النص المفهرس

صفحات 41-49

الشورى
كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله
علیه وسلم وأبو بكر قاعدین یبکیان، قلت:
يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي
أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاءً بكيت،
وإن لم أجد بكاء تباکیت لبكائكما! فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبكي
الذي عرض علي أصحابك من أخذهم
الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من
هذه الشجرة) شجرة قريبة من نبي الله صلى
الله عليه وسلم، وأنزل الله عز وجل: ﴿مَا
كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُدْ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ
فِ الْأَرْضَِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ
اْأَخِرَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ لَوْلَا كِتَبُّ مِنَ
اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْ تُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (
تَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلًا طَيِّبَأْ وَأَتَّقُوا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧ -٦٩]. فأحل الله
الغنيمة لهم)(١).
وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله
عنه قال: (لما کان یوم بدر، قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (ما تقولون في
هؤلاء الأسرى؟) فقال أبو بكر: يا رسول الله
قومك وأهلك استبقهم، واستأن بهم؛ لعل
الله أن یتوب علیھم، وقال عمر: يا رسول
الله، أخرجوك وكذبوك، قربهم فاضرب
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد،
باب الإمداد بالملائكة، ١٣٨٣/٣، رقم
٠١٧٦٣
وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول
الله انظر واديًا كثير الحطب، فأدخلهم فيه،
ثم أضرم عليهم نارًا، قال: فقال العباس:
قطعت رحمك! قال: فدخل رسول الله
صلی الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئًا،
قال: فقال ناسُ: یأخذ بقول أبي بكر، وقال
ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ
بقول عبد الله بن رواحة، قال: فخرج عليهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إن
الله لیلین قلوب رجال فیه حتی تکون ألین
من اللبن، وإن الله ليشد قلوب رجال فيه
حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك
يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام، قال:
﴿فَنْ تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّيّ وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦].
ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، قال:
﴿إِنْ تُعَذِّبَهُمْ فَإَِهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: ١١٨].
وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال:
لَنَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦].
وإن مثلك يا عمر کمثل موسى، قال:
﴿وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَقِّ يَرَوْ اَلْعَذَابَ
اُلْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨].
أنتم عالةٌ فلا ينفلتن منهم أحدٌّ إلا بفداء،
أو ضربة عنق). قال عبد الله: فقلت: يا
رسول الله إلا سهيل ابن بيضاء، فإني قد
سمعته يذكر الإسلام، قال: فسكت رسول
www. modoee.com
١٢٧

حرف الشین
الله، قال: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع
علي حجارة من السماء في ذلك اليوم حتى
قال: (إلا سهيل بن بيضاء). قال: فأنزل
الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ
أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِىِ الْأَرْضِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ
الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[الأنفال: ٦٧](١).
ب. في معركة أحدٍ: في السنة الثالثة من
الهجرة النبوية في شهر شوال كانت غزوة
أحد؛ وذلك أن قريشًا أرادت الثأر لقتلاها
واستعادة هيبتها التي اهتزت وسقطت
في معركة بدر، كما أرادت تأمين طريقها
التجاري إلى بلاد الشام، فبدأت بالاستعداد
لمحاربة المسلمين، وجمعت قواتها،
وسارت حتى وصلت إلى مشارف المدينة
النبوية، وعلم النبي صلی الله عليه وسلم
بذلك.
وهنا بدأ عليه الصلاة والسلام باستشارة
أصحابه في الموقف، وما الذي ينبغي
فعله أمام هذا الخطر القائم القادم؟ وكان
أصحاب النبي صلی الله عليه وسلم أمام
هذه المشورة صنفين:
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ١٣٨/٦، رقم
٣٦٣٢، والترمذي في سننه، أبواب التفسير،
تفسير سورة الأنفال، ٢٧١/٥، رقم ٣٠٨٤.
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي
ص٣٧٩.
الأول: متحمس للخروج لملاقاة العدو
خارج المدينة، وبخاصة من فاتهم شرف
الحضور في معركة بدر.
