النص المفهرس
صفحات 21-40
الشهادة كَاتِبُّ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ، وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ آلْحَقُّ سَفِيهَا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِّ وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَنْ تَضِلّ إِحْدَمُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرِىُّ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلَا تَسْتَمُواْ أَنْ تَكْثُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِّهِ، ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّا تَرْتَابُواْ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةً تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَاً وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُرَّ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ. فُسُوقٌأُبِكُمْ وَأَتَّقُوا اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (٥)﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ذكرت الآية الدعوة إلى الإشهاد على الدين، لحفظ الحقوق ومنع الخلاف، ويجب على الشاهد قبل تحمل الشهادة، أن يعاين المشهود عليه حتى تكون شهادته في موطنها وعلى وجهها، ويلزم أن يكون آخذ الدين حاضرًا حتى يعرف الشاهد أنه قد أخذ الدين وأقر به، لأن آخذ القرض هو الذي يتحمله ويلزمه رده. وابتدأ الله تعالى بذكر الإيمان فقال: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وهذا يعني أن مخالفة هذه الأحكام نقص في الإيمان، كأنه قال: لكمال إيمانكم افعلوا هذا؛ فإن لم تفعلوا فإيمانكم ناقص. في الآية جواز الدين شرعًا. قال تعالی: ﴿تَدَایَنتُم بِدینٍ﴾سواء كان هذا الدين ثمن مبیع، أو قرضًا، أو أجرة، أو صداقًا، أو عوض خلع، أو أي دین یکون. وينقسم الدين إلى ثلاثة أقسام(١): القسم الأول: مؤجل بأجل مسمى، قال تعالى: ﴿يَدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَنَّىَ﴾. القسم الثاني: مؤجل بأجل مجهول. الدين إلى أجل غير مسمى لا يصح؛ وأخذ هذا القسم من قوله تعالى: ﴿ُسَنَّى﴾ مثل أن أقول لك: اشتريت منك هذه السلعة إلى قدوم زيد، وقدومه مجهول؛ لأن فيه غررًا؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أسلف في شيءٍ ففي كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلوم، إلى أجلٍ معلومٍ) (٢). والدين إلى أجل غير مسمى لا يكتب؛ لأنه عقد فاسد، والدين إلى أجل مسمى جائز بنص الآية(٣). القسم الثالث: غير مؤجل. (١) انظر: الفقه على المذاهب الأربعة، الجزيري ١/ ٥٤٧. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب السلم، باب السلم في وزن معلوم، رقم ٢١٢٥، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب السلم، رقم ١٦٠٤. (٣) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين ٣٢٣/٥. www. modoee.com ٥٩ حرف الشین الدين إلى غير أجل جائز شرعًا، مثاله: أن من طلبت منه؛ وإلا لم تجب(٣). أشتري منك هذه السلعة، ولا أعطيك ثمنها، ولا أعينه لك؛ فهذا دين غير مؤجل؛ وفي هذه الحال لك أن تطالبني بمجرد ما ينتهي العقد. وذهب الجمهور إلى عدم وجوب كتابة الدين غير المؤجل؛ لقوله تعالى في الآية التي تليها: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضَا فَلْيُؤَدِ الَّذِى أُؤْتُّمِنَ أَمَنَتَهُ﴾، وينبغي على هذا القول أن يستثنى من ذلك ما إذا كان الدائن متصرفًا لغيره کولي اليتيم، فإنه يجب عليه أن یکتب الدين الذي له لئلا يضيع حقه (١). وأما الكاتب فيجب عليه أن يكتب بالعدل ﴿وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ﴾ بحیث لا یجحف مع الدائن، ولا مع المدین. ومن صفات الشاهد أن يكون عدلًا، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ ﴾ [الطلاق: ٢](٢). ولا يجوز للكاتب الامتناع أو المماطلة عن الكتابة وأن يكتب كما علمه الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾؛ ولهذا أكد هذا النهي بالأمر بالكتابة في قوله تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ ﴾ وهذا ظاهر الآية، ويحتمل أن يقال: إن توقف ثبوت الحق على الكتابة كانت الكتابة واجبة على (١) انظر: الفقه على المذاهب الأربعة، الجزيري ١/ ٥٤٧. (٢) انظر: معين الحكام، الطرابلسي ص ١٢٥. جوبيه القرآن الكريم وأما إن كان الذي له الحق سفيها أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل يقوم الولي في الإملال؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْلَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ويستحب توثيق الدين حتى لا تكون عرضة للضياع، لكثرة النسيان، ووقوع المغالطات، والاحتراز من الخونة الذين لا يخشون الله تعالی. ویکون بإحدى هذه الطرق الثلاثة: الكتابة، والإشهاد، والرهن، إنما هو على سبيل الاستحباب والأفضل، وليس ذلك بواجب، وذهب بعض العلماء إلى وجوب كتابة الدين، ولكن أكثر العلماء على الاستحباب، وهو الراجح (٤). والشهادة على الدين تتحقق بشاهدين مسلمين من الرجال، فلا تصح هنا شهادة غير المسلمين ولا شهادة الصبيان، وكذلك لا تصح شهادة العبيد عند أكثر الفقهاء(٥)، وتکون برجلين مرضیین عند المشهود له، والمشهود عليه؛ أو رجل، وامرأتان؛ والمرأة يغلب عليها العاطفة، فربما تضل وتحيد عن الشهادة فتقوم الأخرى فتذكرها، قال تعالى: (٣) انظر: أدب القاضي، الماوردي ٩٨/٢. (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٨٣/٣. (٥) انظر: كشف الأسرار، علاء الدين البخاري ٣/ ٥٢، معين الحكام، الطرابلسي ص ١٢٥. ٦٠ الشهادة ﴿أَنْ تَضِلَ إِحْدَنُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الأخرى ﴾فلا یرد علی ذلك من نبوغ بعض النساء، وغفلة بعض الرجال. ولا يجوز للشهود الامتناع إذا دعوا للشهادة، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَدَةٌ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ: ءَائِمٌ قَلْبُدُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. حكم التوثيق بالشهادة: جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة: وهو أن الإشهاد على الدين مندوب إليه وليس بواجب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضَا فَلْيُوَوِّ الَّذِى أُؤْ تُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾. قال الكيا الهراسي: ((ومعلوم أن هذا الأمن لا يقع