النص المفهرس

صفحات 21-32

الصحة
أولًا: آثار الصحبة الصالحة:
اعلم أن للأخوة الصالحة أثرًا عظيمًا في
سلوك المؤمن، فإذا أراد الله تعالى بالعبد
خیرًا قیض له صحبةً من الأخيار، وهيأ له
من الإخوان من یعینه على صلاح نفسه، فلا
يلبث أن يبلغ قدرهم أو يبرز عليهم، ومن
آثار تلك الصحبة في الدنيا:
١. الإعانة على طاعة الله وذكره
جل وعلا.
فالصحبة الصالحة خير معين على طاعة
الله وذكره، قال تعالى: ﴿وَاَلْعَصْرِ )) إِنَّ
آلْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَنَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ
[العصر: ١ - ٣].
قال الطبري: ((وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ ﴾
يقول: وأوصى بعضهم بعضًا بلزوم العمل
بما أنزل الله في كتابه، من أمره واجتناب
ما نهى عنه فيه، وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ﴾
يقول: وأوصى بعضهم بعضًا بالصبر على
العمل بطاعة الله))(١).
وفي جعل التواصي بالصبر قرينًا
للتواصي بالحق دليل على عظيم قدره
وفخامة شرفه، ومزيد ثواب الصابرين على
ما يحق الصبر عليه إن الله مع الصابرين،
وأيضًا التواصي بالصبر مما يندرج تحت
(١) جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٥٩٠.
التواصي بالحق، فإفراده بالذكر وتخصيصه
بالنص عليه من أعظم الأدلة الدالة على
إنافته على خصال الحق، ومزيد شرفه
عليها، وارتفاع طبقته عنها (٢)، وكرر الفعل
لاختلاف المفعولین (٣).
وعندما بعث الله تعالى موسى عليه
السلام بالرسالة، سأل ربه أن يعينه بأخيه،
ويقويه به فيما حمله من الرسالة والقيام بها.
قال تعالى: ﴿وَأَجْعَل ◌ِ وَزِيرًا مِنْ أَهْلِ )
هَرُونَ أَخِ ، أَشْدُدْ بِهِ= أَزْرِى ) وَأَشْرِكُهُ فِيَ
أَمْرِى )﴾ [طه: ٢٩-٣٢].
ثم ذکر العلة في ذلك، حیث قال جل
وعلا: ﴿كَيْ نُسَبِحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَُ كَثِيرًا)
[طه: ٣٣ - ٣٤].
يقول السعدي: ((علم عليه الصلاة
والسلام أن مدار العبادات كلها والدين
على ذكر الله؛ فسأل الله أن يجعل أخاه
معه پتساعدان ويتعاونان على البر والتقوى،
فیکثر منهما ذکر الله من التسبيح والتهليل،
وغيره من أنواع العبادات)» (٤).
فهذه هي العلة في مشاركة هارون
لأخيه في مهمته، لا طلبًا لراحة نفسه، وإنما
لتتضافر جهودهما في طاعة الله، وتسبيحه
وذكره(٥).
فتح القدير، الشوكاني ٦٠١/٥.
(٢)
(٣) فتح البيان، القنوجي ١٥/ ٣٧٧.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٠٤.
(٥) تفسير الشعراوي ٩٢٦٤/١٥.
www. modoee.com
٣٤٣

حرف الصاد
٢. الثبات على الحق في الشدائد.
إن الثبات على الحق، والصبر على
المحن والبلاء، يجعل الإنسان في راحة
وطمأنينة دائمًا، ويشعر بمعية الله جل وعلا،
وقد ذكر الله تعالى في محكم التنزيل موقف
موسى عليه السلام، مع أصحابه عندما
خرجوا، وطاردهم فرعون وجنوده.
قال تعالى واصفًا ذلك الموقف: ﴿فَلَمَّا
تَرَّهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْ رَّكُونَ(
قَالَ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينِ ﴾ [الشعراء:
٦١-٦٢].
قال القرطبي: «لما لحق فرعون بجمعه
جمع موسی وقرب منهم، ورأت بنو إسرائيل
العدو القوي والبحر أمامهم ساءت ظنونهم،
وقالوا لموسى على جهة التوبيخ والجفاء:
﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ فرد عليهم قولهم وزجرهم
وذكرهم وعد الله سبحانه له بالهداية والظفر
﴿لَّ﴾ أي: لم يدركوكم ﴿إِنَّ مَعِىَ رَبٍِ﴾ أي:
بالنصر على العدو ﴿سَهْدِينِ ﴾ أي: سيدلني
على طريق النجاة))(١).
