النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الصَّدُ عَنْ سَبِيلُ اللَّه عناصر الموضوع مفهوم الصد عن سبيل الله ٣٥٦ الصد عن سبيل الله في الاستعمال القرآني ٣٥٧ الألفاظ ذات الصلة ٣٥٨ ٣٦٠ دوافع الصد عن سبيل الله ووسائله ٣٦٧ مظاهر الصد عن سبيل الله تعالى ٣٧٥ علاج القرآن للصد عن سبيل الله ٣٨١ جزاء الصد عن سبيل الله وآثاره المُجَلَدُ العُشْرُونْ حف الصاد مفهوم الصد عن سبيل الله أولًا: المعنى اللغوي: قال ابن فارس: ((صد: الصاد والدال معظم بابه يئول إلى إعراضٍ وعدولٍ، فالصد: الإعراض، يقال: صد يصد، وهو ميلٌ إلى أحد الجانبين، ثم تقول: صددت فلانًا عن الأمر، إذا عدلته عنه))(١). فـ((الصد: هو العدول عن الشيء عن قلى، يستعمل لازمًا بمعنى الانصراف والامتناع ومتعديًا بمعنى الصرف والمنع الذي عنه الانصراف والامتناع)»(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: المعنى الاصطلاحي لا يخرج عن معناه اللغوي، فالصد في المعنى الاصطلاحي: المنع بالإغراء الصارف عن الأمر(٣). قال الراغب: ((يكون انصرافًا عن الشيء وامتناعًا عنه، وقد يكون صرفًا ومنعًا)) (٤). فالصد عن سبيل الله: الإعراض والعدول والصرف والمنع عن طريق معرفة الله الصحيحة، وعبادته القويمة التي ترضيه. (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٨٢/٣. (٢) الكليات، الكفوي ٢٩/١. بتصرف. (٣) التوقيف على مهمات التعريف ١/ ٢١٣. (٤) المفردات، الراغب ص ٢٧٥. بتصرف. ٣٥٦ جوبنيـ القرآن الكريمِ الصدعن سبيل الله الصد عن سبيل الله في الاستعمال القرآني وردت مادة (صدد) في القرآن الكريم (٤٣) مرة، يخص موضوع البحث منها (٣٨) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ﴿فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى يَجَهَنَّمَ سَمِيرًا ١٨ ﴾ [النساء: ٥٥] تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَّبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [آل الفعل المضارع ١٧ عمران:٩٩] المصدر ٣ ﴿وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] وجاء الصد في الاستعمال القرآني على وجهين (٢): الأول: الإعراض: ومنه قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا [النساء: ٦١] أي: يعرضون. الثاني: المنع: ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٤٥] أي: يمنعون الناس من الإيمان. (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب الصاد، ص٦٩١-٦٩٢. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٣٠٦. www. modoee.com ٣٥٧ حرف الصاد الألفاظ ذات الصلة المنع: ١ المنع لغة : المنع: أن تحول بين الرجل وبين الشيء الذي يريده(١). المنع اصطلاحًا: المنع ما لأجله يتعذر الفعل على القادر(٢). الصلة بين الصد والمنع: إن الصد: هو المنع عن قصد الشيء خاصة، والمنع: يكون في ذلك وغيره، ألا ترى أنه يقال: منع الحائط عن الميل، ولا يقال: صده عن الميل؛ لأن الحائط لا قصد له، ويقولون: صدني عن لقائك، يريد عن قصد لقائك(٣). الحصر: ٢ الحصر لغة: هو الجمع والحبس والمنع (٤). الحصر اصطلاحًا: الحبس مع التضييق(٥). الصلة بين الصد والحصر: هما بمعنى المنع، لكن اصطلح الفقهاء بتسمية الممنوع عن الحج بالمرض محصورًا، والممنوع بالعدو مصدودًا (٦). (١) لسان العرب، ابن منظور ٣٤٣/٨. (٢) الفروق اللغوية، العسكري ص١١٢. (٣) الفروق اللغوية، العسكري ص٣١١. (٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٧٢. (٥) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ١٩٠. (٦) انظر: المصدر السابق. ٣٥٨ ◌َ التقسيمـ جوبيبو القرآن الكريم الصدعن سبيل الله الإعراض: ٣ الإعراض لغة: أعرض عنه إعراضًا: صد، وولاء ظهره (١). الإعراض اصطلاحًا: الانصراف عن شيءٍ(٢). الصلة بين الصد والإعراض: الصد: الإعراض وفيه صرف ودفع، أما الإعراض فيكون انصرافًا عن الشيء دون صرف ودفع. (١) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٤٠٩/١٨. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥/٢٥. www. modoee.com ٣٥٩ حرف الصاد دوافع الصد عن سبيل الله ووسائله للصد عن سبيل الله في القرآن دوافع ووسائل نتناولها بالبيان فيما يأتي: أولًا: الكفر والمعتقدات الباطلة: من دوافع الصد عن سبيل الله الكفر، قال تعالى عن بلقيس ملكة سبأ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَفِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣]. قال ابن عاشور رحمه الله: «أي: صدها معبودها من دون الله، وما كانت تعبده هو الشمس، وفي ذكر فعل الكون (كانت) مرتين في ما كانت تعبد، وإنها كانت من قومٍ كافرين دلالةٌ على تمكنها من عبادة الشمس، و کان ذلك التمكن بسبب الانحدار من سلالة المشركين، فالشرك منطبعٌ في نفسها بالوراثة، فالكفر قد أحاط بها بتغلغله في نفسها، وبنشأتها عليه، وبكونها بين قومٍ كافرين، فمن أين يخلص إليها الهدى والإيمان؟))