النص المفهرس
صفحات 21-35
الشفاعة والأنس، وفيه تفضيله صلى الله عليه وسلم قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلونها)» (٤). على جميع المخلوقين من الرسل والآدميين والملائكة، فإن هذا الأمر العظيم ، وهي الشفاعة العظمى لا يقدر على الإقدام عليه غيره صلی الله علیه وسلم وعلیهم أجمعين، والله أعلم))(١). فالحكمة من جعل الناس يترددون على غیر النبي صلی الله عليه وسلم فيه بیان إظهار فضله عليه الصلاة والسلام، كما يقول السفاريني رحمه الله: ((وحكمة إلهام الناس التردد إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم قبله، ولم یلهموا المجيء إلیه من أول وهلة لإظهار فضله وشرفه صلى الله عليه وسلم)»(٢). النوع الثاني: شفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم ، فيشفع ليدخلوا الجنة. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ((وظهر لي بالتتبع شفاعة أخرى ، وهي الشفاعة فيمن استوت حسناته وسيئاته أن يدخل الجنة، أرجح الأقوال في أصحاب الأعراف أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم»(٣). وقال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: ((شفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوام (١) شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٥٦. (٢) لوامع الأنوار البهية، السفاريني ٢٠٨/٢. (٣) فتح الباري، ابن حجر ٤٢٨/١١. النوع الثالث: شفاعته صلى الله عليه وسلم في قوم قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها(٥). النوع الرابع: شفاعته صلى الله عليه وسلم في رفع درجات من يدخل الجنة فيها فوق ما كان يقتضیه ثواب أعمالهم(٦). ودليل هذا النوع عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (دخل رسول الله صلى الله علیه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: (إن الروح إذا قبض تبعه البصر)، فضج ناس من أهله، فقال: (لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون)، ثم قال: (اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهدیین، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله یا رب العالمین، وافسح له في قبره، ونور له فيه)(٧). وعن أبي موسى رضي الله عنه، قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأً به، ثم (٤) شرح العقيدة الطحاوية ص ٢٢٩. (٥) انظر: المصدر السابق ص ٢٨٨، القيامة الکبری، عمر الأشقر ص ١٨٩. (٦) انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص٢٢٩. (٧) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر، رقم ٩٢٠. www. modoee.com ٣٦٧ حرفالشین رفع يديه فقال: (اللهم اغفر لعبيد أبي عامر)، محصن أن يجعله من أولئك السبعين ألفًا فدعاؤه صلی الله علیه وسلم شفاعة له(٥). ورأيت بياض إبطيه، فقال: (اللهم اجعله يوم القيامة فوق کثیر من خلقك من الناس)(١). قال القرطبي رحمه الله: ((شفاعته صلى الله عليه وسلم في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها))(٢). النوع الخامس: شفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب(٣). ويستدل لهذا النوع بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ويدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب)، فقال رجل: يا رسول الله! أدع الله أن يجعلني منهم، قال: (اللهم اجعله منهم)، ثم قام آخر فقال: يا رسول الله! أدع الله أن يجعلني منهم، قال: (سبقك بها عكاشة) (٤). ووجه الدلالة منه دعاؤه لعكاشة بن (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الوضوء، رقم ٦٣٨٣. (٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، القرطبي ص ٦٠٨. (٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص٢٣٢، شرح العقيدة الواسطية، سعيد بن وهف القحطاني ص ٤٤. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب، رقم ٦٥٤٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، رقم ٢١٦. النوع السادس: الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه ، كشفاعته صلى الله علیه وسلم في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه (٦). ودليله ما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلی الله عليه وسلم ذکر عنده عمه أبو طالب فقال: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة ، فيجعل في ضحضاح من نار، يبلغ كعبيه یغلي منه دماغه)(٧). قال القرطبي في التذكرة بعد ذكر هذا النوع: ((فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿فَمَا لَنَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّفِعِينَ ﴾ [المدثر: ٤٨]. قيل له: لا تنفعه في الخروج من النار، كما تنفع عصاة الموحدين، الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة))(٨). وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (((لعله تنفعه شفاعتي) ظهر من حديث (٥) مباحث العقيدة في سورة الزمر، ناصر الشيخ ص ٣٠٧. (٦) انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص٢٣٣. (٧) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب، رقم ٣٨٨٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، رقم ٢١٠. (٨) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، القرطبي ص ٦٠٨. ٣٦٨ جوبيبو القرآن الكريمِ الشفاعة العباس وقوع هذا الترجي، واستشكل قوله بك أمرت، لا أفتح لأحد قبلك) (٤). صلى الله عليه وسلم: (تنفعه شفاعتي) بقوله تعالى: ﴿فَمَا نَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ﴾. وأجيب بأنه خص ، ولذلك عدوه في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: معنى المنفعة في الآية يخالف معنى المنفعة في الحديث والمراد بها في الآية الإخراج من النار، وفي الحديث المنفعة بالتخفيف»(١). وهذه الشفاعة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم. النوع السابع: شفاعته صلی الله علیه وسلم في أن يؤذن لأهل الجنة في دخولها(٢). ومن أدلة هذا النوع ما جاء في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا أول الناس يشفع في الجنة ، وأنا أكثر الأنبياء تبعًا)(٣). وفي حديث آخر عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (آتي باب الجنة يوم القيامة ، فأستفتح ، فيقول الخازن : من أنت؟ فأقول: محمد ، فيقول: (١) فتح الباري، ابن حجر ٤٣١/١١. (٢) مباحث العقيدة في سورة الزمر، ناصر الشيخ ص ٣٠٨. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أول النّاس يشفع في الجنة ، وأنا أكثر الأنبياء تبعا، رقم ١٩٦. وهذه الشفاعة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط، وقفوا على قنطرة فيقتص بعضهم من بعض، وهذا القصاص غير القصاص الذي يكون في عرصات القيامة، بل هو أخص یطهر الله سبحانه فيه القلوب، ویزیل ما فيها من أحقاد وضغائن، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، ولكنهم إذا أتوا إلى الجنة وجدوها مغلقة لا تفتح لهم الأبواب حتى يشفع لهم الحبيب محمد صلى الله علیه وسلم. النوع الثامن: الشفاعة في أهل الكبائر من هذه الأمة ممن دخل النار ، فيخرجون منها، ولكن هذا مقيد بأن يكون سالمًا من الشرك والكفر. ودليل هذا النوع ما روي عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)(٥). (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أول الناس يشفع في الجنة ، وأنا أكثر الأنبياء تبعا، رقم ١٩٧. (٥) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الشفاعة، رقم ٤٧٣٩، والترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في الشفاعة، رقم ٢٤٣٥. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٣٧١٤. www. modoee.com ٣٦٩ حرف الشین وروي عنه رضي الله عنه في حديث أدخل النار، من غير أهل النار والذين هم أهلها أهل الخلود فيها، بل لقوم من أهل التوحید ارتكبوا ذنوبًا وخطايا ، فأدخلوا النار لتصيبهم سفعًا منها))(٣). الشفاعة الطويل، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم أرجع فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود، قال النبي صلى الله عليه وسلم: يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله ، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما یزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة)(١). وروى مسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله ، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله ، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما یزن ذرة)(٢). والأحاديث في هذا كثيرة جدًا. قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله: ((إن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي ذكرت أنها لأهل الكبائر، وأنها لمن قد (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِبَدَنَّ﴾، رقم ٧٤١٠. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم ١٩٣. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((ثبت بالسنة المستفيضة بل المتواترة واتفاق الأمة: أن نبينا صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع، وأنه يشفع في الخلائق يوم القيامة، وأن الناس يستشفعون به، يطلبون منه أن یشفع لهم إلى ربهم، وأنه یشفع لهم. ثم اتفق أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر ، وأنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد» (٤). فالشفاعة فضل من الله ومنة على عباده، ولكن عليهم ألا يتكلوا فيقعوا في الذنوب والمعاصي، فرب عمل عملته سخط الله علیك به، ولم يرض عنك، نسأل الله أن يوفقنا لطاعته ورضاه. ثانيًا: الشافعون في الآخرة: كما تقدم أن الشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة، والإجماع، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، فكذلك دل القرآن على بعض أنواع الشفاعة، كما في قوله: ﴿وَمِنَ الَّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٌ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا ﴾ [الإسراء: ٧٩]. (٣) التوحيد، ٦٥٩/٢. (٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ١/ ١٠٨. ٣٧٠ جوب القرآن الكريم الشفاعة وجمهور المفسرين على أن هذه الشفاعة هي الشفاعة العظمى ، وهي خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهناك شفعاء آخرون دلت على شفاعتهم السنة النبوية ، وهم كالتالي: ١. النبي صلى الله عليه وسلم. والأدلة على شفاعته صلى الله عليه وسلم كثيرةٌ جدًا، فقد ثبت أيضًا في السنة النبوية أن سكنى المدينة والصبر على لأوائها وشظف العيش فيها سبب في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا کنت له شفيعا يوم القيامة أو شهيدا)(١). وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها ، وقال: المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، لا يدعها أحد رغبة عنه إلا أبدل الله فيها من هو خير منه ، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا کنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة)(٢). (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب الترغيب في سكن المدينة والصبر على لأوائها، رقم ١٣٧٨. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل المدينة ودعاء النبي صلى الله عليه وفي رواية أن أبا سعيد مولى المهري جاء إلى أبي سعيد الخدري ليالي الحرة، فاستشاره في الجلاء من المدينة ، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره أن لا صبر له على جهد المدينة ولأوائها، فقال له: ويحك لا آمرك بذلك ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يصبر أحد على لأوائها فيموت إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة إذا كان مسلما)(٣). وثبت أن طلب الوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان سبب في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله علیه وسلم قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة) (٤). وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما وسلم فيها بالبركة وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها وبيان حدود حرمها، رقم ١٣٦٣. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب الترغيب في سكن المدينة والصبر على لأوائها، رقم ١٣٧٤. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب الدعاء عند النداء، رقم ٦١٤. www. modoee.com ٣٧١ حرف الشین يقول ، ثم صلوا علي ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)(١). والأدلة على شفاعته صلى الله عليه وسلم كثيرة جدًا قد تقدمت في المطالب السابقة فلیرجع إليها. ٢. الملائكة. والدليل على ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْنُ وَلَذَا سُبْحَتَةً. بَلْ عِبَادٌ مُكَّرَمُونَ ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ. بِالْقَوْلِ وَهُمْ يِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ (٢) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ ( ٢٨ [الأنبياء: ٢٦-٢٨]. عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا یحیون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم-أو قال بخطاياهم-فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحما، أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قیل: یا أهل الجنة، أفيضوا عليهم، فينبتون نبات (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسأل الله له الوسيلة، رقم ٣٨٤. الحبة تكون في حميل السيل)(٢). وعن عطاء بن يزيد، قال: كنت جالسا إلى أبي