النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الشمس
عناصر الموضوع
مفهوم الشمس
٨
الشمس في الاستعمال القرآني
٩
الألفاظ ذات الصلة
١٠
١٢
اقتران الشمس بالقمر في القرآن
١٤
الشمس من آيات الله العظيمة
٢٥
أوصاف الشمس
٢٨
الشمس والعبادة
٢٩
عبادة الناس للشمس
٣٢
الشمس يوم القيامة
٣٦
لمسات إعجازية في الشمس
المُجَلَدُ العُشْرُونْ

حرف الشين
مفهوم الشمس
أولًا: المعنى اللغوي:
تدل مادة (ش م س) على تلونٍ وقلة استقرارٍ، وسميت الشمس بذلك؛ لأنها غير مستقرةٍ،
فهي أبدًا متحركةٌ. ويقال: شَمُسَ يومنا، وأشمس، إذا اشتدت شمسه، والشموس من الدواب:
الذي لا يكاد يستقر. يقال: شمس شماسًاً(١).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب: ((الشمس يقال للقرصة، وللضوء المنتشر عنها)) (٢).
وقيل: هو كوكب مضيء نهاري (٣).
و(الشمس) عند الفلكيين: النجم الأقرب إلى الأرض، حيث تدور حوله مع سائر كواكب
المجموعة الشمسية (٤).
فالشمس: نجم مضيء في السماء يشع لنا حرارة وضياء.
وأصل مادتها في اللغة يدل على التلونٍ وقلة الاستقرارٍ، فالشمس سميت بذلك لحركتها
الدائمة.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢١٣/٣.
(٢) المفردات ص ٤٦٤.
(٣) التعريفات، الجرجاني ص١٢٩.
(٤) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٤٩٤/١، المدخل إلى علم الجغرافيا والبيئة، محمد
محمود محمدین و طه عثمان الفراء، ص ٧٨.
٨
جَوَبُوالَةُ النَّقتين
القرآن الكريم

الشمس
الشمس في الاستعمال القرآني
وردت مادة (شمس) في القرآن الكريم (٣٢) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
اسم (معرفة)
٣١
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ ﴾ [التكوير: ١]
اسم (نكرة)
١
﴿لَا يَرَوَّنَ فِيَهَا شَمْسَا وَلَا زَمْهَرِيرًا
[الإنسان: ١٣]
١٣
وجاءت الشمس في القرآن الكريم بمعناها اللغوي، وهو هذا النجم النهاري المضيء (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٣٨٧.
(٢) انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ٢٩٠/٢-٢٩١.
www. modoee.com
٩

حرف الشين
الألفاظ ذات الصلة
القمر:
١
القمر لغةً:
القاف والميم والراء أصل صحيح يدل على بياض في شيء، ثم يفرع منه. من ذلك القمر
الذي في السماء، وضوءه القمراء، وسمي قمرًا؛ لبياضه(١).
القمر اصطلاحًا:
هو كوكب في السماء معتم.
وقيل: جرم سماوي صغير معتم يدور حول كوكب أكبر منه ويكون تابعًا له(٢).
الصلة بين القمر والشمس:
الشمس جسم مضيء، والقمر جسم معتم ونوره ليس نابع منه وإنما انعكاس عليه.
النجم:
٢
النجم لغة:
قال ابن فارس: ((النون والجيم والميم أصل صحيح يدل على طلوع وظهور، ونجم
النجم: طلع، ونجم السن والقرن: طلعا. والنجم: الثريا، اسم لها)»(٣). وفي الحديث: هذا
إبان نجومه، أي: وقت ظهوره، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، يقال: نجم النبت ينجم إذا
طلع، وكل ما طلع وظهر فقد نجم)) (٤).
مما سبق يمكن تعريف النجم لغة: هو كل شيء يظهر.
النجم اصطلاحًا:
قال الكفوي: ((كل طالع فهو نجم، يقال: نجم السن، والقرن، والنبت إذا طلعت))(٥).
وقيل: ((أحد الأجرام السماوية المضيئة بذاتها، ومواضعها النسبية في السماء ثابتة، وهو
عبارة عن جسم كروي ضخم ولامع ومتماسك بفعل الجاذبية))(٦).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٥/٥.
(٢) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٧٥٨/٢
(٣) مقاييس اللغة ٣٩٦/٥.
(٤) لسان العرب، ابن منظور ١٢/ ٥٦٨.
(٥) الكليات ص ٨٨٧.
(٦) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٩٠٥.
١٠
جوية
القرآن الكريم

الشمس
وعرفها الجغرافيون بأنها: أجرام سماوية تضيء بذاتها، وتنبعث منها الطاقات الحرارية
والضوئية نتيجة؛ ما يحدث فيها من تفاعلات نووية (١).
الصلة بين النجم والشمس:
الشمس: مضيئة في النهار، بينما النجم مضيء في الليل.
الكوكب:
٣
الكوكب لغةً:
من کب: الکاف والباء أصل صحیح یدل على جمع وتجمع، لا يشذ منه شيء، والكوكب
(٢) .
يسمى كوكبًا من هذا القياس"
والكوكب: واحد الكواكب، فالكوكب والكوكبة: النجم، وكوكب: اسم موضع (٣).
الكواكب اصطلاحًا:
قال الجرجاني: ((الكواكب: أجسام بسيطة مركوزة في الأفلاك، كالفص في الخاتم،
مضيئة بذواتها، إلا القمر)» (٤)، أو: ((جرم سماوي يدور حول الشمس ويستضيء بضوئها،
وأشهر الكواكب مرتبة على حسب قربها من الشمس: عطارد الزهرة الأرض المريخ
المشتري زحل یورانس نبتون بلوتون»(٥).
الصلة بين الكوكب والشمس:
الشمس جرم سماوي مضيء، والكوكب جرم سماوي يدور حول الشمس ويستضئ
بضوئها(٦).
(١) المدخل إلى علم الجغرافيا والبيئة ص ٦٦
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٢٤/٥.
(٣) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٦/ ٦٧٠، شمس العلوم، نشوان الحميري ٥٨٧٣/٩،
مختار الصحاح، الرازي ١/ ٢٧١، لسان العرب، ابن منظور ١/ ٧٢١.
(٤) التعريفات ص ١٨٨.
(٥) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٧٩٣/٢.
(٦) الشمس النجم الذي يهبنا الحياة ص ٣٦.
www. modoee.com

