النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الشَّفَاعَّةُ عناصر الموضوع مفهوم الشفاعة ٣٤٨ الشفاعة في الاستعمال القرآني ٣٥٠ الألفاظ ذات الصلة ٣٥١ ٣٥٣ الشفاعة بين النفي والإثبات ٣٥٨ الشفاعة في الدنيا ٣٦٢ الشفاعة في الآخرة المُجَلَ التَّاشِعْ عَشَرِ حرف الشین مفهوم الشفاعة أولًا: المعنى اللغوي: يقول ابن فارس رحمه الله: ((الشين والفاء والعين أصل صحيح يدل على مقارنة الشيئين، والشفع خلاف الوتر))(١). وهي مشتقة من الشفع الذي هو خلاف الوتر (٢)، يقال: شفع الشيء: ضم مثله إليه فجعل الوتر شفعًا (٣). وقال الزبيدي رحمه الله: ((الشفاعة وهي: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، وشفع إليه: في معنى طلب إليه، وقال الراغب: الشفع: ضم الشيء إلى مثله، والشفاعة: الانضمام إلى آخر ناصراله، وسائلا عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو أدنى، ومنه الشفاعة في القيامة، وقال غيره: الشفاعة: التجاوز عن الذنوب والجرائم، وقال ابن القطاع: الشفاعة: المطالبة بوسيلة أو ذمام، والشفعة، بضمتين: لغة في الشفعة في الدار والأرض» (٤). فأصل كلمة الشفاعة تدل على ضم الشيء إلى مثله، وهي مشتقة من الشفع الذي هو ضد الوتر. قال القرطبي: ((فالشفاعة إذًا ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك)) (٥). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال ابن الأثير رحمه الله: ((هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم)) (٦)، والمشفع الذي يقبل الشفاعة، والمشفع الذي تقبل شفاعته(٧). ويقول ابن عاشور رحمه الله: ((الشفاعة: الوساطة في إيصال خيرٍ أو دفع شرٍ، سواء كانت بطلبٍ من المنتفع أم لا))(٨). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٠١/٣. (٢) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٩٤٧. (٣) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١ /٤٨٧. (٤) تاج العروس، الزبيدي ٢٨٧/٢١. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٩٥/٥. (٦) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢/ ١١٨٤، لسان العرب، ابن منظور ١٨٣/٨. (٧) لسان العرب، ابن منظور ١٨٣/٨. (٨) التحرير والتنوير، الطاهر ابن عاشور ١٤٣/٥. ٣٤٨ جوية القرآن الكريم الشفاعة وقال القرطبي رحمه الله: ((فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع، وإيصال المنفعة إلى المشفوع له))(١). فالشفاعة إذا لا تختص بدرء المفاسد فقط، وإنما هي شاملة لدرء المفاسد وجلب المصالح، في الدنيا في الأمور المشروعة، أو أمور الآخرة. والعلامة ابن عثيمين رحمه الله يعرفها بقوله: الشفاعة في الاصطلاح: هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة (٢). جلب منفعة مثل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة بدخولها، ودفع مضرة مثل لمن استحق النار أن لا يدخلها(٣). ويمكن القول بأن الشفاعة اصطلاحًا هي التجاوز عن الذنوب والجرائم بين طرفين من أجل إيصال الخير، ودفع الشر إظهارًا لمنزلة الشفيع عند المشفع، والله أعلم. (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٩٥/٥. (٢) انظر: شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين ص ١٦٩. (٣) القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين ٣٣٠/١. www. modoee.com ٣٤٩ حرف الشين الشفاعة في الاستعمال القرآني وردت مادة (شفع) في القرآن الكريم (٣١) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل المضارع ٥ ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] المصدر ١٣ ﴿وَلَا تَنَفَعُ الشَّفَعَةُ عِنْدَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] اسم الفاعل ٢ ﴿فَمَالَنَا مِنْ شَفِعِينَ [الشعراء: ١٠٠] ١٠٠ ﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَإِيٍ وَلَا شَفِيعَّ أَقَلَا نَتَذَّكَّرُونَ ٤ الصفة المشبهة ١٠ [السجدة : ٤ ] اسم ١ ﴿وَالشَّفْعِ وَاَلْوَتْرِ ﴾ [الفجر: ٣] الأصل في الشفع: ضم شيء إلى آخر، ومنه الشفاعة؛ لأن فيها انضمام واحدٍ إلى آخر ناصرًا له ومسائلًا عنه(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٥٣٣-٥٣٦، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب القاف ص٩٢٢-٩٢٥. (٢) انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٢٧٨/٢-٢٧٩، الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٢٨٩، بصائر ذوي التمییز، الفيروزآبادي، ٣٢٨/٣-٣٢٩. ٣٥٠ جَوْبُور لِلْقُرآن الكَرِيمِ الشفاعة الألفاظ ذات الصلة الوساطة: ١ الوساطة لغة: مأخوذة من وسط الشيء، أي: ما بين طرفيه، فالوسيط: المتوسط بين المتخاصمين أو المتعاملين، وجمعه وسطاء(١). يظهر لنا جليًا