والثاني: رأى أن يبقى في المدينة متحصناً
مدافعًا عنها إذا دهمها الأعداء، فإن ذلك
يقلل خسائر المسلمين، ويوقع الخسارة
بالأعداء (٢).
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
«واستشار رسول الله صلی الله عليه وسلم
أصحابه أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟
فبادر جماعة من فضلاء الصحابة - ممن فاته
الخروج يوم بدر- إلى الإشارة بالخروج
إليهم، وألحوا عليه صلى الله عليه وسلم
في ذلك، وأشار عبد الله بن أبي بن سلول
بالمقام بالمدينة، وتابعه على ذلك بعض
الصحابة»(٣).
ج. وفي غزوة الخندق: وكانت في سنة
خمس من الهجرة في شوال على أصح
القولين، وفيها تحالفت القوى اليهودية
وأهل الشرك والوثنية من القبائل العربية،
وتآمرت على الإسلام والمسلمين، وعلى
نبيهم الكريم، وفي هذه الغزوة نذكر موقفين
استشار فيهما النبي صلى الله عليه وسلم
أصحابه:
(٢) انظر: دروس في السيرة النبوية وعبرها، أحمد
محمد العليمي ص١٦٨.
(٣) الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه
وسلم ص٣٨.
١٢٨
جوسين
القرآن الكريم

الشورى
١. قبل المعركة: فلما سمع رسول الله
صلى الله عليه وسلم بمسير الأحزاب
إليه، استشار الصحابة، فأشار عليه
سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر
خندقٍ يحول بين العدو وبين المدينة،
فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم
فبادر إليه المسلمون، وعمل بنفسه فيه،
وبادروا هجوم الكفار علیھم، وكان في
حفره من آیات نبوته، وأعلام رسالته ما
قد تواتر الخبر به (١).
٢. وفي أثناء المعركة: نقضت قريظة العهد
الذي بينها وبين رسول الله صلى الله
علیه وسلم، وبلغ رسول الله صلى الله
عليه وسلم خبر بني قريظة، ونقضهم
للعهد، وأقام المشركون محاصرين
رسول الله صلی الله علیه وسلم شھرًا،
ولم یکن بينهم قتالٌ لأجل ما حال الله
به من الخندق بينهم وبين المسلمين؛
ولما طالت هذه الحال على المسلمین،
أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يصالح عيينة بن حصنٍ، والحارث بن
عوف رئيسي غطفان، على ثلث ثمار
المدينة، وينصرفا بقومهما، وجرت
المفاوضة على ذلك، وفي رواية أنهم
كتبوا كتاب الصلح على ذلك، ولم تقع
الشهادة ولا عزيمة الصلح، فاستشار
(١) زاد المعاد ٢/ ١٧٣.
السعدين (سعد بن معاذ، وسعد بن
عبادة) في ذلك، فقالا: (یا رسول الله؛
إن كان الله أمرك بهذا، فسمعًا وطاعة،
وإن كان شيئًا تصنعه لنا فلا حاجة لنا
فیه، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على
الشرك بالله، وعبادة الأوثان، وهم لا
يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرّى
أو بيعًا، فحين أكرمنا الله بالإسلام،
وهدانا له، وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا؟
والله لا نعطيهم إلا السيف، فصوب
رأيهما، وقال: (إنما هو شيء أصنعه
لكم لما رأيت العرب قد رمتكم عن
قوس واحدة) فشق الصحيفة، وقال:
(اذهبوا لا نعطيكم إلا السيف)(٢).