حرف الشین
اقتران الشمس بالقمر في القرآن
اقترن ذكر الشمس بالقمر في أكثر
المواضع لما بينهما من ترابط وتكامل،
فالشمس هي محور المجموعة التي تنسب
لها، والتي تضم مجموعة من الكواكب،
تدور حولها مع تفاوت في سرعة الدوران
واختلاف في مداراته، بينما القمر تابع
للأرض، يدور حولها، ويعكس ضوء
الشمس وجهه اللامع، فينير في المساء،
والشمس آية النهار، والقمر آية الليل.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى خَلَقَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَّرَ كُلُّ فِ فَكٍ يَسْبَحُونَ
[الأنبياء: ٣٣].
وبين تعالى كونهما مسخرين لمنافع
الناس ومصالحهم، قال تعالى:
وسخْر
لَكُمُ الَِّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَّ وَالنُّجُومُ
مُسَخَّرَتٌ بِأَمْرِهِةٍ﴾ [النحل: ١٢].
وأن حركتهما دائمة لا تتوقف إلى أن
يأذن الله لهذا النظام بالزوال ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ
الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ أَلَيْلَ
﴾ [إبراهيم: ٣٣].
وَالنَّهَارَ ®
فذكر تعالى أن الليل والنهار والشمس
والقمر من خلق الله تعالى، مسخرةٌ بأمره
من أجلنا، وأن الشمس والقمر يسبحان،
واقتران الليل والنهار بهما واضح بين، كما
في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَاِ ) وَالْقَمَرِ
إِذَا تَلَ ى وَالنَّهَارِ إِذَا جَّنَا وَأَلَيْلِ إِذَا يَغْشَنَهَا
٥﴾ [الشمس: ١- ٤].
والليل والنهار له ارتباطٌ بالشمس، فهي
آية النهار، الظلام يحل بغروب الشمس،
ويسفر الصبح بشروق الشمس، قال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا
وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِيَعْلَمُواْ عَدَدَ السَّنِينَ وَالْحِسَابَ
مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ
يَعْلَمُونَ (٥)﴾ [يونس: ٥].
قال ابن القيم: ((ومن تدبر أمر هذين
النيرين العظيمين وجدهما من أعظم الآيات
في خلقهما وجرمهما ونورهما وحرکتهما
على نهج واحد لا ينيان ولا يفتران، ولا
يجري أحدهما في فلك صاحبه ولا يدخل
عليه في سلطانه، ولا تدرك الشمس القمر
ولا يجيء الليل قبل انقضاء النهار، بل
لكل حركة مقدرة ونهج معين لا يشركه فيه
الآخر، کما أن له تأثيرًا ومنفعة لا یشر که فيها
الآخر، وذلك مما يدل من له أدنى عقل على
أنه بتسخير مسخر وأمر آمر وتدبير مدیر
بهرت حكمته العقول، وأحاط علمه بكل
دقیق و جليل»(١).
وغالبًا ما يتقدم ذكر الشمس على القمر،
لكونها آية أعظم، ونورها ذاتي، بخلاف
القمر، فإن نوره قبس من نورها وانعكاس
(١) انظر: التبيان في أقسام القرآن، ابن القيم
١٦٥/٢.
١٢
جَوَيُ
القرآن الكريمِ

الشمس
له، وهو تابع للأرض التي تتبعها مع غيرها أن قرصي القمر والشمس متساويان تقريبًا
عندما ننظر إليهما من الأرض، إلا أن الشمس
في الواقع أکبر من القمر وأبعد منه. وبفضل
النسبة في بعد القمر والشمس عنا ونسبة قطر
کل منهما، أمكن لكسوف الشمس أن یکون
كليًا عندما يقع القمر بين الشمس والأرض
في خط مستقيم))(٢).
من الكواكب، فكلاهما جزء من منظومة
الأ
واحدة، خاضعان لسنن واحدة.
الشَّمْسُ يَتْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا أَلَيْلُ سَابِقُ
النَّهَارِ وَكُلُّ فِىِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ ﴾[ يس:
٤٠].
فجاء اقترانهما لبيان انتظام حركتهما
ودوامها فلا تتوقف، بل تسير بحساب دقيق
ونظام محكم لا يختل، قال تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ
لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآْبِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اَلَيِّلَ
وَالنَّهَارَ ﴾ [إبراهيم: ٣٣].
وقال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ
﴾ [الرحمن: ٥].
كما جاء اقترانهما في سياق بيان
مصیرهما عند نهاية الكون، حیث یلتحمان
ويتحدان فیصیران کتلةً واحدة، قال تعالی:
﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَاَلْقَمَرُ ﴾ [القيامة: ٩].
((إن حركة الأرض حول الشمس منضبطة
تمام الانضباط، والتغيير يتم ولكن بدرجة
ضئيلة لا تظهر إلا على مدى قرون، وهذا
القمر الذي يتبع في حر کته الأرض يدور في
فلك مقرر ومنضبط مع تفاوت يسير جدًا،
يتكرر بعد كل ثمانية عشر عامًا ونصف عام
بدقة فائقة))(١).
ويرى البعض من ((المفارقة السعيدة:
(١) انظر: الإسلام يتحدى، وحيد الدين خان
ص ٦٥، الكون من الذرة إلى المجرة، حمادي
العبيدي ص ٢١.
والحق أن بعد الشمس والقمر عن
الأرض وقطرهما وبالنسب التي ذكرنا،
ليس من المفارقات السعيدة أو الصدف
العجيبة، كما كتب أكثر الذين استقينا منهم
المعلومات الفلكية أعلاه، بل بتقدیر وتدبير
من خالقها، لحكم كثيرة، أما التعبير بكلمات
كالصدفة السعيدة أو العجيبة فقد آن لها
في القرن العشرين أن تمحى من كتابات
العلماء، ليحل محلها كلمة الخالق، ولكن
الإنسان کان وسیظل كما وصفه ربه: ﴿إِنَّ
اُلْإِنسَنَ لِرَبِّهِ، لَكُنُودٌ ﴾ [العاديات: ٦].
(٢) انظر: الإسلام يتحدى، وحيد الدين خان
ص٧٤.
www. modoee.com
١٣

