النص المفهرس

صفحات 1-20

جَوْمُهُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الشَّهَادَةُ
عناصر الموضوع
مفهوم الشهادة
٤٠
الشهادة في الاستعمال القرآني
٤١
الألفاظ ذات الصلة
٤٤
الشهادة في حقّ الله
٥٢
الشهادة في الحدود
٥٧
الشهادة في الحقوق
٦٨
الشهادة يوم القيامة
٧٤
أحكام أداء الشهادة
٨١
عقوبة كتم الشهادة وتزويرها
المُجَلَدُ العُشْرُونْ
٤٢

حرف الشين
مفهوم الشهادة
أولًا: المعنى اللغوي:
تدل مادة (ش هـ د) على حضورٍ وعلمٍ وإعلام، يقال: شهد يشهد شهادةً. كما يقال: شهد
فلانٌ عند القاضي، إذا بين وأعلم لمن الحَق وعلىّ من هو (١).
و «الشهادة خبرٌ قاطعٌ تقول منه: شهد الرجل على كذا، وربما قالوا: شهد الرجل بسكون
الهاء . فالشهادة: الإخبار بما شاهده. والشاهد: العالم الذي يبين ما يعلمه ويظهره. والمشاهدة
المعاينة، وشهده شهودًا: أي حضره، فهو شاهدٌ، وقومٌ شهودٌ: أي حضورٌ))(٢).
قال الراغب الأصفهاني: ((الشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة، إما بالبصر أو
البصيرة، وقد يقال للحضور مفردًا. قال تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِّ وَهُوَ لَلَكِيمُ
الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]. أي: ما يغيب عن حواس الناس وبصائرهم وما يشهدون بهما، ولكن
الشهود بالحضور المجرد أولى والشهادة مع المشاهدة أولى)» (٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الموصلي الشهادة: هي ((الإخبار عن أمرٍ حضره الشهود وشاهدوه، إما معاينةً
كالأفعال نحو القتل والزنا، أو سماعًا كالعقود والإقرارات» (٤).
وعرفها الرملي بأنها: ((إخبار الشخص بحق على غيره بلفظٍ خاص))(٥).
وقال البهوتي: ((الشهادة: الإخبار بما علمه الشاهد بلفظٍ خاصٍ، كشهدت أو أشهد)) (٦).
فالشهادة إذن إخبارٌ عن علمٍ.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ص ٥٣٩.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٢٣٩/٣.
(٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٨.
(٤) الاختيار لتعليل المختار، الموصلي ٢/ ٤١٣.
(٥) نهاية المحتاج، الرملي ٢٩٢/٨.
(٦) شرح منتهى الإرادات، البهوتي ٣/ ٥٧٥.
جَوَنُوالَهُ النَّفْسِيَّة
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
٤٠

الشهادة
الشهادة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (شهد) في القرآن الكريم (١٦٠) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١٩
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: ١٨٥]
الفعل المضارع
٢٤
لَّكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ".
وَالْمَلَتِكَةُ يَشْهَدُونَ ﴾ [النساء: ١٦٦]
الفعل الأمر
١٠
﴿قَالُواْ ءَامَنَا وَأَشْهَدْ بِأَتَّنَا مُسْلِمُونَ (
﴾ [المائدة: ١١١]
اسم فاعل
٢١
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]
اسم مفعول
٣
﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ
﴾ [هود: ١٠٣]
١٠٣
﴿وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ ﴾ [الطلاق: ٢]
مصدر
٢٧
﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [مريم: ٣٧]
صيغة مبالغة
٥٦
﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: ٩٨]
وجاءت الشهادة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، الذي هو بمعنى: الحضور مع
المشاهدة إما بالبصر أو بالبصيرة (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص٣٨٨ - ٣٩٠.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٦٧-٢٦٨.
www. modoee.com
٤١

حرف الشين
الألفاظ ذات الصلة
الخير:
١
الخبر لغة:
قال ابن فارس: الخاء والباء والراء أصلان: فالأول العلم، والثاني يدل على لينٍ ورخاوةٍ
وغزرٍ (١).
الخبر اصطلاحًا:
هو الكلام المحتمل للصدق والكذب، والخبر: العلم بالأشياء المعلومة من جهة الخبر،
وفي الاصطلاح القرآني: ما يعبر به عن واقعة معينة (٢).
والخبر یکون من المخبر الأول ومن یلیه، ویکون بالصدق والكذب، سارًا كان أو غير
سارٍ (٣).
الصلة بين الخبر والشهادة:
الخبر إما أن يكون عن خاص أو عام، فالخبر عن خاص منحصر في ثلاثة معاني: الإقرار
والبينة والدعوى؛ لأنه إن كان بحق على المخبر فهو الإقرار، أو على غيره فهو الدعوى، أو
لغيره فهو الشهادة (٤).
قال العزبن عبد السلام (إن كان ضارًا لقائله فهو الإقرار، وإن لم يكن ضارًا به، فإما أن
يكون نافعًا له، أو لا، والأول هو الدعوى، والثاني الشهادة)»(٥).
العلم:
٢
العلم لغةً:
نقيض الجهل، والمعرفة، واليقين، والعلامة: النسابة، وهو من العلم (٢)، ويقال: ((علمت
الشيء أعلمه علمًا: عرفته))(٧).
(١) مقاييس اللغة ٢٣٩/٢.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٢٧٣، التعريفات، الجرجاني ص٩٦.
(٣) انظر: شأن الدعاء، الخطابي ص٦٣.
(٤) انظر: الدر المنثور، السيوطي ١١٦/٢.
(٥) المنثور في القواعد، الزركشي ١١٦/٢.
(٦) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٠٨٣/٤، تهذيب اللغة، الأزهري ٤١٨/٢
(٧) الصحاح، الجوهري ١٩٩٠/٥.
٤٢
جوية
القرآن الكريمِ