ثانيًا: في حادثة الإفك:
ونحن هنا أمام لون جديد من الشورى
والمشاورة في العهد النبوي، فلئن كانت
الأمثلة السابقة في النقطة الأولى تشير إلى
الشورى في الأمور العامة وقت الحرب
والتدبير العسكري، فإننا في هذه النقطة أمام
مثال آخر يقع في مجال الأمور الشخصية
والبيتية لرسول الله صلی الله عليه وسلم،
استشار فيه النبي عليه الصلاة والسلام
(٢) انظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد ٧٣/٢،
والسيرة النبوية، ابن هشام ٢٢٣/٢، زاد
المعاد، ابن القيم ٢٤٦/٣-٢٤٧، أصول
العلاقات الدولية في فقه الإمام الشيباني،
عثمان ضميرية ١/ ٦٤٥-٦٤٦.
www. modoee.com
١٢٩

حرف الشین
أقاربه وخاصته من الرجال والنساء، في
فراق عائشة رضي الله عنها لما قال فيها أهل
الإفك ما قالوا(١).
ثم استشار أصحابه بعامة في التصرف
مع الذين أشاعوا قالة السوء، وحديث
الإفك والبهتان.
قال الإمام البخاري رحمه الله في
حديث عائشة: (فدعا رسول الله صلى الله
عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة ابن
زيد رضي الله عنهما حين استلبث الوحي
يستأمرهما في فراق أهله، قالت عائشة
رضي الله عنها: فأما أسامة ابن زيدٍ فأشار
على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي
يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في
نفسه من الود، فقال: يا رسول الله أهلك وما
نعلم إلا خيرًا، وأما علي بن أبي طالب فقال:
یا رسول الله لم یضیق الله عليك، والنساء
سواها كثيرٌ، وإن تسأل الجارية تصدقك.
(١) الإفك: أسوأ الكذب، سمي إفكًّا لكونه
مصروفًا عن الحق، من قولهم: أفك الشيء إذا
قلبه عن وجهه، وقوله تعالى: ﴿قَنَّلَهُمُ اللَّهُ
أَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: يصرفون عن الحق
في الاعتقاد إلى الباطل، ومن الصدق في
المقال إلى الكذب، ومن الجميل في الفعل
إلى القبيح، وسمي الكلام الذي قيل عن
عائشة رضي الله عنها إفكّا، وذلك لأنها كانت
تستحق الثناء لما كانت عليه من الحصانة
والشرف، فمن رماها بالسوء قلب الأمر عن
و جهه.
انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٢/٦،
المفردات، الراغب ص٧٩.
قالت عائشة: فدعا رسول الله صلى
الله عليه وسلم بريرة فقال: (أي بريرة! هل
رأيت عليها من شيء يريبك؟) قالت بريرة:
لا، والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا
أغمصه -أعيبه- عليها أكثر من أنها جاريةٌ
حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي
الداجن فتأكله.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم
فاستعذر يومئذٍ من عبد الله بن أبي بن
سلول، فقال -وهو على المنبر -: (يا معشر
المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني
أذاه في أهل بيتي، فو الله ما علمت على
أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت
عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا
معي).
فقام سعد بن معاذٍ الأنصاري فقال: يا رسول
الله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس
ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من
الخزرج أمرتنا، ففعلنا أمرك، قالت: فقام
سعد بن عبادة وهو سید الخزرج، و کان قبل
ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية،
فقال لسعدٍ: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا
تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير وهو
ابن عم سعد، فقال لسعد ابن عبادة: كذبت
لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن
المنافقين، فتشاور الحيان الأوس والخزرج
حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله
١٣٠
القرآن الكريم

الشورى
عليه وسلم قائمٌّ على المنبر، فلم يزل رسول ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم،
الله صلی الله عليه وسلم یخفضهم حتى
سکتوا وسکت.
قالت عائشة: فمکثت يومي ذلك لا يرقأ لي
دمع، ولا أکتحل بنوم، فأصبح أبواي عندي
-وقد بکیت لیلتین ویومًا لا أُکتحل بنوم، ولا
پرقا لي دمع- یظنان أن البكاء فالق کېدي.
قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا
أبكي، فاستأذنت علي امرأة من الأنصار
فأذنت لها، فجلست تبکي معي، فبينما نحن
على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله
علیه وسلم، فسلم ثم جلس، قالت: ولم
يجلس عندي منذ قیل ما قيل قبلها، وقد لبث
شهرًا لا یوحی إلیه في شأني، فتشهد رسول
الله صلی الله عليه وسلم حین جلس، ثم
قال: (أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك
كذا و كذا، فإن کنت بریئةً فسیبرتك الله، وإن
کنت ألممت بذنب فاستغفري الله، وتوبي
إلیه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى
الله تاب الله عليه).
قالت: فلما قضى رسول الله صلى
الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما
أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول
الله صلی الله علیه وسلم فیما قال، فقال أبو
بکر: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى
الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي رسول
الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ما أدري
قالت: فقلت -وأنا جارية حديثة السن لا
أقرأ كثيرًا من القرآن -: إني والله لقد علمت
لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في
أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني
بريئة - والله يعلم أني بريئة- لا تصدقوني
بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر -والله يعلم
أني منه بريئة - لتصدقني! والله ما أجد لكم
مثلًا إلا قول أبي يوسف قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي،
وأنا حينئذٍ أعلم أني بریئة، وأن الله مبرئي
ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله
منزل في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي
كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى،
ولکن کنت أرجو أن یری رسول الله صلى
الله عليه وسلم في النوم رؤیا یبرئني الله بها.
قالت: فو الله ما رام رسول الله صلى
الله عليه وسلم، ولا خرج أحدٌ من أهل
البيت حتى أنزل عليه الوحي، فكانت أول
كلمة تكلم بها: (يا عائشة أما الله عز وجل
فقد برأك، وأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالْإِفْكِ
عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَّحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُنَّ
لِكُلِ أَمْرِيٍ مِّنْهُم مَّا أَكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِّ وَالَّذِى تَوَلَّى
كِبْرَهُمِنْهُمْ لَهُ عَذَّابٌ عَظِيمٌ ) لَوْلَا إِذْسَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ
اٌلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرً وَقَالُواْ هَذَا
إِفْكٌ مُِّينٌ ( لَّوْلَا جَاءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ.
www. modoee.com
١٣١

حرف الشين
فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِهُمُ
اَلْكَذِبُونَ (٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اُللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْتُهُ،فِ
الدُّنْيَا وَالْآَخِرَقِ لَمَتَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَ حِكُرُ مَّالَيْسَ
لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَحْسَبُونَهُ, هَيْنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ
﴿ وَلَوْلاَ إِذْسَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَنْ تَّتَكَلَّمَ
◌ِهَذَا سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَنُّ عَظِيمٌ { يَعِظُكُمُ اللَّهُ
أَنْ تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبْدًا إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيْنَ
اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِّ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ ) إِنَّ
الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَّمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ
لَا تَعْلَمُونَ ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
وَرَحْتُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ١١-
٢٠])(١) .
ثالثًا: الاتصال الفردي بأهل
الاختصاص:
وإذا كانت تلك الوقائع في مشاورة النبي
صلى الله عليه وسلم لأصحابه تنصب على
الوقائع العسكرية والاجتماعية أو الشخصية
الخاصة، شاور فيها من حضر منهم، أو
استطلع آراء الجماعة في أمر من الأمور،
أو رأي أفراد يمثلون الجماعة ويعبرون عن
رأيها وموقفها.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب حديث الإفك، ١١٦/٥، رقم
٤١٤١، ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة،
باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف،
٢١٢٩/٤، رقم ٢١٣٨.
ومن جهة أخرى: فيها ما هو مشاورة
ابتداءً طلب فيها النبي عليه الصلاة والسلام
منهم إبداء الرأي، وفيها ما هو قبول للرأي
الذي أبداه بعضهم في قضية من القضايا قبل
أن یطلب منهم ذلك، أو دون أن يطلبه فإن
هذا المطلب يلمح إلى طريقة في الشورى
تقوم على الاتصال ببعض الأفراد من أهل
الرأي والشورى أو من أهل الاختصاص
أو الدراية، ويمكن أن نلمح ذلك في تلك
الوقائع نفسها، وفي وقائع أخرى غيرها.