فلما عظم البلاء على بني إسرائيل، ورأوا
من الجیوش مالا طاقة لهم به بین الله سبحانه
له طريق الهداية، فأمره بضرب البحر، وبه
نجا بنو إسرائيل، وهلك عدوهم(٢) ، وإسناد
المعية إلى الرب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعِىَ
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠٦/١٣.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤ /١١٨.
جوسين
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
رَبِّ﴾ على معنى مصاحبة لطف الله به
وعنايته بتقدير أسباب نجاته من عدوه،
وذلك أن موسى واثق بأن الله منجيه لقوله
تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥].
وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَسْرِ بِبَادِىّ إِنَّكُرْ
تُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٢].
واقتصر موسى على نفسه في قوله: ﴿إِنَّ
مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينٍ ﴾؛ لأنهم لم يكونوا عالمين
بما ضمن الله له من معية العناية، فإذا علموا
ذلك علموا أن هدايته تنفعهم؛ لأنه قائدهم
والمرسل لفائدتهم، ووجه اقتصاره على
نفسه أيضًا أن طريق نجاتهم بعد أن أدركهم
فرعون وجنده لا يحصل إلا بفعل يقطع دابر
العدو، وهذا الفعل خارق للعادة فلا يقع إلا
على يد الرسول(٣).
٣. غرس الثقة بالله تعالى.
فالصحبة الصالحة تغرس الثقة بالله في
النفوس، وقد ذكر الله لنا موقف نبينا محمد
صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق
رضي الله عنه، عندما كان في الغار، والكفار
على بابه، وهو يطمئن صاحبه وهو واثق
بنصره تعالی.
قال جل وعلا: ﴿إِذْيَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا
تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
يقول الطبري: ((إذ يقول رسول الله
لصاحبه أبي بكر: ﴿لَا تَحْزَنْ ﴾، وذلك
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٥/١٩.
٣٤٤

الصحة
أنه خاف من الطلب أن يعلموا بمكانهما، عمله بالغًا مبلغهم؛ کما دل على ذلك ما جاء
في الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة
فجزع من ذلك، فقال له رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (لا تحزن)، لأن الله معنا
والله ناصرنا، فلن يعلم المشركون بنا ولن
يصلوا إلینا)»(١).
رضي الله عنه أن النبي صلی الله عليه وسلم
قال: (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق،
يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا
يذكرون الله، تنادوا: هلموا إلى حاجتكم)،
فمن كان في طاعة الله، مستعيناً بالله،
واثقًا بوعد الله، راجيًا ثواب الله، فإن الله
معه، ومن کان الله معه فلا خوف عليه(٢).
وفي آخر الحديث: (فيقول الله: فأشهدكم
أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من
الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء
٤. بركة المجالسة والذكر الحسن.
لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم
جليسهم) (٤).
فمرافقة الصالحين ينال منها الإنسان
الثناء والذكر الحسن، ألم تر إلى كلب
أصحاب الكهف، فقد ذكر في القرآن
الكريم، لأنه سار مع الصالحين، حيث
قال جل وعلا: ﴿وَكَلْبُهُم بَسِطُ ذِرَاعَيْهِ
بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨].
يقول القرطبي: ((إذا كان بعض الكلاب
قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته،
ومخالطته الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله
تعالى بذلك في كتابه جل وعلا، فما ظنك
بالمؤمنين الموحدين المخالطين المحبين
.
للأولياء والصالحين)) (٣).
فإن من جالسهم تشمله بر کة مجالستهم،
ويعمه الخير الحاصل لهم، وإن لم يكن
(١) جامع البيان، الطبري ٢٥٨/١٤.
(٢) انظر: تيسير اللطيف المنان، السعدي
ص٢٣٦.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٧١/١٠ -
٣٧٢.
ثانيًا: آثار الصحبة السيئة:
فمرافقة أهل السوء داء، وتورث الشر
والضياع في الدنيا، فالصحبة متى كانت سيئة
كانت عائقة للإنسان عن الخير والطاعات،
لما لها من تأثير كبير على الإنسان، ومن
تلك الآثار ما يأتي:
١. حب الدنيا والحرص عليها.