الشهادة
العلم اصطلاحًا:
عرفه الجرجاني: ((العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ونقل عن الحكماء فقال: هو
حصول صورة الشيء في العقل)) (١).
وأنكر ابن العربي تعريف العلم لوضوحه وقال: ((العلم أبين من أن يبين)) (٢)، وأنكر على
من تصدى لتعريف العلم.
الصلة بين العلم والشهادة:
العلم والشهادة في الأصل واحد، إلا أن الشهادة اختص بما كان بإخبار صحيح، والعلم
اختص بما يكون بتكرير وتكثير حتى يحدث منه أثر في نفس المتعلم، قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ
كُلِّ ذِى عٍِّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦](٣)، ولعلاقة العلم بالشهادة فقد ذكرها الله تعالى مقترنة
في أكثر من عشرين موضعًا في القرآن العظيم.
الإقرار:
٣
الإقرار لغةً:
((هو الاعتراف. يقال: أقر بالحق: إذا اعترف به، وقرره غيره بالحق حتى أقر به. وأقر
الشيء أو الشخص في المكان: أثبته وجعله يستقر فيه))(٤).
الإقرار اصطلاحًا:
((إخبار عن ثبوت حق للغير على نفسه)(٥)، فيجمع كلاً من الإقرار والشهادة أنها إخبارات.
الصلة بين الشهادة والإقرار:
((أن الإخبار إن كان عن حق سابق على لغيره على غيره فهو الشهادة، وإما أن يكون
للمخبر نفع فيه: لأنه إخبار بحق له فهو إقرار بالدعوى)) (٦).
(١) التعريفات ص ١٩١.
(٢) فتح الباري، ابن حجر ١/ ١٤١.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٠٩/٤، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٤٤.
(٤) مختار الصحاح، الرازي ص ٣٤٩.
(٥) انظر: فتح القدير، ابن الهمام ٦/ ٢٨٠، الشرح الصغير ٥٢٥/٣، كشاف القناع، البهوتي ٦/ ٣٦٧.
(٦) انظر: المغني، ابن قدامة ١٢ / ٤، الشرح الكبير، ابن قدامة ٣/١٢.
www. modoee.com
٤٣

حرف الشين
الشهادة في حقّ الله
أكمل الشهادات شهادة الله عز وجل
لنفسه أو لغيره، قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ
أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّاهُوَ﴾ [آل عمران:١٨].
﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾
وقال تعالى:
[آل عمران: ٩٨].
وقال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا
بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ اَلْكِنَبِ﴾
[الرعد: ٤٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾
[الحج: ١٧].
ففي فالآيات السابقة يؤكد الله تعالى أن
الشهادة له وحده سبحانه، المحتویة علی کل
جانب من جوانب الشهادة.
أولًا: الله عالم الغيب والشهادة:
الغيب يطلق على كل ما غاب عن
الحواس، و کان مستورًا و محجوبًا عنها،
تسمى الغابة غابةً لأنها تغيب ما فيها و تسترها
عن الأنظار لكثافة أشجارها. وأغابت المرأة
فهي مغيبة، إذا غاب زوجها(١).
وعن شمر: ((يقال: سمعت صوتًا من
وراء الغيب، أي، من موضع لا أراه))(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقُوهُ فِ غَيَبَتِ أَلْجُبِّ
يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ
﴾ [يوسف: ١٠].
(١) انظر: العين، الفراهيدي ٤ / ٤٥٤.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ١ /٦٥٤.
جوبير
القرآن الكريمِ
الغيابة: بفتح الغين، أي: في قعره، سمي
به لغيبوبته عن أعين الناظرين، وكل شيء
غيب عنك، فهو غيابة (٣)
والغيب في القرآن الكريم ضد الشهود
والحضور، وقد تكرر استعمال لفظ
((الغيب)) وبعض مشتقاته في القرآن الكريم
أربعًا وخمسين مرة بالمعنى المذكور.
ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿عَلِم
الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةَ وَهُوَ لَلَكِيمُ الْخَيرُ﴾
[الأنعام: ٧٣].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَلِ
الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنْتِئُكُم بِمَا كُمْ
تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩٤].
قال صاحب المنار: ((الغيب هو ما
حجب الله علمه عن الناس، بعدم تمكينهم
من أسباب العلم به، لكونه مما لا تدركه
مشاعرهم الظاهرة ولا الباطنة؛ كعالم
الآخرة)» (٤).
وعرف ابن عاشور الغيب فقال: ((والغيب
ما غاب عن علم الناس، بحيث لا سبيل لهم
إلى علمه، وذلك يشمل الأعيان المغيبة،
كالملائكة والجن، والأعراض الخفية،
ومواقيت الأشياء)»(٥).
والشهادة: ما شهدوه وأبصروه وعاینوه،
فكل شيء يقع تحت حواسنا الخمس
(٣) انظر: المصدر السابق.
(٤) المنار، محمد رشيد رضا ٧/ ٤٢٢.
(٥) التحرير والتنوير ٦/ ٢٧٠.
٤٤

الشهادة
أو تدركه حواسنا فهو عالم مشهود،
كالمرئيات، والمسموعات، والمشمومات،
والعالم الذي خلقه الله عز وجل ينقسم إلى
عالم الغيب وعالم الشهادة.
وينقسم الغيب إلى ثلاث أقسام:
أولا: الغيب المطلق:
وهو الذي ليس للإنسان سبیل إلی العلم
به عبر وسائل إدراكه أو حواسه، وهو نوعان:
النوع الأول: ما أعلم الله تعالى الناس به،
أو ببعضه عن طريق الوحي إلى الرسل الذين
يبلغونه إلى الناس.
ومن أمثله ذلك: الشياطين والجن، وما
جاء من أخبارهم نحو قوله تعالى: ﴿قُلّ
أُوحِىَ إِلَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا
قُرْهَانَا عَجَالِ يَهْدِىّ إِلَى الرَّشِّدِ فَامَنَا بِهِ، وَلَنْ
تُشْرِكَ بِرَبِنَا أَحَدًّا ﴾ [الجن: ١ -٢](١).
النوع الثاني: ما استأثر الله تعالی بعلمه،
فلم يطلع عليه أحد من خلقه، لا نبي مرسل
ولا ملك مقرب.
ومن أمثلته العلم بوقت قيام الساعة،
والموت من حيث زمانه ومكانه وسببه،
وبعض ما سمى الله تعالی به نفسه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى
نَفْسُ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدّاً وَمَاتَدْرِى نَفْسُ بِأَيِّ ◌َرْضٍ
تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
﴾ [لقمان: ٣٤].
٣٤
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١١٠/١٦.
وقال تعالى: ﴿﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ
لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا
تَسْقُّطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِ
◌ُلُمَتِ اْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِ إِلَّا فِ كِنَِ
مُّبِينٍ ﴾ [الأنعام: ٥٩](٢).
وقال صلى الله عليه وسلم في بعض
دعائه: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك،
سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك،
أو استأثرت به في علم الغيب عندك)(٣).
ثانيًا: الغيب المقيد النسبي:
وهو ما كان غائبًا عن البعض مثل
الحوادث التاريخية، فإنها غيب بالنسبة لمن
لم يعلم بها، لذلك قال الله تعالى للنبي صلى
الله عليه وسلم بعد أن ذكر قصة آل عمران:
﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَِّ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكٌ وَمَا كُنْتَ
لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ
وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْنَصِمُونَ ﴾﴾
[آل
عمران: ٤٤].
ثالثًا: الغيب المقيد غير النسبي:
هو كل ما غاب عن الحس بسبب بعد
الزمان (المستقبل) أو المكان أو غير ذلك
حتى ينكشف ذلك الحجاب الزماني أو
المكاني، كما في قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا
(٢) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٧/ ٤٢٢.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٤٧/٦، رقم
٣٧١٢.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
١/ ٣٨٣، رقم ١٩٩.
www. modoee.com
٤٥