إلا بحسب الظن والتوهم لا على وجه الحقيقة، وذلك يدل على أن الشهادة إنما أمر بها لطمأنينة قلبه لا لحق الشرع، فإنها لو كانت لحق الشرع لما قال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ ولا ثقة بأمن العباد، إنما الاعتماد على ما يراه الشرع مصلحة، والله تعالى جعل توثيق الديون طرقًا منها: الكتاب، والرهن، والإشهاد، ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الوجوب، فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد»(١). (١) أحكام القرآن، الكيا الهراسي ٢٣٨/١. وانظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٢٦٢/١، أحكام القرآن، الجصاص ١/ ٤٨٢. فإذا لم تكتب الدين ولم تشهد عليه ولم تأخذ رهنًا فلا تأثم بذلك، والآية نفسها تدل على هذا ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضَا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى أَوْتُّمِنَ أَمَنَتَهُ، وَلِيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ والائتمان يكون بعدم توثيق الدين بالكتابة أو الشهود أو الرهن، ولكن في هذه الحال يحتاج إلى التقوى والخوف من الله، ولهذا أمر الله في هذه الحال من عليه الحق أن يتقي الله ويؤدي أمانته ﴿فَلْيُوَةٌ أَلَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ, وَلْيَتَّقِ (٢) اللَّهَ رَبَّهُ﴾(٢). ثالثًا : الإشهاد على دفع مال اليتيم: اتفق العلماء على الإشهاد على اليتيم إذا بلغ ورشد واراد الولي دفع المال اليه، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَيْثَلُواْلْيَنَى حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَا فَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَأَدْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَّ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبُرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌْ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلٌ بِلْمَعْرُوفِ، فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَتْهِمْ أَمْوَمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ ﴾ [النساء: ٦]. حَسِيبًا. الآية الكريمة تدفع بالأولیاء، وتھیب بهم أن يلتزموا جانب الحيطة، والتدبير لأنفسهم بالإشهاد وإطلاع الغير على عملية تسليم المال إلى ذوي العلاقة، فرارًا مما قد يقع فيه من محذور الاتهام نتيجة إحسانه وأتعابه علیهم. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٦٨. www. modoee.com ٦١ حرف الشین قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَتْهِمْ أَمْوَمْ يقوم من يتولى أمر اليتيم بالإشهاد عند دفع فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى ◌ِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾. والآية أمرٌ من الله تعالى لمن يتولى أمر الأيتام، يقتضي الإشهاد عند دفع المال إلى اليتيم الذي علم منه البلوغ والرشد، ويكون الإشهاد بأنهم قبضوها وتسلموها ممن تولی أمرهم، دفعًا للتهمة، وابتعادًا عن الخصومة (١). و اختلف الفقهاء في حکم الإشهاد، هل هو واجب أم مستحب: فالمالكية قالوا: الإشهاد واجب عند الدفع للأيتام (٢). وأما الحنفية (٣)، والحنابلة (٤)، قالوا: إن الإشهاد على دفع المال إلى اليتيم مستحب، إذا لم يكن الولي أبًا أو جدًا، فإذا كان كذلك فلا حاجة للإشهاد. تتولى المحاكم الشرعية توثيق وتسجيل أملاك المحجور علیھم من أیتام وغيرهم، وهذا في حالة كون من يتولى أمرهم وصيًا أو قاضيًا. فالأولى والأفضل في هذه الحالة أن إلى اليتيم بعدما بلغ؛ لتزول عنه التهمة (١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١/ ٢٩٢، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٤٦/٢. (٢) انظر: أسهل المدارك، الكشناوي ٣/٢. (٣) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١/ ٢٩٢، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٤٦/٢. (٤) انظر: كشاف القناع، البهوتي ٤٤٣/٣. المال، وأن يقوم تسجيل ذلك لدى المحكمة المختصة، ابتعادًا عن الخصومة والمنازعة، وتبرئة لساحته. والملاحظ أن فاصلة الآية الكريمة بأمر بضرورة الإشهاد على عملية تسليم أموال اليتامى من قبل الأولياء، أو الأوصياء بقوله تعالى: ﴿وَكَفَى ◌ِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾. بمعنى: رقيبًا على أعمالكم ليحافظ كل فرد على ما هو مقرر في حقه، فكما كان التشريع يقف في جانب اليتيم يحذر الآخرين مغبة التجاوز عليه، ويشوقهم إلى مساعدته، والأخذ بيده، كذلك حذره من التطاول على من رعاه، وكفى به حسيبًا، ورقيبًا في كل صغيرة، وكبيرة، وهو المطلع على السرائر، ولا تخفى عليه خافية سواء وجرى العرف والقانون في أيامنا أن من جانب الأولياء، أو بعد ذلك مما قد يتعقب عملية تسليم الأموال من اتهامات یوجهها الیتامی لأوليائهم. قال البغوي: ((هذا أمر إرشاد، ليس بواجب، أمر الولي بالإشهاد على دفع المال وتنقطع الخصومة، وكفى بالله حسیبًا محاسبًا ومجازیًا وشاهدًا»(٥). وقال الجصاص: ((وفي هذه الآية دلالة على وجوب تسليم أموال اليتامى بعد البلوغ (٥) معالم التنزيل ١٦٩/٢. جوية القرآن الكريمِ ٦٢ الشهادة وإيناس الرشد إليهم وإن لم يطالبوا بأدائها؛ الجارية باستكمال سبع عشرة، وبلوغ الغلام لأن الأمر بدفعها مطلق متوعد على تركه غير مشروط فيه مطالبة الأيتام بأدائها، ويدل على أن من له عند غيره مال، فأراد دفعه إليه أنه مندوب على الإشهاد عليه، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾))(١). وزوال الحجر عن الصغير وجواز دفع المال إليه بشيئين: بالبلوغ والرشد، فالبلوغ یکون بأحد أشیاء أربعة، اثنان يشترك فيهما الرجال والنساء، واثنان تختصان بالنساء، فما يشترك فيه الرجال والنساء أحدهما السن، والثاني الاحتلام، أما السن فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة حكم بیلوغه غلامًا كان أو جاریة، فعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: عرضت علی رسول الله صلی الله عليه وسلم عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني، ثم عرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني، قال نافع: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز، فقال: هذا فرق بين المقاتلة والذرية، و کتب أن يفرض لابن خمس عشرة سنة في المقاتلة، ومن لم يبلغها في الذرية. وهذا قول أكثر أهل