذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدٍ عَادٍ وَبَوََّكُمْ فِىِ الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَنَنْحِنُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤]. فكانت لهم منافع من الأرض تناسب نعمة إنشائهم من الأرض، فلأجل منافعهم في الأرض قيدت نعمة الخلق بأنها من الأرض التي أنشئوا منها، ولذلك عطف ثانيًا: قوم صالح يسعون في قتل رسولهم: بعد عقر قوم ثمود الناقة، عزم أولئك النفر التسعة على قتل صالح وسعوا في تنفيذ ذلك فجاءوه ليلًا لیفتكوا به، فأرسل الله سبحانه وتعالى عليهم حجارة فقتلتهم قبل قومهم. فأحبط الله بذلك مخططات القوم الكافرين وخدعتهم، وأنقذ صالحًا من بين يدي من أرادوا به سوءًا (٢). وبقي قومه على إعراضهم وعدم رغبتهم في الاستجابة له، أخبرهم بما سيصيبهم من هلاك خلال ثلاثة أيام: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِ دَارِكُمْ ثَلَثَةَ أَيَّاءٍ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيُّ مَكْذُوبٍ ﴾ [هود: ٦٥]. (٢) التفسير القرآني للقرآن الكريم، عبد الكريم الخطيب ١/ ٧٧. ١٩٦ القرآن الكريم