النص المفهرس
صفحات 21-40
الشورى التسویة، وقصد المتکلم ظاهرًا في الفرق، فيتعارض ظاهر اللفظ وظاهر القصد، فإن غلب ظهور أحدهما اعتبر وإلا طلب الترجيح، والله أعلم(١). وفي الآية الكريمة السابقة اقترنت الشورى بواجبات إيمانية وعبادات بدنية ومالية، فكان الاستدلال بها على الوجوب في غاية القوة، والله أعلم. ومما يدل على الوجوب الأحاديث النبوية الشريفة في أهمية الشورى، والحث عليها، وفي بيان ثمراتها وفوائدها؛ فقد تواردت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: (لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما)(٢). رسول الله صلی الله عليه وسلم: (المستشار مؤتمن)(٣). (١) انظر: بدائع الفوائد ١٨٣/٤. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٢٧/٤، رقم ١٧٩٩٤. (٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب النوم، باب المشورة، ٣٣٣/٤، رقم ٥١٢٨، والترمذي في سننه، أبواب الأدب، باب المستشار مؤتمن، ٢٩٤/٦، رقم ١٩٩١، وابن ماجه في سننه، كتاب الأدب، باب المستشار مؤتمن، ٤ / ٦٨١، رقم ٣٧٤٦. قال الترمذي: ((هذا حديث حسن)). وصححه الألباني في صحيح الجامع، وعقد الإمام البخاري رحمه الله بابًا للشورى صدره بقول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ ﴾ [الشورى: ٣٨]. شَوَرَى بينهم وأوجز بكلمات جامعات كثيرًا من التطبيقيات للشورى في العهد النبوي والخلافة الراشدة، قال فيه: ((شاور النبي صلی الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد في المقام والخروج، فرأوا له الخروج، فلما لبس لأمته وعزم قالوا: أقم، فلم يمل إليهم بعد العزم، وقال: (لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فیضعها حتی یحکم الله)(٤)، وَشاور عليًا، وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة، فسمع منهما حتى نزل القرآن، فجلد الرامين، ولم يلتفت إلى تنازعهم، ولكن حكم بما أمره الله، وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة، فقال عمر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلی الله علیه وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، ٥٩/٣، رقم ١٠٠٨. وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، ١١٣٦/٢، رقم ٦٧٠٠. (٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٩٩/٢٣، رقم ١٤٧٨٧. www. modoee.com ١٠٧ حرف الشین وحسابهم على الله)(١). فقال أبو بكر: والله والاستحباب: لأقاتلن من فرق بين ما جمع رسول الله صلی الله عليه وسلم، ثم تابعه بعد عمر، فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورةٍ؛ إذ كان عنده حکم رسول الله صلی الله عليه وسلم في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، وأرادوا تبديل الدين وأحكامه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)(٢). وكان القراء أصحاب مشورة عمر، كهولًا کانوا أو شبانًا، و کان وقافًا عند کتاب الله عز وجل))(٣). وفي كتب السنة مجموعةٌ كثيرة وفيرة من الأحاديث في الحث على الشورى، وبيان أثرها وحکمتها، ولكنها أقل مرتبةً مما أوردته آنفًا من الأحاديث الشريفة، فلا حاجة للاستكثار منها، وحسبنا هذه الأحاديث المقبولة في الاحتجاج (٤). ثانيًا: المذهب الثاني: الندب (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سپیلھُمْ﴾، ١٤/١ - ٢٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ٥٣/١، رقم ٢٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم، ١٥/٩، رقم ٦٩٢٢. (٣) فتح الباري، ابن حجر ٣٤٢/١٣ - ٣٤٣. (٤) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٤ /٨٩-٩٣. ويرى أصحابه أن الشورى ليست واجبة على ولي الأمر أو الحاكم ورئيس الدولة، وإنما هي مندوبة ومرغب فيها؛ تطييبًا للخواطر والنفوس، وتأليفًا للقلوب، فلا یأثم بترکھا. وهذا المذهب نقل عن الإمام الشافعي رحمه الله، وروي مثله عن بعض العلماء من السلف: قتادة بن دعامة السدوسي، والربيع بن أنس، والحسن البصري، ومحمد ابن إسحاق رحمهم الله (٥). أدلة المذهب: استدل هذا الفريق بالآيات الكريمة التي استند إليها القائلون بالوجوب، ولكنهم حملوها على الندب والاستحباب، كما استدلوا بأدلة أخرى كالإباحة وعدم وجود الدليل الموجب، وهذه جملة أدلتهم: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْ كُنْتَ فَّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَّمَّيِّ فَإِذَا عَزَهْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهَ إِنَّ اُللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّكِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. قال الإمام الشافعي رحمه الله: إن هذا (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٤٠/٧-٣٤٧، معالم التنزيل، البغوي ١٢٣/٢-١٢٤، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/ ٢٥٠، مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٤٠٩- ٤١٠، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٤٩. ١٠٨ جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الشورى الأمر للاستحباب، ولتقتدي به الأمة، وهو عامٌ للرسول وغيره، ولکنه کان تطييبًا لنفوس أصحابه ورفعًا لأقدارهم، وروي مثله عن قتادة، والربيع، ومقاتل، وابن إسحاق(١). قال الفخر الرازي رحمه الله: ((ظاهر الأمر للوجوب، فقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾ يقتضي الوجوب. وحمل الشافعي رحمه وأشار أبو الحسن علي بن خلف بن بطال القرطبي رحمه الله إلى أقوال العلماء في الآية ودلالتها، فقال: «اختلف أهل الله ذلك على الندب فقال: هذا كقوله عليه الصلاة والسلام: (البكر تستأمر في نفسها)(٢). ولو أکرهها الأب على النكاح جاز، لكن الأولى ذلك؛ تطييبًا لنفسها، فكذا التأويل في المعنى الذي أمر الله نبيه أن هاهنا))(٣). (١) التحرير والتنوير ٣٦٨/٣. وانظر: التفسير البسيط، الواحدي ٦/ ١٢٤، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٠/٤. (٢) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، رواية محمد بن الحسن، باب البكر تستأمر في نفسها رقم ٥٣٩. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٤١٠/٩. قال الشافعي في كتاب الأم ١٨/٥: ((ويشبه في دلالة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرق بين البكر والثيب، فجعل الثيب أحق بنفسها من وليها، وجعل البكر تستأذن في نفسها أن الولي الذي عنى - والله تعالى أعلم - الأب خاصة، فجعل الأيم أحق بنفسها منه، فدل ذلك على أن أمره أن تستأذن البكر في نفسها أمر اختيارٍ لا فرض ... ، فإن قال قائل: وما يدل على أنه قد يؤمر بمشاورة البكر ولا أمر لها مع أبيها الذي أمر بمشاورتها؟ قيل: قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمِّ﴾ ولم يجعل الله لهم معه أمرًا، إنما فرض عليهم طاعته، ولكن في المشاورة استطابة أنفسهم، وأن يستن بها من ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: «إنما يؤمر الحاكم بالمشورة لکون المشیر ینبهه على ما يغفل عنه، ويدله على ما لا يستحضره من الدليل، لا ليقلد المشير فيما يقوله؛ فإن الله لم يجعل هذا لأحدٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم))(٤). یشاور أصحابه فیه: فقالت طائفة: أمر الله أن يشاورهم في مكائد الحروب وعند لقاء العدو؛ تطييبًا لنفوسهم، وتألفًا لهم على دينهم، وليروا أنه یسمع منهم، ویستعین بهم، وإن كان الله قد أغناه عن رأيهم بوحیه، روي هذا عن قتادة والربيع وابن إسحاق. وقال آخرون: إنما أمر بمشورتهم فيما لم يأته فيه وحي؛ لیبین لهم صواب الرأي، روي ذلك عن الحسن البصري والضحاك قالا: ((ما أمر الله نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى ليس له على الناس ما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستدلال بأن يأتي من بعض المشاورين بالخير قد غاب عن المستشير، وما أشبه هذا». (٤) فتح الباري ٣٤٢/١٣. وانظر: معرفة السنن والآثار، البيهقي ٢٢٨/١٤. www. modoee.com ١٠٩ حرف الشین رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشورة من الفضل))، قال الحسن البصري: ((وما شاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم»(١). ((وقال آخرون: إنما أمره الله بمشاورة أصحابه مع غناه عنهم بتدبيره تعالى له وسياسته إياه؛ ليستن به من بعده ويقتدوا به فيما ينزل بهم من النوازل، قال سفيان الثوري: وقد سن رسول الله الاستشارة في غير موضع، استشار أبا بكر وعمر في أسارى بدر، واستشار أصحابه في يوم الحديبية))(٢). والخلاصة أن الآية الكريمة فيها دلالة على الوجوب؛ لأنها بصيغة الأمر، والأمر يدل على الوجوب، ولكن القرينة صرفته عن الوجوب إلى الندب؛ لأن استشارة النبي عليه السلام لأصحابه كانت إكرامًا لهم، وتطييبًا لنفوسهم، والأحاديث التي وردت فيها لم تکن بصيغة تدل بوضعها على الوجوب والإلزام، والحكمة من مشاورة النبي للصحابة هي أن يستن بها من بعده من الحكام، و کل ذلك یصرف الأمر في الآية الكريمة عن الوجوب إلى الندب -رحمهم الله تعالى -. (١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص ١٣٦، رقم ٢٥٨. وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص ١١٤، رقم ١٩٥. (٢) شرح صحيح البخاري، ابن بطال ٣٩٧/١٠. جَوُور القرآن الكريم وقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِنَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ ﴾ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُّ هُمَّ يَنْنَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٨-٣٩]. فإن هذا وصفُ خبريٍّ لحال طائفة مخصوصة لا يدل على الوجوب، فأكثر ما يدل عليه أن هذا الشيء ممدوح في نفسه محمودٌ عند الله تعالى (٣). ونقل الإمام البيهقي عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ((قال: قال الحسن البصري: إن كان النبي عن مشاورتهم لغنيًا، ولكنه أراد أن يستن بذلك الحكام بعده، ثم قال: وإذا نزل بالحاکم أمرٌ یحتمل وجوهًا، أو مشكلٌ انبغى له أن يشاور من جمع العلم والأمانة» (٤). ومن الأدلة على أنها مندوبة وليست واجبة: أن الأصل هو الإباحة وعدم الوجوب إلا بدليل، وما ذكر من النصوص لا يدل على الوجوب، فبقيت المسألة على الأصل وهو الندب، كما أن النبي صلى الله صلح الحديبية، وقتال بني قريظة، وغزوة تبوك، وكذلك الخلفاء الراشدون تركوا الشورى في بعض المسائل، فأبو بكر رضي والاستحباب في رأي هذا الفريق من العلماء عليه وسلم ترك الشورى في مواضع منها: (٣) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٤ / ٣٧. (٤) أحكام القرآن، الشافعي، جمع البيهقي ١١٩/٢. ١١٠ الشورى الله عنه لم یشاور في إنفاذ جيش أسامة، ولم يشاور في حروب الردة، وقتال مانعي الزكاة، وكذلك في مواقف لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يشاور فيها (١). ثالثًا: المناقشة والترجيح: والناظر في أدلة الفريقين يجد أدلة الفريق الأول قويةً تنهض في الدلالة على الوجوب، وقد تأيدت وجوه الدلالة فيها بالقواعد الأصولية والمقررات العقلية والفطرية ومقاصد الشريعة، وهي سالمة من الاعتراضات المؤثرة. بينما أدلة المذهب الثاني لا تنهض للحجية في هذه المسألة؛ لأمور كثيرة منها: أن ما ذكروه من قرائن لا تصلح لصرف الأدلة عن الوجوب، فتطبيب النفوس بالشورى، يقتضي الوجوب لا الندب، فكيف تطيب نفوسهم إذا علموا أن ذلك لیس واجبًا، وأن رأيهم لا يجب الأخذ به في مجال الاختصاص؟ كما سيأتي في مسألة الإلزام بنتيجة الشورى أو عدم الإلزام. کما أن تنوع أدلة القرآن الکریم ومناهجه في بيان الواجب، وعدم اقتصارها على صيغة الطلب المباشر - كما تقدم- ترد على القول بالندب، وعلى تأويلهم للنصوص الواردة في الشورى. (١) انظر: الشورى والديمقراطية، الأنصاري ص١٠٣. وأما الوقائع التي ذكروا أن النبي عليه الصلاة والسلام ترك فيها الشورى، كما تركها أيضًا الخلفاء في مواضع أخرى، فهي كلها مما لا يدخل في نطاق الشورى لوجود النص الموحى به فيها، فکان ذلك خارجًا عن نطاق الشورى ومجالها. كما أن دليل الإباحة الأصلية هنا لا يفيدهم فيما ذهبوا إليه؛ لأن الأدلة النصية أخرجته عن الإباحة والبراءة الأصلية أو الندب إلى الطلب الدال على الوجوب للأدلة والوجوه المذكورة. ولعل بعضهم يقيس سلطات الخليفة أي: رئيس الدولة على سلطة النبي صلى الله عليه وسلم، فيجعل الشورى ليست واجبة على النبي لأنه غنيٌ عنها بالوحي، ثم يقيس عليها سلطة الخليفة، فلا تكون الشورى واجبة عليه، أو يقول: إن الخليفة يشترط فيه العلم والاجتهاد في الأحكام الشرعية؛ ولذلك لا يجب عليه تقليد غيره، فكذلك لا تجب عليه الشورى، وهذا القياس كله قیاس مع وجود فوارق كثيرة، فلا يصلح الاستدلال به. وبذلك تبقى أدلة الوجوب قویةً سالمة عن الاعتراض، بينما أدلة الندب والاستحباب عليها اعتراضات قوية مؤثرة، والله أعلم (٢). (٢) انظر: الشورى والديمقراطية، عبد الحميد www. modoee.com ١١١ حرف الشین ثانيًا: هل الشورى ملزمة أو مخيرة؟ وبعد أن انتهى البحث إلى أن الشورى دعامة من دعائم النظام الإسلامي، وواجب من واجبات ولي الأمر أو رئيس الدولة، فإنه ينبغي معرفة موجب الشورى والالتزام بالنتيجة التي تنتهي إليها المشاورة، هل هي ملزمة لرئيس الدولة، فيجب عليه الأخذ بها، والعمل بمقتضاها، والتقيد بما اتفق عليه أهل الشوری أو غالبيتهم، ويقال عندئذ: إنها ملزمة أم أنها غير ملزمة له، فيكون بالخيار بین أن یأخذ بها أو أن يتركها ويأخذ بما يراه، ويقال عندئذ: إنها معلمة غير ملزمة؟ ومن الجدير بالذكر هنا أنه ينبغي التفريق بين هذه المسألة في الإلزام وسابقتها في الوجوب، فهما قضيتان مختلفتان، فلا يجوز أن نسحب حكم إحداهما على الأخرى، كأن نقول: إن الشورى واجبة فتكون ملزمة؛ وذلك لأنها قد تكون واجبة الإجراء ليستطلع الآراء ويختار ما يراه أصلح، أو لا یری فیها ما هو کذلك، فيأخذ برأيه ویعرض عن غيره؛ ولذلك لا يسوغ الخلط بينهما، وتجدر الإشارة هنا والتأكيد على أن الإلزام والالتزام يقتضي الوجوب، أما الوجوب فلا يقتضي الإلزام(١). الأنصاري ص١٠١ - ١٠٨. (١) انظر: فقه الشورى والاستشارة، توفيق الشاوي ص١١٣- ١١٦. ولذلك نعرض أقوال العلماء في هذه المسألة، وهي لا تخرج عن قولین يمثلان مذهبين يقول أحدهما بالتخيير وعدم الإلزام، ويقول الثاني بالإلزام؛ وذلك في فقرتين، يتلوهما فقرة ثالثة لتحرير محل الخلاف والتعقيب فيها على الرأيين للتوفيق بینهما، وبالله التوفيق. أولًا: المذهب الأول: عدم الإلزام بنتيجة الشورى: ذهب فريق من العلماء إلى أن الشورى معلمة وليست ملزمة لولي الأمر أو رئيس الدولة الذي يطلب الرأي، ويستشير في الواقعة؛ فقد يأخذ برأي أهل الشورى إذا اتفقوا، وقد يخالفهم الرأي، فلا يجب عليه أن يأخذ برأيهم، ومن باب أولى إذا اختلفوا في الرأي ولم يتفقوا، فقد يأخذ هنا برأي بعضهم دون رأي الآخرين، وقد يترك آراء الجميع، ويأخذ برأي مخالف متى كانت الشروط متوفرة فيه، وأهمها العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل، والعدالة الجامعة لشروطها، والرأي المفضي إلى سياسة الرعية، وتدبير المصالح، وغيرها من الشروط(٢). وكأن المسألة مفروضةٌ في هذه الحال؛ إذ كانت القاعدة العامة والأصل المستمر في (٢) انظر: فقه الشورى، علي بن سعيد الغامدي ص ١٨٣. ١١٢ جَوَسُولَة النفسي القرآن الكريم الشورى الولاية تتفق مع هذا التقیید. وهذا القول يفهم من كلام الإمام أبي جعفر الطبري، ومما نقله عن قتادة بن دعامة السدوسي، والربيع بن أنس، والحسن البصري، ومحمد بن إسحاق، وهو أيضًا قول بعض المفسرين، وهو رأي الذين قالوا بعدم وجوب الشوری علی الحاکم أو رئیس الدولة كما تقدم(١). وقال به فريق من العلماء المعاصرين والباحثين(٢). أدلة المذهب: استدل أصحاب هذا المذهب بجملة أدلة من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية، ومن وقائع السيرة، وأعمال الخلفاء الراشدين، وبأدلة من المعقول. فمن القرآن الكريم: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ اُلْأَمَّ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. فقد أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٤٥/٧-٣٤٦، معالم التنزيل، البغوي ١٢٤/٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/ ٢٥٢-٢٥٣. (٢) ممن قال بذلك: الدكتور عبد الحميد متولي في كتابه مبادئ نظام الحكم ص ٢٤٥- ٢٤٦، ويعقوب المليجي في مبدأ الشورى في الإسلام ص١١١- ١١٢، ومحمد يوسف موسى نظام الحكم في الإسلام ص١١٤، وحسن هويدي، في الشورى في الإسلام ص ٨، ومحمود بابللي في الشورى في الإسلام ص٥٧. والسلام أن يشاور أصحابه، فإذا صح عزمه على شيء فليتوكل على الله في إنفاذه لا على الشورى، وهذا يعني أنها غير ملزمة. قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير الآية الكريمة: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ آلْأَمِّ فَإِذَا عَبْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِلِينَ﴾: ((فإذا صح عزمك بتثبيتنا إياك، وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك، فامض لما أمرناك به على ما أمرناك به، وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك أو خالفها، وتوكل فيما تأتي من أمورك وتدع، وتحاول أو تزاول، على ربك، فثق به في کل ذلك، وارض بقضائه في جمیعه، دون آراء سائر خلقه ومعونتهم؛ فإن الله يحب المتوكلين، وهم الراضون بقضائه، والمستسلمون لحكمه فيهم، وافق ذلك منهم هوی أو خالفه»(٣). وقال الإمام القرطبي رحمه الله في ذلك: ((والشورى مبنية على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف، وينظر أقربها قولًا إلى الكتاب والسنة إن أمكنه، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه عزم عليه وأنفذه متوكلا عليه؛ إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب، وبهذا أمر الله تعالى نبيه في هذه الآية، قال قتادة: أمر الله تعالى نبيه عليه السلام إذا عزم على أمر أن يمضي فيه (٣) جامع البيان، الطبري ٣٤٥/٧. www. modoee.com ١١٣ حرف الشین ويتوكل على الله، لا على مشاورتهم)) (١). ومن السنة النبوية: قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر و عمر رضي الله عنهما: (لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما)(٢). ويفهم منه أن النبي عليه الصلاة والسلام يأخذ برأيهما ولو خالفا في الرأي أغلبية الصحابة، أي: فلا يلتزم برأي أغلبية الصحابة (٣). ومن وقائع السيرة النبوية: أن كثيرًا من وقائع الشورى في العهد النبوي تدل على أنها غير ملزمة في نتيجتها، فقد استشار النبي صلی الله عليه وسلم أصحابه في أسرى بدرٍ ومال إلى رأي أبي بكر الصديق، وفي صلح الحديبية لم يأخذ بما رأوا في عقد الصلح، وفي شروطه، وفي بعض القضايا الأخرى، وكذلك في أمور عامة وفي أمور شخصية خاصة، لم يأخذ برأي أغلبيةٍ مثلًا في كثير من هذه المواطن، وإنما أخذ برأي بعضهم دون رأي الآخرين، وفي بعض المواطن أخذ برأي الأكثرية دون غيرها، وفي كل الأحوال أخذ عليه الصلاة والسلام بما رآه (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٢/٤. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٢٧/٤، رقم ٠١٧٩٩٤ وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة ٥٩/٣، رقم ١٠٠٨. (٣) انظر: مبادئ نظام الحكم، عبد الحميد متولي ص٢٤٦، مبدأ الشورى، يعقوب المليجي ص١١٧، الشورى وأثرها في الديمقراطية، عبد الحميد الأنصاري ص ١٢٢ - ١٢٦. هو واطمأنت إليه نفسه(٤). ومن الوقائع في عهد الخلفاء الراشدين، أو من السوابق في ذلك: أن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم لم يتقيدوا بالشورى، ولا برأي الأغلبية (٥). فأبو بكر الصديق لم يأخذ برأي الذين أشاروا بعدم قتال مانعي الزكاة (٦)، وفي عدم إنفاذ جيش أسامة بن زيد إلى الحرب في الشام لمواجهة التجمعات الرومانية التي تستهدف القضاء على الدين، فقد عارضه جماعة من الصحابة، ولكنه لم يأخذ برأيهم وأنفذ الجيش بقيادة أسامة -رضي الله عنهم جميعًا-(٧)، وعمر بن الخطاب لم يأخذ برأي أهل الشورى أو الذين اعترضوا عليه في قسمة أرض السواد في العراق والشام (٨)، (٤) انظر: المصادر السابقة. (٥) انظر: مبادئ نظام الحكم، عبد الحميد متولي ص٢٤٦ - ٢٤٧، مبدأ الشورى، يعقوب المليجي ص ١٢٠، الشورى وأثرها في الديمقراطية، عبد الحميد الأنصاري ص١٤٤ -١٦٣، مبدأ الشورى، إسماعيل البدوي ص ٩٤ - ٩٦. (٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، ٢٦٢/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتالّ الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ٥١/١، رقم ٥٢. (٧) انظر: السيرة النبوية، ابن كثير ٦١٦/٦- ٦١٧، الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء، الكلاعي ٨/٣، أحكام القرآن، ابن العربي ٤/ ١٤٤. (٨) انظر: الخراج، القاضي أبو يوسف ص٣٨- ١١٤ القرآن الكريمِ الشورى أهل الشورى والرأي في الأمور، فإنه ليس وفي قضايا أخرى غيرها. واجبًا عليه أن يستجيب لما أشاروا به عليه، و عثمان بن عفان لم یأخذ بما أشار عليه بعض ولاته في استعمال الشدة مع أصحاب الإشاعات حول سياسته في أواخر عهده. بل له أن ینفذ ما استقر عزمه علیه دون أن يعني ذلك أنه متفرد يستبد في الأمر؛ لأنه كان مقيدًا بأحكام الشريعة، وكان يعطي وعلي بن أبي طالبٍ لم يأخذ بمشورة الصحابة الذين أشاروا عليه بألا يعجل بعزل الأمة الحق في مراقبته وتقويمه، مع شعوره ولاة الأمصار بعد أن بويع بالخلافة، وذلك بالمسؤولية أمام الله تعالى وأمام الأمة(٣). حتى يتم له الأمر ويستقر الحكم(١). ومن الأدلة العقلية: أن رئيس الدولة أو الخليفة هو صاحب السلطة العامة والرياسة العليا في الدولة، فلا يصح أن يلزم برأي غيره ولو كانوا أكثرية؛ لأن الأكثرية لا تدل على صحة الرأي، وليست معيارًا في ذلك، والخلیفة تجب له الطاعة، فلا يصح أن نلزمه هو بطاعة أهل الشورى(٢). الخلاصة: فهذه الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهذه الأمثلة من أسلوب الخلفاء الراشدين، والأدلة العقلية والمنطقية تبين لنا -وفق مذهبهم- أن رأي أهل الشورى غير ملزم لرئيس الدولة في الإسلام، فإذا كان واجبًا عليه أن يستشير ٤٤، المدخل الفقهي العام، مصطفى الزرقا ١٧٩/١ - ١٨٣. (١) انظر: محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية، محمد الخضري ٢٨٢/١، مبادئ نظام الحكم، عبد الحميد متولي ص ٢٤٦ - ٢٤٧، مبدأ الشورى، المليجي ص ١٢٤ - ١٢٥. (٢) انظر: الشورى في الإسلام، حسن هويدي ص١٩. ثانيًا: المذهب الثاني: الإلزام بنتيجة الشورى: ذهب فريق من علماء السلف وجمهور الباحثين المعاصرين إلى أن الشورى ملزمة لولي الأمر أو رئيس الدولة، فيجب عليه أن يأخذ بالنتيجة التي وصل إليها أهل الشورى باتفاقهم أو بأغلبيتهم، بعد تقليب وجوه الرأي، ومناقشة المسألة المعروضة من كل وجوهها، فإن العزم هو الأخذ بما أشار به أهل الشورى الذين يسمون كذلك ((أهل الحل والعقد)) فإذا عقدوا أمرًا واتفقوا عليه، أو اتفق الأغلبية، كان من الواجب الالتزام بذلك، فهي إذن ملزمة بعامة (٤). (٣) انظر: مبادئ نظام الحكم، عبد الحميد متولي ص٢٤٧، مبدأ الشورى، يعقوب المليجي ص١٢٦-١٢٧، مبدأ الشورى، إسماعيل البدوي ص٩٦. (٤) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٣٣٠/٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٥/٣، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٨/٢، المنار، محمد رشيد رضا ٣٧/٤، ١٦١-١٦٢، الإسلام وأوضاعنا القانونية، عبد القادر عودة ص١٥٠-١٥١، الإسلام عقيدة وشريعة، www. modoee.com ١١٥ حرف الشین أدلة المذهب: استدل أهل هذا الرأي بأدلة من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية، ومن الوقائع في السيرة النبوية، ومن عمل الخلفاء الراشدين، ومن العقل ومقاصد تشریع الشوری، وبعض هذه الأدلة النصية هي نفسها التي استدل بها أصحاب المذهب الأول، ولكن اختلفوا في وجه دلالتها والاستنباط منها، وكيفية العمل بها. فمن القرآن الكريم: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَشَاوِرُهُمْ فِ آلْأَّمِّ فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. فقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم إذا عزم على أمر أن يمضي فيه محمود شلتوت ص ٣٧٠، المجتمع الإنساني في ظل الإسلام، محمد أبو زهرة ص٢١٧، ومنهاج الإسلام في الحكم، محمد أسد ص٨٩- ٩٨، الشورى في ظل نظام الحكم الإسلامي، عبد الرحمن عبد الخالق ص ١٧٠، في النظام السياسي الإسلامي، محمد سليم العوا ص ١٩٨ -١٩٩، في الفقه السياسي الإسلامي، فريد عبد الخالق ص٦٨-٧٠، المشروعية في النظام الإسلامي، مصطفى كمال وصفي ص٥٧-٥٨، من فقه الدولة في الإسلام، يوسف القرضاوي ص١٤٦، خصائص التشريع الإسلامي، فتحي الدريني ص ٤٧٧ - ٤٧٨، مبادئ نظام الحكم، فؤاد محمد النادي ص٢١١ - ٢١٣، مبدأ الشورى في الشريعة الإسلامية، إسماعيل البدوي ص ١١٧ - ١١٨. ويستقيم على أمر الله ويتوكل على الله(١). والمشاورة لها وقت معلوم، وهو وقت الدراسة والفحص، فإذا تمت المشاورة وجب الأخذ بالعزيمة في الأمر والإقدام على العمل(٢). قال الإمام أبو بكر الرازي الجصاص: «وفي ذكر العزيمة عقيب المشاورة دلالة على أنها صدرت عن المشورة، وأنه لم