حرف الشین
الشمس من آيات الله العظيمة
الشمس آية من آيات الله وشاهدٌ يدل
على قدرته ووحدانيته وتدبیرہ لملکه، تمدنا
بالدفء والطاقة والضوء، ولها دورٌ أساسيّ
في عملية الإنبات والإثمار وإنضاجها، وبها
نعرف الأوقات والأيام والشهور والسنين،
وغير ذلك من منافعها التي لا يحصيها إلا
خالقها ومسخرها جل وعلا.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ
ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ
اُلْسِنِينَ وَالْحِسَابَّ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ
يُفَصِّلُ اَلَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ [يونس: ٥].
فالشمس من آياته تعالى الشاهدة
والناطقة، يجليها الله في الكون المنظور
وفي كتابه المسطور لأهل العلم.
قال تعالى: ﴿اللّهُالَّذِى رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ
تَرَوْنَهَا ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْضِ وَسَخَرَ الشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَّ
كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَمَّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ بُفَصِّلُ الْآَيَتِ
لَعَلَّكُمْ بِلِقَلِرَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ [الرعد: ٢].
فهي آيةٌ جليةٌ واضحة، وشاهدٌ حسي
على البعث.
وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ
وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتٌ
بِأَمْرِيَةُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
(٢)﴾ [النحل: ١٢].
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ
وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧].
فبينت الآيات الكريمة كون الشمس
آية من آيات الله تدل على كمال قدرته
وربوبيته لهذا العالم وتدبيره ولطفه، وتشهد
بوحدانيته تعالى، وهذه الآيات إنما يعتبر
بها وينتفع العقلاء والعلماء، وقد ساقها الله
لمن يريد أن يستيقن، فآية الشمس من أعظم
الآيات التي يجب أن تسترعي انتباهنا وتثير
عقولنا وتلفت أنظارنا إلى عظمة الخالق
ولطف تدبيره وحسن تقديره.
أما الجهال والمشككون والغافلون فلا
يقفون على هذه الآيات ولا يستبصرونها.
فالشمس تشرق کل صباح و تغرب کل مساء،
حتى أصبحت عندهم أمرًا مألوفًا لا يسترعي
انتباههم ولا تثير وجدانهم، بل تحجب
أهواءهم شمس الحقيقة فلا يبصرونها في
رابعة النهار.
فمن دلائل قدرته وشواهد عظمته: الليل
والنهار، وما بينهما من تداخل وامتزاج
واختلاف وائتلاف، وتفاضل وتكامل،
الليل بظلامه ووحشته وسكونه ورهبته،
ونجومه وأقماره وكواكبه، والنهار بجلائه
وضیائه وشمسه وحر كته، وللشمس منافعها
العميمة، منها الحرارة والضياء وتحديد
المواقيت، ومنافع أخرى كثيرة تدل على
حكمة الله وتقديره وعظمة تدبيره.
تقول الحسابات: إن الشمس تبعد عن
جَوَسُو
القرآن الكريمِ
١٤

الشمس
الأرض ٩٢٫٥ مليون من الأميال، ولو
كانت أقرب إلينا من هذا لاستحالت الحياة
واحترقت الکائنات! ولو كانت أبعد منا
لأصاب التجمد والموت ما على الأرض!
والذي يصل إلينا من حرارة الشمس لا
يتجاوز جزءًا من مليوني جزء من حرارتها.
وهذا القدر الضئيل هو الذي يلائم حياتنا.
ولو كان نجم الشعرى بضخامته وإشعاعه
هو الذي في مكان الشمس منا لتبخرت
الكرة الأرضية، وذهبت بددًا!
وكذلك القمر في حجمه وبعده عن
الأرض. فلو كان أكبر من هذا لكان المد
الذي يحدثه في بحار الأرض كافيًا لغمرها
بطوفان یعم کل ما علیها. وكذلك لو كان
أقرب مما وضعه الله بحسابه الذي لا
يخطئ مقدار شعرة! وجاذبية الشمس
وجاذبية القمر للأرض لهما حسابهما في
هذا الفضاء الشاسع الرهيب، الذي تجري
فيه مجموعتنا الشمسية كلها بسرعة عشرين
ألف ميل في الساعة، ومع هذا لا تلتقي
بأي نجم في طريقها على ملايين السنين!
وفي هذا الفضاء الشاسع الرهيب لا يختل
مدار نجم بمقدار شعرة، ولا يختل حساب
التوازن والتناسق في حجم ولا حرکة»(١).
وصدق الله تعالى: ﴿اَلشَمْسُ وَالْقَمَرُ
بِحُسْبَانٍ ﴾﴾ [الرحمن: ٥].
(١) انظر: في ظلال القرآن ٧/ ٩٥.
فالشمس لا تتخلف عن موعدها طرفة
عين، والقمر له دورته الثابتة لا يتخلف عنها
ومنازله لا يبرح فلكه ﴿لَا الشَّمْسُ يَكْبَغِىِ لّا
أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلِِّ فَلَكِ
يَسْبَحُونَ ﴾ [يس: ٤٠].
قال الرازي: ((أما الشمس فتفكر في
طلوعها وغروبها، فلولا ذلك لبطل أمر
العالم كله، فكيف كان الناس يسعون في
معايشهم، ثم المنفعة في طلوع الشمس
ظاهرة، ولكن تأمل النفع في غروبها، فلولا
غروبها لم يكن للناس هدوء ولا قرار مع
احتياجهم إلى الهدوء والقرار لتحصيل
الراحة وانبعاث القوة الهاضمة وتنفيذ الغذاء
إلى الأعضاء على ما قال تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِى
جَعَلَ لَكُمُ الَتْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ
مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧].
وأيضًا فلولا الغروب لكان الحرص
يحملهم على المداومة على العمل على ما
قال: ﴿وَجَعَلْنَا الَّلَ لِبَاسَانَ وَجَعَلْنَالنَّهَارَ مَعَاشًا
﴾ [النبأ: ١٠ - ١١].
والثالث: أنه لولا الغروب لكانت
الأرض تحمى بشروق الشمس عليها حتى
يحترق کل ما عليها من حيوان، ويهلك ما
عليها من نبات على ما قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى
رَيِّكَ كَيْفَ مَذَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾
[الفرقان: ٤٥].
فصارت الشمس بحكمة الحق
www. modoee.com
١٥