فالصحبة السيئة تجعل الإنسان حريصًا
على الدنيا منشغلاً عن الآخرة، لذلك أمر
الله جل علا بالإعراض عنهم.
قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَى عَن ذِكْرِنَا وَلَرْ
يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَاء ◌ِ ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِ﴾
[النجم: ٢٩-٣٠].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الدعوات، باب فضل ذكر الله عز وجل، رقم
٦٤٠٨.
www. modoee.com
٣٤٥

حرف الصاد
قال ابن كثير: ((وقوله: ﴿وَلَ يُرِدٍ إِلَّ الْحَيَوَةَ
الدُّنْيَا﴾ أي: وإنما أكثر همه، ومبلغ علمه
الدنیا، فذاك هو غاية ما لا خير فيه، ولذلك
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ أي:
طلب الدنيا والسعي لها هو غاية ما وصلوا
إلیه))(١).
والحياة الدنيا وصفها بالدنيا من الدنو
وهو القرب، وذلك لانحطاط مرتبتها،
. (٢)
ولسبقها على الآخرة
وجملة ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ اَلْعِلْمِ﴾ اعتراض
وهو استئناف بياني بين به سبب جهلهم
بوجود الحياة الآخرة؛ لأنه لغرابته مما يسأل
عنه السائل، وفيه تحقير لهم وازدراء بهم
بقصور معلوماتهم(٣).
وقد نبه أبو حامد إلى خطر صحبته، حيث
قال: ((وأما الحريص على الدنيا فصحبته
سم قاتل؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه
والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من
حيث لا يدري صاحبه، فمجالسة الحريص
على الدنيا تحرك الحرص، ومجالسة
الزاهد تزهد في الدنيا، فلذلك تكره صحبة
طلاب الدنيا، ويستحب صحبة الراغبين في
الآخرة)» (٤).
٢. الغفلة واتباع الأهواء.
فصحبة الغافلين المتبعين لأهوائهم
تعین علی الغفلة واتباع الهوى، لذلك نھی
الله تعالى عن طاعتهم؛ لأن طاعتهم تدعو
إلى الاقتداء بهم، قال جل وعلا في محكم
التنزيل: ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ، عَن ذِكْرِنَا
وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ﴾ [الكهف: ٢٨].
أي: جعلنا قلبه غافلًا عن ذكرنا منشغلاً
عن الدین وعبادة ربه بالدنيا.
﴿وَأَتَّبَعَ هَوَئُهُ ﴾ أي: مراده في طلب
الشهوات فلا تكن مطيعًا له ولا محبًا
لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه(٥).
٣. الضياع والخسران في الدنيا.
وصحبة الغافلين المتبعين لأهوائهم
كذلك تورث الخسارة والضياع في الدنيا،
لذلك قال تعالى بعد ما نهى عن طاعتهم:
﴿وَكَانَ أَمْرُهُ، فُرْطًا ﴾ [الكهف: ٢٨].
قال ابن كثير: ((﴿وَكَانَ أَمْرُهُ،فُرُطًا﴾ أي:
أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع))(٦).
ويقول السعدي: ((﴿وَكَانَ أَمْرُهُ,﴾ أي:
مصالح دينه ودنياه ﴿قُرْطًا﴾ أي: ضائعة
معطلة، فهذا قد نهى الله عن طاعته، لأن
طاعته تدعو إلى الاقتداء به، ولأنه لا يدعو
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٩/٧.
(٢) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، من سورة
الحجرات إلى الحديد ص ٢٢٤.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٨/٢٧.
(٤) إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي ٢/ ١٧٣.
القرآن الكريم
(٥) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١٨٩/٣، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٤/٥.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٤/٥.
٣٤٦

الصحة
إلا لما هو متصف به))(١).
فهو مهمل مضيع مسرف في كل
أحواله (٢)، ضائعًا تمضي الأيام والليالي،
ولا ينتفع بشيء، وفي هذه الآية إشارة إلى
أهمية حضور القلب عند ذكر الله، وأن
الإنسان الذي يذكر الله بلسانه لا بقلبه تنزع
البركة من أعماله وأوقاته، حتى يكون أمره
فرطًا عليه، تجده يبقى الساعات الطويلة،
ولم يحصل شيئًا، ولكن لو كان أمره مع الله
لحصلت له البركة في جميع أعماله(٣).