هريرة، وأبي سعيد، فحدث أحدهما حديث الشفاعة والآخر منصت، قال: فتأتي الملائكة فتشفع وتشفع الرسل ، وذكر الصراط، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فأكون أول من يجيز، فإذا فرغ الله عز وجل من القضاء بين خلقه وأخرج من النار من يريد أن يخرج أمر الله الملائكة والرسل أن تشفع، فیعرفون بعلاماتهم ، إن النار تأكل كل شيء من ابن آدم إلا موضع السجود، فيصب عليهم من ماء الجنة ، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل)(٣). ٣. القرآن الكريم. والدليل على شفاعة القرآن لأصحابه العاملين به ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (سورة من القرآن ثلاثون آية تشفع لصاحبها حتى يغفر له ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِبَدِهِ الْمُلُْ﴾ [الملك: ١]) (٤). (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار، رقم ١٨٥. (٣) أخرجه النسائي في سننه، كتاب التطبيق، باب موضع السجود، رقم ١١٤٠. (٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب في عدد الآي، رقم ١٤٠٠. وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، رقم ١٢٦٥. صَوْسُورَةُ النَّهـ الْقُرآن الكَرِيمِ ٣٧٢ الشفاعة وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (القرآن شافع مشفع ، وما حل مصدق ، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار)(١). ٤. الشهید. والدليل على أن الشهيد يشفع لأقاربه حديث المقدام بن معد یکرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (للشهيد عند الله ست خصال : يغفر له في أول دفعة ، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعین من أقاربه)(٢). ٥. الصيام. وثبت في السنة أن الصيام يشفع لصاحبه (١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، رقم ١٠٤٥٠. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم ٢٠١٩. (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب فضائل الجهاد عن رسول الله صلی الله علیه وسلم، في ثواب الشهيد، رقم ١٦٦٣، وابن ماجه في سننه، كتاب الجهاد، باب فضل الشهادة في سبيل الله، رقم ٢٧٩٩. المصابیح، رقم ٣٨٣٤. يوم القيام، كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه)، قال: (فيشفعان)(٣). ٦. المصلون على الجنازة إذا كانوا أكثر من أربعين. ومن فضل الله تبارك وتعالى أنه جعل الصلاة على الجنازة سببًا في شفاعة المصلين للمصلى عليه إن بلغوا الأربعين، وفي بعض الروايات يبلغون مائة. فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمین ، يبلغون مائة، كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه) (٤). وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أنه مات ابن له بقدید أو بعسفان، فقال: یا کریب انظر: ما اجتمع له من الناس، قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له، فأخبرته فقال: تقول : هم أربعون؟ قال: نعم، قال: (٣) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٦٦٢٦، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم ١٨٣٩. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، رقم ٩٨٤. وصححه الألباني في تحقيق مشكاة (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، باب من صلى عليه مائة شفعا فيه، رقم ٩٤٧. www. modoee.com ٣٧٣ حرف الشین أخرجوه ، فإني سمعت رسول الله عليه كما تقدم في المطلب السابق، وهنا سيكون الحديث حول لمن تكون الشفاعة؟ وسلم يقول: (ما من رجل مسلم يموت فیقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه)(١). فهذا بعض ما وقفت عليه مما دلت عليه النصوص في إثبات أنهم يشفعون في الآخرة، وشفاعتهم كلها مقيدة برضى الله تبارك وتعالى لهم بالشفاعة ورضاه عن المشفوع له، نسأل الله تبارك وتعالى رضاه والجنة. ثالثًا: المشفوع لهم: لقد ورد في كتاب الله تبارك وتعالى أن الشفاعة لها شروط أساسية ، منها رضا الله تبارك وتعالى لشافع أن يشفع، ومنها رضاه عن المشفوع. ﴿وَلا يشفعون قال الله تبارك وتعالى: إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقال: ﴿﴿ وَكَم مِّن مَّلَكِ فِ السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِى شَفَعَهُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدٍ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَلَّهُ وَيَرْضَى ﴾ [النجم: ٢٦]. وقد ثبت في أحاديث كثيرة أن هناك من یشفع کالنبي صلی الله عليه وسلم وغيره، (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، باب