(١). وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوَهُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافر: ٣٧]. أي: ((من الشرك والتكذيب))(٢). قال ابن القيم رحمه الله: ((قرأ أهل الكوفة (وصد) على البناء للمفعول، حملًا (١) التحرير والتنوير ٢٧٥/١٩. (٢) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٥٦٤. على (زين)، وقرأه الباقون (وصد) بفتح الصاد، ويحتمل معنيين: أحدهما: أعرض، فيكون لازمًا. والثاني: یکون صد ومنع غيره، فيكون متعديًا، والقراءتان كالآيتين لا يتناقضان))(٣). ومن دوافع الصد عن سبيل الله: المعتقدات الباطلة، قال تعالى على لسان من صدهم تقليد الآباء في المعتقدات الباطلة عن عبادة الله في ردهم على دعوة الرسل: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠]. وهذا الاعتقاد الباطل قاله المعرضون عن دعوة الأنبياء، قالته ثمود لصالح عليه السلام: ﴿قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْكُنْتَ فِنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَنَتْهَئِنَّا أَنْ تَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا﴾ [هود: ٦٢]. وقال أصحاب مدين لشعيب عليه السلام: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُّدُ ءَابَآ ؤُنَآَ﴾ [هود: ٨٧]. وقالت عاد لهود عليه السلام: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ مَابَاؤُنَا فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠]. وقد («أخذ بعض أهل العلم من هذه (٣) التفسير القيم، ابن القيم ص٤٦٣. ٣٦٠ مُوسُوبَة النفسي لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الصدعن سبيل الله الآيات الكريمات منع التقليد الأعمى))(١). عن طاعتي فيما آمركم وأنهاكم، فتخالفوه إلى غيره، وتجوروا عن الصراط المستقيم فتضلوا، إن الشيطان لكم عدوٌ يدعوكم إلى ما فيه هلاكکم، ويصدكم عن قصد السبيل؛ ليوردكم المهالك، مبينٌ قد أبان لكم عداوته، بامتناعه من السجود لأبيكم آدم، وإدلائه بالغرور حتى أخرجه من الجنة حسدًا وبغيًا))(٣). وجاء هذا المعنى في وصف رسالة الرسول الکریم محمد صلی الله علیه وسلم على لسان أبي سفيان بن حرب في سؤال هرقل له، فيما رواه البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال هرقل: (فماذا یأمر کم به؟ قال: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا)(٢). وتلك هي الآفة التي تسلطت على عقول کثیر من ذي العقول فأفسدتها، وأضلتها عن سواء السبيل، وهذا من شأنه أن يدعو الإنسان إلى طلب التحرر من موروثات الآباء والأجداد، وأن یعید بناء عقله -متی بلغ الرشد- على البحث والنظر، فما رآه صالحًا قبله، وما وجده فاسدًا دفعه وتخلى عنه. ثانيًا: تزيين الشيطان الأعمال السيئة لهم: قال تعالى محذرًا عباده من الشيطان وعداوته: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطِنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٦٢]. (يقول جل ثناؤه: ولا يعدلنكم الشيطان (١) أضواء البيان، الشنقيطي ١٤٦/٣. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الإسلام والنبوة، ٤ / ٤٥، رقم ٢٩٤١. قال سيد قطب رحمه الله: ((والقرآن لا يفتأ يذكر البشر بالمعركة الخالدة بینهم وبین الشيطان منذ أبيهم آدم، ومنذ المعركة الأولى في الجنة، وأغفل الغافلين من يعلم أن له عدوًا يقف له بالمرصاد، عن عمد وقصد، وسابق إنذار وإصرار، ثم لا يأخذ حذره، ثم یزید فيصبح تابعًا لهذا العدو الصريح! وقد أقام الإسلام الإنسان في هذه المعركة الدائمة بينه وبين الشيطان طوال حياته على هذه الأرض، ورصد له من الغنيمة إذا هو انتصر ما لا يخطر على قلب بشر، ورصد له من الخسران إذا هو اندحر ما لا يخطر كذلك على قلب بشر؛ وبذلك حول طاقة القتال فيه إلى هذه المعركة الدائبة التي تجعل من الإنسان إنسانًا، وتجعل له طابعه الخاص بين أنواع الخلائق المتنوعة الطبائع والطباع! والتي تجعل أكبر هدف للإنسان على الأرض أن ينتصر على (٣) جامع البيان، الطبري ٦٣٥/٢٠. www. modoee.com ٣٦١ حرف الصاد عدوه الشيطان، فينتصر على الشر والخبث والرجس، ويثبت في الأرض قوائم الخير والنصح والطهر))(١). وجعل الله للمعرض عن ذكره شيطانًا قريبًا يغويه جزاء على إعراضه. قال تعالى: ﴿وَمَن يَمْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُفَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ، قَرِينٌ () وَإِنَّهُمْ ◌َيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦-٣٧]. أي: (وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الذين يعشون عن ذكر الله، عن سبيل الحق، فيزينون لهم الضلالة، ويكرهون إليهم ﴿وََحْسَبُونَ الإيمان بالله، والعمل بطاعته أَنَّهُم مُهْتَدُونَ﴾ يقول: ويظن المشركون بالله بتحسين الشياطين لهم ما هم عليه من الضلالة، أنهم على الحق والصواب))(٢). وهذا أسوأ ما يصنعه قرين بقرين، أن يصده عن السبيل الواحدة القاصدة ثم لا يدعه یفیق، أو یتبین الضلال فيثوب، إنما يوهمه أنه سائر في الطريق القاصد القويم! حتی