٤. الانحراف والضلال.
فالصحبة السيئة تصرف الإنسان
عن الطاعة إلى المعصية وتزين له فعل
المنكرات.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ
نُقَيِّضْ لَهُ, شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌّ ◌َ وَإِنَّهُمْ
◌َصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم ◌ُهْتَدُونَ
﴾ [الزخرف: ٣٦-٣٧].
قال الخازن: ((﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ أي
نسبب له شيطانًا ونضمه إليه ونسلطه عليه
﴿فَهُوَ لَهُقَرِينٌ﴾ يعني لا يفارقه يزين له
العمى ويخيل إليه أنه على الهدى» (٤).
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٧٥ .
(٢) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤٥٢٣/٩.
(٣) تفسير القرآ، الكريم، ابن عثيمين، سورة
الكهف ص ٦٢.
(٤) لباب التأويل، الخازن ١٠٩/٤.
السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
يقول الطبري: ((وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ
◌َيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ يقول تعالى ذكره:
وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الذين يعشون
عن ذكر الله، عن سبيل الحق، فيزينون لهم
الضلالة، ويكرهون إليهم الإيمان بالله،
والعمل بطاعته ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾
يقول: ويظن المشركون بالله بتحسين
الشياطين لهم ما هم عليه من الضلالة، أنهم
على الحق والصواب»(٥).
وبنحو هذه الآية قوله تعالى:
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَّةَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِهِمْ
وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ اَلْقَوْلُ فِىَ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ
مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَاَلْإِنسِِّ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ
﴾ [فصلت: ٢٥].
وتفسير أمور الدنيا في هذا الآية بـ ﴿مَا
لحضورها عندهم، كالشيء
بَيْنَ أَيْدِ
الذي بين يديك تقلبه كيف تشاء، والآخرة
بـ ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، لعدم مشاهدتها، كالشيء
الذي خلفك، أو لکونها ستلحق بهم، وقد
يعكس فيجعل ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الآخرة؛
لأنها مستقبلة ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، الدنيا لمضيها
وتركها (٦) .
٥. سوء الذکر.
فمرافقة الصالحين كما ذكرنا ينال منها
(٥) جامع البيان، الطبري ٦٠٥/٢١.
(٦) انظر: محاسن التأويل، للقاسمي ٣٣٥/٨.
www. modoee.com
٣٤٧

حرف الصاد
الإنسان الثناء والذكر الحسن، فهم القوم
لا يشقى بهم جليسهم، لذلك ذكر كلب
أصحاب الكهف في القرآن الكريم بقوله
تعالى: ﴿وَكَلْبُهُم بَسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾
[الكهف: ١٨].
لأنه جالس الصالحين، أما مرافقة أهل
الشر والفساد فليس منها إلا سوء الذكر، لأن
صحبتهم تورث الشر وتزينه له بأنه هو الحق
والصواب، فبئس الصاحب إذا كان من أهل
الفساد وبئس القرين، لذلك ذم الله تعالى
صحبتهم في محكم التنزيل، حيث قال
جل وعلا: ﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَآءُ
﴾ [النساء: ٣٨].
قَرِينًا
عاقبة الصحبة في الآخرة
تحدثنا في المبحث السابق عن آثار
الصحبة في الدنيا، وبينا أن الصحبة الصالحة
تورث الخير والبركة لمن لازم أهل الصلاح،
والصحبة السيئة تورث الشر والضياع لمن
لازم أهل السوء والفساد، أما في الآخرة فلها
عواقبها ونتائجها بحسب ملازمة الشخص.
وسوف يكون حديثنا في هذا المبحث
عن عواقب تلك الصحبة في الآخرة، وذلك
في النقاط الآتية:
أولًا: عاقبة الصحبة الصالحة:
فمن لازم أهل الاستقامة والصلاح في
الدنيا كانت العاقبة في الآخرة كالآتي:
١. دوام تلك الصحبة والمودة.
فمن كانت صحبته في الله تعالى، وفي
سبيله، فإنها دائمة بدوامه.
﴿اَلْأَخِلَّءُ يَوْمَيِلْمٍ
قال تعالى:
بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّ الْمُتَّقِينَ
٦٧
[الزخرف: ٦٧].
والأخلاء: جمع خليل، وهو الصاحب
الملازم، قيل: إنه مشتق من التخلل؛ لأنه
كالمتخلل لصاحبه والممتزج به (١).
