النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقْرَآن الْكِرِيْمِ الصَّدْق عناصر الموضوع مفهوم الصدق ٣٩٠ الصدق في الاستعمال القرآني ٣٩١ الألفاظ ذات الصلة ٣٩٢ مكانة الصدق ٣٩٣ حقيقة الصدق وميادينه ٤٠٧ ٤١٤ آثار الصدق وثمراته المُجَلَدُ العُشْرُونْ حف الصاد مفهوم الصدق أولًا: المعنى اللغوي: الصدق لغة: أصل الكلمة، الصاد والدال والقاف أصل الكلمة وهي تدل على قوة الشيء في القول وغيره، والصدق: هو خلاف الكذب، وسمي بالصدق لقوته في نفسه، فالصادق يثق بما يقول ویقوى في نفسه؛ لأنه يعلم أنه یتکلم الحق، بعكس الكذب فإنه لا قوة له؛ لأنه باطل، ونفس الكاذب مطربة؛ لأنه يعلم أنه جانب الصواب وترك الحق إلى الباطل، وأصل هذا من قولهم: شيءٌ صدق، أي صلب، ورمح صدق، أي مستو يصيب الهدف من غير أن يخطئه، والصدق هو الكامل من كل شيء، والصدق: مطابقة الحكم للواقع، ومطابقة القول والضمير والمخبر عنه معًا، وصدقني - بفتح الصاد والدال المخففة - فلان: أي قال لي الصدق، وكل ما ينسب إلى الصلاح والخير يضاف إلى الصدق، لذلك يقال: رجل صدق؛ أي رجل ذو صلاح، وخمار صدق أو ثوب صدق؛ أي ثوب ذو جودة، والصداقة مصدر صدق، أي أنه صدقه المودة والنصيحة. والصديق: هو الرجل الكثير الصدق، وأطلق هذا اللقب على أبي بكر الصديق؛ لأنه صدق النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن له كبوة في الإسلام(١) . ثانيًا: الصدق اصطلاحًا: لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي. قال الماوردي: ((الصدق هو الإخبار عن الشيء على ما هو عليه، والكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، والصدق والكذب يدخلان الأخبار الماضية، كما أن الوفاء والخلف يدخلان المواعيد المستقبلية)) (٢). (١) انظر: لسان العرب، ٤٢٠/٣-٤٢١، تاج العروس، الزبيدي، ٢٦/٥. (٢) أدب الدنيا والدين، ص٣٢٢. ٣٩٠ جوبي القرآن الكريمِ الصدق الصدق في الاستعمال القرآني وردت مادة (صدق) في القرآن الكريم (١٥٥) مرة (١)، يخص موضوع البحث منها (١٣٠) مرة. والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ٥٢ ٢٢ [يس: ٥٢] الفعل المضارع ٣ ﴿فَحْنُ خَلْتَكُمْ فَلَقْ لَا تُصَدِّقُونَ ). ﴾ [الواقعة: ٥٧] المصدر [الإسراء: ٨٠] وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلَ إِنٌَّ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا فِيًّاً اسم الفاعل ٨١ ٥٤ # [مريم: ٥٤] ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَتِ﴾ [الحديد: ١٨] ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ (٢) وَلَا صَا يقٍ ١٠١ [الشعراء١٠٠-١٠١] صيغة المبالغة ٦ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِ سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٦] وجاء الصدق في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: مطابقة الخبر للواقع بحسب اعتقاد المتكلم، والإخبار عن الشيء على ما هو به، نقيض الكذب، ويكون في الأقوال والأفعال والأحوال(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤٠٤- ٤٠٦، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الصاد ص ٦٩٣ - ٦٩٦. (٢) انظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، مكي بن أبي طالب، ٢/ ٣١٠-٣١١. www. modoee.com ٣٩١ المثال الفعل الماضي ١٦ ﴿ وَقُل رَّبِّ أَدِْى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ الصفة المشبهة ٢ حف الصاد الألفاظ ذات الصلة الكذب: ١ الكذب لغة: مادة كذب: الكاف والذال والباء: أصلٌ صحيحٌ يدل على خلاف الصدق(١). الكذب اصطلاحًا: قال الجرجاني: ((هو الإخبار عن الشيء على خلاف الواقع؛ سواء بالقول، أو بالإشارة، أو بالسكوت)»(٢). الصلة بين الكذب والصدق: بينهما علاقة تضاد، فالصدق مطابقة الكلام لواقع الحال، والكذب خلافه. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٦٨/٥، المصباح المنير، الفيومي ٥٢٨/٢. (٢) التعريفات ص٧٤. ٣٩٢ جَوَسُوعَةُ النفسية لِلْعُرْآن الكَرِيمِ الصدق مكانة الصدق إن الصدق من أعظم الأخلاق التي أمر بها القرآن الكريم، وهذا الخلق العظيم إذا اتصف به إنسان حسنت أخلاقه؛ لأنه من الصفات التي تقوم عليها كثيرٌ من الأخلاق. والصدق مطلب أساسً في حياة المؤمن، وهو رأس الفضائل والأخلاق، وعنوان الصلاح والفضل، أثنى الله عز وجل على من اتصف به، فصار له خلقًا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّ أُوْلَكَ هُمُ الصِّدِّيقُونٌ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩]. وبالصدق يتميز أهل النفاق عن أهل الإيمان، وسكان الجنان عن أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلًا إلا أرداه وصرعه، ومن اعتمده سما قدره، وعلت مكانته، ومن نطق به علت على الخصوم کلمته وظهرت حجته، وهو أساس بناء الدین وعمود فسطاط اليقين، ودرجة تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين(١). إن الإسلام جاء بقواعد وأركان، وحث على فضائل الأعمال، وكان يهدف وراء ذلك إلى إعداد مجتمع إسلامي فاضل، يقوم على حسن الخلق والاحترام والتعايش، من خلال إيجاد الفرد المسلم الرباني الذي يلتزم (١) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ٢٤/٢. حدود ما أنزل الله على رسوله، ويعطي كل ذي حق حقه، ويسلم الناس من لسانه ويده. وصدقًا، فقد أحدث الإسلام في بدايته تغييرًا جذريًا للنفوس والعقول، فأنشأ ذلك الجيل، وبحق كان خير أمة أخرجت للناس، حيث إنهم تربوا على مائدة القرآن وبين يدي معلم وصفه أعدائه قبل أصدقائه بالصادق الأمين، فأنشأ ذلك الجيل الفريد الذي يملأ الأرض عدلا ونورًا، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)(٢). لذلك فنحن في أمس الحاجة إلى التسلح بفضيلة الصدق، ونحن تتجاذبنا التيارات الفكرية الهابطة التي تعمل على انحطاط منظومة القيم والأخلاق والمثل العليا التي جاء بها هذا الدين، ليعيد للإنسان كرامته وإنسانيته، ويغرس فينا القيم الفاضلة والأخلاق الحسنة. قال تعالى: ﴿الَرَّ كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الْقُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَّطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم: ١]. وهل هناك ظلمة أعظم من ظلمة الكذب والاستبداد والجهل والفساد والرذيلة. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ١٤/ ٥١٢، رقم ٨٩٥٢. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٤٦٤، رقم ٢٣٤٩. www. modoee.com ٣٩٣ حرفالصاد وبذلك تبرز أهمية الصدق؛ لأنه واحد الصدق الذي لا ريب فيه. من أهم الفضائل والقيم التي حث عليها الإسلام أتباعه. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ آَ [التوبة: ١١٩]. وجاء في الحديث الشريف عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (علیکم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل بصدق ویتحری الصدق حتی یکتب عند الله صدیقًا، وإیاکم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتی یکتب عند الله كذابًا) (١). ومن أبرز فضائل الصدق: أولًا: إسناد الصدق إلى الله تعالى: لقد وصف الله تعالى ذاته القدسية بالصدق في آيات كثيرة، وتمثل ذلك في جانبین رئیسیین: ١. قوله صدق. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)، ٢٥/٨، رقم ٦٠٩٤. قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَا رَيْبَ فِيهُ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ( (٨٧ )﴾ [النساء: ٨٧]. يقول إمام المفسرين في تفسيره ((ومن أصدق من الله حديثًا، يعني بذلك: واعلموا حقيقة ما أخبركم من الخبر؛ فإني جامعكم إلى يوم القيامة للجزاء والعرض والحساب والثواب والعقاب يقينًا، فلا تشكوا في صحته، ولا تمتروا في حقيقته، فإن تولي الصدق الذي لا كذب فيه، ووعدي الصدق الذي لا خلف له، ويقول: وأي ناطق أصدق من الله تعالى حديثًا؟ وذلك أن الكاذب إنما یکذب لیجتلب بكذبه إلى نفسه نفعًا أو يدفع به عنها ضرًا، والله تعالى ذكره خالق الضر والنفع فغير جائز ومحال أن يكون منه كذب)) (٢). والقرآن الكريم هو كلام الله تعالى ذكره وكل ما جاء في القرآن الكريم هو الحق والصدق، فقد نزل مصدقًا لنفسه ولغيره من الكتب السماوية المنزلة قبله. قال تعالى: ﴿ وَأَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فكل ما نزل به الوحي، وأخبر به عن مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا الخالق عز وجل من أمور الدنيا والآخرة هو عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. وشهد الله سبحانه وتعالى على صدق كلامه، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ (٢) جامع البيان، الطبري، ٢٢٦/٥-٢٢٧. مُوسُوابَرُ النفسية القرآن الكريمِ ٣٩٤ الصدق قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]. وقال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَهُ فَ تَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبَهِيَمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ امُشْرِكِينَ ﴾﴾﴾ عمران: ٩٥]. [آل ٢. صدقه في الوعد والوعيد. إن التصديق بوعد الله ووعيده ثابت في الكتاب والسنة النبوية، ومن مستلزمات الإيمان بالله والغيب واليوم الآخر والملائكة والنبيين، وقد أقسم الله تعالى في عدة آیات على تحقيق ما یوعد به الناس. قال تعالى: ﴿وَالذَّرِيَتِ ذَرْوًّا ، فَأْحَمِلَتِ وِقْرَاً ل فَجَرِيَتِ يُسْرَ ل ◌َالْمُقَسِّمَتِ أَمْرًّا ٢) إِنَّا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ، وَإِنَّ الِّينَ لَوَيٌ )﴾ [الذاريات: ١- ٦]. وأقسم الحق تبارك وتعالى في مطلع سورة المرسلات بأن ما وعد به فهو واقع. قال تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا ، فَالْعَصِفَتِ عَصْفَان وَالنَّشِرَتِ نَشْرَ فَالْفَرِقَتِ فَاَن) فَالْمُلْقِيَتِ ذِكْرًا ٥° عُذْرًا أَوْ نُذْرًا إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَفِعُ ﴾ [المرسلات: ١-٧]. كما أقسم الحق تبارك وتعالى في مطلع سورة الطور فقال: ﴿وَاُلُّورِ ) وَكَتَبٍ مَسْطُورٍ ) فِ رَقَّ مَّنشُورٍ ، وَاَلْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ٢ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَالْبَحْرِ المُسْجُورِ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَقِعٌ ﴾ [الطور: ١-٧]. وقد تحقق وعد الله ووعيده في الدنيا في القرون الماضية، فكم من أمة حقق الله لها العز بسبب الطاعة. قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ، يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ١١ وَيُمْدِذَّكُمْ بِأَقْوَلِ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْجَنَّتٍ وَنَجْعَل لَّكُرْ أَنْهَرًّا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. وكم من الأمم أهلكها الله بسبب ذنوبهم. إن كل ما وعد الله به أنبياءه، وعباده الصالحين، كالنصر على الأعداء والغلبة وغيرها قد تحقق، فقد جاء في شأن رسله قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ ﴾ [غافر: ٥١]. وتحقق وعد الله سبحانه وتعالى في نصر المؤمنين يوم بدر، قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّ مِنْ عِندِ اللّه إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٠]. ومن أمثلة ذلك: صدق وعده عز وجل بفتح مكة ﴿لَقَدْ صَدَفَ اَللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ مَامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. ووعد الله بنصر المؤمنين العاملين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. وتحقق نصره في غزوات ومعارك كثيرة للمؤمنين. وجاء عن صدق وعده يوم الأحزاب www. modoee.com ٣٩٥ حرف الصاد قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَمَا زَادَهُمْ إِلََّ إِيَنَا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب: ٢٢]. وقوله تعالى حكاية عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ. وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾ [الزمر: ٧٤]. فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ كما أن وعيد الله تحقق عندما أخذ الظالمين أخذ عزيز مقتدر، إما بالربح العقيم، قال تعالى: ﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَهِمُ الرِّيحَ اَلْعَقِيمَ ﴾ [الذاريات: ٤١]. وإما بالصاعقة كما حدث لقوم ثمود، حيث قال تعالى: ﴿وَفِ ثَمُودَ إِذْ فَعَتَوْاْ عَنْ أَثْرٍ قِيلَ لَهُمْ تَمَنَّعُواْ حَتّى ◌ٍِ رَيِهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّحِقَّةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴾ [الذاريات: ٤٣ -٤٤]. وكذلك أخذ الله قوم فرعون بكفرهم فتم إغراقهم في اليم وهو ملیم. ٤١ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَهُ أَخْذَ عَزِزٍ مُّقْنَدِرٍ ﴿ ٤٢ [القمر: ٤١ - ٤٢]. وكذلك أخذ الله سبحانه وتعالى سائر الأقوام التي كذبت المرسلين، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦]. ثانيًا: التزام معية الصادقين: إن الصدق رأس لکل فضيلة، وهو أجمل خلق حميد إذا اتصف به الإنسان يزداد هيبة ووقارًا، وإن الصدق ضرورة لتحقيق النظام، وكل معاني الخير في هذا العالم، فيه تحفظ الحقوق، وتصان النفوس، ويتم النظام ويعيش الناس آمنين مطمئنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فهو عنوان الإسلام وميزان الإيمان، وأساس الدين وخصلة حميدة في حق من اتصف بها، وقد أمر الله عباده بلزوم الصدق وصحبة الصادقين، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ ﴾ [التوبة: ١١٩]. أي: أصدقوا والزموا الصدق تكونوا مع أهله، وتنجوا من المهالك، ويجعل الله لكم فرجًا في أموركم ومخرجًا(١). وعن عبد الله بن عمر: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ أي: مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقال الضحاك: ((مع أبي بكر وعمر وأصحابهما»، وقال الحسن البصري: «إن أردت أن تكون مع الصادقين، فعليك بالزهد في الدنيا والكف عن أهل الملة غير الصادقة))(٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤ /٢٣٠. (٢) المصدر السابق ٤/ ٢٣٤. ٣٩٦ جوبي القرآن الكريمِ الصدق فَأُؤْلَيْكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْئِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: ٦٩]. قال الشوكاني في تفسيرها: ((ومن يطع الله والرسول كلام مستأنف لبيان فضل الطاعة لله والرسول، من أولئك المطيعين، فهم مع الذين أنعم الله عليهم بدخول الجنة والوصول إلى ما أعد الله لهم، والصديق المبالغ في الصدق کما تفيده الصیغة، و قيل هم الفضلاء أتباع الأنبياء، والشهداء: من ثبت لهم الشهادة، والصالحین: هم أصل الأعمال الصالحة)»(١). ثم ذيل الآية الكريمة بقوله: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾ هذا هو الرفيق الذي يجب أن تعض عليه بالنواجذ، هذا الرفيق الذي يجب أن تلازمه؛ لأن أثر تعامل المؤمنين الصادقين يأثر تأثيرًا طيبًا من خلال تعلم البعض من البعض خلال الصدق والورع والزهد والاستقامة والتقوى، فإذا المجتمع مجتمع مؤمن، فاحرص أن تكون علاقاتك ومجالسك وندواتك في أفراحك مع المؤمنين الذين صدقوا الله. قال تعالى: ﴿قَالَ اَللَّهُ هَذَا يَوْمٌ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّتُ تَجْرِئٍ مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ [المائدة: ١١٩]. (١) فتح القدير، الشوكاني، ١/ ١٧٢. ((أي ينفع الصادقين في الدنيا صدقهم في الآخرة، ولو کذبوا لختم الله على أفواههم، ونطقت به جوارحهم فافتضحوا)) (٢). لقد اقتضت حكمة الله في خلقه أن جعل الإنسان ميالًا بطبعه إلى مخالطة الآخرين ومجالستهم ومصاحبتهم، وهذه الصحبة لها أثرها الفعال في مصير الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة، فإن المرء يتأثر بجلیسه، ويصطبغ بصبغته فكرًا ومعتقدًا وسلوكًا وعملًا، فقد أخبر الحق تبارك وتعالى عن ندم الظالم يوم القيامة وتأسفه على مصاحبته للمنحرفين؛ لأنهم كانوا سببًا في انحرافه وإضلاله. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يَنْوَيْلَقَ لَيْتَفِى لَوْ أَقَّخِذْ فُلَانَا خَلِيلًا ، لَّقَدْ أَضَلَّفِى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْجَآءَ فِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَنِ خَذُولًا ﴾ [الفرقان: ٢٧-٢٩]. يوم القيامة تشتد حسرات الظالم، وتتصاعد زفراته وهو يقول يا ليتني لم أصاحب هذا الذي أضلني عن الذكر، يعني القرآن أو مواعظ الرسول؛ لأنه أوقعه في الضلال، فهو كالشيطان يعده ويمنيه في الدنيا، ما يسبب له الحسرة في الآخرة (٣). وقال عليه السلام: (إنما مثل الجليس (٢) معالم التنزيل، البغوي، ١٢٣/٢. (٣) انظر: محاسن التأويل، القاسمي، ٢٥٨/١٢. www. modoee.com ٣٩٧ حرف الصاد الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الکیر، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبةً، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ریحًا خبيثة)(١). فأوضح علیه السلام أن الجليس له تأثير علی جليسه سلبًا أو إيجابًا بحسب صلاحه وفساده، حیث شبه الجليس الصالح بحامل المسك وهو على أدنى الأحوال أن تجد منه الرائحة الطيبة المؤثرة على نفسك وبدنك وثيابك، أما الجليس السوء فهو إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه رائحة منتنة تسبب له غصة وعاهة في رئتيك؛ فيسبب لك الضرر بمجالسته. وببر کة مجالسة الصالحين فإن الله يغفر لهم ولجلیسھم وإن لم یکن منھم، حیث جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله ملائكةً يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم عز وجل وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ قال: تقول يعني الملائكة يسبحونك ویکبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب مجالسة الصالحين ومجانبة قرناء السوء، ٤ /٢٠٢٦، رقم ٢٦٢٨. فیقول الله: فأشهدکم أني قد غفرت لهم، قال: فيقول ملكٌ من الملائكة: فيهم فلانٌ ليس منهم إنما جاء لحاجةٍ، وفي لفظ: فيهم فلانٌ عبدٌ خطاءٌ إنما مر فجلس معهم، قال: فیقول: هم الجلساء لا یشقی جلیسهم)(٢). فلنحرص على مصاحبة من وصفهم الله بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَاَلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَنِينَ وَاَلْقَِّنَتِ وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَِّنَ وَالصَّبِرَتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَاُلْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ وَالصَّنَّبِمَتِ وَالصََِّّمِينَ وَالْمَتَصَدِّقْتِ وَاَلْحَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَفِظَتِ وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢)﴾ [الأحزاب: ٣٥]. لقد أعد الله سبحانه وتعالى لهؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الحميدة والمناقب الجليلة التي هي ما بين اعتقادات وأعمال قلوب، وأعمال جوارح، وأقوال لسان، وما بين أفعال الخير وترك الشر، الذي من قام بهن، فقد قام بالدین کله، ظاهره وباطنه، وبالإسلام والإيمان والإحسان، فجزاهم على أعمالهم بالمغفرة من الذنوب والأجر العظيم؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات، نسأل الله سبحانه أن يجعلنا منهم، (٢) صحيح البخاري، كتاب الدعوات باب فضل ذكر الله سبحانه وتعالى، ٨٦/٨، رقم ٦٤٠٨. مَوَسُوعَة النفسية القرآن الكريم ٣٩٨ الصدق إنه سميع مجيب الدعاء (١). ثالثًا: الصدق صفة الأنبياء والصالحين: ١. الصدق صفة الأنبياء. إن أعظم صفات الرسل الصدق؛ لأنهم المبلغون عن الله وحيه، والمرسلون بشرعه إلى خلقه، وكيف لا يتصفون بالصدق؟ فلزم أن يكون الصدق ملازمًا لهم في الأفعال والأقوال، وهذا ما حكاه الله سبحانه وتعالى عنهم في عدة مواضع من القرآن الكريم، هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ كقوله جل جلاله: وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢]. وذكر في حق إبراهيم عليه السلام قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِبْرَهِيمْ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا ◌َّيَّا ﴾ [مريم: ٤١]. وأيضًا قوله تعالى: ﴿ رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا وَأَجْعَل ◌ِى لِسَانَ وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ صِدْقِ فِ اَلْأَخِرِينَ ﴾ [الشعراء: ٨٣-٨٤]. ووصف الحق سبحانه وتعالى إسماعيل عليه السلام بالصدق في الوعد، فقال تعالى: ﴿وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلٌ إِنَُّ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا بِيًّا﴾ [مريم: ٥٤]. وجاء في حق إدريس عليه السلام، قوله تعالى: ﴿وَأَذَكُرْ فِي الْكِتَبِ إِدْرِيسَّ إِنَّهُ، كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيَّاتٍ﴾ [مريم: ٥٦]. (١) انظر: تفسير تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٦٦٤. ونزل بشأن إسحق ويعقوب عليهما السلام قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَعْتَزَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ وَكُلّا ١٠٠٠٠ ٠ جَعَلْنَا فِيًّا ، وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِّن رَّحْمَئِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيَّا ن﴾ [مريم: ٤٩-٥٠]. ونزلت آيات توضح صدق يوسف عليه السلام، فقال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَقْنَافِ سَبْعِبَقَرَتِسِمَانِ ﴾ [یوسف : ٤٦]. وآية أخرى يؤيد الله نبيه يوسف بدليل يؤكد على صدقه، قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ، قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّدِقِينَ ٧)﴾ [يوسف: ٢٧]. ووصفه بالصدق باعتراف امرأة العزيز، حيث جاء حكاية في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ أَقْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْفَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَوَدَتُُّ عَن نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١]. الصدق فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالًا وقدوة في صفة الصدق، وكان معروفًا بالصدق في قومه قبل البعثة، فلقبوه بالصادق الأمين، واشتهر بهذا اللقب وعرف به بين أقرانه، وبعد البعثة المباركة كان تصديق الوحي له