يصطدم بالمصیر الأليم. ومن صور تزيين الشيطان: الأعمال السيئة: تحسينه للأعمال القبيحة التى قامت بها الأمم الهالكة؛ حتى أعجبوا بها. (١) في ظلال القرآن ٣١٩٩/٥. (٢) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٦٠٥. قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَا وَقَد تَبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨]. فقد كانت لهؤلاء: ((عقول، وكانت أمامهم دلائل الهدى، ولكن الشيطان استهواهم، وزين لهم أعمالهم، وأتاهم من هذه الثغرة المكشوفة، وهي غرورهم بأنفسهم، وإعجابهم بما يأتونه من الأعمال، وانخداعهم بما هم فيه من قوة ومال ومتاع)»(٣). ٤ وتحسينه لقوة قريش في نفسها؛ حتى خرجت بطرًا ورياءً؛ ليمنعوا الناس عن الدخول في دين الله. قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ بَطَرًّا وَرِشَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيَّظٌ﴾ [الأنفال: ٤٧]. قال البغوي رحمه الله: ((نزلت في المشركين حين أقبلوا إلى بدرٍ، ولهم بغيٌ وفخرٌّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم هذه قريشُ قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك، وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني). قالوا: ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريشٍ: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم فقد نجاها (٣) في ظلال القرآن ٢٧٣٥/٥. ٣٦٢ جَوَسُوع القرآن الكريم الصدعن سبيل الله الله فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرًا -وكان موسمًا من مواسم العرب یجتمع لهم بها سوقٌ كل عامٍ - فنقيم ثلاثًا فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدًا، فوافوها، فسقوا کئوس المنایا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان، فنهى الله عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم، وأمرهم بإخلاص النية، والحسبة في نصر دينه، ومؤازرة نبيه صلی الله علیه وسلم»(١). وقال صاحب المنار رحمه الله: (امتثلوا ما أمرتم به من الفضائل، وانتهوا عما نهيتم من الرذائل، ولا تكونوا كأعدائكم المشركين الذين خرجوا من ديارهم في مكة وغيرها من الأماكن التي استنفرهم منها أبو سفيان بطرين بما أوتوا من قوةٍ ونعم لم يستحقوها، أو كفروا نعمة الله -مرائين للناس بها؛ والشجاعة والمنعة، ويصدون عن سبيل عن سبيل الله - وهو الإسلام- بحمل الناس علی عداوة الرسول صلی الله عليه وسلم، والإعراض عن تبليغ دعوته، وتعذيب من أجابها إذا لم يكن له من يمنعهم ويحميهم من قرابةٍ، أو حلفٍ أو جوارٍ، والله بما يعملون (١) معالم التنزيل، البغوي ٣٦٦/٣. محيطٌّ، علمًا وسلطانًا، فهو يجازيهم عليه في الدنيا والآخرة بمقتضى سنته في ترتيب الجزاء على صفات النفس))(٢). إن ورثة الأنبياء عندما يخرجون للقتال في سبيل الله يخرجون لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. يخرجون لحماية حرمات الناس لا لانتهاكها، ولحماية كراماتهم لا لإذلالهم، ولحماية حرياتهم لا لاستعبادهم. يخرجون لا للتبطر بنعمة القوة باستخدامها ضد الناس، بل يستخدمونها في حماية الناس، وصون حياتهم. يخرجون متجردين من حظوظ أنفسهم، فلا يكون لها من النصر والغلب إلا تحقيق طاعة الله في تلبية أمره بالجهاد، وفي إقامة منهجه في الحياة، وفي إعلاء كلمته ليعجبوا بهم، ويثنوا عليهم بالغنى والقوة في الأرض، وفي التماس فضله بعد ذلك ورضاه. الله، أي: والحال أنهم يصدون بخروجهم ثالثًا: النفاق والتظاهر بالإيمان لحماية مصالحهم: أخبر سبحانه وتعالى أن المنافقين هم العدو الحقيقي للمسلمین، وحذر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين منهم، فقال: (٢) المنار، محمد رشيد رضا ٢٥/١٠. www. modoee.com ٣٦٣ حرف الصاد ﴿هُوُ اْعَدُوٌّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]. قال ابن القيم رحمه الله: ((هذا اللفظ يقتضي الحصر؛ أي: لا عدو إلا هم؛ ولكن لم يرد هاهنا من إثبات الأولوية والأحقية لهم في هذا الوصف، وأنه لا یتوهم -بانتسابهم إلى المسلمين ظاهرًا، وموالاتهم لهم ومخالطتهم إياهم- أنهم ليسوا بأعدائهم؛ بل هم أحق بالعداوة ممن باينهم في الدار، ونصب لهم العداوة، وجاهرهم بها، فإن ضرر هؤلاء المخالطين لهم، المعاشرين لهم، وهم في الباطن على خلاف دینهم -أشد علیهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة، وألزم وأدوم؛ لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أيامًا، ثم ينقضي ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم في الدیار والمنازل صباحًا ومساء، يدلون العدو على عوراتهم، ويتربصون بهم الدوائر، ولا يمكنهم مناجزتهم، فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر؛ فلهذا قيل: اٌلْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: لا علی معنی: أنه لا عدو لکم سواهم؛ بل على معنى: أنهم أحق بأن يكونوا لكم عدوًا من الكفار المجاهرين))(١). وقال تعالى عن إعراضهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ (١) طريق الهجرتين، ابن القيم ١/ ٥٩٦. الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا [النساء: ٦١]. ذكر في سبب نزول هذه الآية: أنها في رجلٍ من الأنصار، ورجلٍ من اليهود تخاصماً، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمدٌ، وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف، وقيل: في جماعةٍ من المنافقين، ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية، وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك کله، فإنها ذامةٌ لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ها هنا. ولهذا قال: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَلا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ﴾ [النساء: ٦٠-٦١]. وقوله: ﴿يَصُدُّونَ عَنكَصُدُودًا ﴾ أي: يعرضون عنك إعراضًا كالمستكبرين عن ذلك (٢). والحامل لهم على هذا الصدود هو اتباع شهواتهم، وألفتهم للباطل (٣). يقول صاحب الظلال رحمه الله: (يا سبحان الله! إن النفاق يأبى إلا أن يكشف (٢) تفسير القرآن العظيم ٣٤٦/٢. (٣) المنار، محمد رشيد رضا ١٨٥/٥. ٣٦٤ جَوَبُو بَرُ النفسية الوضوء القرآن الكريمِ الصدعن سبيل الله نفسه! ويأبى إلا أن يناقض بديهيات المنطق عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [المجادلة: ١٤ - ١٦]. الفطري، وإلا ما كان نفاقًا. إن المقتضى الفطري البديهي للإيمان أن یتحاكم الإنسان إلى ما آمن به، وإلی من آمن به، فإذا زعم أنه آمن بالله وما أنزل، وبالرسول وما أنزل إليه، ثم دعي إلى هذا الذي آمن به لیتحاكم إلى أمره وشرعه ومنهجه كانت التلبية الكاملة هي البديهية الفطرية، فأما حين يصد ويأبى فهو يخالف البديهية الفطرية، ويكشف عن النفاق، وينبيء عن كذب الزعم الذي زعمه من الإيمان! وإلى هذه البديهية الفطرية يحاكم الله سبحانه أولئك الذين يزعمون الإيمان بالله ورسوله، ثم لا یتحاكمون إلى منهج الله ورسوله، بل يصدون عن ذلك المنهج حين يدعون إليه صدودًا!))(١). وقال تعالى عن المنافقين الذين اتخذوا أيمانهم التي أقسموها سترة ووقاية لهم من المؤاخذة والعذاب، ومنعوا أنفسهم، ومنعوا الناس عن طريق الله المستقيم: ﴿أَخَّخَذُوا أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهَّ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٢]. وقال تعالى: ﴿أَنَّمَ إِلَى الَّذِينَ تَوَوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّاهُمْ مِنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَعْلِقُونَ عَلَ اُلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَآَ مَا كَانُوْيَعْمَلُونَ ﴿ أَّخَذُوَأْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُواْ (١) في ظلال القرآن ٢/ ٦٩٤. ((أي: جعلوا تصديقهم جنةً من القتل، فآمنت ألسنتهم من خوف القتل، ولم تؤمن قلوبهم، فمنعوا الناس عن الإسلام بسبب ما يصدر عنهم من التثبيط، وتهوين أمر المسلمين، وتضعيف شوكتهم، وقيل: المعنى: فصدوا المسلمين عن قتالهم بسبب إظهارهم للإسلام»(٢). ويوحي قوله تعالى: ﴿أَخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةٌ ﴾ [المنافقون: ٢]. بأنهم كانوا يحلفون الأيمان كلما انكشف أمرهم، أو عرف عنهم كيد أو تدبير، أو نقلت عنهم مقالة سوء في المسلمين، كانوا يحلفون ليتقوا ما يترتب على افتضاح أمر من أمورهم، فيجعلون أيمانهم وقاية وجنة يحتمون وراءها؛ ليواصلوا كيدهم، ودسهم وإغواءهم للمخدوعين فيهم. رابعًا: الشهوات من المطاعم والمشارب: قال تعالى: ﴿أَشْتَرَوْاْ بِئَايَتِ اَللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِّ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩]. عن مجاهدٍ رحمه الله قال: ((أبو سفيان بن حربٍ أطعم حلفاءه، وترك حلفاء محمدٍ (٢) فتح القدير، الشوكاني ٢٣٠/٥. www. modoee.com ٣٦٥ حرف الصاد صلی الله عليه وسلم))(١). قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله: «روي أن أبا سفيان لما أراد حمل قريشٍ وحلفائها على نقض عهد الحديبية صنع لهم طعامًا استمالهم به، فأجابوه إليه، فهو المراد بالثمن القليل»(٢). وقال تعالى: ﴿فَيُظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَهِمْ طَيَِّتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠]. أي: ((فبسبب ظلمٍ عظيمٍ حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، لا بسبب شيء آخر، كما زعموا أنها كانت محرمةً على من قبلهم، والطيبات المذكورة هي ما نصه الله سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلّ ذِى ظُفُر [الأنعام: ١٤٦]. وبصدهم أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله، وهو اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وتحريفهم، وقتلهم الأنبياء، وما صدر منهم من الذنوب المعروفة، وقوله: مفعولٌ للفعل المذكور، أي: بصدهم ناسًا کثیرًا، أو صفة مصدر محذوف، أي: صدًا کثیرًا»(٣). (١) جامع البيان، الطبري ١١/ ٣٦٠. (٢) المنار، محمد رشيد رضا ١٦٨/١٠. (٣) فتح القدير ٦١٨/١. خامسًا: كراهية الموت والتشبث بالحياة الدنيا: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُونَ عَن سَبِيلٍ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجَاً أُوْلَكَ فِ ضَلٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٣]. أي: ((الذين يختارون الحياة الدنيا ومتاعها، ومعاصي الله فيها على طاعة الله، وما يقربهم إلى رضاه، من الأعمال النافعة في الآخرة، ويمنعون من أراد الإيمان بالله، واتباع رسوله على ما جاء به من عند الله من الإيمان به واتباعه)»(٤). يقول سيد قطب رحمه الله: ((فأما الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فلا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم من الاستئثار بخيرات الأرض، ومن الكسب الحرام، ومن استغلال الناس وغشهم واستعبادهم، لا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم هذه في نور الإيمان بالله، وفي ظل الاستقامة على هداه، ومن ثم يصدون عن سبيل الله، يصدون أنفسهم ويصدون الناس، ويبغونها عوجًا لا استقامة فيها ولا عدالة، وحين يفلحون في صد أنفسهم وصد غیرهم عن سبيل الله، وحين يتخلصون من استقامة سبيله وعدالتها، فعندئذٍ فقط يملكون أن يظلموا، وأن يطغوا، وأن يغشوا، وأن (٤) جامع البيان، الطبري ١٣/ ٥٩١. ٣٦٦ جَوْنُوبَةُ النَّفِيـ الْقُرْآن الكَرِيمِ الصدعن سبيل الله يخدعوا، وأن يغروا الناس بالفساد، فيتم لهم الحصول على ما يبغونه من الاستئثار بخيرات الأرض، والكسب الحرام، والمتاع المرذول، والكبرياء في الأرض، وتعبيد الناس بلا مقاومة ولا استنكار. إن منهج الإيمان ضمانة للحياة، وضمانة للأحياء من أثرة الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، واستئثارهم بخيرات هذه الحياة)»(١). (١) في ظلال القرآن ٤/ ٢٠٨٧. مظاهر الصد عن سبيل الله تعالى بين القرآن الكريم مظاهر الصد عن سبيل الله تعالى، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي: أولًا: التشكيك بالنبوات: قال تعالى على لسان شعيب عليه السلام ناصحًا قومه: ﴿وَلَا نَقْعُدُواْ بِكُلٍ صِرَّطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٨٦]. عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: ((كانوا يجلسون في الطريق، فيخبرون من أتی علیھم أن شعیبًا علیه السلام کذابٌ، فلا یفتنکم عن دینکم»(٢). فنهاهم شعیب عن ثلاثة أمور: ١. قطع الطريق على المارة لأخذ الأموال. ٢. والصد عن دين الله. ٣. وطلب جعل سبيل الله المستقيمة معوجة مائلة بالأكاذيب والضلالات، وتشويه الحقائق، والشبهات والشكوك الملقاة منكم. والمراد من الآية أن شعيبًا منع القوم من أن يمنعوا الناس من قبول الدين الحق بأحد هذه الطرق الثلاث (٣). ولقد زعم المشركون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس أهلًا لإنزال هذا (٢) جامع البيان، الطبري ١٠/ ٣١٣. (٣) التفسير المنير، الزحيلي ٢٩٤/٨. www. modoee.com ٣٦٧ حرف الصاد القرآن عليه، لقلة ماله، وأن أحد الرجلين المذكورين أحق أن ينزل عليه القرآن منه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْبَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]. أي: ((من إحدى القريتين، وهما مكة والطائف ﴿عَظِيمٍ﴾ يعنون بعظمه كثرة ماله وعظم جاهه، وعلو منزلته في قومه، وعظيم مكة الذي يريدون هو الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعبٍ، وفي مرة بن كعبٍ يجتمع نسبه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد منافٍ، وعظيم الطائف هو عروة بن مسعودٍ، وقيل: حبيب بن عمرو بن عميرٍ، وقيل: هو كنانة بن عبد یالیل، وقيل غير ذلك، وقد بین تعالی في هذه الآية الكريمة شدة جهلهم، وسخافة عقولهم، بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]))(١). هكذا أهل السوء والضلال يحرصون دائمًا على أن يكون الناس جميعًا على شاكلتهم؛ حتى لا يظهر سوؤهم، ولا ینکشف ضلالهم، وهکذا الشر دائمًا موکل بالخير، يريد أن يشوه معالمه، ويفسد طبيعته؛ ليتوازى معه على كفتي میزان. ولكن الله بالغ أمره، فما كان قائمًا على (١) أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ١١١. جَوَسُوع القرآن الكريمِ الشر والفساد، مستنبتًا في منابت الضلال، فلا بقاء له، وما كان قائمًا على الحق والخير، مغروسًا في مغارس الهدى والنور، فهو شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلُّ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَأَةُ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَتْكُثُ فِي الْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧]. ثانيًا: السخرية بأهل الإيمان: قال تعالى في ذم صفات المنافقين أنهم يسخرون من أهل الإيمان، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَلَّوْعِينَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ وَأَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [التوبة: ٧٩]. روى البخاري بسنده عن أبي مسعودٍ رضي الله عنه قال: (لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا، فجاء رجلٌ فتصدق بشيءٍ كثيرٍ، فقالوا: مرائي، وجاء رجلٌ فتصدق بصاعٍ، فقالوا: إن الله لغنيّ عن صدقة هذا،َ فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾(٢). (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة، ٢/ ١٠٩، رقم ١٤١٥. ٣٦٨ الصدعن سبيل الله قال السعدي رحمه الله: ((جمعوا في مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَايَرَهُ ﴾ [الزلزلة: ٧]. كلامهم هذا بين عدة محاذير: منها: تتبعهم لأحوال المؤمنين، وحرصهم على أن يجدوا مقالًا يقولونه فيهم، والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ عَذَابٌ أَكِيمٌ﴾ [النور: ١٩]. ومنها: طعنهم بالمؤمنین لأجل إيمانهم، كفرًا بالله تعالى، وبغضًا للدين. ومنها: أن اللمز محرم، بل هو من كبائر الذنوب في أمور الدنيا، وأما اللمز في أمر الطاعة، فأقبح وأقبح. ومنها: أن من أطاع الله وتطوع بخصلة من خصال الخير فإنه الذي ينبغي إعانته، وتنشيطه على عمله، وهؤلاء قصدوا تثبيطهم بما قالوا فیھم، وعابوهم علیه. ومنها: أن حكمهم على من أنفق مالًا كثيرًا بأنه مراء غلط فاحش، وحكم على الغيب، ورجم بالظن، وأي شر أكبر من هذا؟! ومنها: أن قولهم لصاحب الصدقة القليلة: ((الله غني عن صدقة هذا)) كلام مقصوده باطل، فإن الله غني عن صدقة المتصدق بالقليل والكثير، بل وغني عن أهل السماوات والأرض، ولكنه تعالى أمر العباد بما هم مفتقرون إليه، فالله -وإن كان غنيًا عنهم - فهم فقراء إليه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ وفي هذا القول من التثبيط عن الخير ما هو ظاهر بین؛ ولهذا كان جزاؤهم أن سخر الله منهم، ولهم عذاب أليم)»(١). ثالثًا: منع إقامة الشعائر: قال تعالى في ذكر السبب الموجب لعذاب المشركين: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ، إِلَّ الْمُنَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: ٣٤]. أي: و کیف لا یعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام، أي: الذي بمكة، يصدون المؤمنين الذين هم أهله عن الصلاة فیه، والطواف به»(٢). «فقد كانوا يؤذون من طاف أو صلى فيه منهم إذا لم یکن له منهم أو من غيرهم من الأقوياء من يمنعه ويحميه، وقد وضعوا على ظهر الرسول صلى الله عليه وسلم فرث الجزور وهو ساجدٌ، فلم يتجرأ أحدٌ على رميه عنه إلا بنته فاطمة رضي الله عنها، ومنعوا أبا بكرٍ من الصلاة، وقراءة القرآن فيه، فبنى لنفسه مسجدًا كان يصلي فيه، ويجهر بالقرآن، فصدوه عن الصلاة فيه أيضًا؛ لأن النساء والأولاد كانوا يجتمعون لسماع قراءته المؤثرة، فخافوا عليهم أن (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٤٥. (٢) تفسير القرآن العظيم ٤ / ٤٥. www. modoee.com ٣٦٩ حرف الصاد يهتدوا إلى الإسلام»(١). قال ابن عاشور رحمه الله: ((كان الصد عن المسجد الحرام جريمةً عظيمةً يستحق فاعلوه عذاب الدنيا قبيل عذاب الآخرة؛ لأنه يؤول إلى الصد عن التوحيد؛ لأن ذلك المسجد بناه مؤسسه ليكون علمًا على توحيد الله، ومأوى للموحدين، فصدهم المسلمین عنه لأنهم آمنوا بإلهٍ واحدٍ، صرف له عن كونه علمًا على التوحید»(٢). رابعًا: منع الهجرة: قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَهُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. روى ابن أبي حاتم بسنده عن سعيد بن المسيب، (أن صهيبًا أقبل مهاجرًا نحو النبي صلی الله عليه وسلم، فتبعه نفرٌ من قریش مشركون، فنزل وانتثل(٣) كنانته، فقال: يا معشر قريشٍ، قد علمتم أني أرماكم رجلًا بسهم، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرميكم بكل سهم في كنائتي، ثم أضربكم بسيفي، ما بقي في يدي منه شيءٌ، ثم شأنكم بعد، وقال: (١) المنار، محمد رشيد رضا ٩ / ٥٤٦. (٢) التحرير والتنوير ٣٣٦/٩. (٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٣٦٩/٢، رقم ١٩٤٠. والمرفوع منه أخرجه أيضًا الطبراني في المعجم الكبير ٣١/٨، رقم ٧٢٩٦، والحاكم في المستدرك ٣/ ٤٥٢، رقم ٥٧٠٦. إن شئتم دللتكم على مالي بمكة، وتخلون سبيلي؟ قالوا: فدلنا على مالك بمكة ونخلي عنك، فتعاهدوا على ذلك، فدلهم، وأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللّهُ رَهُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. فلما رأى رسول الله صهيبًا، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ربح البيع یا أبا یحیی، ربح البیع یا أبا یحیی، ربح البيع يا أبا يحيى)(٤). وذكر ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره رواية أخرى عن أبي عثمان النهدي، عن صهيبٍ، قال: (لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريشٌ: يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك، والله لا يكون ذلك أبدًا، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم، فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ربح صهيبٌ، ربح صهيبٌ) مرتين(٥). (٤) نثل: يقال: نثلت كنانتي نثلاً إذا استخرجت ما فيها من النبل. انظر: مجمل اللغة، ابن فارس ص ٨٥٥. (٥) تفسير القرآن العظيم ١/ ٤٢١. وأخرج نحوه ابن حبان في صحيحه، ٣٧٠ ضوء القرآن الكريمِ الصدعن سبيل الله قال ابن عاشور رحمه الله: ((والذي لا فِيهِ وَالْبَائِّ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِظُلْمٍ تُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. یشح بنفسه في نصرة الحق ینبيء خلقه عن إيثار الحق، والخير على الباطل والفساد)»(١). قال صاحب التفسير المنير حفظه الله: (دل التعبير القرآني الموجز: ﴿وَمِنَ اَلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتٍ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. على حقيقة ثابتة، وهي أن وجود فئة المخلصين بين الناس رحمة عامة للعباد، لا خاصة بهم، فکثیرًا ما ينتفع الناس بعمل المصلحين من دونهم؛ إذ تظهر ثمرات إصلاحهم من بعدهم، وعلى من يبذل نفسه ابتغاء مرضاة الله تعالى في نفع عباده ألا يتهور ويلقي بنفسه في التهلكة، بل عليه أن یکون حكيمًا یقدر الأمور بقدرها؛ إذ ليس المقصود بهذا الشراء: ﴿إِنَّ اللّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١]. إهانة النفس ولا إذلالها، وإنما المراد دفع الشر، وفعل الخير العام، رأفة بالعباد، وإيثارًا للمصلحة العامة»(٢). وقال تعالى في ذم المشركين الذين منعوا المسلمين من الهجرة في سبيل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْنَهُ لِلنَّاسِ سَوَآءُ الْعَكِّفُ ١٥/ ٥٥٧، رقم ٧٠٨٢، وصححه الألباني في تخريج فقه السيرة ص١٦٦ . (١) التحرير والتنوير ٢٧٤/٢. (٢) التفسير المنير ٢/ ٢٣١. ((وذلك بالمنع من الهجرة والجهاد؛ لأنهم كانوا يأبون ذلك»(٣). وقال الخازن رحمه الله: «أي: بالمنع من الهجرة والجهاد والإسلام)» (٤). خامسًا: التخويف من الجهاد: قال تعالى في ذم صفات المنافقين أنهم يخوفون المؤمنين من الجهاد في سبيل الله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيْبَطْتَنَّ فَإِنْ أَصَبَتَكُ مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعُمَ اَللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٢]. عن قتادة رحمه الله: ((عن الجهاد والغزو في سبيل الله))(٥). وقال تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ بِمَفْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا نَنْفِرُواْ فِي الْخَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ [التوبة: ٨١]. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استنفرهم إلى غزوة تبوك في حرِ شدیدٍ، فقال المنافقون بعضهم لبعضٍ: لا تنفروا في الحر، فقال الله لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد: نار جهنم التي (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١٦/٢٣. (٤) لباب التأويل، الخازن ٣/ ٢٥٣. (٥) جامع البيان، الطبري ٧/ ٢٢٠. www. modoee.com ٣٧١ حرف الصاد أعدها الله لمن خالف أمره، وعصى رسوله، سادسًا: النهي عن الإنفاق في سبيل أشد حرًا من هذا الحر الذي تتواصون بينكم الله: أن لا تنفروا فیه، يقول: الذي هو أشد حرًا أحرى أن يحذر ويتقى من الذي هو أقلهما أذّى(١). لقد قام المنافقون بصرف الناس عن الجهاد، وخوفوهم بعد الشقة، وحذروهم بأس الروم. قال سيد قطب رحمه الله: ((وقالوا: ﴿وَقَالُواْ لَا تَنَفِرُواْ فِ الْخَرِّ﴾ وهي قولة المسترخي الناعم الذي لا يصلح لشيء مما يصلح له الرجال. إن هؤلاء لهم نموذج لضعف الهمة، وطراوة الإرادة، وكثيرون هم الذين يشفقون من المتاعب، وينفرون من الجهد، ويؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم، ويفضلون السلامة الذليلة على الخطر العزيز، وهم يتساقطون إعياء خلف الصفوف الجادة الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات، ولكن هذه الصفوف تظل في طريقها المملوء بالعقبات والأشواك؛ لأنها تدرك بفطرتها أن كفاح العقبات والأشواك فطرة في الإنسان، وأنه ألذ وأجمل من القعود والتخلف، والراحة البليدة التي لا تليق بالرجال)»(٢). (١) المصدر السابق ١١/ ٦٠٣. (٢) في ظلال القرآن ٣/ ١٦٥٤. قال تعالى في ذم صفات المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَقْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَّمَ تَسْتَغْفِرْ لَمْ لَنْ يَغْفِرَ الَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ ) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْقَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَّفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٥-٧]. عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: «لا تطعموا محمداً وأصحابه؛ حتى تصيبهم مجاعةٌ، فيتركوا نبيهم))(٣). فهم يصدون عن سبيل الله بالأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف. قال تعالى: ﴿الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَبْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ اَلْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧]. (ومن المعروف الذي ينهون عنه الجهاد، وبذل المال في سبيل الله للقتال وغير القتال)) (٤). قوله تعالى على لسان المنافقين: (٣) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٦٦٠. (٤) المنار، محمد رشيد رضا ١٠/ ٤٦٠. ٣٧٢ جوبيبو القرآن الكريم الصدعن سبيل الله ﴿لَا تُنْفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧]. قولة تجلى فيها خبث الطبع، وهي خطة التجويع التي يبدو أن خصوم الحق والإيمان یتواصون بها على اختلاف الزمان والمكان، في حرب العقيدة ومناهضة الأديان؛ ذلك أنهم لخسة مشاعرهم، يحسبون لقمة العيش هي كل شيء في الحياة، كما هي في حسهم فيحاربون بها المؤمنين، إنها خطة قريش، وهي تقاطع بني هاشم في الشعب؛ لينفضوا عن نصرة رسول الله صلی الله عليه وسلم، ويسلموه للمشركين، وهي خطة المنافقين -کما تحکیها هذه الآية- لینفض أصحاب رسول الله صلی الله عليه وسلم عنه تحت وطأة الضيق والجوع. وهي خطة الشيوعيين في حرمان المتدينين في بلادهم من بطاقات التموين؛ ليموتوا جوعًا، أو يكفروا بالله، ويتركوا الصلاة. وهي خطة غيرهم ممن يحاربون الدعوة إلى الله، وحركة البعث الإسلامي في بلاد الإسلام، بالحصار والتجويع، ومحاولة سد أسباب العمل والارتزاق. وهكذا يتوافى على هذه الوسيلة الخسيسة كل خصوم الإيمان من قديم الزمان إلى هذا الزمان، ناسين الحقيقة اليسيرة التي يذكرهم القرآن بها قبل ختام هذه الآية ﴿ وَلِلَّهِ خَزَّائِنُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا ومن خزائن الله في السموات والأرض یر تزق هؤلاء الذين يحاولون أن یتحکموا في أرزاق المؤمنين، فليسوا هم الذين يخلقون رزق أنفسهم، فما أغباهم وأقل فقههم وهم يحاولون قطع الرزق عن الآخرين!))(١). وما الحصار المفروض على فلسطين -وكذلك على البلاد المسلمة الفقيرة- إلا تنفيذٌ وتحقيقٌ لهذه الوسيلة الخسيسة، والتي يراد بها تركيع المؤمنين المجاهدين، وصرف الشعب الفلسطيني عن التعاون مع المجاهدين، وتثبيطهم عن مجالدة العدو الصهيوني. سابعًا: الصد عن المساجد: قال تعالى في ذم صفات المنافقين والتي استخدموها في صد الناس عن طريق الحق: ﴿وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَغْرِيقًا بَيْنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، مِن قَبْلٌّ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَاً إِلَّا الْحُسْنَىِّ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧]. عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: ((هم أناسٌ من الأنصار ابتنوا مسجدًا، فقال لهم أبو عامٍ: ابنوا مسجدكم، واستعدوا بما استطعتم من قوةٍ ومن سلاحٍ، فإني ذاهبٌ (١) في ظلال القرآن ٣٥٧٩/٦. www. modoee.com ٣٧٣ حرفالصاد إلی قیصر ملك الروم فآتي بجندٍ من الروم، فأخرج محمدًا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلی الله عليه وسلم، فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبر كة، فأنزل الله فیه: ﴿لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدُّ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلَا يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهٍ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]. ﴿وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ قوله: إلى الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٩]))(١). ((هذا المسجد -مسجد الضرار- الذي اتخذ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مكيدة للإسلام والمسلمين، لا يراد به إلا الإضرار بالمسلمين، وإلا الكفر بالله، وإلا ستر المتآمرين على الجماعة المسلمة، الكائدين لها في الظلام، وإلا التعاون مع أعداء هذا الدین علی الکید له تحت ستار الدین)». هذا المسجد ما يزال يتخذ في صور شتى تلائم ارتقاء الوسائل الخبيثة التي يتخذها أعداء هذا الدين تتخذ في صورة نشاط ظاهره للإسلام، وباطنه لسحق الإسلام، أو تشويهه وتمويهه وتمييعه! وتتخذ في صورة أوضاع ترفع لافتة الدين عليها؛ لتتترس وراءها، وهي ترمي هذا الدين! وتتخذ في صورة تشکیلات وتنظيمات و کتب وبحوث (١) جامع البيان، الطبري ١١ / ٦٧٥. تتحدث عن الإسلام لتخدر القلقين الذين يرون الإسلام يذبح ويمحق، فتخدرهم هذه التشكيلات وتلك الكتب إلى أن الإسلام بخير لا خوف عليه ولا قلق! وتتخذ في صور شتى كثيرة. ومن أجل مساجد الضرار الكثيرة هذه يتحتم كشفها وإنزال اللافتات الخادعة عنها، وبيان حقيقتها للناس، وما تخفيه وراءها، ولنا أسوة في كشف مسجد الضرار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم(٢). (٢) في ظلال القرآن ٣/ ١٧١١. ٣٧٤ جَوْسُورُ القرآن الكريم