حرف الشین
سبحانه وتعالى تطلع في وقت وتغيب على ما يوافقهم، وأن ينتفعوا به مختلف
وجوه الانتفاع)»(٣).
في وقت، بمنزلة سراج يدفع لأهل بيت
بمقدار حاجتهم، ثم يرفع عنهم ليستقروا
ويستريحوا، فصار النور والظلمة على
تضادهما متعاونين متظاهرين على ما فيه
صلاح العالم، هذا كله في طلوع الشمس
وغروبها))(١).
ومن شواهد كون الشمس آية من آيات لصلاح أنفسكم ومعاشكم ﴿دَآبِبَيْنِ﴾ في
اختلافهما علیکم، وقيل: معناه: أنهما دائبان
في طاعة الله))(٤).
الله عز وجل ما يأتي:
أولًا: تسخير الشمس:
الصلة بين الحديث عن الكون وبيان
إنعامه تعالى على عباده وعنايته واضحةٌ
وثيقةٌ، فخلق الكون وتسخيره للإنسان من
أعظم النعم، وفي القرآن آياتٌ عديدةٌ تقرر
هذا المعنى وترسخه، قال تعالى في سورة
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
إبراهيم:
دَابِبَيْنِّ وَسَخَّرَ لَكُمُ الََّّلَ وَاَلنَّهَارَ﴾ [إبراهيم:
٣٢]
و((التسخير: سياقة إلى الغرض المختص،
فالمسخر: هو المقيض للفعل))(٢).
وعرفه د. جبل في المعجم الاشتقاقي
بقوله: ((التسخير للآدميين هو إجراء الشيء
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١/ ٢٦٣، ونحو ذلك
ما ذكره ابن القيم في التبيان في أقسام القرآن
١٧١/٢.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص
٤٠٢، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي
٢٠٣/٣.
فالشمس والقمر من جملة المخلوقات
التي سخرها الله تعالى، طوعها لمصالحنا
ومعاشنا.
قال الطبري: ((﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ﴾ يتعاقبان عليكم بالليل والنهار
وفي سورة النحل: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ
وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَّ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتٌ
◌ِأَمْرِوَةُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
١٢ ﴾ [النحل: ١٢-١٨].
يذكرنا الله تعالى بنعمه التي لا تحصى
والتي من أعظمها خلق السموات والأرض
والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار
وغير ذلك من النعم المسخرة لمنافع
الإنسان وتيسير عيشه، تلك النعم التي
يغفل عنها كثير من الناس جحودًا ونكرانًا،
أو ذهولا ونسيانًا؛ لكونها مألوفةً دائمة، فلا
يشعرون بها مع جلائها ودوامها.
قال الواحدي: ((معنى تسخيرهن:
تذليلهن لما يراد منها من طلوع وأفول وسير
(٣) المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن
الکریم، محمد حسن جبل، ٢/ ٩٧٣.
(٤) جامع البيان ١٣/١٦.
١٦
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الشمس
ورجوع)»(١).
وقال الماوردي: ((﴿مُسَخَّرَتٌ بِأَمْرِهِ﴾﴾
يحتمل وجهين: أحدهما: مذللات بقدرته.
والثاني: جاريات بحكمه(٢).
فكلها تحت قهره وسلطانه وإرادته جل
وعلا.
وهذه المنظومة الكونية الواحدة في
صالح الإنسان، فكل ما في الكون مسخرٌ له،
وكل ما في الكون له دوره في هذه المنظومة.
قال الجاحظ: ((إذا تأملت في هذا العالم
وجدته کالبیت المعد، فیہ کل ما يحتاج إليه،
فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة
كالبساط، والنجوم منورة كالمصابيح
والإنسان كمالك البيت المتصرف فيه،
وضروب النبات مهيأة لمنافعه، وضروب
الحيوانات مصرفة في مصالحه، فهذه جملة
واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير
كامل وتقدير شامل وحكمة بالغة وقدرة غير
متناهية، والله أعلم»(٣).
والشمس والقمر يعملان بنظام دقيق
مستمرٍ بلا خلل أو عطب أو توقفٍ.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ
لَكُمْ أَلَيْلَ وَاَلنَّهَارَ ﴾ [إبراهيم: ٣٣].
وهل هناك نظام بشري لا يعتريه الخلل؟
وهل يستطيع الإنسان أو الآلة أن تعمل
(١) التفسير البسيط ١٧٤/٩
(٢) النكت والعيون ٢٣٠/٢
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٣١٩/٣.
بلا توقف؟ إن لكل جهاز صلاحيته التي
لا تتجاوز سنوات معدودة، فکیف بهذين
النيرين لا يتوقفان ولا يعطبان ولا ينحرفان
قيد أنملة.
واختلاف الليل والنهار آية عظيمة ونعمة
جليلة من نعم الله تعالى على الإنسان
والكون.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَدَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ
عَلَيْكُمُ الَّتْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ
اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ﴿ قُلْ
أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِكُم
بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيَةٍ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ
وَمِن رَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُ اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُواْ
فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
[القصص: ٧١ - ٧٣].
فالله سبحانه وتعالى لم يشأ أن يجعل
الليل سرمدًا، أو النهار سرمدًا، بل جعل
الليل والنهار، ووصل بعضهما ببعض، ولم
يجعل لأحدهما وجودًا بغير الآخر. وجعل
ذلك رحمة منه سبحانه، بعباده، وإحسانًا
إليهم (٤).
ثانيًا: جريان الشمس:
بعيدًا عن نور الإيمان ونور العلم شاع
الاعتقاد في عصور الانحطاط العلمي في
(٤) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب
٤/ ١٣٧.
www. modoee.com
١٧

حرف الشین
أوروبا، أن الشمس ثابتة وأنها مرکز الكون،
بينما كان المسلمون على علم بحركة
الشمس وجريانها في مدارها من كتاب الله
تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ ذَلِكَ
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٥) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ
حَّ عَادَ كَالْعُرْجُونِ اَلْقَدِيرِ ) لَا الشَّمْسُ بَلْبَغِى
لَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَ الَتْلُ سَابِقُ النَّهَارِّ وَكُلّ فِى
فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ [يس: ٣٨ - ٤٠].
قال السعدي: وجریان الشمس (حر كتها
في فلكها المرسوم لها، وهي تقطع دورةً
في هذا الفلك تمام السنة، وفي سرعة
مذهلة))(١).
فلا تتعداه، ولا تقصر عنه، وليس لها
تصرف في نفسها، ولا استعصاء على قدرة
الله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيُ اَلْعَزِيزِالْعَلِيمِ﴾ الذي
بعزته دبر هذه المخلوقات العظيمة، بأكمل
تدبير، وأحسن نظام. ﴿الْعَلِيمِ﴾ الذي
بعلمه، جعلها مصالح لعباده، ومنافع في
(٢).
دینهم و دنیاهم (٢).
وقال القاسمي: ((﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ
الْعَلِيمِ﴾ أي: ذلك الجري المتضمن للحكم
والمصالح والمنافع، والمدهش نظام سيره
وإحكامه بلا اختلال، تقدير الغالب بقدرته
على كل مقدور، المحيط علمًا بكل
معلوم»(٣).
(١) انظر: المصدر السابق ١٢ / ٩٣٢.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٩٦.
(٣) محاسن التأويل ١٨٤/٨.
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: (سألت
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله
تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَّجْرِى لِمُسْتَقَرِّلَّهَا﴾
قال: (مستقرها تحت العرش) (٤).
وقال تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ
عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَّ كُلْ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَتَّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ
الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَلْوِرَيَّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ [الرعد:
٢].
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَّلَ وَالنَّهَارَ
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَّزَ كُلّ فِي فَلَكِ يَسْبَحُونَ
[الأنبياء: ٣٣].
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ
وقال تعالى:
وَالْقَمَرَ دَآَبِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اَلَيْلَ وَاَلنَّهَارَ
[إبراهيم: ٣٣].
بينت هذه الآيات حركة الشمس والقمر
الدائمة، ودور انهما في مدارٍ يختلف أحدهما
عن الآخر، وجريانهما الذي لا يتوقف إلا
بانتهاء الأجل الذي قدره الله تعالى لعمر
الدنیا.
((وحركة هذه الأجرام في الفضاء الهائل
أشبه بحركة السفين في الخضم الفسيح.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
﴿ وَالشَّمْسُ ◌َجْرِى
القرآن، باب قوله:
لِمُسْتَقَرِّلَهَا﴾، ١٢٣/٦، رقم ٤٨٠٣،
ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان
الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان، ١٣٨/١،
رقم ١٥٩.
١٨
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم

الشمس
فهي مع ضخامتها لا تزيد على أن تكون الشمس، يترتب عليه ظواهر عديدة منها،
اختلاف الفصول وما في ذلك من المنافع،
فلكل فصلٍ مزاياه وأهميته، والفصول
الأربعة متتابعةٌ ومتكاملةٌ وتنوعها يعود
بالمنفعة على الإنسان والحيوان والنبات.
نقطًا سابحة في ذلك الفضاء المرهوب.
وإن الإنسان ليتضاءل ويتضاءل، وهو ينظر
إلى هذه الملايين التي لا تحصى من النجوم
الدوارة، والكواكب السيارة، متناثرة في
ذلك الفضاء، سابحة في ذلك الخضم،
والفضاء من حولها فسيح، وأحجامها
الضخمة تائهة في ذلك الفضاء الفسيح!
والشمس تدور حول نفسها. وكان المظنون
أنها ثابتة في موضعها الذي تدور فيه حول
نفسها. ولكن عرف أخيرًا أنها ليست
مستقرة في مكانها. إنما هي تجري. تجري
في اتجاه واحد في الفضاء الكوني الهائل
بسرعة حسبها الفلكيون باثني عشر ميلا في
الثانية! والله - ربها الخبير بها وبجريانها
وبمصيرها- يقول: إنها تجري لمستقر لها.
هذا المستقر الذي ستنتهي إليه لا يعلمه إلا
هو سبحانه. ولا يعلم موعده سواه. وحين
نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو
مليون ضعف لحجم أرضنا هذه. وأن هذه
الكتلة الهائلة تتحرك وتجري في الفضاء، لا
يسندها شيء، ندرك طرفًا من صفة القدرة
التي تصرف هذا الوجود عن قوة وعن علم:
﴿وَذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾(١).
و جریان الشمس حول محورها ودوران
الأرض حولها واختلاف منازل الأرض من
(١) انظر: في ظلال القرآن ٢٩٦٩/٥.
ومن الحقائق العلمية التي توصل لها
العلماء أن الشمس بمجموعتها التي تدور
حولها، تجري جميعًا حول مركز مجرة
((الطريق اللبني)) بسرعة تبلغ ٢٥٠ كم في
كل ثانية، أو ٠٠٠ ٩٠٠ كم في الساعة.
وبالرغم من هذه السرعة الفائقة إلا أن النظام
الشمسي يستغرق ٢٤٠ مليون سنة للدوران
حول مجرة الطريق اللبني.
وشمسنا هذه -وهي تدور حول نفسها-
تدور بنا أيضًا على الحاشية الخارجية
للمجرة، وهي تتباعد عن هذه الحاشية
الخارجية بمقدار اثني عشر ميلًا كل ثانية
وهكذا جميع السيارات تسير إلى جانب أو
آخر مع دورانها الخاص طبقًا لنظامها، فمنها
ما يسير بسرعة ثمانية أميال في الثانية، ومنها
ما يسير بسرعة ثلاثة وثلاثين ميلًا في الثانية،
ومنها ما يسير بسرعة أربعة وثمانين ميلاً في
الثانية. وجميع النجوم على هذا النحو تبتعد
في كل ثانية بسرعة فائقة عن مكانها. هذه
الحركة المدهشة تحدث طبقا لنظام وقواعد
محكمة بحيث لا يصطدم بعضها ببعض ولا
www. modoee.com
١٩

حرف الشین
يحدث اختلاف في سرعتها (١).
ثالثًا: الشمس وحساب السنين:
قال تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ
ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ
اُلْسِنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ
يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ [يونس: ٥].
ولولا هذا التقدير الذي قدره الله
سبحانه لحساب الشهور والأيام والساعات
ونقصانها وزيادتها لم يعلم الناس بذلك،
ولا عرفوا ما يتعلق به كثير من مصالحهم،
فالسنة تتحصل من اثني عشر شهرًا، والشهر
من ثلاثين يومًا إن كان كاملًا، ومن تسع
وعشرين يومًا إن كان ناقصًا، واليوم من
ساعات معلومة هي أربع وعشرون ساعة
لليل والنهار، وقد یکون لكل واحد منهما
اثنتا عشرة ساعة في أيام الاستواء، ويزيد
أحدهما على الآخر في أيام الزيادة وأيام
النقصان، والاختلاف بين السنة الشمسية
والقمرية معروف(٢).
وقال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَجَعَلْنَا
الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَيْنِّ فَحَوْنَا ءَايَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةً
النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ
عَدَ دَاْلِسِنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَلْتَهُ تَفْصِيلًا
[الإسراء: ١٢].
قال الطبري: ((ومن نعمته عليكم أيها
(١) انظر: الإسلام يتحدى ص ٦٤.
(٢) فتح البيان، القنوجي ٦/ ١٧.
الناس، مخالفته بين علامة الليل وعلامة
النهار، بإظلامه علامة الليل، وإضاءته
علامة النهار، لتسكنوا في هذا، وتتصرفوا
في ابتغاء رزق الله الذي قدره لكم بفضله
في هذا، ولتعلموا باختلافهما عدد السنين
وانقضائها، وابتداء دخولها، وحساب
ساعات النهار والليل وأوقاتها))(٣).
فالمراد بالسنين هنا القمرية التي هي
ثلاثمائة وأربعة وخمسون يومًا، وثماني
ساعات، و ثمان وأربعون دقيقة، ولا مانع من
أن تشمل جملة آية السنين والحساب السنة
الشمسية التي هي ثلاثمائة وخمس وستون
يومًا، وخمس ساعات وتسع وأربعون دقيقة
أيضا، والفرق بينهما عشرة أيام وإحدى
عشرة ساعة ودقيقة واحدة (٤).
فالقمر يدور حول الأرض في كل شهرٍ
قمري مرةً واحدةً، وحول نفسه في وقتٍ
مساوٍ تمامًا لدورته حول الأرض، لذلك لا
نری من القمر إلا وجهًا واحدًا طوال الحياة،
لأنه يدور حول الأرض، وحول نفسه في
وقتٍ واحدٍ، ويستكمل دورته حول نفسه
في تسعةٍ وعشرين يومًا، وثماني ساعات،
ويستكمل دورته حول الأرض في تسعةٍ
وعشرين يومًا وثماني ساعات. لكن الشيء
الذي يلفت النظر أن القمر يقطع في كل يومٍ
(٣) جامع البيان، الطبري ٣٩٥/١٧.
(٤) انظر: بيان المعاني، عبدالقادر العاني ٨/٣.
٢٠
مَوَسُولَرَا
القرآن الكريم

