النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
المُشُوزِى
عناصر الموضوع
مفهوم الشورى
٨٨
الشورى في الاستعمال القرآني
٨٩
الألفاظ ذات الصلة
٩٠
مكانة الشورى والحث عليها
٩٢
مشروعية الشورى
١٠٢
١٢٣
مجالات الشورى
المُجَلَدُ العُشْرُونْ

حرف الشين
مفهوم الشورى
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارسٍ: ((الشين والواو والراء أصلان مطردان، والشورى مشتقة من مادة (شور)
وشاوره واستشاره في الأمر مشاورة وشوارًا واستشارةً: طلب منه المشورة، أو طلب رأيه
فيه، واشتار العسل، وشاره: اجتناه واستخرجه من خلاياه ومواضعه، وشار الفحل الناقة
ونحوها: شمها لينظر أحائلٌ هي أم لاقحٌ. وهو مشتق من شور العسل، فكأن المستشير يأخذ
الرأي من غيره، والشورى تدل على معنيين أصليين:
أحدهما: إبداء الشيء وإظهاره وعرضه.
والآخر: أخذ الشيء. والتشاور: استجماع الرأي، وهو تفاعل بين طرفين يفيد المشاركة.
الشورى هي الاسم من تشاور القوم واشتوروا، والشورى هي التشاور، والأمر الذي
یتشاور فیه»(١).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب الأصفهاني: ((المشاورة والمشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى
البعض)»(٢).
وعرفها ابن العربي المالكي بأنها: ((عرض الأمر على الخيرة حتى يعلم المراد منه)) (٣).
وعرفها الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق بأنها: ((استطلاع الرأي من ذوي الخبرة فيه؛
للتوصل إلى أقرب الأمور للحق)) (٤).
وقال الدكتور إسماعيل البدوي: ((استخراج الصواب بعد التعرف على آراء الآخرين
وإجالة النظر فيها))(٥).
(١) مقاييس اللغة ٢٢٦/٣.
وانظر: الصحاح، الجوهري ٣٧٢/١، لسان العرب، ابن منظور ٤٣٤/٤، القاموس المحيط،
الفيروز آبادي ص ٤٣٨.
(٢) المفردات ص٤٦٩ - ٤٧٠.
(٣) أحكام القرآن ٤/ ٩١.
(٤) الشورى في ظل نظام الحكم الإسلامي ص١٤.
(٥) مبدأ الشورى في الشريعة الإسلامية ص٨.
٨٨
القرآن الكريمِ

الشورى
الشورى في الاستعمال القرآني
وردت مادة (شور) في القرآن الكريم (٣) مرات (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
فعل الأمر
عمران: ١٥٩]
،فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾
المصدر
١
[البقرة: ٢٣٣]
﴿ وَالَّذِينَ أَسْتَجَابُوْ لِرَبِهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا
اسم المصدر
١
[الشورى:٣٨]
٣٨
رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ!
وجاءت الشورى في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: طلب رأي الغير في الأمر (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٣٩١، المعجم المفهرس
الشامل، عبد الله جلغوم، باب الشين ص٦٧٦.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٢٦/٣-٢٢٧، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة،
٤٩٩/١، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٣٠٣/٢.
www. modoee.com
٨٩
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل
١

حرف الشين
الألفاظ ذات الصلة
الديمقراطية:
١
الديمقراطية لغة:
الديمقراطية (Democracy) كلمة مشتقة من لفظتين يونانيتين TheSans (الشعب)
وTheSans (سلطة) ومعناها: الحكم الذي تكون فيه السلطة للشعب(١).
الديمقراطية اصطلاحًا:
حق الشعب المطلق في أن يشرع لجميع الأمور العامة بأغلبية أصوات نوابه(٢).
الصلة بينها وبين الشورى:
إن الديمقراطية مذهب فكري بشري، ويلتقي مع الشورى في طلب المستشير الرأي من
أهل الرأي، وإبداء الرأي وعرضه على من يطلبه في موضوع معين.
ويختلفان في أصل النشأة، وفي مجال العمل ونطاقه، فالشورى أصلها رباني، وهي
مقيدة بعدم مخالفة المشروعية، وأما في الديمقراطية فإن سلطة المجلس النيابي مطلقة غير
مقيدة إلا بإرادة الشعب، وأهل الشورى في الإسلام يشترط فيهم صفات وشروط لا تلقي
لها الديمقراطية بالًا، ولا تعيرها اهتمامًا؛ لأن منطلقاتها غير منطلقات الإسلام في ذلك (٣).
الاستفتاء:
٢
الاستفتاء لغة:
هو تصويت الشعب في مسألة من المسائل (٤).
الاستفتاء اصطلاحًا:
الاستفتاء هو عرض موضوع عام على الشعب؛ لأخذ رأيه فيه بالموافقة أو الرفض (٥).
واستخدمت كلمة الاستفتاء في البلاد العربية استخدامًا واسعًا، جعلها تشمل أيضًا عرض
شخص واحد على الشعب؛ للموافقة على تنصيبه أو بقائه رئيسًا للدولة (٦).
(١) مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب ص١٤٩.
(٢) منهاج الإسلام في الحكم، تعريب منصور محمد ماضي ص ٤٧-٤٨.
(٣) انظر: المصدر السابق ص٤٨.
(٤) انظر: الموسوعة العربية العالمية، مؤسسة أعمال الموسوعة ٧٢٣/١.
(٥) الاستفتاء الشعبي بين الأنظمة الوضعية والشريعة الإسلامية، ماجد راغب الحلو ص٩.
(٦) انظر: المصدر السابق ص٩- ١٠.
صَوَسُون
القرآن الكريمِ
٩٠

الشورى
الصلة بين الاستفتاء والشورى:
إن الشورى والاستفتاء يلتقيان في أنهما يتمثلان - بصفة عامة- في طلب الرأي من أهله
في أمر من الأمور العامة.
ويختلفان في أمور ثلاثة:
أولها: من حيث أهل الرأي، فهم في الاستفتاء جميع الناخبين عادةً دون أي شرط، أما في
الشورى فهم أهل الحل والعقد، أو أهل الشورى والاختيار بصفاتهم وشروطهم التي سيأتي
الحديث عنها، فكأنهم الصفوة من الأمة.
ثانيهما: من حيث الموضوع، يشمل الاستفتاء أي موضوع عام يراد اتخاذ موقف بشأنه،
أو قرار، أيًا كان موضوعه أو مجاله دون التقيد بأحكام سابقة أو قواعد لا يجوز المساس
بها، أما الشورى فمجالها ونطاقها محدد فيما لا نص قاطع فيه، وفي الأمور المباحة والأمور
التنظيمية.
وثالثها: من حيث حدود الرأي، فليس لصاحب الرأي في الاستفتاء عادة غير الموافقة أو
الرفض دون مناقشة، وأما في الشورى فإن أهل الرأي لهم أن يبدوا آراءهم، وأن يناقشوا، وأن
يبحثوا الموضوع بأكمله، ضمن القواعد والضوابط الشرعية (١).
استطلاع الرأي:
٣
استطلاع الرأي لغة:
هو بحثٌ لمعرفة اتجاهات الناس واعتقاداتهم وآرائهم (٢).
استطلاع الرأي اصطلاحًا:
دراسة يتم إجراؤها بشكل علمي، وتهدف إلى معرفة آراء المواطنين تجاه إحدى القضايا
الهامة، أو أحد الأحداث المطروحة على الساحة(٣).
الصلة بين استطلاع الرأي والشورى:
يتفقان في أن كليهما استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض، ويختلفان في جوانب
أخرى تتصل بأصل المبدأ، وبالأخلاقيات الناظمة له، والوسيلة التي يجري بها أيضًا.
(١) انظر: الاستفتاء الشعبي، ماجد راغب الحلو ص١٧١ - ١٧٥.
(٢) انظر: الموسوعة العربية العالمية ١/ ٧١٧.
(٣) انظر: المصدر السابق ٧١٨/١.
www. modoee.com
٩١