قال السعدي في هذه الآية:
إِلَّا
فإن
الْمُثَّقِينَ﴾ للشرك والمعاصي،
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/ ٢٥٢.
٣٤٨
◌َالنَّسَبـ
قَضوري
جوبي
القرآن الكريم

الصحة
محبتهم تدوم وتتصل، بدوام من كانت
المحبة لأجله))(١).
لأن النفع دخل
لذلك استثنى المتقين؛
على بعضهم من بعض (٢).
يقول الشوكاني: «ثم استثنى المتقين
فقال: إلا المتقين فإنهم أخلاء في الدنيا
والآخرة، لأنهم وجدوا تلك الخلة التي
كانت بينهم من أسباب الخير والثواب،
فبقيت خلتهم على حالها))(٣).
فكل منهم يعين بعضهم بعضًا على
الطاعة، فالواحد منهم يقول لصاحبه: كنت
تعينني على الطاعة، كنت توجهني وتذكرني
إن غفلت، فيزداد الحب بينهما (٤)، والآية
تدل على حصول الخلة وثبوتها، وهي
محمولة على الخلة الحاصلة بسبب محبة
الله تعالى، لذلك أثبتها للمتقين فقط ونفاها
عن غيرهم(٥)، والله أعلم.
٢. النجاة من فزع ذلك اليوم.
يقول الله جل وعلا لعباده المتقين
المتحابين في الله عز وجل المجتمعين على
طاعته: ﴿يَعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ
تَحْزَنُونَ ﴾ [الزخرف: ٦٨].
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٦٩.
(٢) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي
٢٦٣/٢.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٤/ ٦٤٤.
(٤) انظر: تفسير الشعراوي ٢٢٣٥/٤.
(٥) انظر: فتح البيان، القنوجي ١١٧/٧.
قال المراغي: ((يقال لهم تشريفًا لهم
وتسكينًا لروعهم مما يرون من الأهوال: یا
عباد لا تخافوا من عقابي، فإني قد أمنتكم
منه برضاي عنكم، ولا تحزنوا على فراق
الدنیا، فإن الذي تقدمون علیه خیر لکم مما
فارقتموه منها))(٦).
ويقول السعدي في هذه الآية: ((أي: لا
خوف يلحقكم فيما تستقبلونه من الأمور،
ولا حزن يصيبكم فيما مضى منها، وإذا
انتفی المکروه من کل وجه، ثبت المحبوب
المطلوب)»(٧).
فالمحبة الصادقة الصافية فى الله تعالى
ينتج عنها ذهاب الفزع والخوف والحزن
يوم القيامة، يقول الشوكاني: ((يقال لهؤلاء
المتقين المتحابين في الله بهذه المقالة
-أي: قوله تعالى: ﴿يَعِبَادِ لَا خَوْفُ عَلَيْكُمُ
آلْيَوْمَ وَلا أَنتُمْ غَخْزَلُونَ ﴾- فیذهب عندذلك
خوفهم، ويرتفع حزنهم)»(٨).
وجاء في الحديث الصحيح عن السبعة
الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله
ذکر منهم: (ورجلان تحابا في الله، اجتمعا
عليه وتفرقا عليه)(٩).
(٦) تفسير المراغي ١٠٧/٢٥-١٠٨ بتصرف
واختصار .
(٧) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٦٩.
(٨) فتح القدير، الشوكاني ٤/ ٦٤٤.
(٩) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان،
باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة
وفضل المسجد، رقم ٦٦٠.
www. modoee.com
٣٤٩

حرف الصاد
٣. البشرى بدخول الجنة.
يقال لهؤلاء المتقين المتحابين في الله
جل وعلا على سبيل البشرى: ﴿أَدْخُلُواْ
اَلْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْ وَجُكُمْ تُحْبَرُونَ
[الزخرف: ٧٠](١).
يقول السعدي في تفسير هذه الآية:
((﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ التي هي دار القرار
﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَجُكُمْ﴾ أي: من كان على مثل
عملكم، من كل مقارن لكم، من زوجة،
وولد، وصاحب، وغيرهم ﴿مُحْبَرُونَ﴾
أي: تنعمون وتكرمون، ویأتیکم من فضل
ربكم من الخيرات والسرور والأفراح
واللذات، ما لا تعبر الألسن عن وصفه))(٢).