من صلى عليه أربعون شفعوا فيه، رقم ٩٤٨. وقد ثبت أن الشفاعة تكون يوم القيامة تكون لفضل القضاء وتخفيف هول الموقف، وكذلك تكون لأقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم، وتكون كذلك لأهل المعاصي الذين دخلوا النار ولكنهم موحدون، فإنه لا یبقی في النار موحد، وإنما هي دار المشركين الكافرين، وتكون أيضًا لمن رضي الله عنه من أهل الكبائر، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في حديث أنس رضي الله عنه: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)(٢). قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله: إن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي ذكرت أنها لأهل الكبائر،، وأنها لمن قد أدخل النار، من غير أهل النار والذين هم أهلها أهل الخلود فيها، بل لقوم من أهل التوحید ارتکبوا ذنوبًا وخطایا فأدخلوا النار، لتصيبهم سفعًا منها))(٣). وعن عمران بن حصین رضي الله عنهعن (٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الشفاعة، رقم ٤٧٣٩، والترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في الشفاعة، رقم ٢٤٣٥. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٣٧١٤. (٣) التوحيد ٦٥٩/٢. ٣٧٤ جوبيـ القرآن الكريم الشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج قومٌ من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من النار بعد ما مسهم منها سفعٌ، فيدخلون من خير، ويخرج من النار من قال : لا إله إلا الجنة، فيسميهم أهل الجنة: الجهنميين)(١). فالشفاعة هي لأهل الكبائر الذي دخلوا النار أن يخرجوا منها ، ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل نبي دعوة، فأريد إن شاء الله أن أختبي دعوتي، شفاعة لأمتي يوم القيامة)(٢). وعن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: (یدخل الله أهل الجنة الجنة، يدخل من يشاء برحمته، ويدخل أهل النار النار، ثم يقول: انظروا من وجدتم في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه، فيخرجون منها حمما قد امتحشوا، فیلقون في نهر الحياة، أو الحیا، فینبتون فیہ کما تنبت الحبة إلى جانب السیل، ألم تروها كيف تخرج صفراء ملتوية؟)(٣). وعن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (يخرج من النار (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، رقم ٦٥٥٩. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة: وما تشاءون إلا أن يشاء الله، رقم ٧٤٧٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب اختباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة لأمته، رقم ١٩٨. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار، رقم ١٨٤. الله، وفي قلبه وزن برة من خیر، ويخرج من النار من قال :لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة من خير)(٤). فهذه الأحاديث دليل على خروج أهل الكبائر الموحدين الذين دخلوا النار بعد أن يعذبوا بقدر ذنوبهم، ويكون خروجهم بالشفاعة أو برحمة أرحم الراحمين تبارك وتعالى ، سواءً كانوا من أهل الكبائر أو دون ذلك من الذنوب التي هي دون الشرك، فالذنوب وإن عظمت غير الشرك لا توجب لصاحبها الخلود في النار. قال ابن القيم رحمه الله في عصاة الموحدين من أهل الكبائر: ((هؤلاء هم القسم الذين جاءت فيهم الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله علیه وسلم، فإنهم يدخلون النار ، فيكونون فيها على مقدار أعمالهم: فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ويلبثون فيها على قدر أعمالهم، ثم يخرجون منها، فينبتون على أنهار الجنة ، فيفيض عليهم أهل الجنة من الماء حتى (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه، رقم ٤٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم ١٩٣. www. modoee.com ٣٧٥ حرف الشین تنبت أجسادهم، ثم يدخلون الجنة، وهم رابعًا: المشفوع فيه: الطبقة الذين يخرجون من النار بشفاعة الشافعین، وهم الذين يأمر الله سيد الشفعاء مرارًا أن يخرجهم من النار بما معهم من الإيمان)»(١). وقال الطحاوي رحمه الله: ((وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن كانوا غير تائبين»(٢). وكذلك ورد في الشرع كثير من الأعمال يحصل بسببها الشفاعة لأصحابها، نذكر بعض من ورد النص بالشفاعة له، فمنهم: أهل التوحيد المجانبين للشرك. أقارب الشهداء. صاحب القرآن العامل به. صاحب الصيام. من سكن المدينة وصبر على شدتها ولاوائها. من صلی علی جنازته أکثر