حرف الشين
مكانة الشورى والحث عليها
تنوعت أساليب الحث على الشورى،
ونتناولها فيما يأتي:
أولًا: صيغة الطلب:
أمر الله تعالی نبيه صلی الله عليه وسلم
بأن يشاور أصحابه رضوان الله عليهم، ففي
أعقاب غزوة أحد، بعد أن أصيب المسلمون
بما أصيبوا به، نزل الأمر من الله تعالى لنبيه
صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه
فيما يطرأ عليهم من الشئون؛ ربطًا للقلوب
وتقريرًا لما يجب أن يكون بين المؤمنين من
حسن التضامن في سياسة الأمور، وتدبير
الشئون، فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ
مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِظَ الْقَلْبِ
لَأَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
وَشَاوِرُهُمْ فِ آلْأَّتِّ فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهَّ إِنَّ
اَللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِلِينَ ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
قال شيخ المفسرين الإمام أبو جعفر
محمد بن جرير الطبري رحمه الله: ((إن
الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم
بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه
ومكايد حربه؛ تألفًا منه بذلك من لم تكن
بصيرته بالإسلام البصيرة التي يؤمن عليه
معها فتنة الشيطان، وتعريفًا منه أمته مأتى
الأمور التي تحزبهم من بعده ومطلبها؛
ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل
بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه
في حياته صلی الله عليه وسلم يفعله، فأما
النبي صلی الله عليه وسلم فإن الله كان
يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور
بوحیه أو إلهامه إياه صواب ذلك، وأما أمته،
فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله في ذلك،
على تصادقٍ وتأخٍ للحق (١)، وإرادة جميعهم
للصواب، من غیّر میلٍ إلی هویّ، ولا حید
عن هدى، فالله مسددهم وموفقهم)) (٢).
وقال ابن عطية الأندلسي رحمه الله:
((أمر الله تعالى رسوله بهذه الأوامر التي
هي بتدریج بليغ، وذلك أنه أمره بأن يعفو
عليه السلام عنهم ما له في خاصته عليهم
من تبعة وحقٍ، فإذا صاروا في هذه الدرجة،
أمره أن يستغفر لهم فيما لله عليهم من
تبعة، فإذا صاروا في هذه الدرجة كانوا أهلاً
للاستشارة في الأمور، والشورى من قواعد
الشريعة، وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير
أهل العلم والدين فعزله واجبٌ، هذا ما لا
خلاف فیه))(٣).
وقال الشيخ العلامة ابن سعدي رحمه
الله: ((﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: الأمور
(١) توخى الأمر: تحراه وقصده ويممه، ثم تقلب
واوه ألفًا فيقال: تأخيت الأمر.
انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية
٠١٠٢٠/٢
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/ ٣٤٠-٣٤٧.
(٣) المحرر الوجيز ٣٥/٣.
٩٢
جَوَسُو
القرآن الكريم

الشورى
التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر، فإن العسكرية؛ إذ إنها كانت مخالفة ((للسوابق
في الدفاع عن المدينة)» - كما قال عبد الله بن
في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية
والدنيوية ما لا يمكن حصره))(١).
أبي- وقد اتبع المسلمون عكسها في غزوة
الأحزاب التالية، فبقوا فعلًا في المدينة،
وأقاموا الخندق، ولم يخرجوا للقاء العدو،
منتفعين بالدرس الذي تلقوه في أحد! ولم
یکن رسول الله صلی الله علیه وسلم یجهل
النتائج الخطيرة التي تنتظر الصف المسلم
من جراء الخروج.
ويرسم الأستاذ سيد قطب رحمه الله
بقلمه البليغ صورةً لهذا الأمر ومقتضياته
وبواعثه فيقول: ((وبهذا النص الجازم:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ اَلْأَمِّ﴾ يقرر الإسلام هذا
المبدأ في نظام الحکم حتی ومحمد رسول
الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يتولاه،
وهو نصّ قاطع لا يدع للأمة المسلمة شكًا
في أن الشورى مبدأ أساس، لا يقوم نظام
الإسلام على أساسٍ سواه.
لقد جاء هذا النص عقب وقوع نتائج
للشورى تبدو في ظاهرها خطيرة مريرة! فقد
کان من جرائها ظاهریًا وقوع خلل في وحدة
الصف المسلم! اختلفت الآراء؛ فرأت
مجموعة أن يبقى المسلمون في المدينة
محتمين بها، حتى إذا هاجمهم العدو قاتلوه
على أفواه الأزقة، وتحمست مجموعة
أخرى فرأت الخروج للقاء المشركين.
وكان من جراء هذا الاختلاف ذلك
الخلل في وحدة الصف؛ إذ عاد عبد الله
بن أبي بن سلول بثلث الجيش، والعدو
علی الأبواب -وهو حدث ضخم وخلل
مخيف - كذلك بدا أن الخطة التي نفذت لم
تكن -في ظاهرها - أسلم الخطط من الناحية
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ١٥٤.
فقد كان لديه الإرهاص من رؤياه
الصادقة التي رآها، والتي يعرف مدى
صدقها، وقد تأولها قتيلًا من أهل بيته، وقتلی
من صحابته، وتأول المدينة درعًا حصينة،
وكان من حقه أن يلغي ما استقر عليه الأمر
نتيجةً للشوری، ولکنه أمضاها وهو يدرك ما
وراءها من الآلام والخسائر والتضحيات؛
لأن إقرار المبدأ، وتعليم الجماعة، وتربية
الأمة، أكبر من الخسائر الوقتية.
ولقد كان من حق القيادة النبوية أن تنبذ
مبدأ الشورى كله بعد المعركة، أمام ما
أحدثته من انقسام في الصفوف في أحرج
الظروف، وأمام النتائج المريرة التي انتهت
إليها المعركة! ولكن الإسلام كان ينشيء
أمة، ويربيها، ويعدها لقيادة البشرية، وكان
الله يعلم أن خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها
للقيادة الرشيدة، أن تربی بالشورى، وأن
تدرب على حمل التبعة، وأن تخطئ -مهما
www. modoee.com
٩٣