٤ . شفاعة الصاحب.
ورد في محكم التنزيل آيات تدل على أن
المؤمن يشفع لصاحبه يوم القيامة، ومن تلك
الآيات، قوله تعالى: ﴿فَمَالَنَا مِن شَفِعِينَ )
[الشعراء: ١٠٠- ١٠١].
وَلَ صَدِيقٍ حَيم
قال قتادة في هذه الآية: يعلمون والله أن
الصديق إذا كان صالحًا نفع، وأن الحميم إذا
کان صالحًا شفع(٣).
ويقول النسفي في تفسير هذه الآية:
وَلَا
((﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَفِعِينَ﴾ كما للمؤمنين
صَدِيقٍ حَيمٍ﴾ كما نرى لهم أصدقاء، إذ لا
(١) انظر: تفسير المراغي ١٠٨/٢٥.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٦٩.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٣٦٩.
يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون والحميم
من الاحتمام وهو الاهتمام الذي يهمه ما
يهمك، أو من الحامة بمعنى الخاصة وهو
الصديق الخاص، وجمع الشافع ووحد
الصديق؛ لكثرة الشفعاء في العادة، وأما
الصديق وهو الصادق فى ودادك الذي يهمه
ما أهمك فقليل)) (٤)
ولفظة (الشفيع) تقتضي رفعة مكانة عند
المشفوع عنده، ولفظة الصديق تقتضي شدة
مساهمة ونصرة، وهو فعيل من صدق الود
من أبنية المبالغة، ونفي الشفعاء والصديق
يحتمل أن يكون نفيًا لوجودهم إذ ذاك، وهم
موجودون للمؤمنين، إذ تشفع الملائكة
وتتصادق المؤمنون، كما قال تعالى:
﴿اَلْأَخِلَّءُ يَوْمَيٍِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا
الْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: ٦٧](٥).
وقد ذكر الرازي تفسيرًا لهذه الآية في
﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ
قوله تعالى:
خَلِينَ فِيهَا أَبَدَاً لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا
سَعِيرًا )
نَصِيرً ﴾ [الأحزاب: ٦٤ -٦٥].
يقول الرازي: ((وقوله: ﴿لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا
وَلَا نَصِيرًا﴾ لما ذكر خلودهم بين تحقيقه؛
وذلك؛ لأن المعذب لا يخلصه من العذاب
إلا صدیق یشفع له أو ناصر يدفع عنه، ولا
ولي لهم یشفع ولا نصیر یدفع»(٦).
(٤) مدارك التنزيل، النسفي ٢/ ٥٧١.
(٥) البحر المحيط، أبو حيان ٨/ ١٧٠.
(٦) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ١٨٥ .
٣٥٠
جوببيو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الصحة
وفي ذلك ما حدث به النبي صلى الله عليه
وسلم عن المؤمنين بعد اجتيازهم للصراط،
فقال:(حتى إذا خلص المؤمنون من النار،
فو الذي نفسي بيده ما منكم من أحدٍ بأشد
مناشدةً لله في استقصاء الحق من المؤمنین
لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار،
يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون
ويحجون! فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم،
فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقًا
کثیرًا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى
ر کیتیه)(١).
ثانيًا: عاقبة الصحبة السيئة:
ومن لازم أهل الشر والفساد في الدنيا
كانت العاقبة في الآخرة كالآتي:
١. العداوة والبغضاء.
فكل صداقة في غير الله تعالى تنقلب
يوم القيامة عداوة؛ لأن الصداقة الزائفة،
والمحبة المبنية على تحصيل المصالح
الدنيوية وجلب المنافع العاجلة، الحب
فیها مصطنع مزیف، إذا هبت عليها رياح
المصلحة فرقتها ومزقتها؛ لأنها لم تبن على
أساسٍ راسخ ولا أصلٍ ثابت.
" ﴿الْأَخِلَاءُ يَوْمَينْم
تعالى:
قال
بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌّ إِلَّ الْمُنَّفِينَ
٦٧
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب معرفة طريق الرؤية، رقم ٣٠٢.
[الزخرف: ٦٧].
قال الشوكاني: ((أي: الأخلاء في الدنيا
المتحابون فيها يوم تأتيهم الساعة بعضهم
لبعض عدو، أي: يعادي بعضهم بعضًا،
لأنها قد انقطعت بينهم العلائق، واشتغل
کل واحد منهم بنفسه، ووجدوا تلك الأمور
التي کانوا فيها أخلاء أسبابًا للعذاب فصاروا
أعداء))(٢).