العلم(٢). وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: بلوغ (١) أحكام القرآن ٢/ ٦٤. (٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١٦٥/٢. باستكمال ثمانى عشرة سنة. وأما الاحتلام فتعني به نزول المني سواء كان بالاحتلام أو بالجماع، أو غيرهما، فإذا وجدت ذلك بعد استكمال تسع سنين من أيهما کان حکم ببلوغه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُمَّ فَلْيَسْتَنْذِئُواْ كَمَا أُسْتَخْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٩]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ في الجزیة حین بعثه إلى اليمن: (خذمن كل حالم دينارًا)(٣). وأما الإنبات، وهو نبات الشعر الخشن حول الفرج (٤) فهو بلوغ في أولاد المشركين، لما روي عن عطية القرظي قال: كنت من سبي قريظة، فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فکنت ممن لم ینبت(٥). رابعًا: الإشهاد على الوصية: الوصية: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، سواء أكان المملك عينًا أم منفعة (٦). (٣) انظر: لباب التأويل، الخازن، ٤ /٤٨٠، معالم التنزيل البغوي ١٦٦/٢. (٤) انظر: تحفة الإخوان، الشيخ عبد العزيز بن باز ص١٦٠. (٥) أخرجه أبو داود في سننه، کتاب الحدود، باب في الغلام يصيب الحد، رقم ٤٤٠٤. (٦) انظر: الدر المختار، ابن عابدين ٤٥٧/٥، حاشية الصاوي ٥٧٩/٤، مغني المحتاج، www. modoee.com ٦٣ حرف الشین قال الخطيب الشربيني: ((الإيصاء يعم الوصية والوصاية لغةً، والتفرقة بينهما من اصطلاح الفقهاء، وهي تخصيص الوصية بالتبرع المضاف لما بعد الموت، والوصاية بالعهد إلى من يقوم على من بعده))(١). والإسلام وجهة طرق الوصية التي كانت عند العرب في الجاهلية للتفاخر والمباهاة، ويتركون أقاربهم في الفقر والحاجة، فألزم أصحاب الأموال قبل تشريع الميراث بالوصية للوالدين والأقربين، فكانت الوصية في مبدأ الأمر واجبة بكل المال للوالدين والأقربين بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَّرَكَ خَيْرًا أَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ [البقرة: ١٨٠]. ١٨٠) قال السايس: ((نسخت هذه الآية بالحديث المستفيض، وهو قوله: (ألا لا وصية لوارث) ولا ناسخ إلا السنة))(٢). وقيل: إنها محكمة ولم يدخلها لا نسخ ولا تخصيص، وقال به أبو مسلم الأصفهاني ومحمد رشيد رضا (٣). والراجح أنه لما نزلت آيات سورة النساء بتشريع المواريث تفصيلًا، أصبحت الوصية في الأقربين مقيدة بقیدین: الشربيني ٣٨/٣. (١) مغني المحتاج، الشربيني ٣٩/٣. (٢) تفسير آيات الأحكام، السايس ١/ ٤١. (٣) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ١١٠/٢. الأول: عدم كون الوصية للوارث إلا بإجازة الورثة، لقوله صلى الله عليه وسلم في خطبة عام حجة الوداع: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)(٤). وصارت الوصية مندوبة لغير الوارثين. الثاني: تحديد مقدارها بالثلث؛ لقوله صلی الله علیه وسلم لسعد بن أبي وقاص الذي أراد الإيصاء بثلثي ماله أو بشطره، إذ لا يرثه إلا ابنة له. فقال: (الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس)(٥). أما الزائد عن الثلث فهو من حق الورثة، لا ينفذ تصرف الموصى له إلا بموافقتهم ورضاهم (٦). وذكر الله تعالى الوصية في آيات المواريث وقدمها على الدين؛ حتى لا يتهاون الناس في الوصية، مع أن الدين مقدم على الوصية في النفاذ، لقول علي رضي الله عنه: إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْدَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]. (٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الوصايا، باب لا وصية لوارث ٤٣٣/٤، رقم ٢١٢٠. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في الإرواء، ٦/ ٨٧، رقم ١٦٥٥. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ٦٨/٥، رقم ٣٩٣٦. (٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٦٣/٢، مناهل العرفان، الزرقاني ١٨٤/٢. جَوَسُوع القرآن الكريمِ ٦٤ الشهادة والنبي صلى الله عليه وسلم قضى أن بالكتابة مثل الأخرس أو معتقل اللسان، فلا الدين قبل الوصية (١). والأفضل أن يجعل وصيته لأقاربه الذي لا يرثون إذا كانوا فقراء، باتفاق أهل العلم، لقوله تعالى: ﴿ وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]. وقوله تعالى: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى اَلْقُرْبَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. فبدأ بهم. ولقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦] فسر بالوصية. قال الطبري: ((كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، وعاقد أبو بكر رضي الله عنه مولّی فورثه. فأنزل الله: ﴿وَأُوْلُواْ اْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، يقول: إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصیةً، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت. وذلك هو المعروف»(٢). واشترط الشافعية: لإثبات الوصية الكتابة مع الشهادة، هو أن يطلع الموصي الشهود على ما في الكتابة، فإن لم يطلعهم على ما في کتابه، لم تنعقد وصيته(٣). وإذا كان العاجز عن النطق عالمًا (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الوصايا، باب ما جاء يبدأ بالدّين قبل الوصية، ٤٣٥/٤ رقم ٢١٢٢. وحسنه الألباني في الإرواء، ١٠٧/٦، رقم ١٦٦٧. (٢) جامع البيان، الطبري ٨/ ٢٧٥. (٣) انظر: مغني المحتاج، الشربيني ٣٩/٣. تنعقد وصيته إلا بالكتابة؛ لأن دلالتها على المقصود أدق وأحكم(٤). وتنعقد الوصية عند المالكية بالإشارة المفهمة حتى لو كان قادرًا على النطق (٥). فمن كتب وصية، ولم يشهد عليها، حكم بها ما لم يعلم رجوعه عنها، فتثبت الوصية ويقبل ما فيها بالخط الثابت أنه خط الموصي، بإقرار ورثته، أو ببينة تعرف خطه تشهد أنه خطه، وإن طال الزمن أو تغير حال الموصي، أو بأن عرف خطه وكان مشهور الخط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ما حق امرئ مسلم یبیت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده) (٦). ولم يذكر أمرًا زائدًا على الكتابة، فدل على الاكتفاء بها(٧). روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: کانوا یکتبون في صدور وصایاهم: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أوصى به فلان أنه یشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن (٤) انظر: الفتاوى الهندية، نظام