حرف الشین
يكن الخطأ جسيمًا وذا نتائج مريرة- لتعرف
کیف تصحح خطأها؟ و کیف تحتمل تبعات
رأيها وتصرفها؟ فهي لا تتعلم الصواب إلا
إذا زاولت الخطأ، والخسائر لاتهم إذا كانت
الحصيلة هي إنشاء الأمة المدربة المدركة
المقدرة للتبعة))(١).
ثانيًا: صيغة الخبر:
جعل الله تعالى الشورى صفةً لازمة
للمؤمنين في كل أمر من أمورهم الخاصة
والعامة، فقال في السورة التي أعلى الله فيها
مكانة فخصها بهذا الاسم (الشورى) إعلاءً
لمكانتها، ورفعةً لمنزلتها، فهي السورة
الوحيدة التي قررت الشورى عنصرًا من
عناصر الشخصية الإيمانية الحقة (٢):
فَآ
أُوِلْتُم مِّنِ شَىْءٍ فَتَعُ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيرٌّ
وَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَّكُونَ (٦) وَالَّذِينَ
يَحْتَِّبُونَ كَبَِّرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ
وَالَّذِينَ أَسْتَجَابُوْ لِرَيْهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ
يَغْفِرُونَ
وَالَّذِينَ
٣٧
وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ ()
إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنْنَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٦ -٣٩].
ففي هذه الآيات الكريمة جاءت كلمة
(الشورى)) والأمر بها وصفًا للذين آمنوا، في
سياق رسم صورة مشرقة وضيئة للمؤمنين
الذين تحققوا بالإيمان، وهذه صفاتهم التي
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٥٠٢/١ - ٥٠٣.
(٢) انظر: الإسلام عقيدة وشريعة، محمود
شلتوت ص٣٦٨.
مدحهم الله تعالى بها؛ لأنها تشكل عناصر
الشخصية المؤمنة، وهي: الإيمان بالله
تعالى، والتوكل على الله تعالى، واجتناب
كبائر الإثم والفواحش، والعفو والصفح عن
الناس، والاستجابة لدعوة النبي صلى الله
عليه وسلم المبلغ عن ربه تبارك وتعالى،
وإقامة الصلاة بحدودها وأوقاتها، وهي التي
جعلها الله تعالى عنوان الإسلام والفارقة
بين الإيمان والكفر، والشورى في كل
أمورهم وشئونهم، يتشاورون فیھا بینهم فلا
ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه، والإنفاق
في سبيل الله، ورأسه الزكاة المفروضة،
والقوة أو العزة التي تجعلهم قادرين على
الانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم، وإن
كانوا مع هذا إذا قدروا عفوا (٣).
وقد جاءت صفة الشورى والتشاور في
هذه الآيات الكريمة في جملة اسمية ضمن
عدة صفات في جمل فعلية وصف بها رب
العالمين عباده المؤمنين، فأفادت لزوم هذه
الصفة لهم وثباتهم عليها (٤).
وفي هذا يقول شهاب الدين الألوسي
رحمه الله: ((وجيء بالجملة اسميةً مع أن
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٤٤/٢١ -٥٤٩،
معالم التنزيل، البغوي ١٩٧/٧- ١٩٨،
النكت والعيون، الماوردي ٥/ ٥٠٢ - ٥٠٦،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٩/٥-٤٠.
(٤) الشورى في ضوء القرآن والسنة، حسن ضياء
الدین عتر ص ٤٤.
جَوَسُورَةُ النَّقتيبة
القرآن الكريم
٩٤

الشورى
المعطوف عليه جملة فعلية للدلالة على بدلالة التأكيد والمبالغة الجملة الاسمية وما
فيها من مؤكدات (٤)
أن التشاور كان حالهم -أي: الأنصار(١)۔
المستمرة قبل الإسلام وبعده، وفي الآية
مدٌ للتشاور، لاسيما على القول بأن فيها
الإخبار بالمصدر))(٢).
والجملة الاسمية تحمل من الدلالات
ما لا تحمله الجملة الفعلية، ومن ذلك دلالة
التأكيد مثلًا، وهي ما أشار إليه ابن الأثير
في حديثه عن الخطاب بالجملة الفعلية
والاسمية والفرق بينهما حيث يقول: ((وإنما
يعدل عن أحد الخطابين إلى الآخر لضربٍ
من التأكيد والمبالغة)» (٣)
٠
ويظهر من شواهده التي ساقها أنه يقصد
(١) قال الضحاك بن مخلد الشيباني، والحسن
البصري، وعبد الرحمن بن زيد: ((الذين
استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم
شورى بينهم هم الأنصار رضوان الله عليهم)).
انظر: جامع البيان، الطبري ٥٤٦/٢١،
النكت والعيون، الماوردي ٢٠٦/٥، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٣٩/٥، زاد المسير، ابن
الجوزي ٤ / ٦٧.
ولكن النص يبقى على عمومه، إذ العبرة
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو
معلوم مشهور، ويدخل في معناه الأنصار
رضي الله عنهم دخولا أوليًا فيما ذكره
العلماء، ولذلك قال ابن عطية رحمه الله في
الموضع نفسه: ((والظاهر أن الله تعالى مدح
كل من اتصف بهذه الصفة كائناً من كان، وهل
حصل الأنصار في هذه الصفة إلا بعد سبق
المهاجرين لها رضي الله تعالى عن جميعهم
بمنه؟».
(٢) روح المعاني ٤٦/١٣.
(٣) في المثل السائر ٢٦٩/٢.
وفي هذا إشارة إلى الوجوب؛ لأن الله
تعالى في كثير من المواضع يجعل الواجب
من الواجبات في الأحكام، أو الركن من
أركان الإيمان صفةً لازمةً للمؤمنین، ویمدح
فاعل هذا الواجب والمتصف بتلك الصفة،
ويعده بالفوز والفلاح، كما تقدم آنفًا(٥).
قال الإمام المفسر القرطبي رحمه الله:
((فمدح الله المشاورة في الأمور بمدح القوم
الذين كانوا يمتثلون ذلك، وقد كان النبي
صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في
الآراء المتعلقة بمصالح الحروب؛ وذلك في
الآراء كثيرٌ، ولم يكن يشاورهم في الأحكام؛
لأنها منزلة من عند الله على جميع الأقسام
من الفرض والندب والمكروه والمباح
والحرام»(٦).
(٤) بلاغة الحال في النظم القرآني، عويض حمود
العطوي ص ٩٣.
(٥) قارن برأي آخر مخالف للشيخ محمد عبده
مفتي مصر، يذهب إلى أن الآية لا تفيد إلا
أن الشورى من أوصاف المؤمنين، وأن آية
سورة آل عمران - السابقة - أدل على وجوب
الشورى.
انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٤/ ٣٧،
ورجح الشيخ رشيد أن مجيء النص بصيغة
الخبر يؤكد كونه فرضًا حتمًا.
(٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٧/١٦.
www. modoee.com
٩٥