الشمس
من دائرة سيره من فلكه حول الأرض ثلاث وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا وَالْأَرْضِ وَمَا فَحَهَا وَنَفْسِ
وَمَا سَوَّنَهَا ، فَأَْمَهَا تُرَهَا وَتَقْوَنِهَا (٥) قَدْ
أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنَهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّتُهَا (
١٠
[الشمس: ١ - ١٠].
عشرة درجةً، ويتأخر في شروقه عن اليوم
السابق تسعًا وأربعين دقيقةً كل يوم، ولولا
هذا التأخر لبدا القمر بدرًا طوال الحياة،
ولكن تأخره تسعًا وأربعين دقيقةً عن شروقه
السابق كل يوم هو الذي يرينا القمر في
مراتب، من هلالٍ، إلی ربع، إلی بدر، إلى
عرجونٍ، إلی غیابٍ كاملٍ(١).
رابعًا: القسم بالشمس:
القرآن الكريم آية مبصرةٌ وحجةٌ ظاهرٌ
ومعجزة باقية وحاضرة، تتجلى في كل وقت
وحین، تشهد للحق وتبینه وتبدد سحائب
الباطل وغيوم الضلال.
والقسم من أساليب القرآن في إقامة
الحجة وتقريرها، والتنويه على آيات الله في
الكون، فتارة یقسم الله تعالى بهذه الآيات
الكونية العجيبة على صدق الآيات التنزيلية
العظيمة، وتارة يلوح بالقسم ويبين أن الأمر
أوضح وآكد من أن يحتاج لقسم.
ومن الأقسام في القرآن القسم بالشمس
وما يتبعها ويتعلق بها أو يتزامن معها من
ظواهر وأجرام، والقسم بالسماء والأرض
وبالنفس البشرية.
قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُصَنَهَا وَالْقَمَرِ إِذَا
فَلَنَا وَالتَّهَارِ إِذَا جَنَا وَلَيْلِ إِذَا يَفْشَتَان
(١) انظر: موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن
والسنة، محمد راتب النابلسي، ٢/ ٢٤.
فأقسم تعالى بالشمس وقت تألقها،
وساعة شروقها، فتبدو في أبهى حللها وفي
أجمل أحوالها، ففي الشتاء تبعث أشعتها
بالنور والدفء، وفي الصيف قبل أن ترتفع
تكون الساعات المبكرة في النهار من ألطفها
نداوة وطراوة، ومن أرقها نسيمًا.
وأقسم تعالی بالقمر حین یتبعها وینوب
عنها في السماء، سيما في الليلة الظلماء
حين يكتمل البدر فيجلي ظلام الليل،
وبالنهار إذا طلع فأشرقت له الدنی، وبالليل
إذا أرخى سدوله، والسماء وما أعظم بناءها،
وبالأرض وكيف بسطها ومدها ووسعها
بقدر ما يلائم الحياة عليها.
كما أقسم بالنفس البشرية كيف سواها
وأبدعها ربنا خلقةً وجبلها على هذه الفطرة
السوية، وألهمها رشدها، وخيرها بين طريق
الحق والغواية.
بهذه الخلائق وتلك الحقائق التي لا
پماري فيها أحد أقسم الله عز وجل على
حقيقة مؤكدة قد تغيب عن الأذهان أو
يماحل فيها أهل الجحود والنكران بأن
الفلاح لمن زكى نفسه فطهرها وارتقى
بها وحملها على طاعة الرحمن، والخيبة
www. modoee.com
٢١

حرف الشین
والخذلان على من ضيعها وأطلق لها
العنان، وحملها على معصية الملك الديان،
فدفنها في تربة المهلكات وغطها في أوحال
الشهوات.
يقول صاحب الظلال: ((يقسم الله
سبحانه بهذه الخلائق والمشاهد الكونية،
كما يقسم بالنفس وتسويتها وإلهامها. ومن
شأن هذا القسم أن يخلع على هذه الخلائق
قيمة کبری و أن يوجه إليها القلوب تتملاها،
وتتدبر ماذا لها من قيمة، وماذا بها من
دلالة، حتى استحقت أن يقسم بها الجليل
العظيم. وهنا نجد القسم الموحي بالشمس
وضحاها. بالشمس عامة وحين تضحى
وترتفع عن الأفق بصفة خاصة))(١).
خامسًا: الشمس والظل:
الظل نعمة من الله تعالى تستروح إليه
النفوس، فتفيء من وهج الشمس وحرها.
تشرق الشمس بأشعتها، فيبدأ الظل في
الانحسار شيئًا فشيئًا كلما ارتفعت الشمس
حتى تتوسط الشمس كبد السماء فترى
الظل أقل ما يكون، فإذا مالت جهة الغرب
تبدأ الظلال في الزيادة إلى أن تصل إلى
أقصاها عند الغروب، وتلك هي حركة الظل
بالامتداد والانقباض.
إنها آيةٌ عظيمة جديرةٌ بالنظر والتأمل.
(١) في ظلال القرآن ٣٩١٥/٦.
قال تعالى: ﴿أَوَّلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن
شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآيِلِ سُجَّدًا
لِلَّهِ وَهُمَّ دَاخِرُونَ ﴾ [النحل: ٤٨].
فينتقل الظل من حال إلى حال، لكنه
في جمیع أحواله ساجدٌ لربه وقد جبل علی
طاعته.
قال الضحاك: إذا طلعت الشمس يسجد
ظل كل شيء نحو المغرب، فإذا زالت
الشمس سجد ظل كل شيء نحو المشرق
حتی تغیب(٢).
وقال ابن جزي: ((معنى الآية: اعتبار
بانتقال الظل، ويعني بقوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن
ثَوْ﴾ الأجرام التي لها ظلال من الجبال
والشجر والحيوان وغير ذلك، وذلك أن
الشمس من وقت طلوعها إلى وقت الزوال
يكون ظلها إلى جهة، ومن الزوال إلى الليل
إلى جهة أخرى، ثم يمتد الظل ويعم بالليل
إلى طلوع الشمس، وقوله ﴿يَنَفَيَّوْاْ﴾ من
الفيء، وهو الظل الذي يرجع بعكس ما كان
غدوة)) (٣)
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ
الظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنَا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ
عَلَيْءٍ دَلِيلًا ( ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا
[الفرقان: ٤٥-٤٦].
في الآية السابقة وجه الرؤية إلى
(٢) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٤ / ٦٣٠.
(٣) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٧٣/٢.
٢٢
القرآن الكريم