الدين البلخي وآخرون ٢/ ٣٤٧، رد المحتار، ابن عابدين ٤٤٣/٣. (٥) انظر: الشرح الصغير، الصاوي ٤ /٦٠١. (٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الوصية، ١٢٤٩/٣، رقم ١٦٢٧. (٧) انظر: المغني، ابن قدامة ٦/٦٩. www. modoee.com ٦٥ حرف الشین الله يبعث من في القبور، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، أو صاهم بما أوصى به إبراهيم بنیه ويعقوب: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَضْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم تُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢](١) (٢). خامسًا: الإشهاد على الطلاق: وضع الإسلام الحلول للإشكالات التي تتعرض لها الأسرة المسلمة، ومن ذلك أباح فسخ عقد النكاح بتشريع الطلاق، فمن حكمة الله تعالى أن شرع الإذن للرجل بالانفراد بالطلاق دون المرأة، لما في ذلك من المصلحة الظاهرة، فلو لم يأذن الله بذلك لكان الطلاق باطلًا كله، إلا أن يرضى الطرفان ! كما هو في سائر العقود. وذهب جمهور أهل العلم إلى عدم اشتراط الإشهاد على الطلاق لوقوعه، بل وينقلون الإجماع على هذا كما فعل الشوكاني، وإن اختلفوا في استحبابه من عدمه. وقال الشوكاني: ((الإجماع على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق»(٣). (١) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ٤٣ /٢٨٢. (٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الوصايا، باب كيف تكتب الوصية، ٥٣/٩، رقم ١٦٣١٩. وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٦/ ٨٤. (٣) السيل الجرار، الشوكاني ص ٤٣٩. وقال القرطبي: ((قوله تعالى: ﴿وأشهدُوا ﴾ أمرنا بالإشهاد على الطلاق، وقيل: على الرجعة، والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق. ثم الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كقوله: ﴿وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، وعند الشافعي واجب في الرجعة)» (٤). وذهب آخرون منهم ابن عباس وعمران بن حصين وعطاء والضحاك والسدي وابن حزم ومن المعاصرين العلامة أحمد شاكر وغيرهم من العلماء إلى اشتراط وجوب الإشهاد في الطلاق (٥). وعمدة القائلين بهذا القول هو قول الله عز وجل في سورة الطلاق: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ وَأَحْصُواْ اَلْمِدَّةٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ◌ُِّنَةٍ وَتَلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَقْرًا ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشِْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُو وَأَقِيمُوْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِه مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨/ ١٥٧. (٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٥/٨، الدر المنثور، السيوطي ٢٣٢/٦، المحلى، ابن حزم ٢٥١/١٠، نظام الطلاق في الإسلام، أحمد شاکر ص ٨٠. جَوْسُو ◌َرَ النَّفْسِيْ القرآن الكريم ٦٦ الشهادة لَهُ مَخْرَمَا ﴾ [الطلاق ١- ٢] فقالوا: إن الأمر بالإشهاد في هذه الآية عائد على الطلاق والرجعة معًا، وقال غيرهم: بل هو عائد على الأمر بالرجعة، ومن ثم اختلفوا في دلالة هذا الأمر، فمن قائل: إنه للوجوب، أو للندب، أو للإرشاد(١). وقال القنوجي: ((﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدّلٍ مِنْكُمْ﴾: على الرجعة، وقيل: على الطلاق، وقيل: عليهما قطعًا للتنازع وحسمًا لمادة الخصومة، والأمر للندب كما في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]»(٢). ظاهر سياق الآيات أن الأمر عائد على الطلاق والرجعة معًا، بل إن السورة بأكملها باسم الطلاق، فهي بيان لأحكامه و مسائله، ومن الممكن أن یکون الأمر بالإشهاد عائد على الأمرين معًا. قال ابن عاشور: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ ظاهر وقوع هذا الأمر بعد ذكر الإمساك أو الفراق، أنه راجع إلى كليهما؛ لأن الإشهاد جعل تتمة للمأمور به في معنى الشرط للإمساك أو الفراق؛ لأن هذا العطف يشبه القيد وإن لم يكن قيدًا وشأن الشروط الواردة بعد جمل أن تعود إلى جميعها)»(٣). واختار كثير من المفسرين القول (١) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٤٦١/٥. (٢) نيل المرام، القنوجي ص ٤٥١. (٣) التحرير والتنوير ٣٠٩/٢٨. بأن الأمر بالإشهاد عائد على الطلاق و الرجعة (٤). فظهر بهذا أن الأمر بالإشهاد عائد على الطلاق والرجعة معًا، والأمر يقتضي الوجوب إلا إذا أتت قرينة تصرفه عن ظاهره إلى غيره. قال الشيخ أحمد شاكر: ((الظاهر من سياق الآيتين أن قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ راجع إلى الطلاق وإلى الرجعة معًا، والأمر للوجوب؛ لأنه مدلوله الحقيقي، ولا ينصرف إلى غير الوجوب - كالندب- إلا بقرينة، ولا قرينة هنا تصرفه عن الوجوب. بل القرائن هنا تؤيد حمله على الوجوب؛ لأن الطلاق عمل استثنائي يقوم به الرجل -وهو أحد طرفي العقد- وحده. سواء أوافقته المرأة أم لا، كما أوضحنا ذلك مرارًا، وتترتب عليه حقوق للرجل قبل المرأة، وحقوق للمرأة قبل الرجل، وكذلك الرجعة، ويخشى فيهما الإنكار من أحدهما، فإشهاد الشهود يرفع احتمال الجحد، ويثبت لكل منهما حقه قبل الآخر. فمن أشهد على (٤) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٣٣٥/٩، معالم التنزيل، البغوي ٨/ ١٥٠، الكشاف، الزمخشري ٤ / ٥٥٥، زاد المسير، ابن الجوزي ٢٩٧/٤، نظم الدرر، البقاعي ١٤٨/٢٠، الدر المنثور، السيوطي ١٩٣/٨، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٦١/٨، روح المعاني، الألوسي ١٤/ ٣٣٠، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٦٩. www. modoee.com ٦٧ حرف الشین طلاقه فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، ومن أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدى حد الله الذي حده له فوقع عمله باطلًا لا يترتب عليه أي أثر من آثاره»(١). واستدل القائلون بوجوب الإشهاد أيضًا بقول موقوف على عمران بن حصين أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال: (طلقت لغير سنة وراجعت لغیر سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد)(٢). والراجح قول من يقول: لا يقع أي طلاق إلا إذا كان بحضرة شاهدي عدل سامعين فاهمين تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ﴾ ظاهر في الوجوب كسائر الأوامر الواردة في الشرع، ولا یعدل عنه إلى غيره إلا بدليل. (١) نظام الطلاق في الإسلام ص ٨٠. (٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب الرجل يراجع ولا يشهد، ٥١٠/٣، رقم ٢١٨٦. وصححه الألباني في الإرواء ٢٩٩/٦. الشهادة يوم القيامة أعد الله تعالى شهودًا على ابن ادم يوم الدين، ليشهدوا على كل صغيرة وكبيرة فعلها، فيشهد رب العزة، وتشهد الرسل، والملائكة، وتشهد نفس ابن آدم وأعضاؤه، وتشهد الأرض وما عليها، فلا يملك عصاة الجن والإنس يوم القيامة أمام هذه الشهادات المتوالية إلا الاستسلام والاعتراف، هذه بعض الشهادات. أولًا : الشهادة على النفس: أشهد الله تعالی الناس على أنفسهم منذ عالم الذر، وأخذ عليهم الميثاق بتوحيده، وأخذ منهم ميثاقًا غليظًا باجتناب الشرك، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىْ شَهِدْنَأُ أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ (٣)﴾ [الأعراف: ١٧٢]. يخبر الله تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو. كما أنه تعالی فطرهم على ذلك وجبلهم علیه، قال تعالى: ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِينِ حَنِيفًاْ فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾﴾ [الروم: ٣٠] وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مولودٍ يولد على الفطرة - وفي روايةٍ: ٦٨ القرآن الكريم الشهادة على هذه الملة- فأبواه يهودانه، وينصرانه، الله على علم ولا يهديه، قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِمْ ویمجسانه، کما تولد البهيمة بهیمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء)(١). وَشَهِدُوّاْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ وَجَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُّ وَاللّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: ٨٦]. وعن عياض بن حمارٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم، عن دينهم، وحرمت علیهم ما أحللت لهم)(٢). والشهادة على النفس في هذه الآية هو إقرار، والإقرار سيد الأدلة؛ لأنك حين تشهد إنسانًا على غيره؛ فقد يغير الشاهد شهادته، ولكن الأمر هنا أن الخلق شهدوا على أنفسهم وأخذ الله عليهم عهد الفطرة حتى لا يقولوا يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فحين يأتي يوم الحساب، لا داعي أن يقول: إني كنت غافلًا(٣). قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن ويأتي على الناس لحظات يشهدون يَعْمُرُوا مَسَجِدَ اَللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ وَفِ اَلنَّارِ هُمْ خَلِدُونَ ﴾ [التوبة: ١٧]. الحق ويعترفون به، فمن أنکره بعد ذلك اتباعًا لهواه فقد تمت عليه الحجة، فيضلله (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات، ٢/ ٩٤، رقم ١٣٥٨، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة ٢٠٤٧/٤، رقم ٢٦٥٨. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، ٢١٩٧/٤، رقم ٢٨٦٥. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٥٠٠. وأهل الكتاب يشهدون على أنفسهم مع ذلك يصدون عن سبيل الله مع علمهم بصدق الرسول؛ فكانت شهادتهم حجة عليهم. قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ اَلْكِنَبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا اللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٩٩ [آل عمران: ٩٩]. والمشركون يشهدون على أنفسهم بالكفر؛ لذلك منعهم الله من عمارة المساجد. والانسان بطبعه كفور وهو شاهد على ذلك ویعترف به. الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ، لَكَنُورٌ ل وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ [العاديات: ٦-٧]. قال محمد بن كعب القرظي: ((ويحتمل أن يعود الضمير على الإنسان، فيكون www. modoee.com ٦٩ حرف الشین تقديره: وإن الإنسان على كونه كنودًا لشهيدٌ، بالحق بغير إرادة منهم أو أنها لا تنطق، إلا بعد أن يأذن لها الله أن تنطق، وبدل الأفواه أي: بلسان حاله، أي: ظاهرٌ ذلك عليه في مَا كَانَ أقواله وأفعاله، كما قال تعالى: لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧](١). تنطق الأرجل والأيدي، قال الله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوِهِمْ وَتُكَلِمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ٦٥ [يس: ٦٥]. وأقرب شيء إلى البشر جوارحه، فهي شاهدة عليه يوم القيامة؛ فیده التي يبطش بها ورجله التي يسعى بها وجلوده التي يلتذ بها، كلها ستشهد عليه يوم القيامة، فعلى الإنسان العاقل أن يعي مسؤوليته الكبيرة، ولا يكون طائشًا في تصرفاته، والله شهید علیه، و کفی به شهيدًا. قال الله تعالى: ﴿يَوَّمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيِهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١)﴾ [النور: ٢٤]. لذلك استحقوا العذاب العظيم، ويكون کل شيء شاهدًا على ما أجرموا، وقد صور الله تعالی ذلك بأن ألسنتهم تشهد علیھم بما اخترصوا فیه، وأرجلهم تشهد بما سعوا فيه بالباطل، وأفسدوا به الناس، وأیدیھم تشهد بما بطشوا، وما فعلوا من آثام، وشهادتهم منصبة على ما كانوا يعملون (٢). ينطقون بما شاءوا، وانما تنطق ألسنتهم (١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٥٢٩/١٠، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٤٦٧. (٢) انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ١٠ / ٥١٧١. وحين ينطق أقرب الجوارح، فكيف يتهرب البشر من ذاته ومن أقرب الأعضاء إليه؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَا أَبْصَرَّكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ [فصلت: ٢٢]. وهناك يرتاعون من شدة المفاجأة حيث طفقت مواضع الشهوة في أجسادهم تشهد عليهم فإذا بهم يخاطبونها، وهي لم تعد تأتمر بأوامرهم، لم نطقتم بمثل هذا؟ قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيءٍ. قال الله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَاً قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُالَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [فصلت: ٢١]. قال ابن عباسٍ: «إنهم-يعني: المشركين- والله يختم على أفواه المبررين، فلا إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة، قالوا: تعالوا حتى نجحد. فيجحدون فيختم الله علی أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم، ولا يكتمون الله حديثًا)»(٣). (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣/٦. ٧٠ جوسين القرآن الكريم الشهادة وقال ابن جرير الطبري: ((إذا كان رسالات الله، وأن عصيانه يقتضي عذابًا يوم القيامة، عرف الكافر بعمله، فيجحد أليمًا في الدنيا، كما يقتضي عذابًا في يوم القيامة. ويخاصم، فيقال له: هؤلاء جيرانك یشهدون قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا إِلَيْكُوْ رَسُولًا شَهِدًا عَلَيْكُمْ كَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَهُ أَخْذَا وَبِلَّا (١)﴾ [المزمل: ١٥- ١٦]. عليك. فيقول: كذبوا. فيقول: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا، فيقول: احلفوا. فيحلفون، ثم يصمتهم الله، فتشهد عليهم أيديهم وألسنتهم، ثم يدخلهم النار))(١). ثانيًا: شهادة الرسول والمؤمنين على الأمم: الرسول صلی الله عليه وسلم شاهد على أمته. قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٤٥]. وقال الله تعالى لنبيه: ﴿إِنَّ أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا (٥﴾ [الفتح: ٨]. قال الشنقيطي: (بین تعالی أنه يبعثه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة شاهدًا على أمته، وأنه مبشر للمؤمنين ومنذر للكافرين. قال تعالی في شهادته صلی الله عليه وسلم يوم القيامة على أمته: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّمٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ٥﴾ [النساء: ٤١]) (٢). فالرسول یشهد علیهم عند ربه، ويقبل الله شهادته وشفاعته، وعليهم أن يحترموه وأن يحذروا مخالفة أمره، فهو مبلغ اليهم (١) جامع البيان، الطبري ١٠٥/١٨. (٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٣٩٥/٧. ((وتتجلى شهادة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة حيث يشهد لمن أطاعه فيرضى عنهم الله جل جلاله، ويشهد على من عصوه فيعذبون، قال الله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّم بِشَهِيٍوَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: ٤١]. يقول تعالى مخبرًا عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه: فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة وحين يجيء من كل أمة بشهيد، يعني: الأنبياء عليهم السلام؟ كما قال تعالى: ﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَجِاْقَهَ بِالنَّبِتْنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٦٩ [الزمر: ٦٩](٣). وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمٌّ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءٍ وَنَزَّْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَئِنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ٨٩ [النحل: ٨٩]. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٦/٢. www. modoee.com ٧١ حرف الشین والفرق بين الشاهد والشهيد، الشاهد: هو القائد القائم عليهم، والشهيد: هو المسؤول دومًا عنهم، وهکذا کان عیسی عليه السلام شهيدًا على بني إسرائيل مادام بينهم، وقال تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ قَلَمَّا تَوَفَّْتَنِى كُنْتَ أَنتَ اُلَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾ [المائدة: ١١٧]. وقيل: الشاهد بمعنى الحدوث. والشهید بمعنى الثبوت. فإذا تحمل الشهادة فهو شاهد باعتبار حدوث تحمله، فإذا ثبت تحمله لها زمانین أو أکثر فهو شهيد (١). والله جعل في كل أمة نبيًا شهيدًا، يبعث يوم القيامة ليشهد عليهم ولا يحق للمشهود عليهم أن يدافعوا عن أنفسهم ولا يقبل عتابهم. وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَِّ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ ﴾ [النحل: ٨٤]. والشهداء بعد الأنبياء هم علماء الأمة في كل جيل، فعلى الناس اتباعهم والأخذ بمنهجهم بما يوافق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن رفضوا أو اتبعوا الجبارين والطغاة والسلاطين الظلمة، فمصيرهم يوم القيامة بأن شهد عليهم العلماء بأنهم أشركوا بالله واتبعوا الطاغوت، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ (١) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ١٢٩، ١٣٥. فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاقُوْ بُرْهَنَكُمْ فَعَلِمُوْاْ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوايَفْتَرُونَ (٥)﴾ [القصص: ٧٤ -٧٥]. والأمم لما تكذب رسلها وتقول كل أمة: ما جاءنا من نذير، فتأتي هذه الأمة: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتشهد للرسل عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه، تشهد لهم بالبلاغ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَ أُلنَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذيرٍ، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمدٌ وأمته، فتشهدون أنه قد بلغ: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَكُـ ﴾ [البقرة: ١٤٣]. فذلك قوله ـيدًا شَهـ جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَ النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣])(٢). قال الخازن فى تفسير قوله تعالى: (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالي: جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّنَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى وَكَذَلِكَ النَّاسِ ﴾، ٢١/٦، رقم ٤٤٨٧. ٧٢ مَوَسُوعَة النفسية الوضوء القرآن الكريم الشهادة فَلَنَسْتَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْتَكَنَّ الْمُرْسَلِينَ (١) : [الأعراف: ٦]: ((يعني: نسأل الأمم الذين أرسلنا إليهم الرسل ماذا عملتم فيما جاءتكم به الرسل، ﴿وَلَنَسْتَآَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ يعني: ولنسألن الرسل الذي أرسلناهم إلى الأمم: هل بلغتم رسالاتنا وأديتم إلى الأمم ما أمرتم بتأديته إليهم أم قصرتم في ذلك. قال ابن عباس رضي الله عنهما في معنی هذه الآية: يسأل الله تعالى الناس عما أجابوا به المرسلين ويسأل المرسلين عما بلغوا، وعنه أنه قال: يوضع الكتاب يوم القيامة، فیتکلم بما كانوا يعملون. وقال السدي: يسأل الأمم ماذا عملوا فيما جاءت به الرسل، ويسأل الرسل هل بلغوا ما أرسلوا به. فإن قلت: قد أخبر عنهم في الآية الأولى بأنهم اعترفوا على أنفسهم بالظلم في قوله ﴿إِنَّا كُنَّاظَلِمِينَ﴾ فما فائدة هذا السؤال مع اعترافهم على أنفسهم بذلك؟ قلت: لما اعترفوا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سئلوا بعد ذلك عن سبب هذا الظلم والتقصير، والمقصود من هذا التقريع والتوبيخ للكفار. فإن قلت: فما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنهم قد بلغوا رسالات ربهم إلى من أرسلوا إليهم من الأمم؟ قلت: إذا كان يوم القيامة أنكر الكفار تبليغ الرسالة من الرسل، فقالوا: ما جاءنا من بشیر ولا نذير، فكان مسألة الرسل على وجه الاستشهاد بهم على من أرسلوا إليهم من الأمم أنهم قد بلغوا رسالات ربهم إلى من أرسلوا إليه من الأمم، فتكون هذه المسألة كالتقريع والتوبيخ للكفار أيضًا؛ لأنهم أنكروا تبليغ الرسل، فيزداد بذلك خزيهم وهوانهم وعذابهم»(١) . (١) لباب التأويل، الخازن ٢١٠/٢. www. modoee.com ٧٣ حرف الشين أحكام أداء الشهادة الشهادة أمر عظيم، وباب خطير، ولها جملة من الأحكام تتعلق بأدائها، ومن تلك الأحكام: أولًا: شروط أداء الشهادة: الشهادة تحملًا وأداءً يشترط لها شروط تتعلق بالشاهد وشروط تخص بعض الشهادات دون بعض، وهي كالتالي: أولًا: شروط تتعلق بالشاهد. وهي: ١. التكليف. من شروط الشاهد التكليف هو عندما يصبح الإنسان مكلفًا بتطبيق الأحكام الشرعية، ويراد بذلك: العقل، والبلوغ، فلا تقبل شهادة الصبي والمجنون. واشتراط الشرع العقل ليتمكن الشاهد من فهم الحادثة وضبطها، والعقل آلة ذلك، والبلوغ من شروط الأداء لا من شروط التحمل (١). والبلوغ من الشروط التي هي محل إجماع، فلا تقبل شهادة غير البالغ(٢). قال النيسابوري: ((أجمعت الأمة على أنه لا بد فيه من العقل والبلوغ، فلا حد على (١) انظر: تفسير الشعراوي ٣٤٧٨/٦. (٢) انظر: الأم، الشافعي ٢٥٥٢/٢، بدائع الصنائع، الكاساني ٦/ ٢٦٦، تبيين الحقائق، الزيلعي ٢١٢/٤، المغني، ابن قدامة ٢٨/١٢، الإنصاف، المرداوي ١٢/ ٣٧. مجنون ولا علی صبي؛ لأنهما ليسا من أهل التكليف)) (٣). ٢. الإسلام. فلا تقبل شهادة الكافر على المسلم. وكذا على غير المسلم. فقد اتفق جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية، والحنابلة على أن الإسلام شرط لقبول الشهادة، فلا تقبل شهادة الكافر على المسلم. وكذا على غير المسلم(٤). وأما الحنفية فقالوا: شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض مقبولة إن كانوا من أهل الذمة(٥). ٣. الحرية. فلا تقبل شهادة العبد. فقد اتفق جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية على عدم قبول شهادة العبد، وأما الحنابلة يقبلون شهادة العبد، وكذا شهادة الأمة فيما تجوز فيه شهادة النساء، وسواء كان العبد رقيق الكل أو مبعضًا (٦). ٤. العدالة. وهي محل اتفاق بين العلماء، فلا تقبل (٣) غرائب القرآن ١٤٦/٥. (٤) انظر: بلغة السالك، الصاوي ٣٢٣/٢، روضة الطالبين، النووي ١٩٩/٨، الشرح الكبير، ابن قدامة ١٢ / ٣٤. (٥) انظر: بدائع الصنائع، الكاساني ٢٦٦/٦. (٦) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٣٠٥/١٤، اختلاف الفقهاء، الرازي ٣٣٥/٣. ٧٤ القرآن الكريمِ الشهادة شهادة الفاسق، ومن لا مروءة له(١). ٥. النطق. فلا تقبل شهادة الأخرس. قال الحنفية والحنابلة (٢): لا تقبل شهادة الأخرس، ذلك أن الشهادة تختص بلفظ الشهادة، وهذا لا يمكن تحققه مع الأخرس أما المالكية والشافعية(٣)، فقالوا: إن فهمت إشارته جاز ٦. البصر. فلا تقبل شهادة الأعمى. لا تقبل شهادة الأعمى عند الحنفية(٥)، وأما عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة فقد أجازوا شهادته في الأقوال دون الأفعال، وأما أبو حنيفة ومحمد فلا یجیزان شهادة الأعمى بحال(٦). (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٣٤/٢٣، بدائع الصنائع، الكاساني ٢٦٦/٦، الكافي، ابن عبدالبر ص ٤٦١، الوجيز الغزالي ٢٤٨/٢، شرح منتهى الإرادات، البهوتي ٥٨٩/٣. (٢) انظر: المبسوط، السرخسي ١٣٠/١٦، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١١ /١٨٥. (٣) انظر: مختصر اختلاف العلماء، الرازي ٣٦٩/٣، الكافي، ابن عبدالبر ص٤٦٤، الوجيز، الغزالي ٢٥١/٢، روضة الطالبين، النووي ٢٣١/٨. (٤) انظر: التفسير المنير، الزحيلى ٨٦/١٦، روضة الطالبين، النووي ٢٣١/٨. (٥) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٢١٦/٧، مختصر اختلاف العلماء، الرازي ٣٣٦/٣. (٦) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٢١٦/٧،: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٩٠/٣، مغني المحتاج، الشربيني ٤ / ٤٤٦، اللباب ٧. الضبط. وحسن السماع، والفهم: فلا تقبل شهادة المغفل، والمعروف بكثرة الغلط والنسيان (٧). ثانيًا: شروط تخص بعض الشهادات دون بعض: ١. الذكورية إذا تعلقت بالحدود والقصاص، حيث لا تقبل فيها شهادة الإناث. ٢. العدد في بعض أنواع الشهادات وهو على مراتب، فمنه ما يشترط فيه أربعة، كالشهادة على الزنا، ومنه ما يشترط فيه الاثنان، كالشهادة على السرقة والقتل. ومنه ما يشترط فيه الرجلان أو رجل وامرأتان، كما في المعاملات المالية. ٣. إقامة الدعوى إن كانت الشهادة في حقوق العباد، فإن كانت في حقوق الله تعالى فلا يجب إقامة الدعوى، کالشهادة على دخول هلال رمضان، وكذا حد الزنا (٨). في علوم الكتاب، ابن عادل ١١/ ١٨٥. (٧) انظر: المبسوط، السرخسي ١١٣/١٦، المعونة، القاضي عبدالوهاب ١٥٢٧/٣، روضة الطالبين، النووي ٢١٦/٨، المبدع، ابن مفلح ٣٠٤/٨. (٨) المهذب، الشيرازي ٣/ ٥٠، المبدع، ابن مفلح ٨/ ٣٣٠، الإجماع، ابن المنذر ص ٨٧. www. modoee.com ٧٥ حرف الشین ثالثًا: كيفية أداء الشهادة: يشترط في كيفية أداء الشهادة على الوجه الصحيح أربعة شروط: الشرط الأول: اللفظ. يعتبر في أداء الشهادة الإتيان بلفظها فيقول: أشهد بكذا، فإن قال: أعلم وأتيقن أو أحق ونحوه لم يعتد به؛ لأنها مشتقة من اللفظ، وإذا شهد بأرض أو دار، فلا بد من ذكر حدودها؛ لأنها لا تعلم إلا بذلك، وإن شهد بنكاح اشترط ذكر شروطه من الولي والشهود والإيجاب والقبول؛ لأن الناس يختلفون فيها، وإن شهد بالرضاع احتاج إلى وصفه وأنه ارتضع من ثديها أو من لبن حلب منه، وذكر عدد الرضعات وأنه في الحولین، ولو شهد أنه ابنها من الرضاع لم يكف؛ لاختلاف الناس فيما يصير به ابنًا (١). قال ابن عادل في تفسير قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. ((اختص هذا اللفظ فى عرف الشرع بمن يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة)) (٢). الشرط