حرف الشین
ثالثًا: اقتران الشوری بالصلاة والزكاة:
ومما يدل على مكانة الشورى وأهميتها
اقترانها بصفاتٍ لازمة للمؤمنين، فمنها
عبادات اعتقادية وقلبية، كالإيمان بالله
تعالى والتوكل عليه، ومنها مباديء أخلاقية
كاجتناب الكبائر من الذنوب والفواحش،
وكالعفو عند الغضب، ومنها عباداتٌ ماليةٌ
وبدنية، وهي من أركان الإسلام الواجبة،
وقد توسطت الشورى هاتين العبادتين
البدنية والمالية، فكانت واسطة العقد فيها.
ففي الآيات السابقة في سورة (الشورى)
قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَآ أَوِتُم مِّنْ شَىْءٍ فَتَعُ
اَلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُوا
وَعَلَى رَبِمَّيْتَوَكُونَ ﴿ وَالَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَِّرَ الْإِثْمِ
وَأَلْفَوَِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ () وَالَّذِينَ
أَسْتَجَابُواْ لِرَيْهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ
وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٦-٣٨].
وهذا يدل على أهميتها والحث عليها،
فإذا كانت الصلاة لها أهميتها في الإسلام،
وهي عبادة بدنية تالية لكلمة التوحيد، وإذا
كانت الزكاة عبادة مالية لها مكانتها، فهي
ركن أيضًا من أركان الإسلام وأحد مبانيه
العظام، فالشورى -وقد توسطتهما- لها
هذه المكانة والأهمية وهذا الوصف.
قال أبو بكر الرازي الجصاص رحمه
الله: ((قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾
يدل على جلالة موقع المشورة؛ لذكره لها
مع الإيمان وإقامة الصلاة، ويدل على أنا
مأمورون بها: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ
الْبَغْىُ هُمْ يَنْنَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩].
يدل ظاهره على أن الانتصار في هذا
الموضع أفضل، ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر
الاستجابة لله تعالى وإقامة الصلاة؟)) (١).
وهذه الدلالة تسمى اصطلاحًا: دلالة
الاقتران (٢). وتعني: اجتماع شيئين أو أشياء
في معنىّ من المعاني، والمراد بها عند علماء
أصول الفقه الذين يضعون قواعد استنباط
الأحكام: أن يجمع الشارع بين شيئين في
اللفظ فيشتركان في الحكم(٣).
والحكمة في مجيء الشورى بعد إقامة
الصلاة وقبل إيتاء الزكاة تظهر في جملة
أمور، نشير إلى أهمها:
أولًا: إن الصلاة أقوال وأفعال، والشورى
كذلك أقوال تعقبها أفعال، أما الزكاة فهي
(١) أحكام القرآن، الجصاص ٢٦٣/٥.
(٢) الاقتران في اللغة العربية مأخوذ من مادة
قرن، واقترن الشيء بالشيء: أي قاربه
وداناه، كأنهما مقرونان في قرن، وهو الحبل،
وقد اقترن الشيئان وتقارنا، وجاؤوا قرانى
أي: مقترنين، فالاقتران في اللغة العربية:
المصاحبة والتلازم، ومنه: اقتران الحكم
بالعلة.
انظر: شمس العلوم، نشوان الحميري
٥٤٦٦/٨، لسان العرب، ابن منظور
٣٣٦/١٣.
(٣) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف،
المناوي ص ٥٨، دستور العلماء، القاضي
أحمد نکري ٣/ ٤٧.
٩٦
جوب
القرآن الكريم

الشورى
أفعال خالصة، فناسب أن تقترن الشورى
بالصلاة؛ لمشاكلتها في صورتها، وأن تتقدم
من أجل هذا على الزكاة.
وثانيًا: إن الصلاة يؤديها المؤمن منفردًا
أو في جماعة، وهو في حال انفراده يؤديها
على الصورة التي يراها، من حيث الطول
والقصر في أفعالها، قيامًا وركوعًا وسجودًا،
أما في حال أدائها في جماعة فإنه ليس له
هذا الخيار، بعد أن يأخذ مكانه في الجماعة،
وينتظم في عقدها، فهو والجماعة من وراء
الإمام، الذي يجب أن يلزموا متابعته في كل
حركاته وسكناته، والشورى صورة مقاربة
للصلاة من هذا الوجه.
وثالثًا: إن الصلاة فريضة عامة تجب
على كل مسلم ومسلمة وجوب عين،
وكذلك التشاور بين المسلمين أمر ملزم
لهم جميعًا، وحق یؤدیه كل مسلم ومسلمة
للجماعة الإسلامية، وإنه ليس لأحد أن
يحول بين المسلم وبين أخذ مكانه بين
الجماعة الإسلامية، وإبداء الرأي الذي يراه،
في أي أمر يعرض لهم، كما أنه ليس لأحد
أن يحول بين المسلم وبين أن يأخذ مكانه
في صلاة الجماعة بين الصفوف المنتظمة
في الصلاة، ففي تنکیر الشوری دلیل علی
إطلاقها وعمومها، وأنها ليست شوری علی
صفة خاصة معروفة بأهلها، فكل مسلم
في جماعة.
ورابعًا: إن الصلاة يجب أن يسبقها من
المسلم قبل الدخول فيها إعداد لها؛ وذلك
بالتطهر، والوضوء، وكذلك الشورى، يجب
أن تسبقها طهارة النفس من الهوى، وخلوها
من الدخل.
وخامسًا: إن للصلاة وقتًا، فإذا جاء
وقتها أذن المؤذن بها، ودعا المسلمين
إليها، وكذلك للشورى وقتها، فإذا حزب
المسلمين أمرٌ تنادوا به، واجتمعوا له،
وتشاوروا فيه.
ذلك هو بعض السر في قرن المشورة
بإقامة الصلاة، ووراء ذلك أسرار وأسرار لا
تنتهي.
أما وصلها بالزكاة من طرفها الآخر فإنه
یشیر کذلك إلى أمور، منها:
أولًا: إن القرآن الكريم لم يعبر في هذا
المقام عن الزكاة بلفظ الزكاة، بل جاء بها
في هذا النظم الكريم: ﴿وَمِنَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ
[الشورى: ٣٨].
فجعلها إنفاقًا من رزق، وهذا الرزق من
الله سبحانه وتعالى، وكذلك الشورى هي
إنفاق من رزق، هو مما وهب الله من عقل،
ومما رزق أهل العقل من علم ومعرفة،
وهذا یعنی أن إبداء الرأي من ذوی الرأي أمر
واجب عليهم، وهو الزكاة المطلوبة منهم
ومسلمة أهل للشورى، كما هو أهل للصلاة في هذا المقام، لما آتاهم الله من فضله من
www. modoee.com
٩٧