حرف الشین
عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَُّمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلََّ دَابَةُ الْأَرْضِ
تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَيَتَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ
يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾
[سبأ: ١٤].
وذلك في موت سيدنا سليمان عليه
السلام(١).
وذكر العلماء أربعة مراتب اشتمل عليها
علم الله تعالى مستنبطة من الآيات القرآنية
وهي:
المرتبة الاولى: علمه بالشيء قبل كونه،
وهو سر الله في خلقه، اختص الله به عن
عباده.
وهذه المرتبة من العلم هي علم التقدير
ومفتاح ما سيصير، ومن هم أهل الجنة؟
ومن هم أهل السعير؟ فكل أمور الغيب
قدرها الله في الأزل، ومفتاحها عنده وحده،
ولم يزل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمٌ
السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَاءِ وَمَا
تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسُّ
بِأَمِّ أَرْضِ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾
[لقمان: ٣٤].
وقال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللّهُ﴾ [النمل: ٦٥].
المرتبة الثانية: علمه بالشيء، وهو في
اللوح المحفوظ بعد كتابته وقبل إنفاذ أمره
(١) انظر: أركان الإيمان، علي بن نايف الشحود
ص١٢.
ومشيئته.
فالله عز وجل كتب مقادير الخلائق في
اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم بخمسين
ألف سنة، والمخلوقات في اللوح قبل
إنشائها كلمات، وتنفيذ ما في اللوح من
أحكام تضمنتها الكلمات مرهون بمشيئة
الله في تحديد الأوقات التي تناسب أنواع
الابتلاء في خلقه، و کل ذلك عن علمه بما
في اللوح من حساب وتقدیر.
قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَمِن مُصِيبَةٍ فِى
اُلْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّ فِ كِتَبٍ مِّن
قَبْلِ أَنْ تَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾
[الحديد: ٢٢].
المرتبة الثالثة: علمه بالشيء حال كونه
وتنفيذه ووقت خلقه وتصنيعه، كما قال:
﴿اَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْقَ وَمَا تَفِيضُ
الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادٌ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ
عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ
٨
[الرعد:٨-٩].
٩
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ آلْأَرْضِ وَمَا
يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا
وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾ [سبأ:٢].
المرتبة الرابعة: علمه بالشيء بعد كونه
وتخلیقه وإحاطته بالفعل بعد کسبه وتحقيقه.
فالله عز وجل بعد أن ذكر مراتب العلم
السابقة في قوله تعالى: ﴿﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ
اُلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ
٤٦
جوسين
القرآن الكريم

الشهادة
وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا
حبَّةِفِ ظَلُمَتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا یَاِ إِلَّا فِ
كِتَبِ سُّينٍ ﴾ [الأنعام: ٥٩].
ذكر بعدها المرتبة الأخيرة فقال:
وَهَوَ
الَّذِى يَتَوَفَّنكُمْ بِلَيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمِ
بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَقِ أَجَلٌ مُسَنٌَّ
ثُمَّ إِلَيْهِ مَنْ جِعُكُمْ ثُمَّ يُنَذِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[الأنعام: ٦٠].
٦٠
أيضًا: ﴿أَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهُ
يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَ هُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّهُ
الْغُيُوبِ ﴾ [التوبة: ٧٨](١).
ثانيًا: الشهادة على العباد برهم
وفاجرهم:
شهادة الله على العباد برهم وفاجرهم
شهادة على صدق الانسان وتقواه، أو كذبه
وفسقه، وهذا يجعلنا نزداد مراقبة للذات،
ومحاسبة للنفس، والتزامًا بالقيم، كما
يجعل القلب يفرق بين الصدق والكذب،
وبين الحق والباطل، فيسهم هذا الوعي في
معرفة الحقائق.
صور شهادة الله في القرآن الكريم:
أولًا: شهادة الله على نبيه صلى الله عليه
وسلم والعباد.
الله شهيد على أعمال النبي صلى الله
عليه وسلم والعباد.
(١) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ١٠٧/١.
قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأَنٍ وَمَانَتْلُواْمِنَّهُ
مِنْ قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ
شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١].
أخبر الله سبحانه على شهادته على ما
يجري في الضمائر، فذکر شهادة على أحوال
العباد، وحال الرسول صلى الله عليه وسلم
معهم ومجاهدته لهم، وتلاوة القرآن عليهم،
وأنه تعالى شاهد على جميع أعمالهم، لا
یخفی علیه جل شأنه شيء، ولا يغيب عنه
عمل من الأعمال.
فقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُنُ فِ شَأْنٍ وَمَا
نَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانِ﴾ خطابان للرسول صلى
الله عليه وسلم: الأول: عام يشمل شئون
الرسول صلى الله عليه وسلم. والثاني:
خاص؛ لكنه مندرج تحت عموم الأول.
وإنما خص من العموم؛ لأن القرآن الكريم
هو أعظم شؤونه عليه الصلاة والسلام.
والمراد: أنه تعالى شاهد على أهل
الأرض جمیعھم بما کان منهم، وبما يكون
ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع، يحصي
عليهم أعمالهم؛ وكأنه قيل: ((وما كنت
وتكون في شأن، وما تلوت، وما تتلو فيه من
قرآن، وما عملتم، وما تعملون من عمل؛ إذ
أفضتم وتفيضون فيه، إلا كنا عليكم شهودًا».
وهناك خطاب عام للأمة كلها في كل
شئونها وأعمالها، بعد خطاب رأسها وسيدها
في أخص شئونه وأعلاها، فتذكرك الآية في
www. modoee.com
٤٧