وإنما يعادي الخليل خليله يوم القيامة؛
لأن الضرر دخل عليه من صحبته، وقد
ذکرنا ذلك، ويقول ابن كثير في تفسیر هذه
الآية: ((أي: كل صداقة وصحابة لغير الله
فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة، وهذا كما
قال إبراهيم عليه السلام لقومه: ﴿وَقَالَ
إِنَّمَا أَّخَذْقُرْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَّا قَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ
فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُ
بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَبُ بَعْضُكُمْ
بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن
تَصِرِينَ ﴾ [العنكبوت: ٢٥]))(٣).
فأخلاء الباطل، وصحبة السوء الذين
يجتمعون على معصية الله عليهم أن يحذروا
هذا اللقاء (٤).
٢. الحسرة والندم.
أخبر الله جل علا عن ندم الظالم الذي
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٤/ ٦٤٤.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣٧/٧.
(٤) تفسير الشعراوي ١٥/ ٩٣٧٢.
www. modoee.com
٣٥١

حرف الصاد
فارق الحق، وأطاع خليله وقرينه السيء،
الذي کان سببًا في هلاكه وبعده عن الحق،
وكان كذلك سببًا في حصول الندم والحسرة
له يوم القيامة.
يقول جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ
عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ اَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ
سَبِيلًا ﴿ يَوَيِلَ لَيْتَنِ لَمْ أَقَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا
﴿ لَقَدْ أَضَلَّنِ عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَفِي
وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَنِ خَذُولاً )
[الفرقان: ٢٧-٢٩].
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: ويوم
بعض الظالم نفسه المشرك بربه على يديه
ندمًا وأسفًا على ما فرط في جنب الله،
وأوبق نفسه بالكفر به في طاعة خليله الذي
صده عن سبيل ربه ﴿لَّقَدْ أَضَلَِّى عَنِ الذِّكْرِ
بَعْدَ إِذْجَآءفي﴾ يقول جل ثناؤه مخبرًا عن هذا
النادم على ما سلف منه في الدنيا، من معصية
ربه في طاعة خليله: لقد أضلني عن الإيمان
بالقرآن، وهو الذکر، بعد إذ جاءني من عند
الله، فصدني عنه، يقول الله: ﴿وَكَانَ
الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَنِ خَذُولًا﴾ يقول: مسلمًا لما
ينزل به من البلاء غير منقذه ولا منجيه))(١).
وذكر ابن عباس سبب نزول هذه الآية:
أن أبي بن خلف كان يحضر النبي صلى الله
عليه وسلم، فزجره عقبة بن أبي معيط، فأنزل
الله تعالى هذه الآية ثم ذكر في هذه الآية: أن
(١) جامع البيان، الطبري ٢٦٢/١٩-٢٦٣.
جونيو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
﴿الظَّالِمُ﴾ هو عقبة، و﴿قُلَانًا خَلِيلًا﴾ هو
أبي بن خلف(٢).
والمراد بالظالم كل ظالم يرد ذلك
المکان وینزل المنزل، ولا ينافيه ورود الآية
على سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ لا
بخصوص السبب(٣).
والمقصود كذلك من الآية ذكر هول يوم
القيامة بتندم الظالم وتمنيه أنه لم يكن أطاع
خليله الذي كان يأمره بالظلم، وما من ظالم
إلا وله في الغالب خليل خاص به يعبر عنه
بفلان، والظاهر أن الظالم بعض على يديه
فعل النادم المتفجع (٤).
وفي هذه الآية تنبيةٌ لكل إنسان على
تجنب قرين السوء، يقول الشنقيطي: ((وهذه
الآية الكريمة تدل على أن قرين السوء قد
يدخل قرينه النار، والتحذير من قرين السوء
مشهور معروف»(٥).
٣. التلهف والتأسف على فقد
الشفيع.
قال تعالى: ﴿فَمَالَنَا مِن شَفِعِينَ ﴿ وَلَا صَدِيقٍ
﴾ [الشعراء: ١٠٠- ١٠١].
قال ابن عطية: ((ثم قالوا ذلك على
جهة التلهف والتأسف حين رأوا شفاعة
الملائكة والأنبياء والعلماء نافعة في أهل
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٨٤.