حرف الشین
علم وحکمة وحسن تدبیر.
وثانيًا: لم يقيد النص القرآني هنا
الإنفاق بالشيء الذي ينفق منه من مال أو
نحوه بل، جعله إنفاقًا مطلقًا، یشمل كل ما
يرزقه الله الإنسان من خير، فسماه سبحانه
رزقًا؛ ليشمل المال وغير المال، من رأي
وعلم وفن، فلا يستبد المؤمن وحده برزق
رزقه الله إياه، وفيه فضل وسعة لغيره من
المسلمين.
وثالثًا: كذلك لم يقيد النص القرآني ما
ينفق من هذا الرزق بحد محدود کالزكاة،
بل جعله إنفاقًا مطلقًا؛ لأنه في مقام الشورى
لا يكون الإنفاق بقدر محدود مما يملك
الإنسان من علم ومما عنده من معرفة، بل
إنه مطلوب منه في تلك الحال أن ينفق کل
ما لديه، وأن يبذل كل ما عنده، غير ممسك
بشيء من رأيه، أو محتجز شيئًا من جهده
واجتهاده (١).
رابعًا: صيغة التخيير ورفع الإثم أو
الجناح:
ألمحنا في مفتتح هذه النقاط إلى أن
القرآن الکریم تنوعت أساليبه وأدلته في بیان
الأحكام الشرعية، ومستوى مشروعيتها،
وكان منها نفي الجناح ونفي الإثم، وقد
تكرر هذا في أكثر من موضع في الكتاب
(١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب ١٣/ ٦٧-٧١.
الكريم(٢).
وهذا الأسلوب نجده هنا في الشورى،
حيث نفى الله تعالى عن الوالدين الجناح
عند إرادة فصال المولود بعد مراضاة وبعد
تشاور منهما في ذلك، أو تشاور مع غيرهما
من أهل الخبرة في تحقق مصلحة الفصال
للمولود أو عدمها، فقال الله سبحانه
وتعالى: ﴿وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ
كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُثِّ الرَّضَاعَةُ وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ.
◌ِذْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ، لَا تُكَلَّفُ نَفْسُ إِلَّا
وُسْعَهَأَ لَا تُضَآرَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَُّ.
بِوَلَدِهِ، وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكُ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا
عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَاً وَإِنْ أَرَدْ تُمْ
أَنْ تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم
مَّآ ءَانَيْتُم بِالْغَرُوفِ وَأَلَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وفي تفسير الآية الكريمة قال الإمام
محيي السنة البغوي رحمه الله: ((المطلقات
اللاتي لهن أولاد من أزواجهن ﴿يُضِعْنَ
أَوْلَدَهُنَّ حوليْنِ کَامِلَيْنِ ﴾ أي: سنتين، وذكر
الكمال للتأكيد؛ لأن العرب قد تسمي
بعض الحول حولًا، وبعض الشهر شهرًا
﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ أي: هذا منتهى
الرضاعة، ولیس فيها دون ذلك حدٌ محدود،
وإنما هو على مقدار صلاح الصبي وما
(٢) في سورة البقرة الآيات ١٠٣ و١٨٢ و٢٠٣
و ٢٣٤ و٢٤٠ وفي سورة النساء الآيتان ٢٣
و١٢٨ وفي سورة الأحزاب الآية ٥١.
٩٨
القرآن الكريمِ

الشورى
يعيش به ﴿وَعَلَى الْمَوَلُودِ لَّهُ﴾ يعني: الأب
﴿رِزْقُهُنَّ﴾ طعامهن ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ لباسهن
﴿بِالْعْرُوفِ﴾ أي: على قدر الميسرة ﴿لَا
تُكَلَّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ أي: طاقتها
ولا
تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ فينزع الولد منها إلى
غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه ﴿وَلَا مَوْلُودٌ
لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ أي: لا تلقیه المرأة إلى أبيه بعدما
ألفها، تضاره بذلك.
وقيل: معناه: فتکرہ علی إرضاعه إذا
کرهت إرضاعه، وقبل الصبي من غيرها؛
لأن ذلك ليس بواجب عليها ﴿وَلَا مَوْلُودٌ
لَّهُ بِوَلَدِهِ،﴾ أي: لا يضار الأب أم الصبي،
فينزعه منها ويمنعها من إرضاعه.
﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ اختلفوا في
هذا الوارث، فقال قوم: هو وارث الصبي،
وقال بعضهم: هو من كان ذا رحم محرم من
ورثة المولود، وقيل: ليس المراد منه النفقة،
بل معناه: وعلى الوارث ترك المضارة ﴿فَإِنْ
أَرَادَا﴾ يعني: الوالدين ﴿فِصَالًا﴾ فطامًا
قبل الحولين ﴿عَنْ تَّرَاضٍ مِنْهُمَا ﴾ أي: اتفاق
الوالدين ﴿وَقَشَاوُرٍ﴾ أي: يشاورون أهل
العلم به حتى يخبروا أن الفطام في ذلك
الوقت لا يضر بالولد، والمشاورة استخراج
الرأي ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي: لا حرج
عليهما في الفطام قبل الحولين))(١).
(١) معالم التنزيل، البغوي ٢٧٧/١-٢٧٩
باختصار.
وهذا التشاور بين الوالد والوالدة بشأن
الطفل عند إرادة الانفصال -على أحد
الأقوال- أو عند غيرها، وهذه المشاورة
لأهل العلم والخبرة لئلا يلحق الولد الضرر
بالفطام؛ إذ يبعد أن يتفق هؤلاء جميعًا
على الضرر بالطفل، هذه المشاورة أكدها
علماء التفسير رحمهم الله، فقال أبو حيان
الأندلسي رحمه الله: ((ويحتمل في التشاور
أن يكون أحدهما شاور الآخر، أو يكون
أحدهما شاور غير الآخر لتجتمع الآراء على
المصلحة في ذلك»(٢).
وقال السمين الحلبي رحمه الله:
((ويحتمل أن يكون التشاور من أحدهما مع
غير الآخر لتتفق الآراء منهما ومن غيرهما
على المصلحة)»(٣).
وقال الفخر الرازي رحمه الله: ((دلت
الآية على أن الفطام في أقل من حولين لا
يجوز إلا عند رضا الوالدين وعند المشاورة
مع أرباب التجارب؛ وذلك لأن الأم قد تمل
من الرضاع فتحاول الفطام، والأب أيضًا
قد يمل من إعطاء الأجرة على الإرضاع،
فقد يحاول الفطام دفعًا لذلك، لكنهما
قلما يتوافقان على الإضرار بالولد لغرض
النفس، ثم بتقدير توافقهما اعتبر المشاورة
مع غيرهما، وعند ذلك يبعد أن تحصل
(٢) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي ٢/ ٥٠٧.
(٣) الدر المصون، السمين الحلبي ٤٢٧/٢.
www. modoee.com
٩٩