حرف الشین
أخصر الألفاظ وأقصرها بأفضل ما أتاك الله الذين يكونون موجودين في زمان نزوله
من هداية ونعمة، وتنتقل بك إلى كل عمل لا بد وأن يؤمنوا به. ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ
تعمله من شكر وكفر وإن كان كمثقال ذرة،
اُلْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قيل: يشهد
علی الیهود أنهم كذبوه وطعنوا فيه، وعلى
النصارى أنهم أشركوا به، و کذلك کل نبي
شاهد على أمته))(٣).
فإن مجيء. (عمل) نكرة منفية يفيد العموم،
ودخول (من) التبعيضية عليه يؤكد هذا
العموم، فيشمل أدق الأعمال وأحقرها.
ومثله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: ٧-٨].
فكان الله شاهدًا عليهم رقيبا مطلعًا إذ
یفیضون فیه(١).
ثانيًا: شهادة الله على أهل الكتاب.
فشهادة الله تعالى يوم القيامة على أهل
الكتاب وعلى إيمانهم بالمسيح عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ إِلَّا
لَيُؤْمِنَّنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنِ، وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ
﴾ [النساء: ١٥٩].
١٥٩
شَهِيدًا
قال السعدي: ((الضمير في قوله: ﴿قَبْلَ
مَوْتِهِ﴾ راجع إلى عيسى عليه السلام،
فیکون المعنی: وما من أحد من أهل الكتاب
إلا ليؤمنن بالمسيح عليه السلام قبل موت
المسيح، وذلك يكون عند اقتراب الساعة
وظهور علاماتها الكبار))(٢)
وقال الرازي: (قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي:
قبل موت عيسى، والمراد أن أهل الكتاب
(١) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٣٣٩/١١،
لباب التأويل، الخازن ٣ /٤٠٨.
(٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٢١٣.
وجاء مصحف أبي بن كعب (قبل
موتهم)، ففي هذه القراءة تقوية لعود الضمير
على الكتابي، وقرأ الفياض بن غزوان (وإن
من أهل الكتاب) بتشديد ((إن)) والضمير
المستتر في (يكون) هو لعيسى عليه السلام
في جل الأقوال(٤).
ثالثًا: شهادة الله على أهل النفاق.
وفي شهادة الله على أهل النفاق بين الله
تعالى علاقة المنافقين مع الرسول صلى
الله علیه وسلم إذ كانوا يدعون الايمان كذبًا.
والله تعالى فضحهم، فقال الله تعالى:
﴿إِذَا جَآَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ، وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ
لَكَذِبُونَ ﴾ [المنافقون: ١].
وشهد الله على المنافقين أنهم كانوا
يحلفون للناس بأنهم إنما أرادوا الحسنى
بيناء مسجد الضرار؛ ولكنهم كذبوا، والله
شاهد على كذبهم.
الله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا
(٣) مفاتيح الغيب ١١/ ٢٦٣.
(٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٣٤/٢،
اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٧/ ١١٩.
٤٨
القرآن الكريم

الشهادة
الْحُسْنَىّ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
[التوبة: ١٠٧].
١٠٧
وشهد الله على علاقة المنافقين
بالمؤمنين، وكذلك في علاقاتهم مع
بعضهم ومع الكفار، فشهد على كذبهم،
* أَلَمْ تَّمَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ
فقال الله تعالى:
يَقُولُونَ لِإِخْوَنِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ
لَيْنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا تُطِيعُ فِيَكُثُ
أَحَدَّا أَبَدًا وَإِن قُوْتِلْتُمْ لَنَنَصُرَنَّكُمْ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ
لَكَذِبُونَ ﴾ [الحشر: ١١].
وشهادة الله على كذب المنافقين
والفاسقين تتجلى في أنه يخذلهم في الدنيا،
فلا تصح حساباتهم التي خدعوا الناس
بها، وخدعوا أنفسهم، والله يفضحهم
عاجلًا وآجلا، وأن الله يلهم أهل التقوى من
المؤمنين كذبهم، ولهم الفضيحة الكبرى
يوم الفصل.
قال تعالى: ﴿وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ
[الأنعام: ١٣٠]، [الأعراف:
كَانُواْ كَفِرِين®
٣٧].
كشف القرآن الكريم ما أخفاه المنافقون
في صدورهم تجاه الإسلام ونبيه صلى
الله عليه وسلم، فقال تعالى في شأن بعض
المنافقين: ﴿يَعْتَّذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ
إِلَتِهِمَّ قُل لَّا تَعْتَذِّرُواْ لَنْ تُؤْمِنَ لَكُمْ قَّدْ
نََّنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِ كُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ
وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُونَ إِلَى عَلِ الْغَيْبِ
٩٤
وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ
[التوبة: ٩٤].
ثالثًا: الشهادة على الوحي:
الوحي في اللغة هو الإعلام الخفي، وقد
يضيف البعض قيدًا إلى ذلك، فيقول: هو
الإعلام الخفي السريع(١).
واصطلاحًا: إعلام الله تعالى أنبياءه
ورسله بشرع ليعملوا به ويبلغوه للناس،
فنزلت شريعة التوراة على موسى، ونزل
الإنجيل على عيسى، ونزل القرآن على
محمد صلى الله عليه وسلم (٢).
وقد يطلق لفظ الوحي ويراد به المنزل
من السماء، كما جاء عن عائشة رضي الله
عنها: (أن الحارث بن هشام سأل النبي
صلی الله عليه وسلم: کیف یأتیك الوحي؟
قال: (كل ذاك يأتيني الملك، أحيانًا في مثل
صلصلة الجرس، فیفصم عني، وقد وعیت
ما قال، وهو أشده علي، ويتمثل لي الملك
أحيانًا رجلًا، فيكلمني، فأعي ما يقول)(٣).
وكما في قول عائشة رضي الله عنها:
(ولقد رأیته صلى الله عليه وسلم ينزل عليه
الوحي في الیوم الشديد البرد، فینفصم عنه،
(١) انظر: المصباح المنير، الفيومي ص ٦٥١،
فتح الباري، ابن حجر ١ / ٩.
(٢) انظر: الوحي والإنسان، الجليند ص ٤٩.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الخلق، باب ذكر الملائكة، ٤ /١١٢، رقم
٣٢١٥.
www. modoee.com
٤٩

حرف الشین
وإن جبينه ليتفصد عرقًا)(١).
والله تبارك وتعالى يشهد على الوحي
بأنه أنزل على قلب النبي صلى الله عليه
وسلم.
قال تعالى: ﴿لَكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ
إِلَيْكْ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ، وَالْمَلَتِكَةُ يَشْهَدُونَ
وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: ١٦٦].
ج
یکفر بالذي أوحينا إليك يا محمد اليهود
الذين سألوك أن تنزل عليهم كتابًا من
السماء، وقالوا لك: «ما أنزل الله علی بشر
من شيء» فكذبوك، فقد كذبوا. ما الأمر كما
قالوا: لكن الله يشهد بتنزيله إليك ما أنزل من
كتابه ووحیه، أنزل ذلك إليك بعلم منه بأنك
خيرته من خلقه، وصفيه من عباده، ویشهد
لك بذلك ملائکته، فلا یحزنك تکذیب من
كذبك، وخلاف من خالفك ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ
شَهِيدًا (٦)﴾(٢).
وعن عطاء بن السائب قال: ((أقرأني أبو
عبد الرحمن السلمي القرآن، وكان إذا قرأ
علیه أحدنا القرآن قال: قد أخذت علم الله،
فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل، ثم
يقرأ ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ، وَالْمَلَتِكَةُ يَشْهَدُونَ
وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾
﴿وَالْمَلَتِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أي:
وقوله:
(١) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب القرآن، باب
ما جاء في القرآن ١/ ٢٠٢.
(٢) جامع البيان ٤٠٩/٩.
بصدق ما جاءك وأوحي إليك وأنزل عليك،
مع شهادة الله تعالى لك بذلك، وكفى بالله
شهيدًا))(٣).
ومستند جميع الأنبياء والمرسلين هو
الوحي الذي نزل به الروح الأمین من رب
العالمين.
وهذه شهادة رب العالمين: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا
قال الطبري: ((يعني بذلك جل ثناؤه: إن إِلَيْكَ كُمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالتَّبِيِّئْنَ مِنْ بَعْدِهِ﴾
[النساء: ١٦٣].
* شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الذِّينِ مَا
وقال تعالى:
وَضَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِىٌ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا
بِهَ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا
نَشَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ [الشورى: ١٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَإِلَّ أَنْ فَاعْبُدُونِ
[الأنبياء: ٢٥].
٢٥
فلا طريق لمعرفة عالم الغيب والتصديق
به إلا عن طريق الخبر الصادق الذي یأتینا
عن طريق الوحي، كما يكون عن طريق
الآثار التي تدل عليه، والفطرة السليمة تتلقى
معرفة ذلك بالتسليم والتصديق (٤).
رابعًا: الشهادة على وحدانية الله:
شهادة الله تعالى على توحيده عبارة
عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده،
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٧٦/٢.
(٤) مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية، عثمان
جمعة ضميرية ص ٣٨٧.
٥
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الشهادة
وجاءت شهادة الملائكة وأولي العلم عبارة أبي، حدثني غالبٌ القطان قال: أتيت الكوفة
عن إقرارهم بذلك.
قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ أَلْعِلْرِ قَابِهًا بِالْقِسْطِّ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ
اَلْعَهِزُ الْحَكِيمُ ﴾ [آل عمران: ١٨].
فالشاهد الحقيقي على توحيده هو الله
تبارك وتعالى، وذلك لأنه تعالى هو الذي
خلق الأشياء، وجعلها دلائل على توحيده،
ولولا تلك الدلائل لما صحت الشهادة، ثم
بعد ذلك جعل تلك الدلائل ووفق العلماء
لمعرفة تلك الدلائل، ولولا تلك الدلائل
التي جعلها الله تعالى وهدى إليها، لعجزوا
عن التوصل بها إلى معرفة التوحيد.
ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبِرٌ شَهِدَةً
قُلِ اللّهُ﴾ [الأنعام: ١٩].
وقرأ ابن عباس ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا
هُوَ﴾ بكسر (أنه) ثم قرأ ﴿إِنَّالّذِينَ عِندَ
اَللَّهِ اُلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩].
بفتح إن، أي: شهد هو وملائكته وأولو
العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام.
والجمهور قرءوها بالكسر على الخبر، وكلا
المعنيين صحيح (١).
قال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا
عبدان بن أحمد، وعلي بن سعيد الرازي،
قالا: ثنا عمار بن عمر بن المختار، حدثني
في تجارةٍ، فنزلت قريبًا من الأعمش، فلما
كان ليلةٌ أردت أن أنحدر، قام فتهجد من
الليل، فمر بهذه الآية (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ
إِلَّا هُوَ وَالْمَلَتِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَابِمًا بِاَلْقِسْطِّ لَا إِلَهَ
إِلَّا هُوَ الْعَهِزُ الْحَكِيمُ إِنَّالَّذِينَ عِندَ
اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ﴾، ثم قال الأعمش: وأنا أشهد
بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة،
وهي عند الله وديعةٌ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ
اَلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩].
قالها مرارًا، قلت: لقد سمع فيها شيئًا،
فغدوت إلیه فودعته، ثم قلت: يا أبا محمدٍ،
إني سمعتك تردد هذه الآية، قال: أو ما
بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهرٍ لم
تحدثني، قال: والله لأحدثنك بها إلى سنةٍ،
فأقمت سنةً فكنت على بابه، فلما مضت
السنة قلت: يا أبا محمدٍ، قد مضت السنة،
قال: حدثني أبو وائلٍ، عن عبد الله قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجاء
بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله عز وجل:
عبدي عهد إلي، وأنا أحق من وفى بالعهد،
أدخلوا عبدي الجنة)(٢).
(١) انظر: فتح القدير الجامع بين فني الرواية (٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير،
١٩٩/١٠، رقم ١٠٤٥٣.
والدراية، الشوكاني ١/ ٢٠٩.
www. modoee.com

حرف الشين
الشهادة في الحدود
شرعت الحدود؛ زجرًا للنفوس عن
ارتكاب المعاصي والتعدي على حرمات
الله سبحانه، فتتحقق الطمأنينة في المجتمع
ويشيع الأمن بين أفراده، ويسود الاستقرار،
ويطيب العيش.
كما أن فيها تطهيرًا للعبد في الدنيا؛
لحديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى
الله عليه وسلم: (ومن أصاب من ذلك شيئًا
فعوقب به فهو كفارته)(١).
والحدود: ((عقوبة مقدرة شرعت لصيانة
الأنساب والأعراض والعقول والأموال
وتأمين السبل))(٢).
وحدود الله: محارمه التي نهى عن
ارتکابها وانتهاکھا، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ
اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧].
سميت بذلك؛ لأنها تمنع من الإقدام
على الوقوع فيها.
وقد جاء فى القرآن والسنة النبوية حدود
لجرائم محددة تسمى جرائم الحدود، وهذه
الجرائم هي:
الزنا واللواط، والقذف، والسرقة،،
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود،
باب الحدود كفاراتٌ لأهلها، ٣/ ١٣٣٣، رقم
١٧٠٩.
(٢) الموسوعة الجنائية الإسلامية المقارنة، سعود
ابن عبد العالي بن البارودي، رقم ١٤٢.
جَوَسُوع
القرآن الكريم
والسكر، والحرابة، والردة؛ وفي هذا
المبحث سنتكلم - إن شاء الله- على
الشهادة على ثلاثة من الحدود:
أولًا: الشهادة على الزنا:
أجمع العلماء على أن جريمة الزنا تثبت
بالشهادة أو الإقرار أو الحمل، واتفقوا على أن
عدد الشهود في هذه الجريمة المنكرة أربعة
شهود عدول، سواء أکان في رجم أم جلد،
على حر أو عبد؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّتِى
يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نِسَآَبِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ
عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةٌ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ١٥].
﴿لَوْلَا جَاءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ
ولقوله تعالى:
شُهَدَآءُ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأَوْلَكَ عِندَ اللَّهِ
هُمُ الْكَذِبُونَ ﴾ [النور: ١٣].
وهذا العدد شرط في قبول الشهادة
على الزناة لقول الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ
الْمُحْصَنَاتِ ثُمّ ◌َمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَكَ فَأَجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ
جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَيْكَ هُمُ
اَلْفَسِقُونَ ﴾ [النور: ٤].
ولما جاء عن سعد بن عبادة رضي الله
عنه. قال: (يا رسول الله إن وجدت مع
امرأتي رجلًا، أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟
قال: نعم)(٣).
ولأن الشهادات تتغلظ بتغليظ المشهود
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها،
١١٣٥/٢، رقم ١٤٩٨.
٥٢

الشهادة
فيه، فلما كان الزنا من أغلظ الفواحش حلا لمشكلته، وإزالة الحرج عنه؛ لئلا
يلحقه العار بزناها، ويفسد فراشه، ويلحقه
ولد غيره.
المحظورة وآخرها، كانت الشهادة فيه
أغلظ: ليكون أستر للمحارم، وأنفى للمعرة،
ولا يجوز أن تسمع فيه شهادة النساء.
واللعان: شهادات مؤكدات بأيمان من
ولأن الزنا لا يكون إلا من اثنين، فلزم أن الجانبين، مقرونة بلعن من الزوج، وغضب
من الزوجة (٥).
يشهد على كل واحد منهما شاهدان؛ لأنه
كالشهادة على فعلين (١).
أما الإقرار بالزنا فشرطه شاهدان لا
أربعة، كغيره من الإقرارات، يعني: لو أقر
شخص بأنه زنا، فإن إقراره هذا لا يثبت عليه
عند القاضي إلا بشهادة عدلين عليه(٢).
ویجب أن یشهد الأربعة ويقولون: رأينا
إيلاج الذكر في الفرج كالميل في المكحلة
بالتفصيل؛ لأنه لا يكفي الإجمال في هذه
الحالة(٣).
وإن شهد اثنان على رجل بأنه زنی بها
في الكوفة، وشهد آخران بأنه زنی بها في
البصرة مثلًا، فلا تقبل الشهادة، ولا يقام
عليهما الحد بالإجماع، ويحد الشهود حد
القذف (٤).
وإذا رأى الرجل زوجته تزني، ولا يجد
أربعة شهداء يشهدون على ذلك، ولا يمكنه
إقامة البينة، فقد شرع الله عز وجل اللعان
(١) انظر: مغني المحتاج، الشربيني ٤ /٤٤١.
(٢) انظر: نهاية المحتاج، الرملي ٣١٠/٨.
(٣) انظر: تحفة المحتاج، الهيتمي ٣٤٦/١٠.
(٤) انظر: الفقه على المذاهب الأربعة، الجزيري
٣٩/٥.
قال الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ
وَلَرْ يَكُن لَمْ شُهَدَآَةُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةٌ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ
شَهَدَتِ يِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِفِينَ ، وَالْخَيِسَةُ
أَنَّ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِينَ
[النور:٦-٧].
وصفة اللعان: هو أن يأتي بأربعة أيمان،
والخامسة اللعنة، كما قال تعالى: ﴿وَلَزْيَكُن
لَمْ شُهَدَّةُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتِ
بِلَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ ﴾ [النور: ٦].
فيأتي إلى الحاكم فيقذف زوجته فلانة
بأنه رأی الفاحشة بعينه، وسمع بأذنه، ولم
يكن له شهداء، فإذا لم يكن له شهداء،
ولم يشهد بذلك إلا نفسه، ولم ينقل ذلك
إلا عن رؤيته وعن سمعه، فهذا يشهد أربع
شهادات، والخامسة اللعنة؛ فيقوم مقام
الشهداء الأربعة (٦).
ثم يؤتى بالزوجة المتهمة المقذوفة
فتشهد أربع شهادات على زوجها فلانًا قد
کذب علیها في اتهامها بالزنا مع فلان، وفي
(٥) انظر: كشف القناع، البهوتي ٣٩٠/٥.
(٦) انظر: تفسير المراغي ٧٦/١٦، صفوة
التفاسير، الصابوني ٢٩٩/٢.
www. modoee.com
٥٣

حرف الشین
الخامسة تقول: أن غضب الله عليها إن كان حق المرء المسلم، ولذا شرعت الحدود
والعقوبات، حتى تكون زاجرًا عن المعصية،
صادقًا في تهمته.
والوقيعة فيها.
قال تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ
٨
أَرْبَعَ شَهَدَتِمٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ، لَمِنَ الْكَذِبِينَ
[النور: ٨].
سبب كون اللعنة على الرجل والغضب
على المرأة: لأن الغضب يكون على الجرم
والإثم عن علم، وعن نية مبيتة وقصد
سابق، فقد غضب الله على اليهود؛ لأنهم
ضلوا عن علم ومعرفة سابقة، ومع علمهم
بذلك حسدوا النبي صلی الله عليه وسلم،
وحسدوا العرب أن تكون النبوءة فيهم،
فكانوا مغضوبًا عليهم، ﴿مِرَّطَ الَّذِينَ أَنْعَتَ
عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الْعَآلِينَ ﴾
[الفاتحة: ٧]. بذلك يرتفع الحد عنها وعنه،
فهي لا ترجم، وهو لا يجلد، ويفرق بينهما،
فهذا حكم الله الواجب الذي أنزله على
رسوله صلی الله علیه وسلم.
ثانيًا: الشهادة على السرقة:
السرقة کبیرة من كبائر الذنوب؛ لأن كل
معصية أوجب الله تعالى فيها حدًا، فهي
كبيرة من الكبائر، لذا حرم الله تعالى أكل
أموال الناس بغير حق، قال تعالى: ﴿ وَلَا
تَأْكُلُواْ أَمْوَ لَّكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
والذي يسرق آكل للمال بالباطل.
فبين سبحانه أنه لا يجوز الاعتداء على
لذلك أنزل الله تعالى حد السرقة،
وبين حد السارق، فقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ
وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَمُوْاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَّآءٌ بِمَا
كَسَبَا تَكَلًا مِّنَ اللَّهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
[المائدة: ٣٨].
ولم يفرق في الحكم بين الشريف
والوضيع، كما جاء في قصة المخزومية،
خلافًا للعادة الجاهلية في استيفاء الحقوق
على الضعفاء والمغلوبين والترك عن
الشرفاء والمرموقين.
والسرقة إفساد في الأرض، قال إخوة
السلام لما اتهموا بسرقة
يوسف عليه
صواع الملك ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا
جِدْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَرِقِينَ
(٣)﴾ [يوسف: ٧٣].
وقال النبي صلی الله عليه وسلم (لا
يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق
السارق حين يسرق وهو مؤمن) (١).
وقال صلى الله عليه وسلم: في حجة
الوداع وهو يخطب الناس: (إن دماءكم،
وأموالكم، وأعراضکم حرام عليكم كحرمة
يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم،
باب النهبى بغير إذن صاحبه، رقم ٢٤٧٥، عن
أبي هريرة رضي الله عنه.
جَوَبُ
القرآن الكريمِ
٥٤

الشهادة
هذا)(١).
والسرقة: أخذ المال على وجه الاختفاء
من مالكه، أو نائبه(٢).
فلو سرق الإنسان دخانًا، فليس هذا
سرقة شرعًا؛ لأن هذا الدخان ليس له حرمة،
وكذلك لو سرق خمرًا فإنها ليست بسرقة
شرعًا؛ لأنه ليس بمال، فالمال هو العين
المباحة النفع، وهذه عين محرمة (٣).
والشهادة على السرقة تكون بشاهدي
عدل، أو الإقرار، والعدل هو من استقام
دینه، واستقامت مروءته، فهو ذو دین، وذو
مروءة لم يفعل ما يخل بالدين، ولم يفعل ما
يخل بالشرف والمروءة، فلا بد فى الشهادة
إذن أن یکون الشاهدان اثنین عدلین (٤).
ولا تقبل شهادة النساء في السرقة؛ لأن
الحدود لا يقبل فيها إلا الرجال، فإن شهد
رجل وامرأتان فلا تقطع اليد، أو أربعون
امرأة لا تقطع اليد، أو رجل واحد لا تقطع
اليد، أو رجل فاسق ورجل عدل لا تقطع
اليد، أو رجلان فاسقان لا تقطع اليد؛ لأنه لا
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القسامة،
باب تغليظ تحريم الدماء، رقم ١٦٧٩، عن
أبي بكرة رضي الله عنه.
(٢) انظر: حاشية اللبدي على نيل المآرب
٤٠٢/٢.
(٣) انظر: المعونة، القاضي عبدالوهاب
١٥٥١/٣، روضة الطالبين، النووي
٨/ ٢٢٥.
(٤) انظر: المهذب، الشيرازي ٣/ ٤٥٠، الإجماع،
ابن المنذر ص ٨٧.
بد من رجلین عدلین(٥).
فلو أقر مرة واحدة، ثبت شهادته على
نفسه، وقال: إني سرقت قطعت يده.
والدليل على ذلك أنه جيء بسارق إلى
الرسول صلی الله عليه وسلم فأقر بأنه سرق
فقال: (ما إخالك سرقت؟ قال: بلى يا رسول
الله، فأمر بقطعه)(٦).
وقول الرسول صلی الله عليه وسلم له:
(ما إخالك سرقت) أراد بذلك التثبت(٧) .
ثالثًا: الشهادة على رمي المحصنات:
القذف: الرمي بزنى أو لواط، أو شهادة
بأحدهما ولم تكمل البينة، أو نفي نسب
موجب للحد فيهما.
وقد حرمه الله تعالى في القرآن العظيم،
فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرِّمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَ لَمْ
يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّةٍ فَأَجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ
لَهُمْ شَهْدَةً أَبَدًا وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾
[النور: ٤].
وجاء مع الأمر بجلد القاذف أمران نصت
عليهما الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْبَلُواْ
◌َكُمْ شَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ونصت
(٥) انظر: تبيين الحقائق، الزيلعي ٢٠٨/٤،
الإنصاف، المرداوي ٧٨/٢.
(٦) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٩٣/٥، عن أبي
أمية المخزومي.
وصححه ابن القطان، كما في تلخيص الحبير،
ابن حجر ٤ /١٢٥.
(٧) انظر: تبيين الحقائق، الزيلعي ٢٠٨/٤،
الإنصاف، المرداوي ٧٨/٢.
www. modoee.com

حرف الشین
الآية الكريمة على عدد الجلد، وهو ثمانون رجلاً فكذلك يجلد قاذفه أيضًا، ليس في
هذا نزاعٌ بين العلماء. فأما إن أقام القاذف
بينةً على صحة ما قاله، رد عنه الحد؛ ولهذا
قال تعالى: ﴿ثُمَّلَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَلَهُ فَأَجْلِدُ وهُمْ
ثَمَنِينَ جَدَةً وَلَا نَقْبَلُوْ لَهُمْ شَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَكَ هُمُ
الْفَسِقُونَ ﴾ [النور: ٤].
جلدة إذا قذف الرجل المحصنة العفيفة،
وكذلك إذا قذف رجلًا أيضًا فإنه يجلد
كذلك، إلا أن يأتي القاذف ببينة على صحة
القذف، أي: يأتي بأربعة شهداء يشهدون
على صحة قوله.
والقاذف ملعون في الدنيا والآخرة، قال
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْفَهِلَتِ
الْمُؤْمِنَتِ لُمِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَاْآَخِرَةِ وَلَمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ ﴾ [النور: ٢٣].
قال ابن جرير الطبري: «نزلت هذه الآية
في شأن عائشة، والحكم بها عام في كل من
كان بالصفة التي وصفه الله بها فيها))(١). قال
الطبري أيضًا: ((يقول تعالى ذكره: والذين
يشتمون العفائف من حرائر المسلمين،
فیرمونهن بالزنا، ثم لم يأتوا على ما رموهن
به من ذلك بأربعة شهداء عدول، یشهدون
عليهن أنهم رأوهن يفعلن ذلك، فاجلدوا
الذين رموهن بذلك ثمانين جلدة، ولا
تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الذين
خالفوا أمر الله وخرجوا من طاعته ففسقوا
عنها)) (٢).
قال الحافظ ابن كثيرٍ: «هذه الآية الكريمة
فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة، وهي
الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان المقذوف
(١) جامع البيان، ١٩/ ١٤٠.
(٢) المصدر السابق ١٩/ ١٠٢.
فأوجب على القاذف إذا لم يقم بينةً على
صحة ما قاله ثلاثة أحكام: أحدها: أن يجلد
ثمانين جلدةً، الثاني: أنه ترد شهادته دائمًا،
الثالث: أن یکون فاسقًا لیس بعدل، لا عند
الله ولا عند الناس))(٣)
وعن سعيد بن زيدٍ عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (إن من أربى الربا الاستطالة
في عرض المسلم بغير حق) (٤).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا
السبع الموبقات، قيل: وما هي يا رسول
الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل
النفس، التي حرم الله إلا بالحق، وأكل
الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف،
وقذف المحصنات الغافلات)(٥).
قال الإمام النووي: ((المحصنات
(٣) تفسير القرآن العظيم ٦/ ١٤.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب
في الغيبة، رقم ٤٨٧٦.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٤٣٩/١، رقم ٢٢٠٣.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان الكبائر وأكبرها، رقم ٨٩.
٥٦
البيـ
جوي
الْقُرْآن الكَرِيمِ

الشهادة
الغافلات، فبكسر الصاد وفتحها قراءتان
في السبع، قرأ الكسائي بالكسر والباقون
بالفتح، والمراد بالمحصنات هنا العفائف،
وبالغافلات الغافلات عن الفواحش وما
قذفن به)) (١).
والقذف الذي يوجب الحد هو الرمي
بالزنا أو اللواط، أو ما يقتضيهما كالتشكيك
في الأنساب، والطعن في الأمهات تصريحًا،
لا تعريضًا ولا تلميحًا، إلا إن أقر المعرض
بأن مراده هو القذف الصريح.
قال الإمام القرطبي ((اتفق العلماء على فقال: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ
أنه إذا صرح بالزنی کان قذفًا ورميًا موجبًا
للحد، فإن عرض ولم يصرح فقال مالكٌ:
هو قذفٌ. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا
یکون قذفًا حتى يقول أردت به القذف»(٢).
وقال أيضًا: ((للقذف شروط عند
العلماء تسعة: شرطان في القاذف؛ وهما:
العقل والبلوغ؛ لأنهما أصلا التكليف، إذ
التكليف ساقط دونهما، وشرطان في الشيء
المقذوف به، وهو: أن يقذف بوطء يلزمه
فيه الحد، وهو الزنى واللواط، أو بنفيه
من أبيه دون سائر المعاصي. وخمسة من
المقذوف؛ وهي: العقل والبلوغ والإسلام
والحرية والعفة عن الفاحشة التي رمي بها،
كان عفيفًا من غيرها أم لا)) (٣).
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٨٤.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ١٧٣.
(٣) المصدر السابق ١٢/ ١٧٤ .
الشهادة في الحقوق
الحق: مفرد جمعه حقوق، وهو خلاف
الباطل، والحقوق مجموعة من القواعد
والنصوص التشريعية التي تنظم حياة الناس
من حيث الأشخاص والأموال على سبيل
الإلزام هو اختصاص يقرره الشرع أو السلطة
الحاكمة (٤).
أولًا: الإشهاد على البيع:
أمر الله تبارك وتعالى بالإشهاد على البيع
كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ، فُسُوقُاْ
بِكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاَللَّهُ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
والأمر هنا بالإشهاد للندب والإرشاد إلى
ما فيه المصلحة والخير، كما قال جمهور
الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية
والحنابلة، وليس للوجوب، وحمل الأمر
على الندب؛ لأن الأمر في قول الله تعالى:
﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، منسوخ، بقول
الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضَا فَلْيُؤَّ
الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وقاله الشعبي والحسن البصري(٥).
ومما يدلل على الندب حدیث سوید بن
قيس قال: (جلبت أنا ومخرفة العبدي بزًا
(٤) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٦٧.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٢٥/١.
www. modoee.com
٥٧

حرف الشین
من هجر، فجاءنا النبي صلى الله عليه وسلم
فساومنا بسراویل، وعندي وزان یزن بالأجر،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم للوزان: (زن
وأرجع)(١).
و کذلك بالحديث الذي يرويه عم عمارة
بن خزيمة أن النبي صلى الله عليه وسلم
اشترى من أعرابي فرسًا، فجحده الأعرابي
حتی شهد له خزيمة بن ثابت وورد بعدة
صيغ شهادة خزيمة (٢).
من الملاحظ على هذه الأحاديث أن الكتاب والإشهاد في الديوان والبياعات غير
واجبين (٥).
البيع تم، ولم يكن شهود على هذه العقود،
فدل أن الأمر في الآية للندب وليس
للوجوب.
قال الجصاص: ((ولا خلاف بين فقهاء
الأمصار أن الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن
المذکور جمیعه في هذه الآية، ندب وإرشاد
إلى ما لنا فيه الحظ والصلاح والاحتياط
الدين والدنيا، وأن شيئًا منه غير واجب))(٣).
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب البيوع، باب
ما جاء في الرجحان في الوزن ٣/ ٥٩٨، رقم
١٣٠٥.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٦٦٨/١، رقم ٣٥٧٤.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأقضية،
باب القضاء باليمين والشاهد، ٣/ ٤٦٠، رقم
٣٦٠٨.
وصححه، الألباني في الإرواء، ١٢٧/٥، رقم
١٢٨٦.
(٣) أحكام القرآن، الجصاص ٢٠٦/٢.
وقد نقلت الأمة خلفًا عن سلف
عقود المداينات والأشرية والبياعات في
أمصارهم من غير إشهاد، مع علم فقهائهم
بذلك من غير نكير منهم عليهم، ولو كان
الإشهاد واجبًا لما تركوا النكير على تاركه
مع علمهم به (٤).
فلما لم ينقل عن الصحابة والتابعين
الإشهاد بالنقل المستفيض ولا إظهار
النكير على تاركه من العامة، ثبت بذلك أن
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى:
﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةٌ حَاضِرَةً تُدِيُرُونَهَا
بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلََّّ تَكْثُبُوهَا﴾
[البقرة: ٢٨٢] ((أي: إذا كان البيع بالحاضر يدًا
بيد، فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور
في تر کھا»(٦).
ثانيًا : الإشهاد على الدين:
أمر الله تعالى بتوثيق الديون، والإشهاد
على ذلك، جاء ذلك في آية الدين التي هي
أكبر آية في القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُواً
وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَائِبٌ بِالْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ
(٤) انظر: فقه السنة، سيد سابق ٧٤/٣.
(٥) المصدر السابق.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٢٦/١.
٥٨
جَوَسُولَة
الْقُرآن الكَرِيمِ