الثاني: حسن الأداء للشهادة. (١) انظر: الهداية: المرغيناني ١٢٩/٣، الكافي، ابن قدامة ٤ / ٢٨٧. (٢) اللباب في علوم الكتاب ١٨/٣. فلو قال الشاهد: معي شهادة أو عندي شهادة أن فلانًا فعل کذا أو أقر بکذا لم یکن ذلك أداء صحيحًا. فلا يجوز لأحد أن یشهد على الآخر، إلا إذا كان حسن الأداء بالشهادة، حتى لو رأی الخط، إلا أن یکون ذاکرًا لما یشهد به، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلََّّتَرْتَابُوْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فدل ذلك على أن الكتاب إنما أمر به لیتذکر به کیفیة الشهادة، وأنها لا تقام إلا بعد حفظها وإتقانها. وفيه الدلالة على أن الشاهد إذا قال: لا أذكر، ثم تذكر، يجوز له إقامة الشهادة(٣). الشرط الثالث: العدالة فى الشهود. وإن غلب في ظن الحاكم عدالتهم لا تصح شهادتهم وإن رضي الخصم بشهادة من ليس بعدل لا تقبل شهادته إلا أن يقول الخصم: صدق، فتؤخذ شهادته من باب الإقرار. ونقل الشنقيطي عن ابن فرحون مراتب العدالة التي شملت أنواع الشهود قوة وضعفًا، وفيما تقبل شهاداتهم وفيما لا تقبل، وقال: إنها إحدى عشرة مرتبةً، وهي: الأولى: الشاهد المبرز في العدالة العالم بما تصح به الشهادة، فتجوز شهادته في کل شيء، وتجريحه ولا يسأل عن كيفية علمه (٣) انظر: أحكام القرآن، الكيا هراسي ١/ ٢٥٦. ٧٦ جَوَسُوع لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الشهادة بما شهد به من ذلك كله إذا أبهمه، ولا يقبل فيه التجريح إلا بالعداوة. الثانية: المبرز في العدالة غير العالم بما تصح به الشهادة، فحكمه كالأول، إلا أنه يسأل عن كيفية علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك. الثالثة: الشاهد المعروف بالعدالة العالم بما تصح به الشهادة، فتجوز شهادته إلا في ستة مواضع على اختلاف في بعضها، وهي التزكية، شهادته لأخيه ولمولاه ولصديقه الملاطف ولشريكه في غير التجارة، وإذا زاد في شهادته أو نقص فيها، ويقبل فيها التجريح بالعداوة وغيرها، ولا يسأل عن کیفیة علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك. الرابعة: المعروف بالعدالة غير العالم بما تصح به الشهادة، حکمه كذلك إلا أنه يسأل عن کیفیة علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك. الخامسة: الشاهد المعروف بالعدالة إذا قذف قبل أن يحد فاختلف في قبول شهادته. السادسة: الذي يتوسم فيه العدالة تجوز دون تزكية فيما يقع بين المسافرين في السفر من المعاملات، وفيما عدا ذلك لا بد من تزکیته، لأنه هو المعروف بمجهول الحال، والصحيح أن مثله لا بد من التحري عنه حتی ینکشف أمره. السابعة: الذي لا يتوسم فيه العدالة ولا الجرحة فلا تجوز شهادته في موضع من المواضع دون تزكية، إلا أن شهادته تكون شبيهة في بعض المواضع عند بعض العلماء، فتوجب اليمين وتوجب الحميل وتوقيف الشيء على المدعى عليه. الثامنة: الذي يستوسم فيه الجرحة فلا تجوز شهادته دون تزکیة، ولا تكون شهادته شبهة توجب حكمًا. التاسعة: الشاهد الذي ثبت عليه جرحة قديمة أو يعلمها الحاكم فيه، فلا تجوز شهادته دون تزكية، ولا تقبل فيه التزكية على الإطلاق، وإنما تقبل ممن علم بجرحته إذا شهد على توبته منها، ونزوعه منها، والمحدود فى القذف بمنزلته على مذهب مالك؛ لأن تزكيته لا تجوز على الإطلاق، وإنما تجوز بمعرفة تزيده في الخیر. العاشرة: المقيم على الجرحة المشهود بها، فلا تجوز شهادته ولا تقبل التزکیة فیه، وإن زكى، وإنما تقبل تزكيته فيما يستقبل إذا تاب. الحادية عشر: شاهد الزور، فلا تصح شهادته وإن تاب وحسنت حاله، وفي رواية أبي زيد: إذا جاء تائبًا مقرًا على نفسه بشهادة الزور قبل أن تظهر عليه، وهو الأظهر))(١). الشرط الرابع: حضور الخصم المدعى علیه عند أداء الشهادة أو حضور نائبه. وإن لم یکن حاضرًا هو أو نائبه لم يصح (١) انظر: أضواء البيان ٣٠٢/٨. www. modoee.com ٧٧ حرف الشین أداؤها، ويجوز للقاضي تحلیفهم وتفريقهم. والأصوب في الشهادة هو الوقوف أمام القاضي، ويذكروا له كيفية الواقعة، كما حدث مع أخوة يوسف، فقال الأخ المحتبس بمصر لإخوته: ﴿أَرْجِعُواْ إِلَى أَبِيِكُمْ فَقُولُواْ يَتَأَبَنَاْ إِنَّ أَبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ [يوسف: ٨١](١). قال الشربيني في تفسير قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٥)﴾ [فصلت: ٢٠]. أي: النار التي كانوا بها يكذبون، فما زائدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور)) (٢). رابعًا: موانع قبول الشهادة: يمنع من الشهادة عدة أشخاص وهم: ١. الطفل والصبي والمجنون والسكران: لأن قولهم على أنفسهم لا يقبل، فعلى غيرهم من باب أولى(٣). والصبي لا تقبل شهادته لقول الله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فالله تعالى جعل الشهادة في الرجال وليس في الصبيان؛ ولأن الصبي ليس بمكلف، فهو أشبه (١) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٨٣/١١. (٢) السراج المنير ٥١٢/٣. (٣) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ١٤٦/٥. بالمجنون. ٢. من عرف بكثرة الغلط والغفلة: لأنه لا تحصل الثقة بقوله؛ لاحتمال أن يكون من غلطه، وتقبل شهادته من يقبل ذلك منه؛ لأن أحدًا لا يسلم من الغلط (٤). ٣. الأخرس: فلا تقبل شهادة الأخرس بالإشارة؛ لأنها محتملة، فلم تقبل، كإشارة الناطق وإنما قبلت في أحكامه المختصة به للضرورة، وهي ها هنا معدومة(٥). ٤. الكافر(٦): لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىٌّ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وقال تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والكافر ليس بعدل ولا مرضي عنه ولا هو منا، ولكن تقبل شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن موجودًا غير المسلمين، ويستحلف مع شهادته لقوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةٌ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اُثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ ءَآخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]. الآيات نزلت في تميم وعدي، وكانا نصرانيين، شهدا بوصية، (٤) انظر: المغني، ابن قدامة ٨٣٧٨/١٠. (٥) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٨٦/١٦، روضة الطالبين، النووي ٢٣١/٨. (٦) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٢٥٦/١٦. ٧٨ جوسين لِلْقُرْآن الكَرِيمِ