حرف الشین
موافقة الكل على ما يكون فيه إضرار بالولد، واجتماع رأيهما فيه، ورأي من يستشيرانه
قلما يخطئ)).
فعند اتفاق الكل يدل على أن الفطام قبل
الحولين لا يضره ألبته، فانظر إلى إحسان
الله تعالى بهذا الطفل الصغير كم شرط
في جواز إفطامه من الشرائط دفعًا للمضار
عنه، ثم عند اجتماع كل هذه الشرائط لم
يصرح بالإذن، بل قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾
وهذا يدل على أن الإنسان كلما كان أکثر
ضعفًا كانت رحمة الله معه أكثر، وعنايته به
أشد)»(١).
وأبان عن ذلك الإمام برهان الدين
البقاعي رحمه الله فقال: ((ولما بين أمد
الرضاع وأمر النفقة صرح بما أفهمه الكلام
من جواز الفطام قبل التمام، ولما بين ذلك
نبه على أنه لا يجوز إلا مع المصلحة، فقال:
﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا﴾ ثم بين أن الأمر خطر
يحتاج إلى تمام النظر بقوله: ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾
أي: إدارةٍ للكلام في ذلك ليستخرج الرأي
الذي ينبغي أن یعمل به».
قال الحرالي: ((فأفصح بإشعار ما في
قوله: ﴿أَن يُتِمَّ ﴾ وأن الكفاية قد تقع بدون
الحولين، فجعل ذلك لا يكون بريًا من
المضارة إلا باجتماع إرادتهما وتراضيهما
وتشاورهما لمن له تبصرةٌ؛ لئلا تجتمعا على
نقص الرأي ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ فيما نقصاه
عن الحولين؛ لأنهما غير متهمين في أمره،
(١) مفاتح الغيب، الرازي ٦/ ٤٦٤.
وقال الحرالي: ((فيه إشعار بأنها ثلاث
رتب: رتبة تمام فيها الخير والبركة، ورتبة
كفاية فيها رفع الجناح، وحالة مضارة فيها
الجناح)) انتهى. وقد أفهم تمام هذه العناية
أن الإنسان كلما كان أضعف كانت رحمة
الله له أكثر، وعنايته به أشد))(٢).
وهذا المجال من مجالات الشورى،
وهذا المستوى فيها بين الأبوين في
العلاقات الأسرية ينطوي على دلالة أخری،
وهي أن تكون الشورى أكثر أهمية فيما
هو أوسع وأعم من الدوائر والمجالات
السياسية والحكم؛ ولذلك يقول الشيخ
السید محمد رشید رضا رحمه الله: ((إذا كان
القرآن يرشدنا إلى المشاورة في أدنى أعمال
تربية الولد، ولا یبیح لأحد والديه الاستبداد
بذلك دون الآخر، فهل يبيح لرجل واحد أن
يستبد في الأمة كلها، وأمر تربيتها، وإقامة
العدل فيها أعسر، ورحمة الأمراء أو الملوك
دون رحمة الوالدين بالولد وأنقص!»(٣).
ولا نرى بأسًا بعد هذا البيان المستنير من
علماء التفسير في أهمية الشورى والتشاور
أن نختم بما يظهر الصلة الوثيقة بين
الشورى وكل مجالات الحياة الاجتماعية
(٢) نظم الدرر، البقاعي ٣٣٦/٣-٣٣٧ باختصار.
(٣) المنار، محمد رشيد رضا ٣٢٨/٢.
١٠٠
◌ُ البَشِيَّة
جوسين
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الشورى
في الإسلام من خلال هذا المستوى، بقلم ليترك يأكله الجهل كل هذا الأمد الطويل،
والله رحيم بعباده، وبخاصة بهؤلاء الصغار
الضعاف المحتاجين للعطف والرعاية.
الأستاذ سيد قطب رحمه الله، حيث قال:
«إن دستور الأسرة لا بد أن يتضمن بیانًا عن
تلك العلاقة التي لا تنفصم بين الزوجين بعد
الطلاق، علاقة النسل الذي ساهم كلاهما
فيه، وارتبط كلاهما به، فإذا تعذرت الحياة
بين الوالدين، فإن الفراخ الزغب لابد لها من
ضمانات دقيقة مفصلة، تستوفي كل حالة
من الحالات:
إن على الوالدة المطلقة واجبًا تجاه
طفلها الرضيع، واجبًا يفرضه الله عليها،
ولا يتركها فيه لفطرتها وعاطفتها التي قد
تفسدها الخلافات الزوجية، فيقع الغرم على
هذا الصغير، إذن یکفله الله ویفرضه له في
عنق أمه، فالله أولى بالناس من أنفسهم،
وأبر منهم، وأرحم من والديهم، والله
یفرض للمولود على أمه أن ترضعه حولین
كاملين؛ لأنه سبحانه يعلم أن هذه الفترة هي
المثلى من جميع الوجوه الصحية والنفسية
للطفل ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ [البقرة:
٢٣٣].
وتثبت البحوث الصحية والنفسية اليوم
أن فترة عامين ضرورية؛ لينمو الطفل نموًا
سليمًا من الوجهتين الصحية والنفسية،
ولكن نعمة الله على الجماعة المسلمة لم
تنتظر بهم حتى يعلموا هذا من تجاربهم،
فالرصيد الإنساني من ذخيرة الطفولة لم یکن
وللوالدة في مقابل ما فرضه الله عليها
حق على والد الطفل أن يرزقها ويكسوها
بالمعروف والمحاسنة، فكلاهما شريك في
التبعة، وكلاهما مسئول تجاه هذا الصغير
الرضيع، هي تمده باللبن والحضانة، وأبوه
يمدها بالغذاء والكساء؛ لترعاه، وكل منهما
يؤدي واجبه في حدود طاقته: ﴿لَا تُكلَّفُ
نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣].
ولا ينبغي أن يتخذ أحد الوالدين من
الطفل سببًا لمضارة الآخر: ﴿لَا تُضَارَّ
وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ، ﴾ فلا يستغل
الأب عواطف الأم وحنانها ولهفتها على
طفلها؛ ليهددها فيه أو تقبل رضاعة بلا
مقابل، ولا تستغل هي عطف الأب على ابنه
وحبه له؛ لتثقل كاهله بمطالبها.
والواجبات الملقاة على الوالد تنتقل في
حالة وفاته إلى وارثه الراشد: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ
مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فهو المكلف أن يرزق الأم
المرضع ويكسوها بالمعروف والحسنى؛
تحقيقًا للتكافل العائلي الذي يتحقق طرفه
بالإرث، ويتحقق طرفه الآخر باحتمال
تبعات المورث، وهكذا لا يضيع الطفل إن
مات والده، فحقه مكفول، وحق أمه في
جميع الحالات.
www. modoee.com
١٠١

حرف الشین
وعند ما يستوفى هذا الاحتياط يعود إلى
استكمال حالات الرضاعة ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا
عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ فإذا
شاء الوالد والوالدة، أو الوالدة والوارث أن
يفطما الطفل قبل استيفاء العامين؛ لأنهما
يريان مصلحة للطفل في ذلك الفطام لسبب
صحي أو سواه فلا جناح عليهما، إذا تم
هذا بالرضا بينهما، وبالتشاور في مصلحة
الرضيع الموكول إليهما رعايته، المفروض
عليهما حمايته))(١).
مشروعية الشورى
نتناول في هذه النقاط مشروعية الشورى:
أولًا: حكم الشورى:
اختلف العلماء في الحكم التكليفي
للشورى وإجرائها، أي: هل يجب على
ولي الأمر ورئيس الدولة أن يشاور أهل
الشورى ويعرض عليهم القضية ليشيروا
فيها بما یرون، ویاثم إن لم يفعل ذلك؛ لأن
ترك الواجب يترتب عليه الإثم، أو أن ذلك
ليس واجبًا عليه، بل هو مندوب لا يأثم
بتركه كما هو شأن المندوبات؟ مع أنهم
جميعهم استندوا إلى الأدلة السابقة نفسها،
فمنهم من حملها على الوجوب، ومنهم من
حملها على الندب والاستحباب، فكانوا
بذلك فريقين على مذهبين، نشير إليهما
في فقرتين، ونعقب عليهما بثالثة للترجيح،
والله الموفق.
أولًا: المذهب الأول: وجوب الشورى:
وأصحاب هذا المذهب يقولون بوجوب
الشورى على ولي الأمر (وهو الحاكم أو
رئيس الدولة) إذ عليه أن يعرض المسائل
الاجتهادية والقضايا العامة في أمور الدولة
والحكم ونحوها من التصرفات على أهل
الشورى، ولا يجوز أن يستبد بالأمر وأن
يقطع فيه برأيه.
وهذا مذهب الجمهور من العلماء، فهو
(١) في ظلال القرآن ٢٥٣/١- ٢٥٤.
جَوَبُواحَر النفسية
القرآن الكريمِ
١٠٢

الشورى
مذهب المالكية، والراجح عند الشافعية
والحنابلة والحنفية فیما تدل عليه عباراتهم،
وهو ما رجحه كثير من العلماء المعاصرين
الذين جعلوا الشورى من أسس نظام الحكم
وقواعده(١).
أدلة المذهب:
ولأصحاب هذا المذهب جملة من
الأدلة القرآنية والسنة النبوية، وينطوي فيها
أيضًا جانب من القواعد الأصولية، نذكر
فيما يأتي أهمها (٢):
قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَِّمَا رَحْمَةٍ
مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْكُنتَ فَظّا غَلِظَ الْقَلْبِ
لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
وَشَاوِرْهُمْ فِ آلْأَمِّ فَإِذَا عَهْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ
اُللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه
وسلم بأن يشاور أصحابه -رضوان الله
(١) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٣٧/٤،
١٦١- ١٦٢، زهرة التفاسير، أبو زهرة
١٤٧٧/٣، السياسة الشرعية، خلاف ص٥٨،
التشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عودة
٣٧/١-٣٨.
(٢) انظر: الشورى وأثرها في الديمقراطية
الأنصاري ص٥٢-٧٩، مبدأ الشورى في
الشريعة الإسلامية، البدوي ص٢٣-٢٨،
مبدأ الشورى في الإسلام، المليجي ص٨٣،
فقه الشورى والاستشارة، الشاوي ص٤٩،
فقه الشوري، الغامدي ص٤٩ -٥٣، الشورى
في القرآن والسنة، حسن العتر ص١٥١-
١٥٦، الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي،
فتحي عبد الكريم ص٣٥٩ -٣٦٤.
عليهم-، ففي أعقاب غزوة أحد، بعد أن
أصیب المسلمون بما أصيبوا به، نزل الأمر
من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم
بمشاورة أصحابه فيما يطرأ عليهم من
الشئون؛ ربطًا للقلوب، وتقريرًا لما يجب أن
يكون بين المؤمنين من حسن التضامن في
سياسة الأمور، وتدبير الشئون.
والأمر للنبي صلى الله عليه وسلم هو
أمرٌ لأمته أيضًا فيما لا يكون من خصائصه
عليه الصلاة والسلام (٣). والأصل أن الأمر
يدل على وجوب المأمور به ما لم يكن
هناك قرینة تخرجه عن الوجوب إلی غيره،
كالندب أو الإباحة أو غيرهما، ولم يؤثر
في النصوص والوقائع ما يدل على هذه
الخصوصية.
قال ابن عطية الأندلسي رحمه الله:
((أمر الله تعالى رسوله بهذه الأوامر التي
هي بتدريج بليغ؛ وذلك أنه أمره بأن يعفو
عليه السلام عنهم ما له في خاصته عليهم
من تبعة وحقٍ، فإذا صاروا في هذه الدرجة،
(٣) هذا القول منقول عن الإمام أبي حنيفة والإمام
أحمد، وقال عامة الأصوليين من الشافعية
والحنفية: إن الخطاب لا يتناول الأمة.
وانظر: أصول السرخسي ١٤/١، أصول
الفقه، أبو بكر الجصاص ٨٥/١، العدة في
أصول الفقه، أبو يعلى الفراء ١/ ٢١٨، ٢٢٤،
البرهان في أصول الفقه، الجويني ٣٦٧/١،
أصول الفقه، محمد أبو النور زهير ٢/ ٢٢٤ -
٢٢٥.
www. modoee.com
١٠٣

حرف الشین
أمره أن يستغفر لهم فيما لله عليهم من
تبعة، فإذا صاروا في هذه الدرجة كانوا أهلا
للاستشارة في الأمور، والشوری من قواعد
الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير
أهل العلم والدین فعزله واجبٌ، هذا ما لا
خلاف فیه»(١).
وقال ابن خويز منداد: ((واجب على
الولاة مشاورة العلماء فیما لا يعلمون، وفيما
أشكل عليهم من أمور الدين، ومشاورة
وجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ومشاورة
وجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ومشاورة
وجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق
بمصالح البلاد وعمارتها)»(٢).
(١) المحرر الوجيز ٣٥/٣.
وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٥٠/٤.
وقال العلامة الطاهر بن عاشور في التحرير
والتنوير ٢٦٨/٣: واعترض ابن عرفة عليه
قوله: ((فعزله واجب)) ولم يعترض كونها
واجبة إلا أن ابن عطية ذكر ذلك جازمًا به،
وابن عرفة اعترضه بالقياس على قول علماء
الكلام العقيدة بعدم عزل الأمير إذا ظهر
فسقه، يعني: ولا يزيد ترك الشورى على كونه
ترك واجب فهو فسق، وقلت: من حفظ حجة
على من لم يحفظ، وإن القياس فيه فارق
معتبر، فإن الفسق مضرته قاصرة على النفس،
وترك التشاور تعريض بمصالح المسلمين
للخطر والفوات، ومحمل الأمر عند المالكية
للوجوب، والأصل عندهم عدم الخصوصية
في التشريع إلا لدليل.
(٢) نقله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن
٤ /٢٥٠ بزيادة بعض الكلمات.
والاستدلال بالآية على الوجوب إنما
يتم بعد تسليم أنها غير خاصة برسول الله
صلی الله عليه وآله وسلم، كما تقدم آنفًا، أو
بعد تسليم أن الخطاب الخاص به يعم الأمة
أو الأئمة حيث قال علماء الحنفية، وعلماء
الحنابلة: إن خطاب الله تعالى للرسول
صلى الله عليه وسلم يعم الأمة، وحجتهم
أن الرسول صلی الله علیه وسلم له منصب
الاقتداء به في کل شيء إلا بدليل صارف
على الاختصاص به، وکل من هو كذلك
يفهم من أمره شمول أتباعه؛ ولأن النبي
صلى الله عليه وسلم هو صاحب الشرع
ومنه يوجد؛ ولأن الله تعالى قد أوجب
عليهم اتباعه(٣).
وبناء على هذا الرأي الأصولي كان
الخطاب في هذه الآية الكريمة موجهًا
للرئيس الأعلى للدولة الإسلامية في كل
زمان ومكان بوجوب مشاورة الأمة في
أمورها العامة، وإثبات حقها في المشاركة
السياسية في الدولة المسلمة، وجعله حقًا
من الحقوق العامة التي تسمی حق الله، وهو
غير قابل للإسقاط، واعتداء الحاكم عليه
من أعظم المنكرات التي تقع من الحكام
(٣) انظر: نيل الأوطار، الشوكاني ٢٥٦/٧،
الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي
١٧٩/٢، العدة في أصول الفقه، أبو يعلى
الفراء ٣٣٠/١-٣٣١، الوجيز في أصول
الفقه، محمد صدقي البورنو ٢/ ٥٠.
١٠٤
القرآن الكريمِ