یکن فيها نصّ قبلها))(٣). وقال ابن عطية الأندلسي: ((والشورى مبنية على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف ويتخير، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه، عزم عليه، وأنفذه متوكلا على الله؛ إذ هي غاية الاجتهاد المطلوب منه، وبهذا أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية)) (٤). فإذا تبين السداد فيما يجب أن يسلكه فعزم على تنفيذه، سواء كان على وفق بعض آراء أهل الشورى أم كان رأيًا آخر لاح له سداده، فليبادر ولا يتأخر وليتوكل على الله(٥). ومن السنة النبوية: ما روي عن علي بن (١) هذا قول قتادة فيما أخرجه عنه ابن المنذر في تفسيره ٤٦٩/٢، رقم ١١٢٢. (٢) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٤٧٨/٣. (٣) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٣٣١/٢. (٤) المحرر الوجيز ٣٦/٢. (٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥١/٤. ١١٦ جَوْنُواحَرَ النَّفْسِيْ الْقُرآن الكَرِيْمِ الشورى أبي طالب رضي الله عنه قال: (سئل رسول إلى غيره، فعدل عنه بعد أن اقتنع. الله صلى الله عليه وسلم عن العزم في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. فقال: (مشاورة أهل الرأي، ثم اتباعهم)(١). وهذا تفسيرٌ من النبي صلى الله عليه وسلم للآية الكريمة يدل على وجوب الانتهاء إلى الرأي بعد الشورى. وهو من أعلى أنواع التفسير وأجدره بالقبول؛ فإن السنة شارحة للقرآن وموضحة له؛ بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد ابن إدريس الشافعي: کل ما حکم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن (٢). ومن الوقائع والسوابق في السيرة النبوية: ما تقدم في تطبيقات الشورى في العهد النبوي، وفي الغزوات بخاصة. ففيها دلالة على أن الشورى ملزمة، وينبغي على رئيس الدولة أن يلتزم بنتيجتها، فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم المشاورة واجبةً قبل العمل، وكثيرًا ما كان يرى الرأي قبل الحرب، ويشير بعض أصحابه إلى رأي آخر، كما حدث في المنزل الذي اختاره للقتال في غزوة بدر، فنبهه بعض الصحابة (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٤/٢، الدر المنثور، السيوطي ٩١/٤، فتح القدير، الشوكاني ٤٤/٢. (٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٣٦٣. وقرر في غزوة أحدٍ أن يبقى في المدينة، ورأى ذلك الرأي شيوخ المدينة، ولكن شبابها -وخصوصًا الذين لم يحضروا بدرًا- رأوا غير ذلك، وكانوا الكثرة، فنزل عند رأيهم، وإن كان رأيه غير رأيهم؛ لأنه یشیر على نظام الشورى، ویربي الأمة علیه، ويبتدئ هو بفرض الخطأ في رأيه، ولا یفرض الصواب دائمًا. والنبي صلى الله عليه وسلم في تدبير شؤون السياسة، وفي تنظيم الأمور الخاضعة للمباديء المقررة الثابتة النازلة بوحي من السماء كان يعمل الاستشارة دائمًا، لا على أنها تبرٌ يتبرع به، بل على أنها واجبٌ عليه بصفته حاكمًا. وإن الشورى فوق أنها تعريف للصواب، هي تربية للأمة على الإدراك الصحيح في عامة الأمور، وهي التي تتفق مع النظام الحر السليم، وخيرٌ للجماعة أن تخطيء في رأي تبدیه وهي حرةٌ من أن تفرض عليها آراء صائبة، فإن صوابها يكون مقترنًا بإرهاقٍ نفسيٍ وضغطٍ للإرادة، وذلك أشد ضررًا في تکوین الأمم وفي حاضرها ومستقبلها(٣) . ومن الوقائع في عهد الخلافة الراشدة: (٣) المجتمع الإنساني في ظل الإسلام، محمد أبو زهرة ص٢١٧- ٢١٨. وانظر: مبدأ الشورى في الشريعة، إسماعيل البدوي ص٩٧. www. modoee.com ١١٧ حرف الشین أن الخلفاء الراشدين بعد وفاته عليه الصلاة الشورى على الأمة الإسلامية يقتضي التزام رأي الأكثرية، وقد سن رسول الله والسلام، أقاموا دعائم الشورى، في أصل اختیار الحاکم، وفي تنظیم الأمور، کما کان یفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وخصوصًا الأمور التي تکون أصلًا لنظام معین یرید اتباعه، ويرسم فيها منهاجًا، فإن الراشدين کانوا یستشیرون فيه. صلی الله عليه وسلم ذلك عندما نزل على رأي الأكثرية في خروجه لغزوة أحد، فكان الرسول صلی الله علیه وسلم أول من التزم رأي الأكثرية، وأول من تجهز للخروج إلى أحد، وهو الرسول الموحی إلیه، فغيره أولى بأن يكون ملزمًا بنتيجة الشورى(٢). وقد كانت الأمور في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسير بالشوری، فیما فيه مجال للرأي، وفيما التبست فیه الأمور، فإن الشوری كانت أساس حكمه، وعلى هذا النهج سار سائر الخلفاء الراشدين: عمر وعثمان وعليّ رضوان الله عليهم، وهم في كل ما تشاوروا فيه مع الصحابة كانوا يأخذون بما تنتهي إليه الشورى، سواء كانت النتيجة التي انتهوا إليها مما يراه الخلیفة قبل الشوری أم کانت مخالفة واقتنع بما يراه أهل الشورى، وبخاصة عندما يتأيد رأي أهل الشوری بدلیل، وهذا كله يدل على الالتزام بالشورى، ولولا أنها ملزمة ما التزموا بها (١). ومن الأدلة العقلية: أن الشورى -وقد ألمحنا إلى وجوبها ابتداءً على الأرجح من الرأيين في حكمها- لا يكون لها معنى ولا فائدةٌ إذا لم يؤخذ بها، أو برأي الأكثرية إن لم يكن هنالك اتفاق في الرأي، فوجوب (١) انظر: المجتمع الإنساني في ظل الإسلام، محمد أبو زهرة ص ٢٢٢. كما أن المقصد من الشورى لا يتحقق ما لم تکن واجبةً ابتداءً وملزمة انتهاءً لرئیس الدولة في الأمور التي هي مجال للشورى؛ فإنه إن لم يلتزم برأي أهل الشورى -بعد بذل غاية جهدهم ونصحهم - كانت الشورى عبثًا، ومضيعة للوقت والجهد، ومناقضة للغاية والمقصد والحكمة من تشريعها والأمر بها، فيعود هذا عليها بالإبطال لها، وما کان کذلك فهو باطل(٣). وفي هذا قال الإمام المفسر الفقيه أبو (٢) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٤ / ٣٧، ١٦١- ١٦٢، الإسلام وأوضاعنا السياسية، عبدالقادر عودة ص ١٥٠-١٥١، في النظام السياسي للدولة الإسلامية، محمد سليم العوا ص١٩١ - ١٩٢. (٣) يقول الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله في الموافقات ٢٧/٣-٢٨: ((كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له، فقد ناقض الشريعة، وكل ما ناقضها فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل)). وانظر: القواعد الكبرى، العز بن عبد السلام ٢٤٩/٢. ١١٨ القرآن الكريم الشورى بكر الرازي الجصاص- وهو يرد على من قال بأن الشورى لمجرد تطبيب نفوس أهل الشورى-، وننقل النص بكامله لما فيه من فوائد وأحكام تتصل بهذه المسألة من وجوه متعددة، قال رحمه الله: «وغیر جائز أنیکون الأمر بالمشاورة على جهة تطييب نفوسهم، ورفع أقدارهم؛ ولتقتدي الأمة به في مثله؛ لأنه لو كان معلومًا عندهم أنهم إذا استفرغوا مجهودهم في استنباط ما استشيروا فيه وصواب الرأي فيما سئلوا عنه، ثم لم يكن ذلك معمولًا عليه، ولا متلقّى منه بالقبول بوجهٍ لم یکن في ذلك تطبیبٌ لنفوسهم، ولا رفعٌ لأقدارهم، بل فيه إيحاشهم وإعلامهم بأن آراءهم غير مقبولة، ولا معول عليها، فهذا تأويل ساقط لا معنى له! فكيف يسوغ تأويل من تأوله لتقتدي به الأمة مع علم الأمة -عند هذا القائل - بأن هذه المشورة لم تفد شيئًا، ولم يعمل بشيء أشاروا به؟ فإن كان على الأمة الاقتداء به فيها فواجبٌ على الأمة أيضًا أن يكون تشاورهم فيما بينهم على هذا السبيل، وأن لا تنتج المشورة رأیًا صحيحًا ولا قولًا معمولًا؛ لأن مشاورتهم عند القائلين بهذه المقالة كانت على هذا الوجه، فإن كانت مشورة الأمة فیما بینها تنتج رأيًا صحیحًا، وقولا معمولًا علیه فليس في ذلك اقتداء بالصحابة عند مشاورة النبي صلی الله علیه وسلم إياهم)). ثم يقول: ((وإذ قد بطل هذا فلابد من أن تكون لمشاورته إياهم فائدةٌ تستفاد منها، وأن یکون للنبي صلى الله عليه وسلم معهم ضربٌ من الرأي والاجتهاد، فجائزٌ حينئذٍ أن توافق آراؤهم رأي النبي صلى الله عليه وسلم، وجائٌ أن يوافق رأي بعضهم رأيه، وجائزٌ أن يخالف رأي جميعهم، فيعمل صلی الله علیه وسلم حينئذٍ برأيه، ویکون فيه دلالة على أنهم لم يكونوا معنفين في اجتهادهم، بل كانوا مأجورين فيه لفعلهم ما أمروا به، ويكون عليهم حينئذٍ ترك آرائهم واتباع رأي النبي صلى الله عليه وسلم))(١). ثالثًا: تعقيب وترجيح: وبعد عرض هذين المذهبين، وما استند إليه أصحابهما من أدلة متنوعة يحسن أن نذكر كلمات موجزة تعقيبًا على ذلك. ١. التفريق بين الحكم التكليفي للشورى وهو الوجوب على ما تقدم ترجيحه، وبين موجب الشورى وأثرها بعد القول بوجوبها ابتداءً، فهما مسألتان متباينتان، وإن كان بينهما صلة ما، ولكنهما متغايرتان وغير متلازمتين بإطلاق، فلا يلزم من القول بوجوب الشورى القول بالإلزام بنتيجتها، فقد ينفك هذا عن ذاك، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أول هذه النقاط؛ ولذلك لا يصح (١) أحكام القرآن، الجصاص ٢/ ٣٣٠-٣٣١. www. modoee.com ١١٩ حرف الشين القول بأن الشورى غير ملزمة؛ لأنها غير واجبة ابتداءً، على سبيل المثال. ٢. استدل أصحاب المذهبين بالأدلة النصية والوقائع من السيرة النبوية، ومن عهد الخلافة الراشدة، وهي في أصلها متفقة غالبًا، لكن كل فريقٍ حملها على غیر محمل الآخر للاختلاف في بعض الروايات والألفاظ، وقد يكون في وجه الاستدلال ببعضها قياس مع الفارق، فمن ذا الذي يقول: إن النبي عليه السلام يجب عليه أن يلتزم بما قال به أصحابه في كل أمر یعرضه للشوری، كما يلتزم به خلفاؤه أو من بعده؟ وأما بعد عهد النبوة فإن المتأمل في الوقائع من العهد الراشدي يجد الخلفاء الراشدين قد عملوا بها والتزموا برأي أهل الشورى أو أکثریة أهلها. ٣. ولذلك فإن ما استند إليه أصحاب مذهب التخيير وعدم الإلزام من أن الكثرة لا عبرة فيها؛ لأن الأمر يناط بموافقة الدليل ولا عبرة للكثرة والقلة، إن هذا الكلام كله ليس على إطلاقه، فإن كانت الأدلة متوفرة فلا مجال للشورى إلا في فهم النص، وهذه قضية تخرج عن محل النزاع، وإن كانت الأدلة غير متوفرة، والقضية تعود إلى الاجتهاد والتدبير في الأمور العامة فلا ريب أن رأي الأكثرية ورأي الجماعة خير من رأي الفرد، وهي أبعد عن الخطأ، وأقرب إلى الصواب، وقد عمل فريق من علماء الحديث وعلماء الأصول بالترجيح بكثرة الرواة، وكثرة الأدلة (١). ٤. إن كثيرًا من أدلة القائلين بالتخيير وعدم الإلزام ليست منتجة لهذا القول، ولا تنهض للحجية والدلالة عليه؛ لأنها إما في أمور لا مجال للشورى فيها، أو لأنها مما يتصرف فيها النبي صلى الله عليه وسلم بما أنه مبلغ عن ربه تبارك وتعالى، لا بکونہ حاكمًا ورئيسًا للدولة، أو لأن ما استندوا إلیه منها كان رأيًا مخالفًا لرأي الأكثرية والجمهور من الصحابة. ٥. وأما الأدلة العقلية التي استدل بها القائلون بالتخيير وعدم الإلزام فليست على إطلاقها؛ لأن الخليفة أو الرئيس الذي تجب له الطاعة إنما تجب له هذه الطاعة وغيرها من الحقوق مقيدة بشروط وضوابط قال بها العلماء، كما هو معروف ومشهور، وعندما نلزمه بالشورى فإنما يكون ذلك إلزامًا (١) انظر: البحر المحيط في أصول الفقه، الزركشي ٤٤٢/٤-٤٤٥، تخريج الفروع على الأصول، الزنجاني ص٣٦٧-٣٧٧، إرشاد الفحول، الشوكاني ص ٢٦٤ - ٢٦٥. ١٢٠ ◌َبُ النَّفِيَّة جَوَسُبـ القرآن الكريم الشورى بأحكام مقررة، فلا يتنافى ذلك مع طاعته فيما تجب فيه الطاعة له. ٦. وأما ما يقال عن الخليفة أو ولي الأمر الذي تجب طاعته ولا يكون ملزمًا برأي أهل الشورى؛ لأنه هو نفسه من أهل الاجتهاد والعلم والنظر والتقوى، فإن هذا القول الجميل إنما يصح عندما تنظر إلى الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم فهم، الذين بلغوا الدرجة العليا في ذلك، وقد أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام باتباع سنتهم، ويصح كذلك عندما ننظر إلى الخلفاء في صدر الدولة الإسلامية، وقد كانوا أو كان كثير منهم يرحل في طلب العلم قبل الخلافة، ومنهم من له رواية للحديث وسماع، مع ما هم عليه من دین وصلاح وتقريب للعلماء، وتوفيق بين القواعد الفقهية النظرية والحياة العملية (١). ولكن أين تجد في العصور المتأخرة وفي عصرنا هذا مثلًا من يستجمع تلك الصفات والمؤهلات أو بعضها، أو يقاربها ويدانيها! فيبقى الكلام نظريًا لا يتصل بالواقع، ويبقى الأمر بحاجة إلى ضمانة للالتزام بالرأي الأقوم، وهو رأي أهل الشورى بصفاتهم ومؤهلاتهم في (١) انظر: تاريخ الخلفاء، السيوطي ص٢٦٣ - ٢٩٧. النظام الإسلامي. ٧. ومن الجدير بالاهتمام أيضًا: التفريق بين الشورى في الأمور الشخصية الفردية التي تتصل بتصرفات الأفراد ورغباتهم وأمورهم الخاصة التي سماها بعض الباحثين استشارة، وبين الشورى في الأمور العامة التي تمس مصالح الأمة والجماعة المسلمة وكيانها، فإن الخطأ في الأولى أيسر وأقل أثرًا من الخطأ والانحراف في الثانية، والمصلحة التي تفوت بعدم الشورى