من أربعین. من التزم الدعاء بعد الأذان بطلب الوسلية للنبي صلی الله عليه وسلم. ٤ وكل هذا لم يرد عليه دليل من القرآن الكريم، وإنما ثبت في السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. (١) طريق الهجرتين وباب السعادتين، ابن القيم ص ٣٨٥. (٢) شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي ٥٢٤/٢. الشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع عند أهل السنة والجماعة ولم يخالفهم في ذلك إلا أهل البدع والضلال، وهي نائلة کل موحد لله تبارك وتعالى، ومن أذن الله له بالشفاعة، ولا يبقى في النار إلا الكفرة وأهل الشرك، فإن من أشرك بالله وكفر به فإنه مخلد في النار لا يخرج منها، بخلاف من كان موحدًا وإن كان من أصحاب الذنوب والمعاصي، فإنه يعذب في النار على قد معاصیه ثم يخرج إلى الجنة. وقد أخبر الله تبارك وتعالى أهل الكفر وأنهم مخلدون، فقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَتََّعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُوا مِنَّ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌ ﴾ [البقرة: ١٦٧]. وَمَاهُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ (١) قال ابن جرير رحمه الله تعالى: ((وفي هذه الآية الدلالة على تكذيب الله الزاعمين أن عذاب الله أهل النار من أهل الكفر منقض، وأنه إلى نهاية، ثم هو بعد ذلك فانٍ؛ لأن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية، ثم ختم الخبر عنهم بأنهم غير خارجين من النار، بغير استثناء منه وقتًا دون وقت. فذلك إلى غير حد ولا نهاية))(٣). وقال القرطبي رحمه الله: ((قوله تعالى: (٣) جامع البيان، الطبري ٢٩٩/٣. ٣٧٦ جوبيه القرآن الكريم الشفاعة ﴿وَمَاهُمْ بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ دليلٌ على خلود تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اَللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ اَللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَتَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُواْ مِنَّ كَذَلِكَ يُرِبِهِمُ اَللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسََتٍ عَلَيْهِمٌ وَمَاهُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة: ١٦٥-١٦٧]. الكفار فیھا وأنهم لا يخرجون منها، وهذا قول جماعة أهل السنة، لهذه الآية، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّ يَلِجَ اُلْجَمَلُ فِ سَمِّ اَلْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]))(١). فهذه الآية دليل على خلود الكفار في النار، وظاهر هذا التركيب يفيد الاختصاص ، كما يقول الشوكاني رحمه الله(٢). وقال ابن عادل الدمشقي: ((احتج به على أن أصحاب الكبائر من أهل القبلة يخرجون من النار، فقالوا: لأن قوله: ﴿وَمَا هُم﴾ تخصيص لهم بعدم الخروج على سبيل الحصر؛ فوجب أن يكون عدم الخروج مخصوصا بهم، وهذه الآية الكريمة تكشف عن المراد بقوله: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى ◌َحِيمٍ أَيَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِعَلِينَ( ١٤ [الانفطار: ١٤-١٦]. فبين أن المراد بالفجار ها هنا الكفار؛ لدلالة هذه الآية الكريمة عليه ، والله أعلم)»(٣). قال الشنقيطى رحمه الله: ((دل القرآن أن أصحاب النار هم الكفار ، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذِّبُواْ بِثَايَتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ ﴾ [البقرة: ٣٩]. والخلود لا خروج معه ، كما في قوله (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ٢٠٧. (٢) فتح القدير ٢٥٦/١. (٣) اللباب في علوم الكتاب ١٥٠/٣. وكقوله في سورة الهمزة: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ: أَخْلَدَهُ، كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِ الُْطَمَةِ ﴿ وَمَا أَدْرَنِكَ مَا الْخُطَمَةُ ٥ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٢) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ، إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ [الهمزة: ٣-٨] أي: مغلقةٌ عليهم)) (٤). ٥ فظهر بأن الكفرة وأهل الشرك مخلدون في النار أبد الآبدين، قد أغلقت عليهم ، ففيها يتقلبون ، ومن عذابها يتجرعون ويعذبون. ثم إن للشفاعة أركانًا، فالمشفوع فيه أحد أركانها ، وهو المنتفع بها ، ولا بد من خلوها من الموانع الشرعية تدل بها الشفاعة، حتى تقبل فيه وهذا إن كان في الدنيا فمثل الشفاعة في الحدود إذا لم تبلغ السلطان أو كان فى القصاص من القصاص إلى الدية، وإن كان في الآخرة فمثل الشفاعة في الذنوب والمعاصي مع خلو صاحبها عن الشرك والأكبر المحبط للأعمال. ولا بد من توافر بعض شروط في المشفوع فیه حتی تقع له الشفاعة وینتفع بها (٤) أضواء البيان ٨/ ٦٠. www. modoee.com ٣٧٧ حرف الشین وهي: ١. إذن الله تبارك وتعالى أن يشفع فيه ورضاه عنه. فإذن الله تبارك وتعالى للشافع أن يشفع وللمشفوع أن يشفع له شرط أساسي في وقوع الشفاعة ، قال رب العزة والجلال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ: إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقال: ﴿مَا مِن شَفِيع إِلَّا مِنْ بَعْدٍ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣]. وقالٍ: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، حَقَّ إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]. قال القرطبي رحمه الله: ((أي: أن الشفاعة لا تکون من أحد هؤلاء المعبودین من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام، إلا أن الله تعالى يأذن الأنبياء والملائكة في الشفاعة، وهم على غاية الفزع من الله))(١). وقال سبحانه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ آَرْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. فلا يستطيع أحد أن يشفع إلا بإذنه، ورضاه سبحانه له بالشفاعة، ولا ينتفع أحد بشفاعة أحد إلا برضا الله تبارك وتعالى عنه. ٢. أن يكون المشفوع فيه من أهل (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٩٥/١٤. جوسين القرآن الكريم التوحید. فهذا شرط أساسي لقبول الشفاعة؛ وذلك لورود الأدلة الصريحة الصحيحة بذلك، فالشفاعة في يوم الآخرة لا تكون إلا لأهل التوحيد المؤمنين، لأن الله تبارك وتعالى لا يرضى عن المشركين الكافرين، فهؤلاء قد أخبر عنهم بأن الشفاعة لا تنفعهم ٤٨ ، فقال: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّفِعِينَ [المدثر: ٤٨]. وكذلك الآيات التي تبين أن الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله ورضاه ، فالله سبحانه لا يرضى عن المشركين والكافرين ، ولا يأذن بالشفاعة لهم، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((فإنه لا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه؛ لأن الشفاعة إنما تنجع إذا كان المحل قابلا ، فأما من وافى الله كافرا يوم القيامة فإنه له النار لا محالة، خالدا فيها))(٢). وقال القرطبي رحمه الله: «هذا دليل على صحة الشفاعة للمذنبين، وذلك أن قوما من أهل التوحيد عذبوا بذنوبهم، ثم شفع فيهم، فرحمهم الله بتوحيدهم والشفاعة، فأخرجوا من النار، وليس للكفار شفيع يشفع فيهم))(٣). فهنا الشفاعة منفية عن الكافرين الذين لم يكونوا من أهل التوحيد، ولم يكونوا من (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٣/٨. (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨٨/١٩. ٣٧٨ الشفاعة أهل الأعمال الصالحة. فالأصل في وقوع الشفاعة وتحققها هو التوحيد، ومخالفة المشركين، وهذه الشفاعة من أهم الأمور التي يتميز بها أهل التوحید عن غيرهم، والله تبارك وتعالى لا يرضى عن المشركين ، وإنما رضاه لمن استقام على كتابه وسنة نبيه ووحده وأفرده بالعبادة وحده دون سواه. خامسًا: آثار الشفاعة في الآخرة: لا خلاف بين أهل السنة والجماعة على ثبوت الشفاعة في الآخرة، بل ووجوب الإيمان بها، وذلك لما تقدم من الآيات والأحاديث الواردة في إثبات ذلك، وبناء على ذلك فإن للشفاعة آثارًا وفوائد في الآخرة منها: ١. رحمة أرحم الراحمين. ويدل على ذلك إذنه لمن شاء من خلقه بالشفاعة : النبي صلى الله عليه وسلم والملائكة والمؤمنون والشهداء وغيرهم، وشفاعته هو سبحانه، كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدُهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وكما ثبت في الصحيحين في الحديث الطويل وفيه: (فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ، ولم يبق إلا أرحم الراحمين ، فيقبض قبضةً من النار، فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط ، قد عادوا حممًا ، فيلقيهم في نهرٍ في أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة ، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل)(١). إن كثيرًا من عصاة المؤمنين يغفر لهم قبل إدخالهم النار ، إما بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإما برحمة الله عزوجل على عباده المسلمين، فيخرج طائفة كثيرة من عصاة الموحدین لا یعلم عدتهم