الشورى
لعظم مفسدتها وإضرارها بكيان المجتمع
والدولة، وبآحاد الناس كذلك؛ لأن إهدار
الشورى من الاستبداد المنهي عنه(١).
وقول الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ أَسْتَجَابُوا لِرَبِهِمْ
وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ
يُفِقُونَ ﴾ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ اَلْبَغْىُّ هُمْ يَنْنَصِرُونَ﴾
[الشورى: ٣٨-٣٩].
فقد جاءت صفة الشورى والتشاور
في الآيات الكريمة في جملة اسمية ضمن
عدة صفات في جمل فعلية وصف بها رب
العالمین عباده المؤمنين، فأفادت لزوم هذه
الصفة لهم، وثباتهم علیھا (٢).
وفي هذا يقول شهاب الدين الألوسي
رحمه الله: ((وجيء بالجملة اسميةً مع أن
المعطوف عليه جملة فعلية للدلالة على
أن التشاور كان حالهم -أي: الأنصار-
المستمرة قبل الإسلام وبعده، وفي الآية
مدٌ للتشاور، لاسيما على القول بأن فيها
٠
الإخبار بالمصدر))(٣)
والجملة الاسمية تحمل من الدلالات
ما لا تحمله الجملة الفعلية، ومن ذلك
دلالة التأکید مثلًا، وهي ما أشار إليه الكاتب
الأدیب أبو الفتح ابن الأثير في حديثه عن
(١) انظر: في الفقه السياسي، فريد عبد الخالق
ص٥٣.
(٢) الشورى في ضوء القرآن والسنة، حسن ضياء
الدین عتر ص ٤٤.
(٣) روح المعاني ٤٦/١٣.
الخطاب بالجملة الفعلية والاسمية، والفرق
بينهما، حيث يقول: ((وإنما يعدل عن أحد
الخطابين إلى الآخر لضربٍ من التأكيد
والمبالغة))(٤). ويظهر من شواهده التي
ساقها أنه يقصد بدلالة التأكيد والمبالغة
الجملة الاسمية، وما فيها من مؤكدات (٥).
وفي هذا إشارة إلى الوجوب؛ لأن الله
تعالى في كثير من المواضع يجعل الواجب
من الواجبات في الأحكام، أو الركن من
أركان الإيمان صفةً لازمةً للمؤمنین، ویمدح
فاعل هذا الواجب والمتصف بتلك الصفة،
ويعده بالفوز والفلاح، كما تقدم آنفًا.
قال محمد رشيد رضا: «فكلٌ من
النصين -في الآيتين الكريمتين- دالٌ على
وجوب كون حكومة المسلمین شوری،
ومجيء النص في الذکر بصيغة الخبر يؤكد
كونه فرضًا حتمًا، كما عهد نظير ذلك في
الأساليب البليغة، والنص الذي قبله صريح
في الوجوب، والضامن له الأمة المخاطبة
بالتكاليف في أكثر النصوص)) (٦).
دلالة الاقتران: وفي الآية السابقة نفسها،
في الدليل الثاني قرن الله تعالى الشورى
مع الإيمان، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة،
وجعلها متوسطة بين هذه الواجبات، فدل
(٤) في المثل السائر ٢٦٩/٢.
(٥) بلاغة الحال في النظم القرآني، عويض حمود
العطوي ص ٩٣.
(٦) المنار، محمد رشيد رضا ٣٧/٤.
www. modoee.com
١٠٥

حرف الشین
ذلك على الوجوب؛ لاقترانها بواجبات
أخرى.
وهذه الدلالة تسمى اصطلاحًا: دلالة
الاقتران، وتعني: اجتماع شيئين، أو أشياء
في معنی من المعاني، والمراد بها عند علماء
أصول الفقه الذين يضعون قواعد استنباط
الأحكام: أن يجمع الشارع بين شيئين في
اللفظ فيشتركان في الحكم.
وهذه الدلالة احتج بها جماعة من أهل
العلم، منهم الإمام أبو يوسف القاضي
صاحب أبي حنيفة، والمزني، وابن أبي
هريرة والصيرفي من الشافعية، وحكى ذلك
أبو الوليد الباجي عن بعض المالكية، وقال:
رأيت ابن نصر الداوودي يستعملها کثیرًا.
وقد استدل بها الإمام مالك رحمه الله
على سقوط الزكاة في الخيل بقوله تعالى:
﴿وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّرْكَبُوهَا
وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨].
فقال: قرن الله تعالى بين الخيل والبغال
والحمير، والبغال والحمير لا زكاة فيها
إجماعًا، فكذلك الخيل، ويؤيد هذا أن
العطف يقتضي المشاركة (١).
(١) وأنكر جمهور علماء الأصول الاحتجاج
بدلالة الاقتران، لأن الاقتران في النظم لا
يستلزم الاقتران في الحكم.
وانظر: البحر المحيط في أصول الفقه،
الزركشي ١٠٩/٨، ميزان الأصول، علاء
الدين السمرقندي ص ٤١٥، شرح الكوكب
المنير، ابن النجار الفتوحي ٢٥٩/٣، الأشباه
وفصل العلامة ابن قيم الجوزية في مدى
قوة الاحتجاج بهذه الدلالة، فقال:
دلالة الاقتران تكون قوية إذا جمع
المقترنين لفظُ اشتركا في إطلاقه، وافترقا
في تفصيله، كقوله صلى الله عليه وسلم:
(حقٌّ على كل مسلمٍ أن يغتسل يوم الجمعة،
ويستاك، ويمس مّن طيب بيته)(٢)؛ فقد
اشترك الثلاثة في إطلاق الحق عليه، وإذا
كان حقًا مستحبًا في اثنين منها كان في
الثالث مستحبًا.
وقد تكون ضعيفة عند تعدد الجمل،
واستقلال كل واحدةٍ منها بنفسها، كقوله
صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم
في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل
فيه)(٣)، فإن كل جملة مفيدةٌ لمعناها
وحكمها وسببها وغايتها، منفردةٌ عن الجملة
الأخرى، واشتراكهما في مجرد العطف لا
يوجب اشتراکهما فيما وراء ذلك.
وقد يتساوى الضعف والقوة في الدلالة؛
وذلك حيث يكون العطف ظاهرًا في
والنظائر، السبكي ١٩٣/٢-١٩٤، إرشاد
الفحول، الشوكاني ١٩٧/٢.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب الطيب والسواك يوم الجمعة، ٥٨١/٢،
رقم ٨٤٦.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء،
باب البول في الماء الدائم، ٥٧/١، رقم
٢٣٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الطهارة،
باب النھي عن البول في الماء الراكد ١/ ٢٣٥،
رقم ٢٨٢.
١٠٦
القرآن الكريم