الشمس
تلك الظاهرة، وفي هاتين الآيتين دعوة التي تقول للشيء: كن فيكون، ثم نتحرك مع
لاستحضار عظمة الله وتدبيره لهذا الكون، السياق حركة جديدة ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا
يَسِيرًا ﴾ [الفرقان: ٤٦].
فالأثر يدل على المؤثر، والفعل يدل على
الفاعل، والصنعة تدل على الصانع، وهذا
المشهد جدير بأن تتملى منه العين وترقبه
بإمعان، فهو مشهد حسي يقرر تلك المشاهد
والمرئيات الغيبية التي وردت في السورة
الكريمة.
قال ابن عاشور: ((قوله تعالى: ﴿وَلَوْ
شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ أي: غير متزايد؛ لأنه
لما كان مد الظل يشبه صورة التحرك أطلق
على انتفاء الامتداد اسم السكون بأن يلازم
مقدارًا واحدًا لا ينقص ولا يزيد، أي: لو
شاء الله لجعل الأرض ثابتة في سمت واحد
تجاه أشعة الشمس، فلا يختلف مقدار ظل
الأجسام التي على الأرض وتلزم ظلالها
حالة واحدة، فتنعدم فوائد عظيمة)) (١).
((إن الباحثين يقولون بحسب ما يرى
من الأسباب الظاهرة : إن وجود الشمس،
وحركة الأرض حولها، هما السبب في
حركة الظل. ولكن التعبير القرآني يقول لنا:
إن إرادة الله هي التي حركت الظل ابتداءً،
(ثم) جعلت الشمس دليلاً على الظل،
فليست الأسباب الظاهرة هي الأصل،
ولكنها تجيء تالية، بل تجيء على التراخي
بلفظ (ثم)، بعد تقرير الله للأمر بمشيئته،
(١) التحرير والتنوير ١٩ / ٦٤ باختصار.
إن التعبير يصور حركة الظل الوليدة التي
تراها العين فلا تلتفت إليها، أو لا تلتفت
إليها بكليتها، ولكن الخيال هنا مع التعبير
القرآني لا يملك أن يفلت من أسر الصورة
التي تصورها تلك الكلمات القلائل في
إيداع معجز! إن الظل هنا لا يتحرك راجعًا
من تلقاء نفسه، ولا من أثر الأسباب الظاهرة
التي نعرفها. إننا مع السبب الحقيقي، ولكنا
نقف مبهورين ننظر إلى الظل وهو يقفل
راجعًا بعد ما امتد. لماذا؟ لأن يدًا خفية هي
التي تطويه في حركة وثيدة كحركة الظل.
إنها يد الله!
وهكذا تجدنا مع الله مرة أخرى، نرقب-
من حركة الظل - قدرته القادرة، ويده الخفية
سبحانه التي لا تدركه الأبصار! على أن
أروع ما في التعبير القرآني في الآية هو هذا
اللفظ (إلينا): ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا
[الفرقان: ٤٦].
أتدري ماذا فعلت هذه اللفظة المفردة في
كيان الصورة كله؟! هل تغيرت (معلوماتك)
عن الظل حين قرأت هذه الآيات ؟ كلا!
إن (المعلومات) في ذاتها ليست جديدة.
لقد كانت معلومة من قبل، ولکنه ذلك العلم
الميت الساكن الذي لا يتحرك، ولكن القرآن
www. modoee.com
٢٣

حرف الشین
يحيي هذه المعلومات حين يعرضها في
جوه الوجداني بطريقته المعجزة، فتنتقض
حية كأنها ليست هي التي كنا نعرفها من
قبل وما تغيرت هي! إنما نحن الذين تغيرنا!
حين زال عن حسنا التبلد للتجربة المكرورة
والنظر المكرور (١).
والظل نعمة من نعم الله تعالى الذي
قال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَا خَلَقَ ظِلَلًا
وَجَعَلَ لَكُمُ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَنَّا وَجَعَلَ
لَكُمْ سَرَبِيلَ تَقِيَكُمُ الْحَرَّ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ
بَأَسَكُمْ كَذَلِكَ يُنِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ
﴾ [النحل: ٨١].
لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾
ولا يمكن أن يتساوى الظل مع الحرور،
فالظل تستروح إليه النفس وتفيء إليه من
حر الهاجرة طلبًا لنسمة باردة.
قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ
﴿ وَلَا الظُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ ثَ وَلَا الظِّلُّ وَلَا
١٩
اْخُرُورُ ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢١].
فكما لا يستوي الأعمى والبصير لا
تستوي الظلمات والنور ولا الظل ولا
الحرور، فالظلال الوارفة التي يفيء الناس
إليها من حر الرمضاء فيستروحون روحها
اللطيفة ويتنسمون نسيمها البارد لا تستوي
أبدًا مع شدة الحرارة بالليل ووهجها بالنهار.
وقد أجادت الشاعرة الأندلسية في
التعبير عن ذلك بقولها(٢):
وقانا لفحة الرمضاء وادٍ
وقاه تضاعف النبت العميم
نزلنا دو حه فحنا علینا
حنو المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأٍ زلالًا
ألذ من المدامة للنديم
يروع حصاه حالية العذارى
فتلمس جانب العقد النظيم
یصد الشمس أنی واجهتنا
فيحجبها ويأذن للنسيم
(٢) الأبيات لحمدة العوفية، كما في نفح الطيب
من غصن الأندلس الرطيب ٢٨٨/٤.
(١) انظر: دراسات قرآنية، محمد قطب ص٢٢١.
مَوَسُولَةُ التَّقِين
القرآن الكريم
٢٤