إلا الله تبارك وتعالى ، وذلك برحمته لا بشفاعة الشافعین. وقد ثبت عند مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها پتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعا وتسعين رحمة، يرحم بها عباده يوم القيامة)(٢). ٢. كمال شفقة النبي صلى الله عليه (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب فضل السجود، رقم ٨٠٦، عن أبي هريرة رضي الله عنه،. وأخرجه مسلم في صحيحه، في حديث الشفاعة الطويل عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، رقم ١٨٣، واللفظ له. (٢) أخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، رقم ٢٧٥٢. www. modoee.com ٣٧٩ حرف الشین وسلم. في يوم القيام تظهر شفقة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته ورحمته بهم، وذلك عندما یری الناس في ذلك اليوم العصيب حین یموج الناس بعضهم إلى بعض، فیأتي الناس إلی آدم ، فيقولون له: اشفع لذريتك، ثم یأتون إبراهیم ثم موسی ثم عیسی، ثم یوتی محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها، فیستأذن على ربه فيؤذن له، فیقوم بین یدیه ويحمده بمحامد يلهمه الله ، ثم يخر ساجدًا تحت العرش ویناجي ربه ، فيقال له كما ثبت في الصحیحین: (یا محمد ارفع رأسك ، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فیقول: رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق ، فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة، أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها ، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجدا فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، وسل تعطه ، واشفع تشفع، فأقول: أمتي أمتي، فيقال: لي فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها ، فأنطلق فأفعل ، ثم أعود إلی ربي، فأحمده بتلك المحامد، ثم آخر له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنی أدنی أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار ، فأنطلق فأفعل)(١). وفي هذا الحديث كذلك تتجلى أيضًا رحمة أرحم الراحمين تبارك وتعالى، وكمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، فيخرج الله تبارك وتعالى من النار من كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إیمان، ثم يخرج من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ثم يخرج من كان في قلبه أدنی أدنی من مثقال حبة من خردل من إیمان، فلا یبقی في النار إلا من كان مشرگًا بالله عز وجل، وذلك فضل الله. ٣. رفع درجات بعض أهل الجنة. ومن آثار الشفاعة في الآخرة أن بعض أهل الجنة ترتفع منازلهم، ودرجاتهم في الجنة، ذكرها ابن أبي العز في شرح الطحاوية كما تقدم. ٤. دخول قوم الجنة ، وقد استوجبوا دخول النار. هذه الشفاعة يشفعها النبي صلى الله عليه وسلم ومن شاء الله تبارك وتعالى من المؤمنين. وتقدم قول ابن أبي العز الحنفي رحمه (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، رقم ٧٥١٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدني أهل الجنة منزلة فيها، رقم ١٩٣. ٣٨٠ جوبيهـ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الشفاعة الله: «شفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوام كن، كان كما أرد. قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلونها))(١). وأنه لا يبقى في النار موحد، وإنما هي دار الكفار والمشرکین بالله عز وجل، كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله ، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة)(٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((ويخرج الله من النار أقواما بغير شفاعة؛ بل بفضله ورحمته، ویبقی في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقواما فیدخلهم الجنة))(٣). هذه آثار الشفاعة في الآخرة، وكلها من فضل الله وإكرامه على الخلق، وكلها بإذنه وتصرفه سبحانه، فهو رب كل شىء وخالقه، وكل شيء تحت تصرفه، إذا قال للشيء ، (١) شرح العقيدة الطحاوية ص٢٢٩. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه، رقم ٤٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم ١٩٣ . (٣) شرح العقيدة الواسطية، الهراس ص ٢١٥. نسأل الله الإخلاص في القول والعمل وأن يجنبنا الزلل في القول والعمل، ونسأله أن يمن علينا برحمته ويكرمنا بفضله وواسع مغفرة، والحمد لله رب العالمين. موضوعات ذات صلة: الإيمان، التوحيد، محمد، الملائكة، النبوة www. modoee.com ٣٨١