ففي الوقائع السابقة نجد مثلًا لذلك في
استشارة النبي صلى الله عليه وسلم علي بن
أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما
في مفارقة أهله لما قال فيها أهل الإفك ما
قالوا واستلبث الوحي، فأشار كل واحد
منهما بما یری، کما تقدم آنفًا، حيث أشار
عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن
يفارقها ويأخذ غيرها، تلويحًا لا تصريحًا.
وأشار عليه أسامة بن زيدٍ رضي الله عنه
بإمساكها وألا يلتفت إلى كلام الأعداء،
وسأل الجارية بريرة: (هل رأيت عليها من
شيء يريبك؟) فقالت: لا، والذي بعثك
بالحق ما رأيت عليها أمرًا أعيبه عليها أكثر
من أنها جاريةٌ حديثة السن تنام عن عجين
أهلها فتأتي الداجن فتأكله(٢).
وفي معركة بدر: تقدم من رواية الواقدي:
(٢) سبق تخريجه في الحاشية السابقة.
جَوَسُولَة النبي
القرآن الكريمِ
١٣٢

الشورى
(أن النبي صلی الله عليه وسلم سار حتی
نزل عشیًا أدنى ماءٍ من میاه بدر إلى المدينة،
فقال: (أشيروا علي في المنزل) فأشار عليه
الحباب بن المنذر فقال: يا رسول الله، أنا
عالمٌ بها وبآبارها! إن رأيت أن نسیر إلی آبارٍ
قد عرفناها، فهي كثيرة الماء عذبة، فننزل
عليها، ونسبق القوم إليها ونغور ما سواها من
المياه، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأيه
هذا)(١)، فإن الحباب صاحب علم ورأي في
هذا الأمر، فهو من أهل الاختصاص فيه.
وفي غزوة الخندق: لما أراد عليه الصلاة
والسلام أن يصالح قبيلة غطفان على
الانصراف عن الأحزاب مقابل ثلث ثمار
المدينة لذلك العام، استشار سعد بن معاذ
وسعد بن عبادة رضي الله عنهما وهما سيدا
الأوس والخزرج، فكانا يعبران عن رأي
قومهما، ولم يأخذ عليه الصلاة والسلام
رأي الأنصار جمیعًا أو فردًا فردًا.
ففي كل هذه الأمثلة والوقائع استشار
النبي صلى الله عليه وسلم أفرادًا من أهل
الاختصاص، أو من خاصته صلى الله عليه
وسلم، أو هم الذين يعنيهم الأمر مباشرة، في
أنفسهم أو فيمن ينوبون عنه، فكان ذلك لونًا
من ألوان الشورى وتطبيقاتها في عهد النبوة.
(١) المغازي، الواقدي ١/ ٥٣.
رابعًا: انتخاب نقباء ممثلين للمتشاور
معهم:
قد تقتضي الشوری أن یؤخذ رأي ممثلین
للأمة أو الجماعة، وتدعو لذلك مصلحة
تحقيق الغاية من الشورى ومعرفة الرأي
للقوم على الوجه الصحيح دون تأثيرات
أو دون عوامل قد تجعل إبداء الرأي لا يعبر
عن إرادة حرة، فيكون من الحكمة أن يؤخذ
الرأي عن طريق ممثلين للجماعة، وهم
العرفاء أو النقباء الذين تختارهم الجماعة
ليمثلوها، فيستطلعون رأيها على الحقيقة،
ثم ينقلونه لمن يطلب الشورى.
فقد أخرج الإمام البخاري عن ابن
شهاب، عن عروة بن الزبير، أن مروان
والمسور بن مخرمة أخبراه: (أن النبي صلى
الله عليه وسلم قام حین جاءه وفد هوازن،
فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم،
فقال: (إن معي من ترون، وأحب الحديث
إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما
المال وإما السبي، وقد كنت استأنيت بهم)
وكان النبي صلى الله عليه وسلم انتظرهم
بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما
تبين لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم غير
رادٍ إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: فإنا
نختار سبينا، فقام النبي صلى الله عليه وسلم
في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم
قال: (أما بعد؛ فإن إخوانكم جاؤونا تائبين،
www. modoee.com
١٣٣

حرف الشین
وإني رأيت أن أرد إليهم سبیھم، فمن أحب
منکم أن یطیب ذلك فليفعل، ومن أحب أن
یکون علی حظه حتی نعطیه إياه من أول ما
يفيء الله علینا فليفعل) فقال الناس: طيبنا
ذلك، قال: (إنا لا ندري من أذن منكم ممن
لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم
أمر کم) فرجع الناس فکلمهم عرفاؤهم،
ثم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فأخبروه أنهم طيبوا)(١).
والشورى في هذه الواقعة وبهذه الطريقة
تدل على ما أومأنا إليه، كما تدل أيضًا على
أن الشورى قد تتسع حتى تعم الأفراد لسعة
الوقت ولکون الأمر يتعلق بحقٍ فردي، فلا
بد من رضا كل فرد، وليس لولي الأمر أن
يخرج شيئًا من يد أحد من أفراد الرعية إلا من الأسماء، ولم يكن هذا المجلس بصفته
بحقه(٢).
خامسًا: تعيين هيئة الشورى:
قد تتطور تلك التطبيقات التي ألمح
البحث إليها، وقد تترقى الوسائل والأساليب
أو الآليات تلبية لحاجة مستجدة أو تحقيقًا
للمصلحة، فيكون هذا كله سببًا لتنظيم
الشورى بإنشاء هيئة أو مجلس يمارس
القيام بهذا المبدأ، ويسمى مثلًا ((مجلس
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فرض
الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس
النوائب المسلمين ٤/ ٨٩، رقم ٣١٣١.
(٢) انظر: فقه الشورى، علي بن سعيد الغامدي
ص١٩٢ - ١٩٣.
الشورى»(٣).
ويمكن أن يدل على إنشاء هذا المجلس
وتكوينه قوله تبارك وتعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ
وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمِّ﴾ [آل عمران:
١٥٩].
يفهم منه بطريق الإشارة إيجاد طائفة من
الأمة تمثلها وتستشار في أمرها؛ لأن تنفيذ
الأمر ومشاورة الأمة يستلزم ذلك(٤)؛ إذ إن
إعراب الأمة عن رأيها في كل حادثة أمرٌ
غير ممكن، فينتقل الأمر إلى ممثلين عنها
تختارهم لهذه الغاية (٥).
وهذه الطائفة التي تمثل الأمة وتستشار
في أمرها يمكن أن يطلق عليها ((مجلس
الشورى)) أو ((هيئة الشورى)) أو غيرهما
(٣) المجلس: مكان الجلوس، واستحدث مجمع
اللغة العربية لها المعنى المعروف في عصرنا
هذا فقال: ((المجلس: الطائفة من الناس
تخصص للنظر فيما يناط بها من أعمال، ومنه
مجلس الشعب، ومجلس العموم، ومجلس
الأعيان، والمجلس الحسبي. والجلسة: مرة
الجلوس، وحصةً من الوقت يجلس فيها
جماعة مختصون للنظر في شأن من الشؤون،
وهي مغلقة إذا لم يشهدها إلا أعضاؤها،
ومفتوحة إذا شهدها معهم غيرهم، والجمع
جلسات)).
انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية
١/ ١٣٠.
(٤) علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف
ص١٤٦.
(٥) انظر: الشورى بين الأصالة والمعاصرة،
عزالدين التميمي ص ٦١ -٦٢.
مَوْسُورُ
القرآن الكريم
١٣٤

الشورى
وتكوينه المعروف في عصرنا الحاضر، لم
يكن بهذا الوضوح وهذه الصفة.
موضوعات ذات صلة:
الجهاد، الحكم، السياسة، العزم
www. modoee.com
١٣٥