في الأولى أقل من المصلحة التي تفوت في الثانية، فلئن جاز القول بعدم الإلزام في الأولى فلا يصح أن يقال ذلك في الثانية لما لها من أهمية؛ ولما يتحقق من آثار، والشريعة الإسلامية - كما قال العلماء- إنما جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإنها ترجح خير الخيرين، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما. ٨. وهذا التفريق بين أنواع الشورى ومجالاتها كان منطلقًا لبعض الباحثين للتفريق بين المصطلحات التي تطلق على عملية التشاور والأحكام المتعلقة بكل نوع منها، فقد ذهب الدكتور توفيق الشاوي إلى وجوب التفريق بين www. modoee.com ١٢١ حرف الشین أنواع ثلاثة من القرارات الناتجة عن ((التشاور)) وهي: أولًا: المشورة الجماعية التي لابد من الالتجاء إليها للحصول على قرار جماعي ملزم في شأن من الشؤون المهمة للجماعة، وهي التي سماها ((الشورى)) بالمعنى الضيق أو المعنى الخاص، وهي الشورى الواجبة والملزمة. ثانيًا: الاستشارة الحرة الاختيارية، أي: طلب الرأي والنصيحة من ذوي التجربة أو الخبرة، وهي اختيارية لمن طلبها، وتسفر عن رأي غير ملزم، وهي التي سماها ((استشارة)). ثالثًا: طلب الفتوى الفقهية، وهي نوع من الاستشارة في أحكام الفقه، وهي مشورة اختيارية، لكن لها أحكام خاصة(١). ٩. ولعل هذا الرأي والاتجاه يجمع بين الرأيين، وعندئذٍ يحمل رأي القائلين بالإلزام على حالات محددة، هي ((الشورى)) ويحمل رأي القائلين بالتخيير، وعدم الإلزام على حالات (١) انظر: فقه الشورى والاستشارة ص١٠١- ١٥٧، فقد أطال في ذلك واستقصى الحالات والتقسيمات، ووافقه على هذا الدكتور محمد سليم العوا، وأشار إلى كتاب الدكتور الشاوي، وهو يومذاك تحت الطبع. مغايرة، وعندئذٍ یکون الخلاف یسیرًا، ويلتقي المذهبان. ١٠. وإن جاز لنا أن نضيف رأيًا في التقريب بين المذهبين -يعمل الأدلة كلها دون إهمال شىء منها- فيمكن أن أفرق بين حالتين حسب طريقة تنظيم الشورى والجهة التي تقدم الرأي، فإن الشورى قد تتناول الأمور الفردية والجماعية، والسياسية وغير السياسية، وأمور النظام التأسيسي وغير التأسيسي، ومن جهة أخرى قد تكون مبادرة فردية، وقد تكون عن طريق مجلس متخصص، وليست هذه النواحي والمجالات على مرتبة واحدة، ولا بمنزلة واحدة من حيث الإلزام بنتيجة الشورى وموجبها. فإن المصلحة قد تقتضي تكوين مجلس الشورى أو أكثر -كما تقدم-، ويكون اختصاص المجلس بحكم تكوينه والغاية من إنشائه تقديم الرأي والدراسات حيال قضية معينة دون أن یکون رأیه ملزمًا. وهنا يقال: إن رأيه استشاري. وعلى هذا يحمل ما تقدم من أمثلة في الشورى لم يأخذ فيها النبي صلى الله عليه وسلم برأي من استشارهم. ونجد في بعض الدول والأنظمة السياسية أمثلة لذلك. وعلى هذا يتنزل الرأي القائل بأن ١٢٢ القرآن الكريم الشورى الشورى معلمة غير ملزمة. وقد يكون من اختصاصه بحسب تكوينه تقديم الرأي حيال قضايا معينة تتسم بالأهمية والخطورة، ولا يجوز أن ينفرد رئیس الدولة بالبت فيها، وقد ينص النظام الأساس للدولة (الدستور) عليها وعلى عرضها على مجلس الشورى، فيكون رأي المجلس بالإجماع أو الأغلبية ملزمًا، وهنا يقال: إن الشورى ملزمة، ويجب على رئيس الدولة الالتزام بها؛ لأنها صدرت عن هيئة أو مجلس یکون رأيه أو قراره - بحكم النظام أو القانون الذي تسير عليه الدولة- ملزمًا لرئيس الدولة والحكومة، وعلى هذا يحمل ما تقدم من أمثلة أخذ بها النبي صلى الله عليه وسلم برأي من استشارهم، وكانوا أغلبية، أو ليس لرأيهم معارض، وهذا أيضًا نجد له أمثلة في بعض الدول والأنظمة السياسية المعاصرة، والله أعلم. مجالات الشورى تنوعت مجالات الشورى التي مارسها الرسول عليه السلام والصحابة، وسوف نتناول هذه المجالات فيما يأتي: أولًا: في الغزوات: في مجال الجهاد والغزوات يتسع نطاق العمل بالشورى، ونجد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أمثلةً كثيرة وفيرة، تظهر فيها أهمية التشاور وإبداء الرأي؛ حيث يقود ذلك إلى اتخاذ القرار المناسب، ويترك أثره في العملية الحربية نصرًا وثقةً بالنفس واستقرارًا. أ. ففي غزوة بدر الكبرى في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، شاور النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه، وتلقى منهم المشورة والرأي لما بادروا بعرضه ابتداءً قبيل المعركة، وفي أثنائها وسيرها، وفي نھایتھا و آثارها: ١. قبل المعركة: استشار عليه الصلاة والسلام في خوض المعركة وفي مسير الاقتراب(١). وکان ذلك لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر القافلة التجارية (١) مسير الاقتراب: سير القوات المقاتلة من قاعدتها إلى موقع القتال، وكان سير الاقتراب من المدينة المنورة إلى بدر، وهي موقع وآبار على الطريق بين مكة والمدينة. انظر: الشورى العسكرية ص٨٧٤. www. modoee.com ١٢٣ حرف الشین المقبلة من الشام لقریش صحبة أبي سفيان، أخذت منا کان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبعٌ لأمرك، فو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان (١) لنسيرن معك، والله لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. وهي العير التي خرجوا في طلبها لما خرجت من مكة، وکانوا نحو أربعین رجلًا، وفيها أموال عظيمة لقريش، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس للخروج إليها، وأمر من كان ظهره حاضرًا بالنهوض، ولم يحتفل لها احتفالًا بليغًا؛ لأنه خرج مسرعًا في قلة من العدد والعدة، فاستنصر أبو سفيان قريشًا، فنهضوا مسرعين إلى ذلك، وخرجوا من دیارهم، کما قال تعالی: ﴿َبَطَرًّا وَرِشَآءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧]. وأقبلت عصابة الكفر والشرك؛ ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خروج قریش استشار أصحابه، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثانيًا، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثالثًا، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذٍ فقال: يا رسول الله! كأنك تعرض بنا؟ وكان إنما يعنيهم لأنهم بايعوه على أن يمنعوه ويدافعوا عنه وينصروه في ديارهم، فلما عزم على الخروج، استشارهم ليعلم ما عندهم، فقال له سعد: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًا عليها أن لا ينصروك إلا في ديارها! وإني أقول عن الأنصار، وأجيب عنهم: فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما وقال له المقداد بن الأسود: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك. فأشرق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسر بما سمع من أصحابه، وقال: (سیروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، وإني قد رأيت مصارع القوم)، فسار رسول الله صلی الله عليه وسلم إلى بدر))(٢). وكان لهذه الشورى العسكرية أثرها العظيم في إبراز إرادة القتال في المسلمين، واستعدادهم للجهاد بقيادة واحدة لتحقيق هدف واحد، كما رفعت معنويات (١) وقيل: برك، بكسر الباء، وسكون الراء وهي ناحية باليمن، وغمدان: بضم أوله وسكون ثانیه وآخره نون موضع وقصر فيها. وفي بعض الألفاظ: برك الغماد: بغين معجمة مثلثة كما في القاموس، وهو موضع في ساحل البحر، بينه وبين جدة عشرة أميال، وهو البندر القديم. انظر: معجم البلدان ١/ ٤٠٠ و٢١٠/٤، مراصد الاطلاع ١٨٧/١ و٢ / ٩٦٠، نيل الأوطار، الشوكاني ٢٩/٨. (٢) انظر: زاد المعاد، ابن القيم ١٥٣/٣- ١٥٦. ١٢٤ جَوَسُبْ القرآن الكريم الشورى المسلمين بعد انكشاف نياتهم، ولم يبق ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماءٍ من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من لدى المهاجرين شكٌّ في نيات الأنصار، وموقفهم الإيماني البطولي الصادق، فازداد التلاحم بينهم، كما كان قد ازداد بعد الهجرة ارتباطًا ورسوخًا في الإسلام (١). القلب، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد أشرت بالرأي). فنهض رسول الله صلى الله ٢. في موقع النزول والقيادة: روى الواقدي: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار بعد ذلك حتى نزل عشیًا أدنی ماء من میاه بدر إلى المدينة، فقال: (أشيروا علي في المنزل). فأشار علیه الحباب بن المنذر بن الجموح بغير ذلك الموضع، فقال: يا رسول الله! أنا عالمٌ بها وبقلبها (٢)! إن رأيت أن نسیر إلى قلب قد عرفناها، فهي كثيرة الماء عذبة، فننزل عليها، ونسبق القوم إليها ونغور(٣) ما سواها من المياه) (٤). علیه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماءٍ من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت، وبنى حوضًا على القليب الذي نزل عليه، فمليء ماء، ثم قذفوا فيه الآنية، قال ابن إسحاق: قال سعد بن معاذٍ رضي الله عنه: يا نبي الله، ألا نبني لك عریشًا(٥) تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخری جلست علی رکائبك، فلحقت بمن وقال محمد بن إسحاق: (إن الحباب ابن المنذر قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: (بل هو الرأي والحرب والمكيدة). فقال: يا رسول الله، فإن هذا وراءنا، فقد تخلف عنك أقوام، يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًا منهم، ولو ظنوا أنك تلقی حربًا ما تخلفوا عنك، یمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك، فأثنى عليه رسول الله صلی الله علیه وسلم خیرًا، ودعا له بخير، ثم بني لرسول الله صلى الله عليه (١) انظر: الشورى العسكرية ص٨٧٦. وسلم عريشٌ فكان فيه)(٦). (٢) القلب: جمع قليب، وهي البئر القديمة، تذكر وتؤنث. (٣) والتغوير: الدفن والطمس، وفي بعض الروايات: ((نعور)) بالعين المهملة، والتعوير هو إفسادها بإلقاء شيء فيها كالحجارة والتراب. (٤) مغازي الواقدي ١/ ٥٣. ويستوي في هذا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم طلب المشورة والرأي في (٥) العريش: شبه الخيمة يستظل به. (٦) المغازي، الواقدي ٥٣/١، السيرة النبوية، ابن هشام ٦٠٦/١-٦٠٧، زاد المعاد ١٥٣/٣. www. modoee.com ١٢٥ حرف الشین النزول بذلك الموضع، أو أن الحباب رضي الأنفال، واستشار أصحابه في تقرير مصير الأسرى، ولم يستبد عليه السلام بذلك (٣). وهذا طرف من الروايات بهذا الشأن: الله عنه ابتدأ بالرأي وتقديم المشورة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد أخذ بتلك المشورة، وأثنى على صاحبها، كما أخذ برأي سعد بن معاذ في بناء العريش؛ ليكون مقر القيادة يقومون عليه بالحراسة، واختياره بتلك الطريقة والكيفية يؤدي إلى السيطرة على ساحة المعركة، ثم إلى السيطرة على القتال بيسر وسهولة، وأعلن عليه الصلاة والسلام أن الأمر شوری بینھم، فهو لا يقطع برأي في أمر الحرب وسيرها دونهم، وكان لهذا الموقف أثره الكبير في الانتصار في المعركة بعون الله وتأييده ونصره (١). ٣. بعد المعركة في شأن الأسرى وتقرير مصيرهم(٢): فقد انجلت معركة بدر عن کثیر من الغنائم، وعن سبعین قتيلا، وسبعین أسيرًا، فقام عليه الصلاة والسلام بتوزيع الغنائم، كما قسمها الله تعالى في سورة (١) انظر: الرسول القائد، محمود شيئ خطاب ص١٠٧، الشورى العسكرية له ص٨٧٧. (٢) الأسير على وزن فعيل بمعنى المأسور، والأسر في اللغة العربية هو الحبس والإمساك، أو هو الشّد بالقيد، مأخوذ من قولهم: أسرت القتب، بمعنى شددته، وتجمع كلمة أسير على أسارى وأسارى وأسرى وأسراء، ويقال: أسير للرجل والمرأة، وعند الفقهاء: الأسرى هم الرجال المقاتلون من الكفار الذين ظفر بهم المسلمون في الحرب. انظر: أصول العلاقات الدولية في فقه الإمام محمد بن الحسن الشيباني، عثمان ضميرية ١٢٠٧/٢-١٢٠٨. روى مسلمٌ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (فلما أسروا الأسارى قال لأبى بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر: (ما ترون في هؤلاء الأسارى؟) فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ترى يا ابن الخطاب؟) فقال: لا، والله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان (وكان نسییًا لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصنادیده. قال: فهوي رسول الله صلى الله عليه (٣) الأسير يقع تحت سلطة الدولة، وليس تحت سلطة الآسر، ويكون الإمام -رئيس الدولة- في هذا بين خيارات، وهي المنِ عليه بدون مقابل أو الفداء أو المبادلة بالأسرى من المسلمين أو القتل والاسترقاق قبلٍ إلغاء الرق، ويختار منها ما هو أكثر تحقيقًا للمصلحة العامة للمسلمين، ولا يتصرف في هذا ولا يتخیر الحکم فیھم بالهوى، وإنما الحكم فيهم على وجه الاجتهاد والمصلحة للمسلمين. انظر: أصول العلاقات الدولية، عثمان ضميرية ١٢٠٨/٢-١٢٥١. جَوْسُورَةُ النَّفَتَّ القرآن الكريم ١٢٦