الشمس
أوصاف الشمس
ذكر الله تعالى للشمس ثلاثة أو صاف:
أولًا: الشمس سراج وهاج:
قال تعالى: ﴿نَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِ السَّمَآءِ
بُرُوجَا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَبِجَا وَقَمْرًا مُنِيرًا ﴾
[الفرقان: ٦١].
((والمتأمل من علماء العربية يدرك من
وراء ذلك أن الآية تدل على أن الشمس
تجمع إلى النور الحرارة، فلذلك سماها
سراجًا، والقمر يبعث بضياء لا حرارة فيه؟
وهو أيضًا معنى صحيح تدل عليه الآية دلالة
لغوية واضحة. أما الباحث المتخصص في
شئون الفلك فيفهم من الآية إثبات أن القمر
جرم مظلم، وإنما يضيء بما ينعكس علیه من
ضياء الشمس التي شبهها بالسراج بالنسبة
له؛ وهو أيضًا معنى صحيح تدل الآية عليه
بلغتها وصياغتها، فأنت تقول: غرفة منيرة إذا
انعكس عليها الضوء من سراج في وسطها،
ولا تقول: قبس منير، إذ ينبعث النور من
حقيقته وداخله، بل تقول قبس مضيء(١).
وآيات الكون من الآيات الجلية
والبراهين الساطعة التي استشهد بها
أنبياء الله في دعواتهم لأقوامهم هذا أول
المرسلين نوح عليه السلام، يخاطب قومه
مبيّنا لهم قدر الله تعالى وعظيم إنعامه
(١) من روائع القرآن، البوطي ص ١١٦.
وجميل ألطافه والذي يرون مظاهره وآثاره
أَ
بأعينهم وكأنها لم تره من فرط الغفلة ﴿
تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَتٍ طِبَاقًا ( ١٥) وَجَعَلَ
الْقَمَرَفِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ﴾ [نوح:
١٥-١٦].
((وجعل الله الشمس سراجًا يبصر أهل
الدنيا في ضوئها كما يبصر أهل البيت في
ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره،
والقمر ليس كذلك، إنما هو نور لم يبلغ قوة
ضياء الشمس (٢).
وفي سياق إقامة الأدلة الحسية على
إمكان البعث يقول تعالى في سورة النبأ
﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجَا﴾ [النبأ: ١٣].
فالشمس جرم متوهج يبعث بالحرارة
والضياء وفق نظام دقيق من الأدلة الباهرة
على قدرة الله تعالى وعنايته بخلقه، وبما
يقرر أمر البعث الذي يشكك فيه الكفرة.
قال الراغب: السراج: الزاهر بفتيلة
ودهن، ویعبر به عن كل مضيء))(٣).
ذلك أن المصباح يضيء بزيته، كذلك
الشمس تضيء بما فيها من طاقات كامنة
متجددة، و تفجيرات هائلة.
قال مقاتلٌ: والوهج يجمع النور
والحرارة(٤).
(٢) الكشاف، الزمخشري ٤/ ٦١٨.
(٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٠٦.
(٤) معالم التنزيل، البغوي ٢٠٠/٥.
www. modoee.com
٢٥

حرف الشین
وقال الزجاج: الوهاج: الوقاد ١١، وهو
(٢)
الذي وهج(٢).
وقال الفيروزآبادي: ((الوهج: حصول
الضوء، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا
وَقَّاجًا﴾ أي: مضيئًا متوقدًا، وقد وهجت
النار توهج، وتوهج الجوهر: تلألا(٣).
قرأ حمزة والكسائي: (سُرُجًا) على
الجمع. وقرأ الباقون ﴿سِرَاجًا﴾ على
التوحيد (٤).
وهذا معنى آخر یستفاد من تعدد القراءات
في الآية الكريمة، يدل على كثرة الشموس
التي تضيء السماء، فالشمس نجم مضيء
بذاته، حيث لمعان الشمس يعادل ضوء
القمر وهو بدر ٤٠٠ ألف مرة، ويصل ضوء
الشمس إلى الأرض بعد ٤٩٩ ثانية، وهي
كرة ضخمة من الغازات المتوهجة ذات
الكثافة الكبيرة، ويصل قطرها إلى حوالي
١,٣٩٣,٠٠٠ كم، أو ما يعدلها ١٠٩ مرة
طول قطر الأرض، ولهذا فإن حجم الكرة
الشمسية يزيد على حجم الكرة الأرضية
بأكثر من مليون مرة (٥).
وهذه الشمس التي نعدها اليوم وسيلة
(١) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٧٢/٥.
(٢) الكشف والبيان، الثعلبي ١١٤/١٠، التفسير
الوسيط، الواحدي ٤/ ٤١٢.
(٣) بصائر ذوي التمييز ٢٨٧/٥.
(٤) حجة القراءات ص ٥١٢.
(٥) المدخل إلى علم الجغرافيا والبيئة ص ٧٨.
حياتنا تبلغ حرارة سطحها عشرة آلاف درجة
فهرنهيت؛ والمسافة بينها وبين الأرض تبلغ
ما يقرب من ١٥٠ مليون كيلو متر، وهذا البون
الهائل دائم لا يتغير أبدًا لزيادة أو نقص، وفي
ذلك عبرة عظيمة لنا؛ لأنه لو نقص واقتربت
الشمس من الأرض بمقدار النصف مثلًا من
الفاصل الحالي فسوف يحترق الورق على
الفور من حرارتها، ولو بعد هذا الفاصل
فصار ضعف ما هو عليه الآن فإن البرودة
الشديدة التي تنجم عن هذا البعد سوف
تقضى على الحياة في الأرض، ولو أنه حل
محل الشمس سيار آخر غير عادى يحمل
حرارة تزيد على حرارة الشمس عشرة آلاف
مرة فسوف یجعل من الأرض تنورًا رهيبًا.
ولقد جاءت سراجًا مفردة مرتين في
سورة الفرقان وسورة نوح، وجاءت موصوفة
بکونها وهاجًا في سورة النبأ، فالشمس في
ذاتها سراج توقد وتضيء بذاتها، ووصفها
بکونها وهاجًا لشدة ضوئها وحرارتها.
فحرارة سطح الشمس تبلغ ستة آلاف
درجة مئوية، وحرارة جوفها تصل إلى ٢٠
مليون درجة مئوية. وألسنة اللهب ترتفع عن
سطحها إلى نصف مليون كيلومتر ناثرة في
الفضاء طاقة تساوي ٤٠٠، ١٦٧ حصان من
كل متر مربع، لا يصل منها للأرض سوى
جزء من مليون جزء (٦).
(٦) النجوم في مسالكها، جيمس جينز، ترجمة
جَوَسُ حَرَ النَفسِير
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢٦