النص المفهرس

صفحات 21-40

الشيطان
ألقى الشيطان في أمنيته ما يوجب اشتغاله
بالدنيا، فيبطله ويذهب به بعصمته عن
الركون إليه والإرشاد إلى ما يوسوس، ثم
يثبت الله آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر
الآخرة، والله عليم بأحوال الناس، حكيم
فيما يفعله بهم(١)، أما ما جاء في سبب نزول
الآية من حديث الغرانيق فهو مردود عند
المفسرين.
ولم يمل الشيطان من محاولة الوسوسة
للرسول، وإشغاله عن طاعة ربه، يقول
المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إِنَ عِفْرِيتًا
مِنَ الْجِنِ جَعَلَ يَفْتِكُ عَلَيَ الْبَارِحَةَ، لِيَقْطَعَ
عَلَيَ الصَّلَاةَ، وَإِنَ اللهَ أَمْكَنَنِي مِنْهُ فَذَعَتُهُ،
فَلَقَذْ هَمَمْتُ أَنْ أَزْبِطَهُ إِلَى جَنْبٍ سَارِئَةٍ مِنْ
سَوَارِي الْمَسْجِدِ، حَتَى تُصْبِحُوا تَنْظُرُونَ
إِلَيْهِ أَجْمَعُونَ - أَوْ كُلُكُمْ- ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ
أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكًا لَّا
يَكْبَفِى ◌ِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىّ﴾ [ص: ٣٥]. فَرَدَهُ اللهُ
خَاسِئًا)(٢).
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ / ٧٥.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع
الصلاة، باب جواز لعن الشيطان في أثناء
الصلاة، والتعوذ منه وجواز العمل القليل في
الصلاة ٣٨٤/١، رقم ٥١٤.
عداوة الشيطان للإنسان
حدثنا القرآن الكريم عن عداوة الشيطان
وعن وسائله في ذلك، وهذا ما سنبينه فيما
يأتي:
أولًا: عداوة الشيطان للإنسان:
إن عداوة الشيطان للإنسان قديمة قدم
الإنسان، منذ خَلْق آدم عليه السلام وحتى
يومنا هذا، وإلى قيام الساعة، مصداقًا
لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَقُلْنَا أَهْبِطُواْ بَعْضُّكُمْ
لِبَعْضِ عَدُوٌ وَلَكُمْ فِ الْأَرْضِ مُسْنَفَرٌ وَمَتَحُ إِلَى حِينٍ﴾
[البقرة: ٣٦].
فالشيطان هو أكبر وأخطر عدو لبني
آدم في هذه الحياة؛ لأنه منبع الشرور،
والآثام، وهو القائد إلى الهلاك والخسران
الدنيوي والأخروي، يدعو الناس إلى الكفر
والشرك، وترك التوحيد، ويزين لهم البدع،
ويسول لهم بالعصيان وترك أوامر الرحمن.
ولقد أكد الله عز وجل لنا عداوة
الشيطان، وأمرنا أن نتخذه عدوًا، وبین لنا
هدفه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌّ
فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبٍ
اُلسَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
فالشيطان عدو لكم ظاهر العداوة،
فعل بأبيكم ما فعل، وأنتم تعاملونه معاملة
الحبيب، فاتخذوه عدوًا أي: فعادوه، في
www. modoee.com
١٥٧

حرف الشین
عقائدکم، وعباداتکم، وفي كل أحوالكم(١).
وقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ,
لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ أي: اتخذوا يا بني
آدم الشيطان عدوًا لكم؛ لأنه لا يدعو أتباعه
إلى خير أبدًا، وإنما يدعوهم إلى الأعمال
الفاسدة التي تجعلهم يوم القيامة من أهل
النار(٢).
عدو مبين، وقص علينا ما فعل بأبينا آدم عليه
السلام.
إن الشيطان أظهر لنا عداوته بكل جرأة
ووقاحة، واستكبار أمام الله عز وجل،
فأبى السجود لآدم عليه السلام، وعصى
أمر ربه، وأغوی آدم وحواء حتی أكلا من
الشجرة التي نهاهما الله من الاقتراب منها،
فأخرجهما من النعيم الذي کانا فيه، وتعهد
بإغواء آدم وذريته، ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ
لَهُمْ صِرَّطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦].
﴿قَالَ رَبِّ بِمَّ أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِ
الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩].
﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا
مَّفْرُوضًا ﴾ [النساء: ١١٨].
﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلًا
بَعِيدًا ﴾ [النساء: ٦٠].
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٢٣/١٤، البحر المديد، ابن عجيبة
٥١٨/٤.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١١/ ٣٢٤.
١٥٨
فَضْوَ
جوبيه
القرآن الكريم
فإبليس طلب من الله عز وجل أن
يُنْظِره إلى يوم القيامة حتى يضل بني آدم،
ويجعل مصيرهم إلى جهنم وبئس المصير،
كما جاء في قوله تعالى على لسان إبليس:
﴿ قَالَ رَبٍّ فَأَنْظِرْ فِيٌّ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ ) قَالـ
فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنَظَرِينَ ﴿ إِلَى يَوْمِ اَلْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
(٨) قَالَ رَبِّ ◌ِمَا أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى
فالله عز وجل أخبرنا أن الشيطان لنا اُلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَتَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٦-
٣٩].
يقول سيد قطب في ظلال القرآن مبينًا
سبب تحذير الله عز وجل من الشيطان
عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ
مِمَا فِىِ الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَشَّعُواْ خُطُوَاتِ
الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨]:
«وهنا یبیح الله للناس جمیعًا أن يأكلوا مما
رزقهم في الأرض حلالًا طيبًا - إلا ما شرع
لهم حرمته وهو مبين فيما بعد- وأن يتلقوا
منه هو الأمر في الحِل والحُرمة، وألا يتبعوا
الشيطان في شيء من هذا، لأنه عدوهم،
ومن ثم فهو لا يأمرهم بخير، وإنما يأمرهم
بالسوء من التصور والفعل، ويأمرهم بأن
يحللوا ويحرموا من عند أنفسهم، دون أمر
من الله، مع الزعم بأن هذا الذي يقولون
هو شريعة الله، والمطلوب هو أن يتلقى
الناس ما يحل لهم وما يحرم من الجهة التي
ترزقهم هذا الرزق، لا من إيحاء الشيطان
الذي لا يوحي بخير؛ لأنه عدوٌّ للناس بين

الشيطان
العداوة، لا يأمرهم إلا بالسوء والفحشاء، وأسوأ العواقب في قوالب محسَنة مزينة،
وشواهد ذلك تظهر للإنسان في نفسه وفي
والتجديف على الله والافتراء عليه دون
تثبت ولا یقین)»(١).
الحوادث حيثما عثر عليها، وقد قال تعالى:
﴿يَِّىّ ءَادَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كُمَآ أَخْرَجَ
أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ﴾ [الأعراف: ٢٧]))(٤).
ويعاتب الله عز وجل كل من يتبع
وساوسه، ویکون من أتباعه وأوليائه، فيقول
جل جلاله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَتِكَةِ أَسْجُدُواْلَّدَمَ
فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِبْلِسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ
رَيِّدِةٍ أَفَتَتَّخِذُونَهُ, وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ
وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ لِظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:
٥٠].
((وقال بعض العلماء: وتحت هذا
الخطاب نوع لطيف من العتاب کأنه يقول:
إنما عاديت إبليس من أجل أبيكم ومن
أجلكم، فكيف يحسن بكم أن توالوه؟
بل اللائق بكم أن تعادوه وتخالفوه ولا
تطاوعوه))(٢).
وقال عز وجل موبخًا من اتخذه وليًا من
بِئْسَ لِلّلِمِينَ بَدَلًا
دونه تبارك وتعالى:
أي: الواضعين للشيء في غير موضعه،
وذلك بتركهم طاعة الله عز وجل، وأخذهم
مقابل ذلك طاعة إبليس وذريته (٣).
فالشيطان مجبول على عداوة بني آدم،
قال ابن عاشور: ((وتلك عداوة مودعة في
جبلته، كعداوة الكلب للهِر؛ لأن جبلة
الشيطان موكولة بإيقاع الناس في الفساد
(١) في ظلال القرآن ١/ ١٥٥.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٥٣٤.
(٣) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٢٧٩/٣.
لذلك كله ينادي الله عز وجل عباده،
وينهاهم عن الافتتان بفتنة الشيطان، فيقول
تعالى: ﴿يَبَّنِىّ ءَادَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ
كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيُّكُمْ مِنَ الْجَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا
◌ِيُرِيَّهُمَا سَوْءَتِهِمَاْ إِنَّهُ يَرَنَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ
حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّةُ لِلَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: ٢٧].
وينهاهم عن الاستجابة لصد الشيطان،
قال تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطِنِّ
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٦٢].
والصدهو العدول عن طاعة الله عز وجل
فيما أمرنا به، أو نهانا عنه، إن الشيطان لكم
عدو یدعو کم إلى ما فيه هلاککم، ويصدكم
عن قصد السبيل، ليوردكم المهالك، مُبِین
قد أبان لكم عداوته، بامتناعه من السجود
لأبیکم آدم، وإدلائه بالغرور حتى أخرجه
من الجنة (٥).
وسيلوم الله عز وجل المجرمين يوم
القيامة على طاعتهم للشيطان، كما جاء في
قوله عز وجل ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَنَبَنِىّ ءَادَمَ
(٤) التحرير والتنوير ٢٢/ ٢٦٠.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٣٣/٢١.
www. modoee.com
١٥٩

حرف الشین
أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾
[يس: ٦٠].
فهذا العهد جاء على ألسنة الرسل، أو
الذي جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ
مِنْ بَنِيّ ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّفَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىْ شَهِدْنأُ أَن
تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ﴾
[الأعراف: ١٧٢].
فقد أوصاهم الله عز وجل بعدم طاعة
الشيطان فیما یُوسوس به إلیھم، وُزینه لهم،
فكان العهد بعدم طاعة الشيطان، وطاعة
الله عز وجل، وفيه إشارة إلى جنايتهم على
أنفسهم بعد النصح التام، فلا حجة بعد
الإعذار، ولا ظلم بعد التذكير والإنذار(١).
قال الألوسي في تفسير الآية الكريمة:
«والمراد بعبادة الشيطان طاعته فیما یوسوس
به إليهم ويزينه لهم، عبر عنها بالعبادة لزيادة
التحذير والتنفير عنها، ولوقوعها في مقابلة
عبادته عز وجل، وجوز أن يراد بها عبادة غير
الله تعالى من الآلهة الباطلة، وإضافتها إلى
الشيطان؛ لأنه الآمر بها والمزين لها)»(٢).
ثانيًا: وسائل الشيطان في عداوته
للإنسان:
لقد بلغ الشيطان -عليه لعنة الله - مراده
من أكثر الخلق، فأتبعه الأكثرون، وتركوا
(١) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٥٧٩/٤.
(٢) روح المعاني ٤٠/٢٣.
ما جاء به الرسل من دين الله الذي رضيه
لهم، وتلطف الشيطان في السيطرة على
الخلق، واتبع الأساليب المتنوعة في الحيل،
والمكر، والخديعة، لبلوغ مراده، وأدخل
الناس في الشرك بعدما زيَن لهم أن مَنْ أقر
لله وحده بالملك، والتدبير، والخلق فهو
المسلم، ولو دعا غير الله ولاذَ بِحِماه.
قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ
فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾ [النمل:
٢٤].
فقد تعددت وسائل الشيطان وأساليبه
في تحقيق أهدافه بدافع العداوة والكراهية
للإنسان، وتمثلت أهم وسائل الشيطان في
عداوته لبني آدم بما يأتي:
١. التضليل.
إن من أهم الوسائل التي ينتهجها
الشيطان لعنه الله الإغواء بني آدم هو
التضليل، قال سبحانه وتعالى في محكم
كتابه العزيز: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ»
إِلَّ إِنَثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَنَّا قَرِيدًا
لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَ مِنْ عِبَادِكَ
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِيَنَّهُمْ
نَصِيبًا مَّفْرُوضًا
وَلَ مُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ اَلْأَنْعَمِ
وَلَ مُنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرْنَ خَلْقَ اَللَّهِّ وَمَن يَتَّخِذِ
الشَّيْطَانَ وَلِيَا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ
خُسْرَانًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١١٧-١١٩].
والإضلال الصرف عن طريق الهداية إلى
١٦٠
جوسين
القرآن الكريم

الشيطان
طريق الغواية، والمراد به التزيين والوسوسة،
بإلقاء الوسوسة في قلوب العباد، وتزيين
الشهوات عندهم(١).
والإضلال الذي ينتهجه الشيطان على
مراتب، أعلاها: الوصول بالإنسان إلى
الكفر بالخالق عز وجل، وهو أخطر أنواع
الإضلال، المؤدي إلى الخلود في جهنم
والعياذ بالله.
قال جل جلاله: ﴿إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ
بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآَةً وَمَن يُشْرِكَ بِاللَّهِ
فَقَدٍ أَفْتَرَىَ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨].
فإذا يئس الشيطان من عدم وقوع الإنسان
في المرتبة الأولى لجأ إلى إيقاعه في الكبائر
والفواحش، فإذا لم يجد سبيلًا إلى ذلك،
فنراه يزين ويسهل للإنسان طريق الصغائر،
والَّلمم، ويُلبُسها لباسًا يبديها له في منظر
المباحات، فإذا لم يستطع فيوقع الإنسان
في البدع والضلالات، والتي تعتبر سببًا في
حبوط الأعمال، وعدم قبولها، قال صلى
الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا ما
لیس فیه فهو رد)(٢).
ومن ثم يسلك الشيطان طريقًا أخرى،
فإذا فشل في ذلك، فيدخل للمسلم من
(١) انظر: التفسير المظهري، ٢٣٨/٢، فتح البيان
القنوجي ٢٤٥/٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح،
باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح
مردود، ١٨٤/٣، رقم ٢٦٩٧.
باب العبادة، فيشغله بالعبادة المفضولة عن
الفاضلة، فهذا كله من مداخل الشيطان التي
يجب على المسلم أن يحذر منها.
٢. التغرير بالأماني.
إن من مكائد الشيطان التي يستخدمها
لإغواء المؤمن التغرير بطول الأمل، والحياة
الدنيا، وتحسين الحرص عليها.
ـَّهُمْ
قال سبحانه وتعالى:
وَلَأُمَنِيَنَّهُمْ وَلَ مُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِكُنَّ ءَاذَانَ
الْأَنْعَمِ وَلَّمُهُنَّهُمْ فَلَيُغَيْنَ خَلْقَ اَللَّهِّ
وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًا مِّن دُونِ اللّهِ
فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ﴿ يَعِدُهُمْ
وَيُمَنِّيِهِمّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا.
[النساء: ١١٩ - ١٢٠].
قوله: ﴿وَلَأُمَنِيَنَّهُمْ﴾، وهو إلقاء الأماني
الباطلة في القلب، بطول البقاء في الدنيا
ونعيمها ليؤثروها على الآخرة، أو بإدراك
الجنة بالمعاصي، أو بتسويف التوبة
وتأخيرها (٣).
((وطلب الأماني يورث أمرين: الحرص
والأمل، والحرص والأمل يستلزمان أكثر
الأخلاق الذميمة، وهما كالأمرين اللازمين
لجوهر الإنسان، قال صلی الله عليه وسلم:
(يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ، وَيَشِبُ مِنْهُ اثْنَتَانِ: الْحِرْصُ
(٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٩٨/٢، لباب
التأويل، الخازن ٣٢٨/١.
www. modoee.com
١٦١

حرف الشین
عَلَى الْمَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُّرِ)(١).
والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا
وأهوال الدين، فإنه إذا اشتد حرصه على
الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية
الله وإيذاء الخلق، وإذا طال أمله نسي
الآخرة، وصار غريقًا في الدنيا، فلا يكاد
يقدم على التوبة، ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ،
فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة))(٢).
وحذر سبحانه بعد ما بين سبل الشيطان
من اتخاذه وليًا من دون الله، وذلك باتباع
أوامره، وترك أوامر الرحمن، فمن فعل ذلك
فقد خسر خسرانًا مبينًا؛ لأن طاعة الله تفید
المنافع الدائمة الخالصة عن شوائب الضرر،
وطاعة الشيطان تفيد المنافع المنقطعة
المشوية بالغموم والأحزان والآلام الغالبة،
والجمع بينهما محال عقلًا، فمن رغب في
ولايته فقد فاته أشرف المطالب وأجلها
بسبب أخس المطالب وأدونها، فهذا هو
الخسار المطلق (٣).
وختم بقوله ﴿یَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾،
فالشيطان يعدهم أباطيله بطول العمر، وبأنه
لا قيامة ولا بعث ولا جزاء، فاجتهدوا في
استيفاء اللذات الدنيوية، ويوهمهم الفقر
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة،
باب الأمل والأجل، ٧٢٤/٢، رقم ١٠٤٧.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ٢٢٣.
(٣) انظر: المصدر السابق ٢٢٤/١١.
حتى لا ينفقوا في الخير (٤).
ثم ينطق مُصَدِر التغرير بالأماني وهو
الشيطان بعد أن یحکم الله بين العباد، وقد
أنطقه الله بذلك لإعلان الحق، وبأن لهم
کسبًا في اختیار الانصياع إلى دعوة الضلال،
دون دعوة الحق، كما يروي لنا القرآن
في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ
اُلْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ اَلْفَقِّ وَوَعَدِتُّكُوْ
فَأَغْلَقْتُكُمٌّ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ
أَنْ دَعُوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِيْ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُواْ
أَنفُسَكُمْ مَّ أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم
بِمُصْرِخِيٌَّ إِنِ كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَ كْتُمُونِ
مِن قَبْلٌ إِنَّ الظَّيْلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[إبراهيم: ٢٢].
٣. التزيين.
والتزيين الذي يعمد إليه الشيطان لإغواء
البشر نوعان:
النوع الأول: تزيين القبيح.
فمن مكائد الشيطان لإغواء الإنسان أنه
یورده الموارد التي يخيل إليه أن فيها منفعته،
ثم يُصْدِرهُ المصادر التي فيها عَطَبه، ويتخلى
عنه، ويُسْلمه، ویقف یشمت به، ويضحك
منه، فيأمره بالسرقة، والزنا، والقتل، وأنواع
الفواحش، ويزينها، ويحسِن له معودتها،
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٩٥/٥، مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ٢٢٤،
الباب التأويل، الخازن ٣٢٩/١.
١٦٢
فَضْو
جونيو
القرآن الكريمِ

الشيطان
ويخفي له عواقبها، ثم في النهاية يفر منه، بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)(٣).
ويبتعد عنه.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ
النَّاسِ وَإِّ جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ الْفِشَتَانِ
نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنَّ بَرِىٌّ مِّنكُمْ
إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنْ أَخَافُ اَللَّهُ وَاَللَّهُ شَدِيدُ
الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨](١).
قال ابن القيم: ((ومن مكايده: أنه يأمرك
أن تلقی المساکین وذوى الحاجات بوجه
عبوس، ولا تریھم بشرًا ولا طلاقة، فيطمعوا
فيك، ویتجرؤوا عليك، وتسقط هیبتك من
قلوبهم، فيحرمك صالح أدعيتهم، وميل
قلوبهم إليك، ومحبتهم لك فيأمرك بسوء
الخلق، ومنع البشر والطلاقة مع هؤلاء،
وبحسن الخلق والبشر مع أولئك، ليفتح لك
باب الشر، ويغلق عنك باب الخير))(٢).
وقد توعد إبليس -لعنه الله- بإغواء
بني آدم من خلال التزيين، قال سبحانه
وتعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ◌ِمَا أَغْوَيْنَنِ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى
اُلْأَرْضِ وَلَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الحجر: ٣٩].
ومن التزيين الذي وعد به إبليس النظر
المسموم، وهو من أخطر الأسلحة التي
يستخدمها إبليس، المؤدية إلى وأعظم فتنة
النساء، قال صلى الله عليه وسلم: (ما تركت
(١) انظر: إغاثة اللهفان، ابن القيم ١٠٨/١.
(٢) المصدر السابق ١/ ١٢٠.
وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهي
تَمْعَسُ مَنِيئَةً لها، فقضى حاجته، ثم خرج
إلى أصحابه فقال: (إِنَ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةٍ
شَيْطَانٍ، وَتُذْبِرُ فِي صُورَةٍ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أَبْصَرَ
أَحَدُكُمُ امْرَأَةَ فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، فَإِنَ ذَلِكَ يَرُدُمَا فِي
نَفْسِهِ) (٤).
فكل ما يقع من بني آدم من الكفر والقتل
والعداوة والبغضاء، وانتشار الفواحش
والزنا، وتبرج النساء، وشرب الخمور،
وعبادة الأصنام، واقتراف الكبائر، فذلك
كله يزينه الشيطان للإنسان؛ ليصد عن سبيل
الله، ويفسد الناس، ويجرهم معه إلى نار
جهنم.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَفُرُ
وَاُلْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ
فَأَجْتَنِبُوُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ
أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَيْرِ وَالْمَيْسِ
وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ فَهَلْ أَنُمُّنْنَهُونَ﴾
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب ما يتقي من شؤم المرأة ١٩٥٩/٥، رقم
٤٨٠٨.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح،
باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه، إلى
أن يأتي امرأته أو جاريته فيواقعها، ١٠٢١/٢،
رقم ١٤٠٣.
تمعس أي: تدلك، والمنيئة: هي الجلد أول ما
يوضع في الدباغ.
www. modoee.com
١٦٣

حرف الشین
[المائدة: ٩٠ - ٩١].
النوع الثاني: تقبيح الحسن.
إن من باب تقبيح الشيطان للحسن
أن الشيطان يعمد إلى صرف الإنسان عن
المأمور به من فرائض وواجبات، فإن فشل
فیعمد إلى صرفه عن النوافل والمستحبات،
وأهم ما يحرص على فعله هو تفويت الصلاة
على المسلم.
وفي ذلك قال المصطفى صلى الله ولا يأمرونهم بالمعروف، ولا ينهونهم عن
عليه وسلم: (يَعْقِدُ الشَيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ
أَحَدِكُمْ ثَلاَثَ عُقَدٍ، بِكُلِ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ عَلَيْكَ
لَيْلًا طَوِيلًا، فَارْقُدْ فَارْقُدَّ، وَقَالَ مَرَةٌ: يَضْرِبُ
عَلَيْهِ بِكُلٍ عُقْدَةٍ لَيْلًا طَوِيلًا، قَالَ: وَإِذَا اسْتَيْقَظَ
فَذَكَرَ اللهَ عز وجل انْخَلَتْ عُقْدَةٌ، فَإِذَا تَوَضَأَ
انْحَلَتْ عُقْدَتَانٍ، فَإِذَا صَلَى انْحَلَتِ الْعُقَدُ،
وَأَصْبَحَ طَيِبَ النَّفْسِ نَشِيطًا، وَإِلاَ أَصْبَحَ
خَبِثَ النَفْسِ كَسْلاَنٍ)(١).
فالشیطان یحاول أن یصرف المؤمن عن
الصلاة وهو نائم، فیزین له الراحة، ویلھي
الإنسان المستيقظ عن الصلاة، بحجة الربح
والتجارة، ويخوفه من الفقر، والخسارة.
ويؤيده قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ
اُلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ
مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًاً وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيٌ﴾ [البقرة:
٢٦٨].
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد،
باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم
يصل الليل، ٢/ ٥٢، رقم ١١٤٢.
((فالشيطان يخوف الرجل أولًا بالفقر،
ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره
بالفحشاء، وهي البخل، وذلك لأن البخيل
على صفة مذمومة عند كل أحد، فلا يستطيع
الشيطان أن يحسِن له البخل إلا بتلك
المقدمة، وهي التخويف من الفقر)) (٢).
ومن كيد عدو الله تعالى: أنه يخوف
المؤمنین من جنده وأوليائه، فلا يجاهدونهم
المنکر، وهذا من أعظم کیده بأهل الإيمان.
وقد أخبرنا الله سبحانه عنه بهذا فقال
تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُحَوْفُ أَوْلِيَاءَ هُ، فَلَا
تَّخَافُوهُمْ وَخَافُونٍ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران:
١٧٥](٣).
٤. الإنساء.
إن الشيطان يعمل دومًا لإيقاع أعدائه،
ويُعدهم عما أمرهم الله به، عله يُفَوِّتُ
علیھم خيرًا أراده الله لهم، أو یوقعهم في شَرِ
کرهه الله لهم، فالنسیان المذموم یکون من
الشيطان بالتسويف والتأجيل، وإلهاء العبد،
وإشغاله عن الطاعة والعبادة.
قال تعالى: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ
فَنِسَنُهُمْ ذِكْ اللّهِ أُوْلَكَ حِزَّبُ الشَّيْطِنِّ أَلَّ إِنَّ حِزْبَ
الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩].
((وعلامة استحواذ الشيطان على العبد أن
(٢) لباب التأويل، الخازن ٢٠٤/١.
(٣) انظر: إغاثة اللهفان، ابن القيم ١ / ١١١.
جَوَسُولَةُ النَّقتيبة
القرآن الكريمِ
١٦٤

الشيطان
يشغله بعمارة ظاهره من المآكل والمشارب
والملابس، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء
الله ونعمائه والقيام بشكرها، ويشغل لسانه
عن ذكر ربه بالكذب والغيبة والبهتان،
ويشغل لبه عن التفكر والمراقبة بتدبير الدنيا
وجمعها))(١).
الشيطانية، فأحبوا الدنیا وعملوا لها، وتركوا
في المقابل العمل لآخرتهم، وقد بين الحق
سبحانه أن هذا التسويف والإملاء هو من
فعل الشيطان.
قال عز وجل ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُواْ عَلَى
أَدْبَرِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَّنَ لَهُمُ الْهُدَىّ الشَّيْطَانُ
سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَ لَّهُمْ﴾ [محمد: ٢٥].
(«فذلك الشيطان يمليهم ويقول لهم: في
آجالكم فسحة، فتمتعوا برياستكم ثم في
آخر الأمر تؤمنون)»(٢)، ﴿وَأَمْلَ لَهُمْ﴾ أي:
ومد لهم الشيطان في الأماني والآمال(٣).
فيجب على الإنسان أن يحذر کل الحذر
من هذه الوسيلة التي قد تنطلي على الكثير
من الناس، وأن يكون دائم التيقظ، ولا ينزلق
وراء مُلهيات الدنيا التي تؤدي إلى الخسران
المبين.
٥. النزغ والمس.
(١) مدارك التنزيل، النسفي ٤٥٢/٣.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٨٢/ ٥٦.
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤٧/٥.
إن الشيطان قد یتسلط على الإنسان، فيُثیر
غضبه، وهذا من أوجه عداوته للإنسان.
قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ
نَزْغٌ فَأَسْتَعِذْ يِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[الأعراف: ٢٠٠].
ونزغ بينهم نزغًا: أغرى، والنزغ: الكلام
وقد وقع كثير من الناس في هذه الخطوة الذي يغري بين الناس، ونزغ الشيطان:
وساوسه ونخسه في القلب بما يسول
للإنسان من المعاصي، يعني: يلقي في قلبه
ما يفسده علی أصحابه (٤).
وقد وضَح الإمام الطبري المراد بالنزغ
فقال: ((وإما يغضبنك من الشيطان غضب
يصدُك عن الإعراض عن الجاهلين،
ويحملك على مجاراتهم، فاستعذ بالله،
يقول: فاستجر بالله من نزغه)) (٥).
وقد بينا عند حديثنا عن موقف الشيطان
من نبي الله يوسف عليه السلام، كيف كان
للشيطان دور في إثارة البغضاء بين الأخوة
من خلال النزغ.
أما مس الشيطان للإنسان فنوعان: مس
نفسي، ومس جسدي، أما المس النفسي فهو
کما حدث مع نبي الله أيوب عليه السلام،
حتى دعا ربه: ﴿أَنّ مَسَّفِىَ الشَّيْطَنُ يُنُصٍْ
وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١].
وقد تحدثنا عن ذلك فى موضعه، أما
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤٥٤/٨.
(٥) جامع البيان ٣٣٢/١٣.
www. modoee.com
١٦٥

حرف الشین
المس الجسدي فهو ثابت في كتابه العزيز،
فمن أوجه عداوة الشيطان للإنسان أن يعمد
إلى التسلط على جسد الإنسان، وهو المس.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْرِّبُواْ لَا
يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ
مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة
إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط
الشيطان له؛ وذلك أنه يقوم قيامًا منكرًا(١).
وقد فصل الرازي معنى التخبط وعلاقته
بالمس، حيث يقول: ((التخبط معناه:
الضرب على غير استواء، ويقال للرجل
الذي يتصرف في أمر، ولا يهتدي فيه: إنه
يخبط خبط عشواء، وتخبطه الشيطان: إذا
مسه بخبل أو جنون؛ لأنه كالضرب على
غير استواء، وتسمى إصابة الشيطان بالخبل
والجنون خبطة، ويقال: به خبطة من جنون،
والمس: الجنون، يقال: مُسَ الرجل فهو
ممسوس أي: به مس، وأصله من المس
بالید، كأن الشيطان یمس الإنسان فيجنُه، ثم
سمي الجنون مسًا، كما أن الشيطان يتخبطه
ويطؤه برجله فيخبله، فسمي الجنون خبطة،
فالتخبط بالرِجلِ والمسُ باليد))(٢).
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٠٨/١.
(٢) مفاتيح الغيب ٧/ ٧٤.
وسائل الحفظ من الشيطان
أشار القرآن الكريم إلى مجموعة من
الوسائل التي إن فعلها العبد حُفِظَ من
الشيطان بإذن الله تعالى، وسنبين هذه
الوسائل فيما يأتي:
أولًا: اللجوء إلى الله بالاستعاذة
والدعاء:
إن من حكمة الله عز وجل دائمًا ألا يبين
لنا الداء إلا ومعه الدواء، حتى تقوم الحجة
على العباد، فلا یأتیه آت يوم التناد فيقول: ما
أتانا من نذير.
وقد بين سبحانه وتعالى في كتابه العزيز
طرق النجاة من الشيطان، فالله عز وجل لا
يؤخر لنا بيان الوسيلة للنجاة من وساوس
الشيطان، ومن أهم هذه الوسائل للوقاية
من الشيطان ووسوسته اللجوء إلى الله عز
وجل بالاستعاذة والدعاء بأن يحصنه من
هذا الخطر العظيم.
والاستعاذة هي اللجوء والاستجارة بالله
عز وجل، كما قال الطبري: ((أستجيرُ بالله
دون غيره من سائر خلقه من الشيطان أن
يضرَني في ديني، أو يصدَني عن حق يلزمُني
لربي))(٣).
وقد ربط المولى عز وجل الاستعاذة
بالوسواس الخناس، فأينما وجد الإنسان
(٣) جامع البيان ١/ ١١١.
١٦٦
جَوَبُو
القرآن الكريمِ

الشيطان
وسوسته لجأ إلى الله عز وجل بذكره
والتحصن به، فالشيطان والرحمن لا
يجتمعان في نفس الإنسان، كما بينت ومقابلة سفيه، حينها استعذ بالله والتجئ
إليه، إنه سميع عليم يسمع استعاذتك،
ويعلم ما فيه صلاح أمرك(٢).
ذلك سورة الناس التي تسمى هي والفلق
بالمعوذتين.
وقد جاءت ((مشتملة على الاستعاذة
برب الناس ومالكهم وإلههم، من الشيطان
الذي هو أصل الشرور كلها ومادتها، الذي
من فتنته وشره أنه يوسوس في صدور
الناس، فيحسن لهم الشر، ويريهم إياه في
صورة حسنة، وينشِط إرادتهم لفعله، ويقبح
لهم الخير ويشِطهم عنه، ويريهم إياه في
صورة غير صورته، وهو دائمًا بهذه الحال
یوسوس ویخنس، أي: يتأخر إذا ذكر العبد
ربه و استعان على دفعه، فينبغي له أن یستعین
ويستعيذ ويعتصم بربوبية الله للناس
كلهم))(١).
وقد جاء الأمر بالاستعاذة واللجوء إلى
الله عز وجل كلما نزغ الشيطان الإنسان
بوسوسته.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ
الشَّيْطَنِ نَزْعٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾
[الأعراف: ٢٠٠].
وكذا في سورة فصلت: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ
مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ, هُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦].
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٣٧.
والمراد بالنزغ الوسوسة التي تحملك
على خلاف ما أمرت به گاعتِراء غضب،
فالاستعاذة عند تحريك النفس مشروعة،
كما قال صلى الله عليه وسلم: (إني لأعلم
کلمة لو قالها ذهب عنهما يجد، لو قال: أعوذ
بالله من الشيطان، ذهب عنه ما يجد)(٣).
وقال تعالى في موضع آخر: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ أَتَّقَوْ إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ
تَذَكَّرُ واْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
يقول السعدي: ((ولما كان العبد لا بد
أن يغفل وينال منه الشيطان، الذي لا يزال
مرابطًا ينتظر غرته وغفلته، ذكر تعالى علامة
المتقين من الغاوين، وأن المتقي إذا أحس
بذنب، ومسه طائف من الشيطان، فأذنب
بفعل محرم أو ترك واجب تذكر من أي
باب أُتِيَ، ومن أي مدخل دخل الشيطان
عليه، وتذكر ما أوجب الله عليه، وما عليه
من لوازم الإيمان، فأبصر واستغفر الله
تعالى، واستدرك ما فرط منه بالتوبة النصوح
والحسنات الكثيرة، فرد شيطانه خاسئًا
(٢) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٢٩٧/٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، ١٢٤/٤،
رقم ٣٢٨٢.
www. modoee.com
١٦٧

حرف الشین
حسیرًا، قد أفسد علیه کل ما أدر كه منه»(١).
فهذه الآيات جميعها جاءت بأسلوب
الشرط «إما -إذا» والذي يفيد وجوب وقوع
الجواب لوقوع الفعل، فمتى نزغ الشيطان
الإنسان ووسوس إلیه، يجب على الإنسان
أن يلجأ إلى الله عز وجل، ویتحصن به؛
لتزول تلك الوساوس.
وجاءت آيات الذكر الحكيم لترشدنا إلى
الاستمرار في اللجوء إلى الله عز وجل كلما
أحس بالنزغ.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِ اٌلْفَلَقِ ﴾
[الفلق: ١].
وقال أيضًا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾
[الناس: ١].
ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنّ أُعِيدُهَا
بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَيِنِ الرَّحِيمِ ﴾ [آل عمران:
٣٦].
فالمتأمل لهذه الآيات -التي جاءت على
صيغة المضارع- يجد أنها تفيد الاستمرارية
في حدوث الفعل، وهو الاستعاذة،
فالاستعاذة مطلوبة دومًا لطرد وساوس
الشيطان، ومن خلال تتبع الآيات نجد أن
الاستعاذة مشروعة في عدة مواطن منها:
١. عند تلاوة القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
(١) تيسير الكريم الرحمن ص٣١٣.
والاستعاذة قبل القراءة لنفي وساوس
الشيطان عند القراءة.
٢. عند الغضب.
قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ
نَزٌْ فَأَسْتَعِذْ بِلَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[الأعراف: ٢٠٠].
٣. الاستعاذة عند تكاثر الوساوس على
العبد.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا
مَسَّهُمْ طَيْفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم
مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
٤. عند ولادة المولود.
يقول تعالى على لسان مريم بنت عمران
رضي الله عنها: ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا
مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦].
ثانيًا: مقاومة أسلحة الشيطان:
إن الشيطان للإنسان عدو مبين، وقد بین
لنا المولى عز وجل عداوته في العديد من
الآيات القرآنية.
ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُذْعَدُوٌ
فَأَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ
السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
لذلك وجب على الإنسان أن يجد
ويجتهد في محاربته، والتصدي لأسلحته،
ومقاومتها، وذلك من خلال عدة أمور بينها
لنا القرآن الكريم، وهي:
١٦٨
الْقُرْآن الكَرِيمِ

الشيطان
١. ذکر الله عز وجل، والمداومة عليه.
فإذا أحس الإنسان في نفسه غفلة عن
ذكر الله، فالشیطان یوسوس لابن آدم، فإذا
ذكر الله عز وجل خنس وابتعد عنه. المبادرة
إلى التوبة، فإذا وقع الإنسان في معصية أو
ذنب تاب واستغفر، فهذا يغيظ الشيطان
ویهدم عمله.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً
أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ
لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ وَلَمْ
يُصِرُّواْ عَ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل
عمران: ١٣٥].
فالشيطان يحرص أن يوقع الإنسان في
المعصية، ومنها الكذب والإفك العظيم،
وقد بين الحق سبحانه أن الشيطان ينجذب
لهؤلاء الذين يتصفون بالإفك المبين والإثم
الكبير، وأصحاب المعاصي؛ فيصبح لهم
عونًا وسندًا.
يقول تعالى: ﴿هَلْ أُنْتُكُمْ عَلَ مَنْ تَنَزَّلُ
الشَّيَاطِينُ ) تَّلُ عَلَى كُلِّ أَقَّاكٍ أَشِمٍ ) يُلْقُونَ
السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢١ -
٢٢٣].
والأفاك: هو الكذاب صاحب الإثم،
والأثيم: الفاجر، يعني به: كهنة الكفار
يلقون بآذانهم إلى السمع من السماء لكلام
الملائكة، فيسمعون كلمة الحق فيزيدون
عليها مائة كذبة، ثم يلقونها إلى أوليائهم من
الإنس فيتحدثون بها، فیصدقهم الناس في
كل ما قالوه، بسبب صدقهم في تلك الكلمة
التي سمعت من السماء (١).
كما جاء في الحديث عن عائشة رضي
الله عنها قالت: (سأل أناس النبي صلی الله
عليه وسلم عن الكهان فقال: (إنهم ليسوا
بشيء)، فقالوا: يا رسول الله، فإنهم یحدثون
بالشيء يكون حقًا؟ فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: (تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِ يَخْطَفُهَا
(يَحْفَظُهَا) الْجِنِيءُ فَيْقَرْقِرُهَا فِي أَذْنِ وَلِهِ
كَقَرْقَرَةِ الدَجَاجَةِ (الزُّجَاجَةِ) فَيَخْلِطُونَ فِيهِ
أَكْثَرُ مِنْ مِائَةٍ گذْبَةٍ﴾(٢).
٢. المسارعة إلى فعل الخيرات، والأعمال
الصالحة، واجتناب المحرمات،
ومجاهدة النفس على ذلك.
فإذا جاهد الإنسان نفسه، واستعان بالله
على شيطانه، نصره الله عز وجل على
شيطانه، وحماه من وساوسه.
قال المولى عز وجل: ﴿وَأَلَّذِينَ جَهَدُواْ
فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ:
[العنكبوت: ٦٩].
٣. عدم مخالطة رفقاء السوء، ومجالس
المعصية.
(١) انظر: تفسير السمر قندي ٢/ ٥٧٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١٧٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب قراءة الفاجر والمنافق، ٦/ ٢٧٤٨، رقم
٧١٢٢.
www. modoee.com
١٦٩

حرف الشین
فمن الوسائل التي يلجأ إليها الشيطان
رفقاء السوء، فهو سلاح ذو أهمية عظيمة،
فالرفقاء لهم دور كبير في التأثير على
الإنسان، وهذا ما يصوره لنا الحق سبحانه
في مشهد واقع لا محالة، تدور أحداثه يوم
المحشر بين عبد بئيس وبين شيطان من
شياطين الإنس - إن كان هذا العبد إنسيًا - أو
الجن -إن كان هذا العبد جنيًا -.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدِيْهِ
يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
يَنْوَيِلَّ لَيْتَفِى لَوْ أَشَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴿ لَقَدْ أَضَلَِّى
عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْجَآءَ فِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ
للإِنسَنِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧-٢٩].
وهذه الآيات نزلت في عقبة بن أبي
مُعَيْط، وفلانًا الذي أضله عن الذكر هو («أمية
ابن خلف أو أخوه أبي بن خلف)»(١).
وبناء على ذلك فكل ظالم أطاع خليله في
الکفر حتى مات علی ذلك یجري له مثل ما
جری لابن أبي معيط، فهذا هو الدور لأخلاء
السوء الذين يصدون عن الطريق المستقيم،
بوسوسة من الشيطان، وفي النهاية يتخلى
عنه وتكون نهايته الخذلان، كما بين لنا
القرآن الكريم في العديد من المواضع.
قال تعالى: ﴿وَإِخْوَنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ
ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢].
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٢٦٢، أنوار
التنزيل، البيضاوي ٤/ ١٢٢، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ٢٥/١٣.
وقال أيضًا: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرْنَاءَ فَزَيَّنُواْ
لَهُم مَّا بَيْنَ أَبْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ
فِىَ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ
إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٥].
وبعد استعراض الآيات التي تبين خطر
رفيق السوء يجدر بنا التنبيه على هذا السلاح
في زمن تتكاثر فيه الفتن، وينتشر أعداء
الله في كل مكان، محاولين جذب الشاب
المؤمن؛ ليخرجوا به عن جادة الطريق، في
مقابل ضعف المؤمنين وتشتت قواهم،
لذلك وجب علينا أن نتخير لأبنائنا الرفيق
الحسن.
٤. ملازمة جماعة المؤمنين.
فإذا كان المسلم مع الجماعة المسلمة،
كان أبعد من الشيطان، فإذا انفرد برأي أو
موقف، كان فريسة لوساوس الشيطان.
كما جاء عن ابن عمر قال: خطبنا عمر
بالجابية فقال: يا أيها الناس، إني قمت
فیکم کمقام رسول الله صلى الله عليه
وسلم فينا فقال: (أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي، ثُمَ
الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو
الكَذِبُ حَتَى يَحْلِفَ الرَجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ،
وَيَشْهَدَ الشَاهِدُ وَلَّا يُسْتَشْهَدُ، أَلَا لَا يَخْلُوَنَ
رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَيْطَانُ، عَلَيْكُمْ
بِالجَمَاعَةِ وَإِيَاكُمْ وَالفُرْقَةَ، فَإِنَ الشَيْطَانَ
مَعَ الوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الِثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ
بُخْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَّاعَةَ، مَنْ سَرَّتْهُ
١٧٠
القرآن الكريم

الشيطان
حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَبِثَتُهُ فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ)(١).
فسلاح الرفقة المؤمنة، واجتناب قرناء
السوء، من أهم الأسلحة کي يكون المسلم
حمّى لأهل الإيمان من براثن الأشرار،
فالمرء بإخوانه پتقوى، وإنما يأكل الذئب
من الغنم القاصية، فنوصي هنا كل عبد مؤمن
بالله، كافر بالشيطان أن لا ينأى بنفسه عن
إخوانه، فیسیح في طرائق إخوان الشياطين،
بل عليه أن يعتصب ويعتصم بهم، فالوحدة
قوة والتفرق ضعف.
ثالثًا: اتباع هدايات القرآن:
لقد أرشدنا القرآن الكريم إلى ما فيه
سعادة الإنسان في الدنيا، ونجاته في الآخرة،
والفوز بالجنة، والنجاة من النار.
فقد بين سبحانه وتعالى في كتابه العزيز
أن القرآن فيه هداية البشرية لما فيه الخير،
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يُّهْدِى لِلَّتِىِهِى
أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ
لَمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩].
فهذا القرآن يهدي عباد الله المهتدين
به إلى الطريق الصواب، وهو الإيمان بالله
عز وجل وتوحيده، فالقرآن نور من استضاء
بنوره، فخرج من جهله، وطرد وساوس
(١) أخرجه الترمذي، باب ما جاء في لزوم
الجماعة ٤ /٤٦٥، رقم ٢١٦٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٤٩٨/١، رقم ٢٥٤٦.
الشيطان من نفسه(٢)، فمن اتبع هدايات
القرآن فقد وصل إلى الطريق الأكثر استقامة
وسلامًا، ونعم بالأمن الإيماني، هذا في
الدنيا، ولو كان وحده لكان كافيًا، لكنه
تعالى يبشرنا بما هو أعظم منه، وهو النعيم
في الآخرة.
وقد جاء الوعد من الله عز وجل
بذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَتَّكُم مِّنِى
هُدَى فَمَن تَبِعَ هُدَاءَ فَلاَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨].
وقال أيضًا: ويقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ
صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ.
حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
وفي المقابل قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن
ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَعْمى
(٦) قَالَ رَبٍ لِمَ حَشَرْتَقِّ أَعْمَيِ
وَقَدْكُنْتُ بَصِيرًا ) قَالَ كَذَلِكَ أَنْتُكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا
﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].
وَكَذَلِك اليوم تنسى
قال الشعراوي: ((فكما أن الحق تبارك
وتعالى جمع لعباده الصالحين السائرين
على منهجه خيري الدنيا والآخرة، ففي
المقابل جمع لأعدائه المعرضين عن منهجه
عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، لا ظُلْمًا منه،
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٩٢/١٧،
الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب
٤١٥١/٦، لطائف الإشارات، القشيري
٣٣٨/٢.
www. modoee.com
١٧١

حرف الشین
فهو سبحانه مُتَزَه عن الظلم والجَوْر، بل الشَّيْطَنِ﴾ في العديد من الآيات التي تنهانا
عَذْلًا وقسطًا بما نَسُوا آيات الله وانصرفوا عن اتباع خطوات الشيطان.
عنها))(١).
فهذا بيان من الحق سبحانه لطريقين لا
ثالث لهما: إما طریق هدی الله، أو طريق
إبليس الذي أخرج أبوي البشر من الجنة
حیث لا شقاء ولا تعب ولا ضلال.
ویبین ابن كثير هذا الشقاء المذكور في
الآية فيقول: ((﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى)
أي: خالف أمري وما أنزلت على رسولي،
أُعرِضُ عنه وأتناساه، وله معيشةٌ ضنكٌ في
الدنیا؛ فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل
صدره ضیقٌ حرجٌ لضلاله، وإن تنعم ظاهره،
ولبس ما شاء، وأکل ما شاء، وسكن حیث
شاء، فإن قلبه ما يخلص إلى اليقين والهدى،
فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبه
يتردد، فهذا من ضنك المعيشة» (٢).
رابعًا: عدم اتباع خطوات الشيطان:
بعد أن بين لنا المولى عز وجل العداوة
الكائنة بين الشيطان وآدم وذريته، ووضح
لنا الوسائل والطرق التي ينتهجها الشيطان
في غواية بني آدم وذريته، والانتقام منهم،
نهانا بعد ذلك عن اتباع خطوات الشيطان
ومکائده التي توقع العباد في حباله.
وقد جاء هذا التعبير القرآني ﴿خُطُوَتِ
(١) تفسير الشعراوي ١٤/ ٨٣٩١.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٣٢٢/٥.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّبِعُواْ
خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ وَمَنْ يَتَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإنَّهُ.
يَأْمُرُ بِلْفَحْشَآِ وَالْمُنكَرِ﴾ [النور: ٢١].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِى
الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَتَِّعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنَّ
إِنَّهُلَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨].
وقد تحدث أهل التفسير في معنى هذا
التعبير القرآني، منهم الألوسي في تفسيره
حيث قال: ((﴿وَلَا تَتَّعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِ﴾
أي: آثاره كما حكي عن الخليل - أو أعماله-
کما روي عن ابن عباس رضي الله عنه- أو
خطاياه- كما نقل عن مجاهد- وحاصل
المعنى: لا تعتقدوا به وتستنوا بسنته،
فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام» (٣).
وأما ابن عاشور فقد بين معنى خطوات
الشيطان بقوله: ((واتباع الخطوات استعارة
تمثيلية، أصلها أن السائر إذا رأى آثار
خطوات السائرين تبع ذلك المسلك علمًا
منه بأنه ما سار فیه السائر قبله إلا لأنه موصل
للمطلوب، فشبه المقتدي الذي لا دليل له
سوی المقتدى به وهو یظن مسلکه موصلًا،
بالذي يتبع خطوات السائرين» (٤).
وفصل القول في معنى اتباع الخطوات،
(٣) روح المعاني ٤٣٦/١.
(٤) التحرير والتنوير ١٠٣/٢.
١٧٢
القرآن الكريم

الشيطان
وخلاصته: أن إتباع الخطوات يكون
بالاقتداء، والاقتداء بالشیطان یکون بإرسال
النفس على العمل بما یوسوسه لها من
الخواطر الشريرة(١).
إذن وبناء على ما سبق فالذي ينقاد
لوساوس الشيطان وغوايته، والمنجرف في
دروبه وأهوائه هو متبع له، كما أن خطوات
الشيطان سلسلة مترابطة متداخلة، تبدأ
بالوسوسة، فالتسويل، والتزيين بالتحسين
تارة والتخويف تارة أخرى، ثم تتوالى
الخطوات حتى يحصل الزلل، فيقع الإنسان
في المعصية والعياذ بالله.
ومن خلال تتبع آيات الذكر الحكيم التي
تنھی عن اتباع خطوات الشيطان، یمکننا
استنباط الخطوات التي من يسلكها يكون
قد سلك طريق الشيطان واتبع خطواته:
١. أكل الحرام.
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِ
قال تعالى:
الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَشَّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِّ
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨].
((كأنه قيل لمن أبيح له الأكل على
الوصف المذكور: احذر أن تتعداه إلى ما
يدعوك إليه الشيطان، وزجر المكلف بهذا
الكلام عن تخطي الحلال إلى الشبه، كما
زجره عن تخطيه إلى الحرام؛ لأن الشيطان
إنما يلقي إلى المرء ما يجري مجرى الشبهة،
(١) انظر: المصدر السابق.
فيزين بذلك ما لا يحل له، فزجر الله تعالى
عن ذلك، ثم بین العلة في هذا التحذير، وهو
كونه عدوًا مبينًا أي: متظاهر بالعداوة))(٢).
وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَمِنَ
اُلْأَنْعَمِ حَمُولَةٌ وَفَرْشَأَ كُلُواْ مِمَا رَزَقَّكُمُ
اللَّهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ
[الأنعام: ١٤٢].
مَّبِينَ
٢. البخل والإسراف والرياء في الإنفاق.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِنَ كَانُواْ إِخْوَنَ
الشَّيَطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا﴾
[الإسراء: ٢٧].
﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ
وقال تعالى:
أَمْوَلَهُمْ رِئَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا
بِالْيَوْمِ الْآَخِرُّ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُه قَرِينًا فَسَآءُ
قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨].
٣. الدعوة إلى الارتداد عن الدين والكفر
بالله عز وجل.
قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْقَالَ لِلْإِنسَنِ
أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّ بَرِىٌّ مِّنْكَ إِّ
أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦].
فالكفر قد يصل إليه الإنسان وهو في
غفلة من أمره، وقال تعالى في بيان خطوات
الشيطان التي يزينها ليصل إلى مبتغاه:
﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِِ مِن دُونِ اللَّهِ
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٤].
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٨٦/٥.
www. modoee.com
١٧٣

حرف الشین
فعبادة الشمس من أصناف الكفر التي يخاصم ويتكلم في دين الله بلا حجة ولا
يزين لها الشيطان(١).
وقال أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُواْ عَلَى
أَدْبَرِهِ مِنْ بَعْدِ مَا نَبِيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىِّ الشَّيْطَانُ
سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَ لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥].
فالشيطان يمليهم ويقول لهم: في
آجالکم فسحة، فتمتعوا بریاستكم، ثم في
آخر الأمر تؤمنون (٢).
٤. التحاكم إلى غير شرع الله عز وجل.
قال تعالى: ﴿أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ
أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ
يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوّا
أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ
صَلَلَا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠].
فكل من حكم بغير شرع الله فهو
طاغوت (٣)، وكل من تحاكم للطاغوت فقد
سار في خطوات الشيطان.
٥. الخوض والحديث والجدال في آيات
الله من غير بصيرة ولا هدی.
قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُحَدِلُ فِ اُللَّهِ
يِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانِ ◌َّرِيدٍ﴾ [الحج:
٣].
فالمقصود أن هناك صنفًا من الناس
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٢٨١/٦.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨ / ٥٦.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
١٨٤، تفسير المراغي ٥/ ٧٥.
علم، -قيل: نزلت في النضر بن الحارث،
وأصحابه- فيعمل بما يوسوس ويسول
له الشيطان، ويجوز أن يكون المقصود
شياطين الإنس، وهم رؤساء الكفار الذين
يدعون من دونهم إلى الكفر، بوسوسة من
إبليس لعنه الله، وقد يكون المراد إبليس
وجنوده، وسمي بالمريد؛ لأنه تجرد من
الخير للشر (٤).
فكل ما ورد يعدُ من خطوات الشيطان
التي حذرنا ونهانا الله عز وجل من اتباعها،
وبيّن لنا عاقبة السير وراء خطوات الشيطان
في كل ما يوسوس به.
(٤) انظر: تفسير السمر قندي ٤٤٩/٢، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٤ /١٠٧، مفاتيح الغيب،
الرازي ٢٣/ ٢٠٢.
١٧٤
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الشيطان
عاقبة الشيطان في الدنيا والآخرة
لقد خصَ الله تعالى إبليس أبا الشياطين
بعقوبة دنيوية تختلف عن بقية الشياطين، إذ
هو أصل كل شر ومبدؤه، فقد ضرب الله
عليه اللعنة والغضب مُذْ رفض السجود لما
خلق الله بيديه استكبارًا، إلى أن يلقى الله
يوم القيامة مدحورًا فيدخل النار خالدًا فيها.
وهذا ما وضحته كثير من الآيات القرآنية
في سياق الحديث عن إبليس وآدم.
فكانت عقوبته في الدنيا اللعن والطرد
من الجنة، وقيل: من المنزلة التي كان فيها
في الملأ الأعلى (١).
وقد اتضح ذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ
فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ
اُللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٤-٣٥].
((قيل: إن أهل السموات يلعنون إبليس
كما يلعنه أهل الأرض، فهو ملعون في
السموات والأرض، فإن قلت: إن حرف
((إلى)) لانتهاء الغاية فهل ينقطع اللعن عنه
يوم الدين الذي هو يوم القيامة؟ قلت: لا
بل يزداد عذابًا إلى اللعنة التي عليه، كأنه قال
تعالى: وإن عليك اللعنة فقط إلى يوم الدين،
ثم تزداد معها بعد ذلك عذابًا دائمًا مستمرًا
لا انقطاع له»(٢).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧/ ١٠٢، تفسير
القرآن العظیم، ابن کثیر ٤ / ٥٣٤.
(٢) لباب التأويل، الخازن ٥٦/٣.
وهناك العديد من الآيات التي تثبت
اللعنة على إبليس لعنه الله.
أما بقية شياطين الجن والإنس ومن
تبعهم في الدنيا، فقد توعدهم الله بعواقب
تصيبهم جرَاء ◌ُرمهم، مع أن باب التوبة
مفتوحٌ لهم أجمعين إلى أن تخرج أرواحهم
من أجسادهم، ومن تلك العواقب، الشقاء
وخسران الدنيا، أما الخسران الذي يجنيه
الشيطان وأتباعه فيقرره تعالى في غير آية.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ
وَلِيَا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا
مُّبِينًا﴾ [النساء: ١١٩].
ويقول أيضًا: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ
فَأَنَسَنُهُمْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَيْكَ حِزَّبُ الشَّيْطِنِّ أَلَّ إِنَّ حِزْبَ
الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩].
ويفسر البغوي هذا الخسران في الدنيا
بأنه الذل حيث يقول: «أي: هم في جملة من
يلحقهم الذل في الدنيا والآخرة)»(٣).
أما جزاؤه في الآخرة فالخلود في النار
وبئس المصير.
يقول تعالى مخاطبًا إبليس: ﴿قَالَ آَخْرُجْ
مِنْهَا مَذْهُومَا مَّدْحُورًاً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ
مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨].
((فهذا قسم من الله جل ثناؤه أقسم أنه
من اتبع من بني آدم عدو الله إبليس وأطاعه
وصدقه ظنه عليه، أن يملأ من جميعهم
(٣) معالم التنزيل، البغوي ٥/ ٥٠.
www. modoee.com
١٧٥

حرف الشین
يعني: من کفرة بني آدم تُبَّاع إبليس، ومن
إیلیس و ذریته جهنم)»(١).
وقد ورد هذا التحذير الرباني في غير
موضع في كتابه تعالى، فمن ذلك: ﴿ وَإِنَّ
جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُ هُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣].
وقد نفَر القرآن من اتباع الشيطان مبينًا أن
هذا الاتباع إنما يقود إلى خاتمة بئيسة.
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُواْمَآ أَنْزَلَ
اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ مَابَآءَنَاْ أَوَلَوْ
كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾
[لقمان: ٢١].
موضوعات ذات صلة:
آدم عليه السلام، الاتباع، الاستكبار،
الإنسان، الجن
ويصور لنا الحق سبحانه مشهد دخول
إبليس وأوليائه في جهنم، وندمهم إذ لا ينفع
الندم.
يقول سبحانه وتعالى: ﴿قَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ
وَالْغَاوُونَ ﴿ وَحُدُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٥) قَالُواْ وَهُمْ
(٢) تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِىِ ضَلَلِ مُّبِينٍ
فِيهَا يُخْتَصِمُونَ
٢ إِذْ تُّوِّيِكُمْ بِرَبِ الْعَلَمِينَ ﴿ وَمَا أَصَلَّنَا إِلَّا
اَلْمُجْرِمُونَ فَمَالَنَا مِن شَفِعِينَ { وَلَ صَدِيقٍ حَيم
١٢ قَوْ أَنَّلَنَا كَرَّةٌ فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:
٩٤ - ١٠٢].
أي: طُرحوا في جهنم بعضهم على
بعض، والغاوون: هم الآلهة والعابدون،
وجنود إبليس: كل من كان من أتباعه من
ذريته كان أو من ذرية آدم (٢).
(١) جامع البيان، الطبري ٣٤٥/١٢.
(٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٢٨/٣.
١٧٦
مَشَارَةُ التَّقِين
القرآن الكريم