(٤) البحر المحيط، أبو حيان ٨/ ١٠١.
(٥) أضواء البيان، للشنقيطي ٦/ ٤٧.
٣٥٢

الصحة
الإيمان عمومًا، وشفاعة الصديق في صديقه وأتباعهم في الظلم (٤).
خاصة ﴿فَمَالَنَا مِن شَفِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَيم
(٥)، وفي هذه اللفظة منبهة على محل
الصديق من المرء»(١).
وفي هذه الآية يقول المراغي: ((وقد
أرادوا بهذا الإخبار إظهار اللهفة والحسرة
علی فقد الشفیع والصدیق النافع، وقد نفوا
أولًا أن یکون لهم من ينفعهم في تخليصهم
من العذاب بشفاعته، ثم ترقوا ونفوا أن
یکون لهم من يهمه أمرهم ویشفق علیھم
ويتوجع لهم وإن لم يخلصهم، والخلاصة:
أن الأمر قد بلغ من الهول ما لا يستطيع أحد
أن ينفع فیه أدنی نفع»(٢).
فأيسوا من كل خير، وأبلسوا بما كسبوا،
وتمنوا العودة إلى الدنيا ليعملوا صالحًا(٣)،
لقوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَا كُرَّةٍ فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[الشعراء: ١٠٢].
١٠٢
٤. طريق إلى النار.
فكما أن الصحبة الصالحة طريق إلى
الجنة، فالصحبة السيئة طريق إلى النار.
*أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ
قال تعالى:
مِن دُونِ اللّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى
وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ ))
[الصافات: ٢٢ - ٢٣].
٢٣
صِرَّطِ الْجَحِيمِ (
قال ابن عباس: ﴿وَأَزْوَجَهُمْ﴾ نظراؤهم
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٣٦/٤.
(٢) تفسير المراغي ٧٩/١٩.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٩٤.
وقال الواحدي: ((قال جماعة المفسرين:
أشباههم وأمثالهم، وأتباعهم ونظراءهم
وضرباءهم، وعلى هذا القول يحمل الذين
ظلموا على القادة والرؤساء وأزواجهم
أتباعهم ﴿فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَّطِ الْجَحِيمِ﴾ دلوهم
عليها، أي: اذهبوا بهم إلى الجحيم))(٥).
وقد أخبر الحق تبارك وتعالى عن
صاحب من أهل الإيمان، وقرین کان شريك
له، وما كان بينهما من الصحبة، وما نتيجة
هذا الصحبة لو أنه أطاع صاحبه وشريكه.
قال تعالى: ﴿قَالَ قَابِلٌ مِّنْهُمْ إِنَّ كَانَ لِ
قَرِينَ
• أَوِذَا
يَقُولُ أَعِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ
٥١
مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَيِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾ قَالَ هَلْ أَنْتُم
مُطَلِعُونَ ﴿ فَأَطَّلَعَ فَرَاهُ فِىِ سَوَِّالْجَحِيمِ ، قَالَ
تَللَّهِ إِن كِدِثَّ لَتُدِينِ ، وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّ لَكُنْتُ مِنَ
[الصافات: ٥١-٥٧].
٥٧
اَلْمُحْضَرِينَ
فالمؤمن في هذه الآية لم يطع صاحبه
وصديقه الملازم له، فكان من الفائزين، ولو
صدقه لكان من الهالكين، وقد أقسم هذا
الصاحب المؤمن كما في هذه الآيات على
ذلك ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدِثَّ لَثُِینِ ﴾.
يقول الشنقيطي: ((وقد بين جل وعلا في
هذه الآيات أن رجلاً من أهل الجنة أقسم
بالله أن قرينه کاد يرديه أي یهلكه بعذاب
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٧/٢١.
(٥) الوسيط، الواحدي ٥٢٣/٣.
www. modoee.com
٣٥٣

حرف الصاد
النار، ولكن لطف الله به فتداركه برحمته
وإنعامه فهداه وأنقذه من النار(١).
والشاهد من هذه الآية: أن قرين السوء
قد یکون سببًا فى هلاك صاحبه و دخوله نار
جهنم، والعياذ بالله.
موضوعات ذات صلة:
الاتباع، الأخوة، الصحابة، القدوة
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٤٧/٦ بتصرف
يسير.
٣٥٤
القرآن الكريم