مدعاة؛ لأن يطلق عليه أصحابه ((الصادق الأمين)) وصدق الله عز وجل إذ قال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى • وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَّ ل إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى ٢ www. modoee.com ٣٩٩ حرف الصاد [النجم : ٢- ٤]. وأكبر من هذا كله شهادة رب العالمين على صدقه صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: ﴿وَأَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهٌِ أُوْلَيْكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [الزمر: ٣٣]. والذي جاء بالصدق هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والذي شهد لما جاء به هو الله سبحانه وتعالى من فوق سبع سموات، وأيد ذلك ابن عاشور في تفسيره شارحًا لهذه الآية: «الذي جاء بالصدق هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصدق هو القرآن))(١) . وکان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائمًا يحث المسلمين على الصدق في أقوالهم وأفعالهم، ويوجه خطابه للمسلمين قائلًا: (اضمنوا لي ستًا من أنفسكم أضمن لكم الجنة، اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أیدیکم)(٢) . وكان صلی الله عليه وسلم يغرس في نفوس أصحابه الصدق ویربیھم علیه، وأكبر دليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٤/ ٨٦. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٧/ ٤١٧. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢٣٤/١، رقم ١٠١٨. الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة)(٣). صدق رسول الله في الحرب: لننظر إلى موقفه قبيل غزوة بدر، التي خرجت فيها قريش لتقضي على المسلمين، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ ليتعرفا على أخبار المشركين، فوقفا على شيخ من العرب، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أخبرتنا أخبرناك) قال: ذاك بذاك؟ قال: (نعم)، قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به رسول الله صلی الله عليه وسلم وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم الیوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي فيه قریش، فلما فرغ من خبره، قال: ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن من ماء) ثم انصرف عنه، قال يقول الشيخ: من ماءٍ؛ أمن ماء العراق (٤). (٣) أخرجه الترمذي، كتاب صفة القيامة، الباب باب، ٤ / ٦٦٨. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٦٣٧/١، رقم ٣٣٧٨. (٤) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام، ٦١٥/١، جَوَسُولَهُ النَّقسيمة القرآن الكريم ٤٠٠ الصدق صدق رسول الله في الفكاهة: لقد اتصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدق في کل أفعاله وأقواله، حتى في مزاحه ومفاکهاته صلی الله عليه وسلم، التي يظن البعض أن الکذب فيها مباح، فعن أنس بن مالك، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستحمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنا حاملوك على ولد ناقة)، قال: يا رسول الله ما أصنع بولد ناقة؟ فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (وهل تلد الإبل إلا النوق)(١). فكانت هذه الفكاهة من النبي صلی الله عليه وسلم مع رجل من عامة المسلمين من باب تقارب النفوس، وزيادة المحبة، لكنه صلى الله عليه وسلم كان صادقًا ولم يستعمل إلا الصدق. ٢. الصدق صفة الصالحين. إن الله تعالى وصف عباده المؤمنين بصفات عديدة وخصال حميدة، ومن أعظمها: صفة الصدق. قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَتَّقُواْ اللَّهَ وَّكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ [التوبة: ١١٩]. السيرة النبوية، ابن كثير، ٣٩٦/٢. (١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في المزاح، رقم ٤٩٩٨، ٣٤٨/٧. وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، رقم ٢٦٨. وهذا الأمر جاء بعد قصة الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك، وأوضحت الآيات کیف نفعهم صدقهم مع رسول الله صلی الله عليه وسلم، يقول القرطبي في تفسيره: «هذا الأمر بالكون مع الصادقين حسن بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق، وذهب بهم عن منازل المنافقين، قال مطروف: سمعت مالك بن أنس يقول: قلما كان رجل صادقًا لا يكذب إلا متع بعقله ولم يصبه ما يصيب غيره من الهرم والخرف وقال حق من فهم عن الله وعقل عنه أن يلازم الصدق في الأقوال والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال، فمن كان كذلك لحق بالأبرار ووصل إلى رضا الغفار»(٢) . ويقول ابن كثير في تفسيره لقوله ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ تعالى: [التوبة: ١١٩]: وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ (١)﴾ ((أي: اصدقوا والزموا الصدق تكونوا من الصادقين وتنجوا عن المهالك، ويجعل الله لكم فرجًا من أموركم ومخرجًا))(٣). إن للصدق أثرًا كبيرًا على الصادقين، فظهر منهم العجائب في صدقهم، فأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أصدق الناس إيمانًا وأصدقهم يقينًا، فظهر عليهم الصدق في كل أحوالهم، فهذا أبو بكر (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبى، ٨/ ١٨٣. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/ ٥٢٢. www. modoee.com ٤٠١ حرف الصاد الصديق رضي الله عنه صدق النبي في حادثة الإسراء والمعراج، حيث جاء نفرٌ من المشركين إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالوا: إن صاحبك يزعم أنه ذهب إلى بیت المقدس وعاد في ليلة واحدة، ونحن نضرب أکباد الأبل شهرًا ذهابًا وإيابًا، فقال: أهو قال ذلك؟ قالوا: نعم، فقال: إن كان قد قال ذلك فقد صدق، إني أصدقه على أعظم من ذلك، إني أصدقه أنه يأتيه خبر السماء، وسمي بالصدیق(١). ووصف الله سبحانه وتعالى الصحابة بالصدق، فقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ بَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَنًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ ﴾ [الحشر: ٨]. وأوضح صلی الله عليه وسلم أن التاجر عندما يتحلى بالصدق يكون ذلك في أسباب الفلاح، والفوز يوم القيامة، حيث جاء عن رفاعة عن أبيه (أن النبي خرج على المصلى فرأى الناس يتبايعون، فقال: يا معشر التجار! فاستجابوا الرسول الله صلی الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: (إن التجار یبعثون يوم القيامة فجارًا، إلا من اتقى الله وبر وصدق)(٢). (١) انظر: تهذيب سيرة ابن هشام، ص ١٠٢، فقه السيرة، البوطي، ص ١٤٧. (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التجارات، باب التوقي في التجارة، ٥١٧/٣، رقم وقال ابن عباس رضي الله عنه: ((أربع من كن فيه فقد ربح: الصدق، والحياء، وحسن الخلق، والشكر)»(٣). فلنصدق الله في إيماننا، ولنصدق الله في إخلاصنا، ولنصدق الله في سائر أعمالنا، فلا منجى من عذاب الله إلا الصدق الذي نلتزم به، ونخالف المنافقين الذين كذبت ألسنتهم وكذبت قلوبهم، فالمؤمن صادق في قوله وفعله وفي تصرفاته. رابعًا: دعاء الصالحين يجعلهم من الصادقين: إن لنا الأسوة الحسنة في خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام في التضرع إلى الله بطلب الدعاء، حيث جاء حكاية عنه قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِ حُكْْمًا وَأَلْحِقْنِى وَأَجْعَل لِى لِسَانَ صِدْقٍ فِ ٨٣ بِالصَّلِمِين الْآَخِرِينَ ، وَلَجْعَلْنِ مِنْ وَرَّةٍ جَنَّةِ النَّعِيمِ ( [الشعراء: ٨٣-٨٥]. ويتضمن دعاؤه في هذه الآيات ما يلي: طلب الحكمة. قال تعالى: ﴿رَبِّ هَبّ لِ حُكْمًا﴾ أي: أعطني معرفة به، بحدودك وأحكامك، علمًا أعرف الحلال والحرام، لأحكم به بین الناس، وامنحنى الحكمة التي أعرف بها ١٢١٠. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (٣) انظر: إحياء علوم الدين، ٤ / ٣٨٧. ٤٠٢ مَوَسُورًا القرآن الكريمِ الصدق القيم الصحيحة من القيم الباطلة الزائفة (١). الأمم الآتية من بعدي، قال ابن عاشور: طلب اللحاق بالصالحين. قال تعالى: ﴿وَأَلْحِقْنِىِ بِالصَّالِحِينَ﴾ يقولها إبراهيم عليه السلام الأواه الحليم، أي: اجعلني من الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند الاحتضار: (اللهم في الرفيق الأعلى) قالها ثلاثًا (٢). وهذا هو مطلب وسؤال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: (اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمین، وألحقنا بالصالحين، غیر خزايا ولا مفتونين)(٣). إنه الحرص من الأنبياء على اللحاق بالصالحين الصادقين، وبالتوفيق إلى العمل الصالح الذي يلحق صاحبه بركب المخلصين الصالحين الصادقين. طلب الذكرى الحسنة بعد وفاته. قال تعالى: ﴿وَاجْعَل لِی لِسَانَ صِدْقٍ فِی الْأَخِرِينَ﴾ يعني: الثناء الحسن بين الناس، والذكر بالخير والقول الطيب والصدق بين (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣٦٤/١٩، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠٥/٧، التفسير الواضح، ١٩/ ٥٠. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب مرض النبي ووفاته، ٦/ ١٠، رقم ٤٤٣٧. (٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٤٧/٢٤، رقم ١٥٤٩٢. وصححه الألباني في صحيحه الأدب المفرد، ١/ ٢٤٣، رقم ٦٩٩. ((وهذا يتضمن سؤال الدوام والختام على الكمال وطلب نشر الثناء عليه، وهذا ما تتغذى به الروح من بعد موته؛ لأن الثناء عليه يستدعي دعاء الناس له، والصلاة والتسليم جزاء على ما عرفوه من زكاء نفسه)) (٤). وقد استجاب الله عز وجل له وحقق دعوته، وجعل له لسان صدق في الآخرين وبعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. طلب جنة النعيم. قال تعالى: ﴿وَلَجْعَلْنِ مِن وَرَثَّةِ جَنَّةِ النَِّمِ﴾ أي: من السعداء في الآخرة الذين يستحقون میراث جنات الخلد. وقد أجاب الله تعالى دعوته، فرفع منزلته، وفي هذا حث للعباد على الجد في الدعاء الذي يحقق الخير في الدنيا والآخرة للمؤمنين المخلصين الصادقين مع الله عز وجل ومع الناس ومع أنفسهم، وجاء في شأن المهاجرين قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ اَلْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَ رِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ؟ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ ﴾ [الحشر: ٨]. إن الصدق فضيلة وصف الله عز وجل بها المهاجرين، عندما خرجوا من ديارهم (٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٣١٨/٤. www. modoee.com ٤٠٣ حرف الصاد وأموالهم لنصرة الله ورسوله، فكانوا خامسًا: الثناء على أهل الصدق ووصفهم بالتقوى ومحبة الله: مخلصين لله، مبتغين مرضاته ورضوانه فقال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾ أي في إيمانهم (١) وجهادهم (١). فهم الصادقون أهل الإيمان واليقين والمجاهدة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَذُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَكَ هُمُ الصَّدِقُونَ (٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. إن الصادق مستجاب الدعاء بإذن الله تعالى، وأجره محقق، وإن عجز العبد عن العمل الذي نواه بصدق، حيث جاء عن سهل بن أمامة عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه)(٢). والصادق تحصل له البركة في بيعه وشرائه، حيث أخرج البخاري عن حکیم ابن حزام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما)(٣). (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٥٦/١٩. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب استحباب طلب الشهادة، ١٥١٧/٣، رقم ١٩٠٩. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع جَوَسُوع القرآن الكريمِ وصف الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنین بصفات عديدة وخصال حميدة، من أعظمها صفة الصدق. قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى غَحْبَهُ. وَمِنْهُم مَن يَنْتَظِرٌ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا ، لِّيَجْزِىَ اللهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب: ٢٣ - ٢٤]. (٢٤ فهم أهل صدق ووفاء للعهود والمواثيق التي يبرموها مع الآخرين، وقبل ذلك أهل وفاء مع الله في أدائهم للتكاليف والشرائع التي كلفوا بتطبيقها، ولقد حث الإسلام على الوفاء بالعهود والعقود، فالموفون بعهدهم، هم الصادقون الذين يقومون بأداء الواجب. ویکفي أهل الصدق فضلا، أن الله جعل لهم الجزاء العظيم بجنات تجري من تحتها الأنهار. قال تعالى: ﴿ قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمٌ يَنَفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ لَمْ جَنَّتُ تَرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَالِينَ فِبِهَا أَبَدًا رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ [المائدة: ١١٩]. ١١٩ فجعل الله سبحانه وتعالى أنه لا ينفع العبد وينجيه من العذاب يوم القيامة إلا باب ما یمحق الكذب، ٥٩/٣، رقم ٢٠٨٢. ٤٠٤ الصدق صدقه، فهو الذي يحقق رضا الله ويدخل في الأقوال، بأن تكون أقواله مساوية للحقيقة صاحبه الجنة. بل إن منازل أهل الصدق من أعلى المنازل وأعظمها حتى ظن البعض أنها منازل الأنبياء عليهما السلام. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَّ ﴾ [النساء: ٦٩]. وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا : وجاء عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: (اضمنوا لي ستًا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم)(١). إن الصدق هو الطريق الأقوى المؤدي من المؤمن، أن من فعل هذه الخصال فإنه إلی رضوان الله تعالی: فمن سلکه کان من الناجين، ومن حاد عنه وانحرف كان من المنقطعين الهالكين، وبين الله سبحانه وتعالى أن المتقين هم الذين صدقوا الله فصدقهم، فدرجتهم تالية لدرجة النبوة، التي هي أرفع الدرجات، وما نال الصادقون هذه الدرجة العالية والإنعام العظيم إلا بطاعتهم لله ورسوله في كل الأوامر والنواهي. والصدق المساوي للتقوى، هو الصدق (١) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٧/ ٤١٧. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢٣٤/١، رقم ١٠١٨. والواقع، والصدق في الأعمال والأفعال هو استواء الأفعال على الأمر والنهي لله ولرسوله، والصدق في الأحوال هو استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص لله، حيث جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتی یکتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل لیکذب ويتحرى الكذب، حتی یکتب عند الله کذابًا)(٢). وحكم الله سبحانه وتعالى في ختام آية البر بعد أن ذكر خصاله التي يريدها الصادق والتقي، فقال سبحانه وتعالى: لَيْسَ آلْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبَّ مَنْ ءَامَنَ بِاَللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبِنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْفَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِينَ وَفِىِ الْرِقَّابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَآءِ وَحِينَ (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)، ٢٥/٨، رقم ٦٠٩٤. www. modoee.com ٤٠٥ حف الصاد الْبَأْسُِ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ [البقرة: ١٧٧]. إن هذه الآية الكريمة حاويةٌ لجميع الكمالات البشرية تصريحًا أو تلميحًا، ومع كثرة الخصال المذكورة فيها، إلا أننا نستطيع أن نجمعها في خصال ثلاث هي: البر في العقيدة، والبر في الأخلاق، والبر في العمل، وختمت الآية بالإشارة إلى أن من جمع هذه الخصال، هم الذين صدقوا في الدين واتباع الحق، وتحري البر، ثم كرر لفظ الإشارة، للتنويه بشأن من جمع هذه الخصال، فجاء بالضمير (هم) بين اسم الإشارة والمتقين؛ لبيان أن من جمع هذه الخصال تنحصر التقوى فيهم، فقال تعالى: ﴿وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. فالصدق في الإيمان وفي الإسلام، والصدق في الأخلاق، يحقق التقوى لنا على الدوام، ندعو الله أن نكون من الصادقين لننال التقوى، وإذا تحققت التقوى في النفوس، فهي عامل أساس في إيجاد محبة الله؛ لأن الله يحب المتقين الصادقين العاملين بمنهج الله سبحانه وتعالى (١). قال تعالى: ﴿فَأَنِّقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى [التوبة: ٤]. مُدَّتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ وقال تعالى: ﴿فَمَا أَسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُواْ لَمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]. وأوضح الحق تبارك وتعالى أنه يحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب المقسطين ويحب المحسنين. قال تعالى: ﴿فَانَهُمُ اللَّهُثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ [آل ١٤٨ ثَوَابٍ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ عمران: ١٤٨]. وفضيلة الصدق تجمع هذه الفضائل؛ لأن من اتصف بالصدق، كان من الذين استقاموا، واتقوا، وأحسنوا، وتابوا، وتطهروا، وأقسطوا أي: عدلوا إذا حكموا في أي قضية، إذًا فالصدق يورث محبة ومعية الله تعالى للصادقين؛ فمن أراد أن يكون الله معه ويحبه، فليلزم الصدق في جميع أحواله؛ فإن الله تعالى مع الصادقين، وإن الله تعالى يحب الصادقين المتقين. (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٦٦٤. جُونُوا حَرَ النَّفْسِيّةْ القرآن الكريم ٤٠٦ الصدق حقيقة الصدق وميادينه إن الصدق خلق عظيم، وهو من أهم أخلاق المسلم وخاصة الداعية إلى الله تعالى وهو أساس يقوم عليه الإسلام العظیم. یقول ابن القيم رحمه الله: ((هو منزلة القوم الأعظم، الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين، والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعین الهالكين، وبه يتميز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلًا إلا أراده وصرعه))(١). وكثيرة هي الآيات الآمرة بالتحلي بالصدق والمرغبة فيه. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصََّّدِقِينَ [التوبة: ١١٩]. يقول الإمام الألوسي رحمه الله: ((وفي الآية ما لا يخفى من مدح الصدق»(٢). ومن الآيات المرغبة بفضيلة الصدق قوله تعالى: ﴿طَاعَةٌ وَقَّوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ اُلْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَانَ خَيْرَاً لَّهُمْ )﴾ [محمد: ٢١]. يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه (١) مدارج السالكين، ٢٤/٢. (٢) روح المعاني، الألوسي، ٤٣/٤. الله: ((والصادقون هم المعتصمون بالصدق والإخلاص في جهادهم إذا جاهدوا، وفي عهودهم إذا عاهدوا، وفي أقوالهم ووعودهم إذا حدثوا ووعدوا وفي توبتهم إذا أذنبوا أو قصروا))(٣). يتضح من ذلك أن الصدق يدخل في ميادين كثيرة نذكر منها النقاط الآتية: أولًا: صدق النية والإرادة: ينبغي على الإنسان حينما يقوم بأي عمل في هذه الحياة، أن يعقد النية مع الله، وأن يكون صادقًا في ابتغاء مرضات الله تبارك وتعالى لكي يكون عمله مقبولًا وله ثماره الطيبة. قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّه مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ حُنَفَاةَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةُ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾﴾ [البينة:٥]. وأوضح صلى الله عليه وسلم أن الصدق في النية هو الأساس لقبول الأعمال، عن أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوی، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن کانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) (٤). (٣) المنار، محمد رشيد رضا، ٥٨/١١. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، www. modoee.com ٤٠٧ حرف الصاد وهذا الصدق له متعلق بالإخلاص، بمعنى أنه لا يكون له باعث للعمل إلا رضا الله سبحانه وتعالى، وصدق النية يجدد مقاصد المكلفين من أي عمل يقومون به، فإن انحرفت عن هذا المقصد إلى حظ من حظوظ النفس بطل صدق النية، ويرشد إلى ذلك قول النبي صلی الله عليه وسلم: (أول الناس يقضى فيه يوم القيامة ثلاثةٌ: رجلٌ استشهد أتي به فعرفه نعمة فعرفها فقال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت في سبيلك حتى استشهدت، قال: كذبت إنما أردت أن يقال فلانٌ جريء، فقد قيل: فأمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ تعلم العلم وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وقرأت القرآن وعلمته فيك، قال: كذبت إنما أردت أن يقال فلان عالم وفلان قارئ فقد قیل، فأمر به فسحب على وجهه إلى النار، ورجلٌ أتاه الله من أنواع المال فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال: ما عملت فيها؟ فقال: ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت فيه لك، قال: كذبت إنما أردت أن يقال فلان جوادٌ فقد قیل فأمر فسحب على وجهه حتى ألقي في النار)(١). باب إنما الأعمال بالنيات، ١٥١٥/٣، رقم ١٥٥. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء، ١٥١٣/٣، رقم ١٩٠٥. ثانيًا: صدق الظاهر مع الباطن: إن الصدق يعني مطابقة الظاهر للباطن، والأفعال للأقوال، بحيث توافق الأفعال الأقوال، فيعيش المسلم توافقًا كاملًا في حركاته وسكناته، فلا يبطن غير ما يظهر، ولا يخبر بغير ما وقع، ولا يقول ما لا يفعل، وإذا وافق الظاهر للباطن عند الإنسان، يكون تحلى بأعظم الصفات وأرفع الأخلاق، فيعيش مرتاح الضمير هادئ النفس؛ لأن الكذب يجعل النفس في اضطراب وعدم راحة، وإن المنافق الذي يخالف ظاهره عن باطنه، فيظهر الإيمان ويبطن الكفر، فهذا عين التملق والنفاق، وكذب بين ظاهره وباطنه، و کذلك يدخل في ذلك ذو الوجهين، وهو شر الناس في ميزان الشرع، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه)(٢). ونقل ابن حجر العسقلاني في شرحه عن القرطبي قوله في ذي الوجهین: «إنما كان ذو الوجهين شر الناس؛ لأن حاله حال المنافق، إذ هو متملق بالباطل، وبالكذب، مدخلٌ للفساد بين الناس))، ونقل عن النووي قوله: («هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها، فيظهر (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب ما يكره من ثناء السلطان وإذا خرج قال غير ذلك، ٩/ ٧١، رقم ٧١٧٩. ٤٠٨ القرآن الكريم