تعريف الشفاعة أنها بمعنى الوساطة، لكنها تكون بمعنى الشفاعة في الدنيا، وتكون بمعنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةٌ يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةُ سَيِّئَةٌ يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا ﴾ [النساء: ٨٥]. الوسيط قد يتوسط بأمر محمود فيه إحقاق حق، أو غير ذلك مما هو مشروع، فيكون بمعنى الشفاعة الحسنة ، ويثاب على فعله، وقد يتوسط في أمر محرم ، فهذا الفعل محرم، ويكون بمعنى الشفاعة السيئة. الوساطة اصطلاحًا: التوسط بين شخصين لقضاء حاجة، أو دفع مضرة. الصلة بين الوساطة والشفاعة: الشفاعة فيها يتوسط الشافع بين المستشفع والمستشفَع، قال ابن عاشور رحمه الله: ((والشفاعة: السعي والوساطة في حصول نفع أو دفع ضرٍ، سواءٌ كانت الوساطة بطلبٍ من المنتفع بها أم كانت بمجرد سعي المتوسط، ويقال لطالب الشفاعة: مُسْتَشْفِعٌ، وهي مشتقةٌ من الشَفْع؛ لأن الطالب أو التائب يأتي وحده ، فإذا لم يجد قبولًا ذهب فأتى بمن يتوسل به، فصار ذلك الثاني شافعًا للأول، أي: مصيره شفعًا))(٢). الوسيلة: ٢ الوسيلة لغة: الوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير، والجمع الوسيل، والوسائل، والتوسيل والتوسل واحد، يقال: وسل فلان إلى ربه وسيلة بالتشديد، وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه بعمل (٣). (١) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١٠٣١/٢. (٢) التحرير والتنوير ٤٨٦/١. (٣) مختار الصحاح، ابن منظور ١/ ٧٤٠. www. modoee.com ٣٥١ حرف الشین الوسيلة اصطلاحًا: عرفها ابن كثير بقوله: والوسيلة: هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود(١). الصلة بين التوسل والشفاعة: الشفاعة في حقيقتها وسيلة يتوصل بها المستشفيع إلى رضا المستشفَع، فالشفاعة صورة من صور التوسل. الاستغاثة: ٣ الاستغاثة لغة: مصدر استغاث، وهو مأخوذ من الغوث بمعنى الإغاثة والنصرة عند الشدة (٢). الاستعاثة اصطلاحًا: طلب الغوث في الشدائد والأزمات (٣). الصلة بين الاستغاثة والشفاعة: الشفاعة والإغاثة يشتركان في أن كليهما معونة للطالب. (١) تفسير القرآن العظيم ٣/ ١٠٣. (٢) انظر: الصحاح ١ / ٢٨٩، مقاييس اللغة ٤/ ٤٠٠، لسان العرب ٦/ ٣٣١٢. (٣) انظر: الكليات، الكفوي ص١٥٩. ٣٥٢ جوبيبو القرآن الكريمِ الشفاعة الشفاعة بين النفي والإثبات وردت الشفاعة في القرآن الكريم في آيات كثيرة بعضها تنص على إثباتها وأخرى بنفيها، فالشفاعة التي أثبتها الله تبارك وتعالى لأهل الإسلام من أهل التوحيد ، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم سؤلًا في غاية الأهمية: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فأجاب عليه الصلاة والسلام: (أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو من نفسه)(١). فأصل وقوع الشفاعة هو تحقيق التوحيد، ورضى الرب تبارك وتعالى عن الشافع والمشفوع له والمشفوع فيه. قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقال تعالى: ﴿مَا مِن شَفِيعِ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣]. قال ابن القيم رحمه الله: ((والشفاعة التي أثبتها الله ورسوله هي الشفاعة الصادرة عن إذنه لمن وحده، والتي نفاها الله هي الشفاعة الشركية، التي في قلوب المشركين، المتخذين من دون الله شفعاء، فيعاملون بنقيض قصدهم من شفعائهم، ويفوز بها الموحدون))(٢). (١) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب الحرص على الحدیث، رقم ٩٩. (٢) مدارج السالكين، ابن القيم ٣٤٩/١. ويقول أبو جعفر الطبري رحمه الله: ((من ذا الذي يشفع لممالیکه إن أراد عقوبتهم، إلا أن يخليه، ويأذن له بالشفاعة لهم، وإنما قال ذلك تعالى ذكره؛ لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى! فقال الله تعالى ذكره لهم: لي ما في السموات وما في الأرض مع السموات والأرض ملكا، فلا ينبغي العبادة لغيري، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى، فإنها لا تنفعکم عندي ولا تغني عنكم شيئا، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتخليتي إياه والشفاعة لمن يشفع له، من رسلي وأوليائي وأهل طاعتي))(٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فأما إذا أذن له في أن يشفع فشفع؛ لم یکن مستقلا بالشفاعة بل يكون مطيعا له ، أي: تابعا له في الشفاعة ، وتكون شفاعته مقبولة، ويكون الأمر كله للآمر المسئول، وقد ثبت بنص القرآن في غير آية: أن أحدًا لا يشفع عنده إلا بإذنه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقال: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]. وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ أَرْتَضَى [الأنبياء: ٢٨]. (٣) جامع البيان ٣٩٥/٥. www. modoee.com ٣٥٣ حرف الشین وأمثال ذلك»(١). فأهل السنة والجماعة يثبتون الشفاعة بشروطها ، وهي: إذن الله تبارك وتعالى للشافع أن يشفع، ورضا الله تبارك وتعالى عن المشفوع له أن يشفع فيه، ثم إن الله تبارك وتعالى لا يرضى أن يشفع إلا لأهل التوحيد والسنة. رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول صلی الله عليه وسلم: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل کل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا)(٢). فدل هذا الحديث العظيم على إثبات الشفاعة لأهل التوحيد ، وإن كان من أصحاب الذنوب، ولو کان من أهل الكبائر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((ومذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة: إثبات الشفاعة لأهل الكبائر والقول بأنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وأيضا: فالأحاديث المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة: فيها استشفاع أهل الموقف ليقضى بينهم ، وفيهم المؤمن والكافر ، (١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١١٨/١. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب اختباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة لأمته، رقم ١٩٩. وهذا فيه نوع شفاعة للكفار))(٣). بل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع لعمه أبا طالب ، فأخرج إلى ضحضاح من نار، کما ثبت في الصحيح أنه قال: (نعم، هو في ضحضاح من نار ، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) (٤). وخالف أهل الحق والسنة طائفة من فقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة أهل البدع في إثبات الشفاعة، كالمعتزلة والخوارج والرافضة، واستندوا في نفيهم الشفاعة على بعض الآيات ، فهموها على غير مرادها ، وهي التي تنفي الشفاعة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ ﴾ [البقرة: ٤٨]. وبقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]. وبقوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّفِعِينَ (١٨) [المدثر: ٤٨]. وجواب أهل السنة أن هذا يراد به شيئان: أحدهما: أنها لا تنفع المشركين ،كما قال تعالى في نعتهم: ﴿مَا سَلَكْكُ فِي سَفَرَ (٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ١ / ١١٦. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب، رقم ٣٨٨٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، رقم ٢٠٩. ٣٥٤ القرآن الكريمِ الشفاعة إلى قوله: ﴿فَمَا نَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّيْفِعِينَ ) [المدثر: ٤٢-٤٨]. فهؤلاء نفي عنهم نفع شفاعة الشافعين؛ لأنھم کانوا کفارًا. والثاني: أنه يراد بذلك نفي الشفاعة التي يثبتها أهل الشرك ومن شابههم من أهل البدع. فأنكر الله هذه الشفاعة، فقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ: إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وَكَمْ مِّن مَّلَكِ فِ السَّمَوَاتِ لَا وقال: تُغْفِى شَفَعَنُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَآَهُ وَبَرْضَى (٦)﴾ [النجم: ٢٦]. وقال عن الملائكة: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكَّرَمُونَ ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ آَرْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨]. وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونٍ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءَ شُفَعَتُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]. وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ اَلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمٌّ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ، وَإِىٌّ وَلَا شَفِيعُ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: ٥١] فهذه الشفاعة التي أثبتها المشركون للملائكة والأنبياء والصالحين حتى صوروا تماثيلهم ، وقالوا: استشفاعنا بتماثيلهم استشفاع بهم ، وكذلك قصدوا قبورهم وقالوا: نحن نستشفع بهم بعد مماتهم ليشفعوا لنا إلى الله ، وصوروا تماثيلهم، فعبدوهم كذلك ، وهذه الشفاعة أبطلها الله ورسوله وذم المشركين عليها وكفرهم بها)»(١). وقال البيضاوي رحمه الله في قوله: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُّ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]: ((وقد تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر، وأجيب بأنها مخصوصة بالكفار)» (٢). ويمكن الرد على نفاة الشفاعة الخوارج والمعتزلة بإيجاز بالآتي: أولًا: الشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة الصحيحة المتواترة. ثانيًا: إجماع سلف الأمة على إثبات الشفاعة، وتلقي أخبار الشفاعة بالقبول والإذعان، كما سيأتي في كلام القرطبي رحمه الله لاحقًا. ثالثًا: أن أهل العلم جمعوا بين الآيات الواردة بإثبات الشفاعة والآيات الواردة بنفي الشفاعة بأن الآيات الواردة بنفي الشفاعة ، والشفيع المراد بالشفاعة للكفار(٣). (١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٤٩/١-١٥١. (٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ٧٩. (٣) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٤٩/١، المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي ٣٥/٣، فتح الباري، ابن حجر ١١/ ٤٢٦. www. modoee.com ٣٥٥ حرف الشین والشفاعة المنفية هي التي تطلب من تبارك وتعالى، والدليل على أن المراد من الأصنام والأنداد والأموات الذين لا هذه الآية الكفار ما سبقها من آيات، والتي یملکون لأنفسهم ولا لغیرهم نفعًا ولا ضرًا. قال القرطبي رحمه الله: («مذهب أهل الحق أن الشفاعة حق ، وأنكرها المعتزلة وخلدوا المؤمنين من المذنبين الذين دخلوا النار في العذاب، والأخبار متظاهرة بأن من كان من العصاة المذنبين الموحدين من أمم النبيين هم الذين تنالهم شفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والشهداء والصالحين .... فعلمنا بهذه الجملة أن الشفاعة إنما تنفع المؤمنين دون الکافرین ، وقد أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّقُواْ يَوْمًا لَا تَجْزِى نَفْسُّ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ ﴾ النفس الكافرة لا كل نفس))(١). ثم إن ظاهر قوله تبارك وتعالى: ﴿ وَأَتَّقُواْ يَوْمًّا لَا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُّ مِنْهَا عَدّلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]. وقوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا نَنفَعُهَا شَفَعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] العموم، أي: أن كل نفس يوم القيامة لا تنفعها شفاعة الشافعین، ولكن بالنظر إلى سياق الآيات يتبين أن المراد بالأنفس التي لا تنفعها الشفاعة هي الكافرة، التي أشركت وكفرت بخالقها (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣٧٨/١- ٣٧٩. تبين أن المخاطب بها هم اليهود، قوله تبارك وتعالى: ﴿يَبَّنِيّ إِسْرَِّيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ أَلَِّىّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. قال أبو جرير الطبري رحمه الله: ((إن الله عز وجل خاطب أهل هذه الآية بما خاطبهم به فيها ؛ لأنهم كانوا من يهود بني إسرائيل، وكانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه، وسیشفع لنا عنده آباؤنا، فأخبرهم الله جل وعز أن نفسا لا تجزي عن نفس شيئا في القيامة، ولا يقبل منها شفاعة أحد فيها حتى يستوفى لكل ذي حق منها حقه،، عن عثمان بن عفان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة)(٢). كما قال الله عز وجل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَّزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [الأنبياء: ٤٧] الآية، فآيسهم الله جل ذكره مما كانوا أطمعوا فيه أنفسهم من النجاة من عذاب الله مع تكذيبهم بما عرفوا من الحق وخلافهم أمر الله في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عنده بشفاعة آبائهم وغیرهم من الناس کلهم، وأخبرهم (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٨٢، بلفظ ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء). ٣٥٦ القرآن الكريمِ الشفاعة أنه غير نافعهم عنده إلا التوبة إليه من كفرهم إِلَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ٨٧]. والإنابة من ضلالهم، وجعل ما سن فيهم من ذلك إماما لكل من كان على مثل منهاجهم، لئلا يطمع ذو إلحاد في رحمة الله، وأن قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ إنما هي لمن مات علی کفره غير تائب إلى الله عز وجل))(١). ومن الآيات ما كان المخاطب بها المؤمنون والنفي فيها عامًا؛ كقوله: ﴿ یَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْمِمَّا رَزَقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ٢٥٤﴾ [البقرة: ٢٥٤]. إلا أن هذا العموم مخصوص بأدلة صحيحة صريحة في العصاة أصحاب الكبائر، منها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: عن النبي صلی الله عليه و سلم قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) (٢). ويمكن أن يقال: إن الشفاعة المنفية هي الشفاعة التي لا يأذن الله فيها، أما التي يأذن الله بها، فهذه ليست منفية بل مثبتة. له سبحانه: ﴿لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ (١) جامع البيان، الطبري ١ / ٦٣٦. (٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الشفاعة، رقم ٤٧٣٩، والترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في الشفاعة، رقم ٢٤٣٥، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة، رقم ٤٣١٠. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٣٧١٤. [مريم: ففيها دليل على إثبات الشفاعة، وأنها ليست منفية بإطلاق، بل هي مشروطة بالإيمان، قال الإمام ابن جرير رحمه الله: ((لا يملك هؤلاء الكافرون بربهم يا محمد، يوم يحشر الله المتقين إليه وفدًا الشفاعة، حین یشفع أهل الإیمان بعضهم لبعض عند الله، فيشفع بعضهم لبعض ﴿إِلَّا مَنِ أَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ﴾ في الدنيا ﴿عَهْدًا﴾ بالإيمان به، وتصديق رسوله، والإقرار بما جاء به، والعمل بما أمر به»(٣). ومن الآيات ما تثبت الشفاعة وتشترط شرطين هما : إذن الله تبارك وتعالى عن الشافع ، والمشفوع فيه ، كما تقدم في الكلام السابق. وأخبر الله تبارك وتعالى أن الكفار الذين يعبدون الأوثان والأحجار ويأملون أن یشفعوا لكم، بأن ما یعبدون لا يملكون وَلَا يَمْلِكُ الشفاعة أصلًا، فقال سبحانه: الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [الزخرف: ٨٦]. والذي شهد بالحق هم أهل التوحيد. وحكى الله تبارك وتعالى قول المشركين وهم في النار خالدون، كيف يتحسرون ویتندمون على ما فرطوا، فلا إیمان ینجیهم، (٣) جامع البيان، الطبري ٦٣٣/١٥. www. modoee.com ٣٥٧ حرف الشين ولا عمل يخلصهم، ولا شافع يشفع لهم، ولا صديق ينقذهم، فتقطعت بهم السبل، وأحاط بهم اليأس، فقال: ﴿فَمَالَنَا مِن شَفِعِينَ [الشعراء: ١٠٠ - ولَا صَدِيقٍ حَيم ١٠١]. فالشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وما كان ظاهره النفي فإنه محمول على نفي الشفاعة الكفار والمشركين، وكذلك التي لا تتحقق فيها شروط الشفاعة ، وهي رضى الله للشافع بالشفاعة ورضى الله عن المشفوع له. الشفاعة في الدنيا الشفاعة في الدنيا على نوعين: أولًا: شفاعة مباحة: هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، فمثلًا: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الموقف أن يقضى بينهم ، هذه شفاعة بدفع مضرة، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوها بجلب منفعة (١). فهي باختصار: الشفاعة عند الآخرين لتخلیص الحقوق أو دفع المظالم ودرئها، أو نحو ذلك من الحاجات المباحة. وقد ورد في الشرع الحنيف ما يبين إباحة مثل هذا العمل وجوازه؛ كقوله تبارك وتعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَّةً يَكُن لَّهُ. نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةٌ سَيِّئَةٌ يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ يُّقِينًا )﴾ [النساء: ٨٥]. قال ابن کثیر رحمه الله: «وقوله: ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ أي: من سعى في أمر، فترتب عليه خير، كان له نصيب من ذلك ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَعَةٌ سَيِّئَةً یگن لَهُكفلٌ مِّنْهَا﴾ أي: یکون علیه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب علی سعیه ونیته، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله (١) انظر: شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين ص ١٦٩. ٣٥٨ ◌َالنَّسَبـ قَضوري جوبي القرآن الكريم الشفاعة عليه وسلم قال: (اشفعوا، تؤجروا ويقضي خير أو شر بقول أو عمل))(٥). الله على لسان نبيه ما شاء)(١). وقال مجاهد بن جبر: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض. وقال الحسن البصري: قال الله تعالى: ﴿مَّنْ يَشْفَعْ﴾ ولم يقل: من يشفع))(٢). وروي عن مجاهد في قوله: ﴿ مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَّةٌ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةُ سَيِّئَةٌ﴾ قال: ((شفاعة بعض الناس لبعض))(٣). قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((الشفاعة الحسنة هي الإصلاح بين الناس، والشفاعة السيئة هي المشي بالنميمة بين الناس)) (٤) وبین الإمام ابن القيم رحمه الله أن کل من أعان غيره على أمر بقول أو فعل فقد صار شفیعًا له ، فقال: «وکل من أعان غيره على أمر بقوله، أو فعله فقد صار شفيعًا له، والشفاعة للمشفوع له هذا أصلها، فإن الشافع يشفع صاحب الحاجة فيصير له فدخل في حكم هذه الآية كل متعاونين على (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضا، رقم ٦٠٢٦. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٨/٢. (٣) جامع البيان، الطبري ٨/ ٥٨١. (٤) معالم التنزيل، البغوي ٢٥٦/٢. وتستحب الشفاعة عند ولاة الأمور وغيرهم من أصحاب الحقوق المتوفرة فيهم الشروط. وفي ذلك يقول الإمام النووي رحمه الله: ((اعلم أنه تستحب الشفاعة إلى ولاة الأمر وغيرهم من أصحاب الحقوق والمستوفين لها، ما لم تكن شفاعةً في حدٍ، أو شفاعةً في أمرٍ لا يجوز تركه، كالشفاعة إلى ناظرٍ على طفل أو مجنونٍ أو وقفٍ أو نحو ذلك في ترك بعض الحقوق التي في ولا یته، فهذه كلها شفاعةٌ محرمٌ تحرم على الشافع، ويحرم على المشفوع إليه قبولها، ويحرم على غيرهما السعي فيها إذا علمها؛ ودلائل جميع ما ذكرته ظاهرةٌ في الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَّةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَاً وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةٌ سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا ﴾ [النساء: ٨٥]))(٦). شفعًا في قضائها لعجزه عن الاستقلال بها، لا يجوز من الشفاعة ، فقد ثبت أن النبي وقد جاء في السنة المطهرة ما يجوز وما صلى الله عليه وسلم شفع عند بريرة كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن زوج بریرة کان عبدا یقال له : مغيث، کأني أنظر إلیه یطوف خلفها ییکي ، ودموعه تسيل (٥) روضة المحبين، ابن القيم ص ٣٧٧. (٦) الأذكار، النووي، ص ٥٢١. www. modoee.com ٣٥٩ حرف الشین على لحيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ما شاء) (٤). لعباس: (يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بریرة مغیثا)، فقال النبي صلی الله عليه وسلم: (لو راجعته)، قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: (إنما أنا أشفع)، قالت: لا حاجة لي فيه)(١). وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: (اشفعوا فلتؤجروا ، ولیقض الله على لسان نبيه ما أحب)(٢). قال الإمام النووي رحمه الله في شرح الحديث: ((فيه استحباب الشفاعة لأصحاب الحوائج المباحة سواء كانت الشفاعة إلى سلطان ووال ونحوهما ، أم إلى واحد من الناس ، وسواء كانت الشفاعة إلى سلطان في کف ظلم أو إسقاط تعزیر أو في تخليص عطاء لمحتاج أو نحو ذلك))(٣). ويقول عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق، باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في زوج بریرة، رقم ٥٢٨٣. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام، رقم ٢٦٢٧. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم، النووي ١٦ /١٧٧. يستفاد منه فوائد ، منها : استشفاع الإمام والعالم والخليفة في حوائج الرعية، والساعي فيه مأجور وإن لم تنقض الحاجة (٥). وكذلك تجوز الشفاعة في الحدود مالم تبلغ السلطان ، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (تعافوا الحدود فیما بینکم، فما بلغني من حد فقد وجب)(٦). . ولما روي عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: ((اشفعوا في الحدود ما لم تبلغ السلطان ، فإذا بلغت السلطان فلا تشفعوا))(٧). فصاحب الشفاعة الحسنة يثاب عليها ولو لم تقبل شفاعته، لأنه قد بذل ما في و سعه. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها، رقم ١٤٣٢. (٥) انظر: عمدة القاري، العينى ٢٦٩/٢٠. (٦) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الحدود، باب العفو عن الحدود ما لم تبلغ السلطان، رقم ٤٣٧٦، والنسائي في سننه، كتاب قطع السارق، باب ما يكون حرزا وما لا يكون، رقم ٤٨٨٥. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٢٩٥٤. (٧) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، رقم ١٧٣٩٧. ٣٦٠ مَهَبُوبَرُ النَّهِ القرآن الكريم الشفاعة ثانيًا: شفاعة محرمة: الشفاعة المحرمة تشمل التوسل إلى الأضرحة والقبور والأصنام والأنداد وجعلهم وساطة بينهم وبين الله تبارك وتعالى، وهي أيضًا كل شفاعة أو وساطة في إبطال حق من الحقوق، أو إقرار باطل أو تعطيل حد من حدود الله تبارك وتعالى. وقد ورد ما يفيد تحريمها في الشرع الحنيف، في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيدٍ، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتشفع في حد من حدود الله)، ثم قام فاختطب، ثم قال: (إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعت يدها)(١). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((وفي هذا الحديث من الفوائد منع الشفاعة في (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، رقم ٣٤٧٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود، رقم ١٦٨٨. الحدود، وقد تقدمت في الترجمة الدلالة على تقييد المنع بما إذا انتهى ذلك إلى أولي الأمر، واختلف العلماء في ذلك ، فقال أبو عمر ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا أن الشفاعة في ذوي الذنوب حسنة جميلة ما لم تبلغ السلطان، وأن على السلطان أن يقيمها إذا بلغته، وذكر الخطابي وغيره عن مالك أنه فرق بين من عرف بأذى الناس، ومن لم يعرف ، فقال: لا يشفع للأول مطلقًا سواء بلغ الإمام أم لا، وأما من لم يعرف بذلك فلا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام»(٢). وقال النووي رحمه الله مبينًا حكم الشفاعة في الحدود: ((وأما الشفاعة في الحدود فحرام، وكذا الشفاعة في تتميم باطل، أو إبطال حق ونحو ذلك ، فهي حرام))(٣). وقال أيضًا: ((وقد أجمع العلماء على تحريم الشفاعة في الحد بعد بلوغه إلى الإمام لهذه الأحاديث، وعلى أنه يحرم التشفيع فيه، فأما قبل بلوغه إلى الإمام فقد أجاز الشفاعة فيه أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى للناس، فإن كان لم يشفع فيه، وأما المعاصي التي لا حد فيها وواجبها التعزير فتجوز الشفاعة والتشفيع فيها سواء بلغت الإمام أم لا؛ لأنها (٢) فتح الباري، ابن حجر ١٢ / ٩٥. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٧٨/١٦ www. modoee.com ٣٦١ حرف الشین أهون ثم الشفاعة فيها مستحبة إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب أذى ونحوه))(١). وورد ما يدل على تحريمها إذا بلغ الحد إلى السلطان حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله)(٢). فمما سبق يتبين لنا عدم جواز الشفاعة في الحدود بعد بلوغ السلطان، وكذلك إيطال الحقوق، أو إقرار باطل، والله أعلم. (١) المصدر السابق ١٨٦/١١. (٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأقضية، باب فيمن يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها، رقم ٣٥٩٧. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٦١٩٦. الشفاعة في الآخرة أولًا: أنواع الشفاعة في الآخرة: يوم القيامة يوم عصيب يشتد فيه البلاء بالخلق ويطول عليهم الوقوف فيه ، مع ما يحصل لهم من المعاناة من حر وأهوال وكربات، فيتجه الناس للبحث عمن يخلصهم فیأتون إلی ابیھم آدم عليه السلام فيعتذر ، ثم ينتقلون إلى نوح عليه السلام فيعتذر، ثم يأتون إلى إبراهيم عليه السلام فيعتذر، ثم موسی ، ثم عیسی عليهم السلام وكلاهما يعتذر، ثم بعد ذلك ينتقلون إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها ، أنا لها، فيشفع لأهل الموقف لفصل القضاء بينهم ، وذلك هو المقام المحمود الذي وعده ربه تبارك وتعالى في قوله: ﴿وَمِنَ الَيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا ﴾ [الإسراء: ٧٩]. ٧٩ قال أكثر أهل العلم: ذلك هو المقام الذي يقومه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فیه من شدة ذلك اليوم(٣). روى الإمام الطبري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: المقام المحمود: مقام الشفاعة (٤)، ونقل ابن كثير عن ابن عباس (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٣/١٥ (٤) المصدر السابق ٤٤/١٥. ٣٦٢ جوبيبو القرآن الكريمِ الشفاعة أنه قال: ((إن ربك سيبعثك مقاما محمودًا، وهي الشفاعة، وكل ((عسى)) في القرآن فهي واجبة))(١). وروى الإمام الطبري عن مجاهد والحسن بأن المراد بالمقام المحمود شفاعة محمد يوم القيامة (٢). وقال قتادة: («هي الشفاعة، يشفعه الله في أمته)»(٣). وقال القرطبي رحمه الله: (( اختلف في المقام المحمود على أربعة أقوال: الأول -وهو أصحها -: الشفاعة للناس يوم القيامة، قاله حذيفة بن اليمان، وفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا کل أمة تتبع نبيها تقول: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله علیه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود. وفي صحيح مسلم عن أنس قال حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم ، فيقولون له : اشفع لذريتك، فيقول: لست لها ، ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم ، فيقول: لست لها ، ولكن عليكم بموسی فإنه کلیم الله، فیؤتی موسی، فیقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى عليه السلام (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٢١/٤. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٥/١٥. (٣) انظر: المصدر السابق ١٥/ ٤٦. فإنه روح الله و کلمته، فیؤتی عیسی فیقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأوتى فأقول: أنا لها)(٤) وذكر الحديث. وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه في قوله: ﴿عَسَىَ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا﴾ سئل عنها قال: (هي الشفاعة)(٥). إذا ثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء عليهم السلام، حتى ينتهي الأمر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيشفع هذه الشفاعة لأهل الموقف ليعجل حسابهم ويراحوا من هول موقفهم، وهو الخاصة به صلى الله عليه وسلم، ولأجل ذلك قال: (أنا سيد ولد آدم (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، رقم ٧٥١٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم ١٩٣ . (٥) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلی الله علیه وسلم، باب ومن سورة بني إسرائيل، رقم ٣١٣٧. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم ٢٦٣٩. www. modoee.com ٣٦٣ حرف الشين ولا فخر)(١))(٢). وقال ابن بطال رحمه الله: ((والجمهور على أن المراد بالمقام المحمود : الشفاعة، وبالغ الواحدي فنقل فيه الإجماع))(٣)، ورجح ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله بعد أن ذكر أقوال أئمة التفسير (٤). فالشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وهي واقعة لمن أذن الله تبارك وتعالى له ورضي عنه وعن المشفوع له، قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ؟ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قال القرطبي رحمه الله: ((وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة، وهم الأنبياء والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أکرمهم وشرفهم الله، ثم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، كما قال: يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ آَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. قال ابن عطية: والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار وهو بين المنزلتين، أو وصل، ولكن له (١) أخرجه ابن ماجه في سننه، کتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة، رقم ٤٣٠٨. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم ١٥٧١. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٠٩/١٠- ٣١٠. (٣) نقله عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٤٢٦/١١. (٤) انظر: المصدر السابق ١١/ ٤٢٧ أعمال صالحة)»(٥). وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع عنده إلا بإذنه له في الشفاعة، كما في حديث الشفاعة: (آتي تحت العرش، فأخر ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن یدعني ، ثم يقال: ارفع رأسك ، وقل تسمع ، واشفع تشفع)، قال: (فیحد لي حدا فأدخلهم الجنة)(٦))(٧). ثم إن العلماء اختلفوا في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أقوال متعددة، فذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الواسطية أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات، فقال رحمه الله: ((أما الشفاعة الأولى؛ فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء؛ وإبراهيم، وموسى، وعيسى آدم، ونوح، ابن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه، وأما الشفاعة الثانية؛ فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له، وأما الشفاعة الثالثة؛ فیشفع فیمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٧٣/٣ (٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قول الله: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءُ گگھَا ﴾، رقم ٤٤٧٦. (٧) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٧٩/١. ٣٦٤ مَوْسُورُ القرآن الكريم الشفاعة النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن ، وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة يخرج منها، ويخرج الله من النار أقواما بغير الخوارج والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم شفاعة؛ بل بفضله ورحمته))(١). وقال القرطبي رحمه الله: ((إذا أثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء عليهم السلام حتى ينتهي الأمر إلی نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فيشفع هذه الشفاعة العامة لأهل الموقف مؤمنهم وكافرهم ليراحوا من هول موقفهم، فاعلم أن العلماء اختلفوا في شفاعاته وكم هي؟، فقال النقاش: لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات: العامة، وشفاعة في السبق إلى الحنة، وشفاعة في أهل الكبائر، وقال ابن عطية في تفسيره: والمشهور أنهما شفاعتان فقط : العامة ، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار ، وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها الأنبياء ، بل يشفعون ويشفع العلماء. قال القاضي عياض شفاعات نبينا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة خمس شفاعات: الأولى: العامة. الثانية: إدخال قوم الجنة بغير حساب. الثالثة: في قوم من أمته استوجبوا النار بذنوبهم ، فيشفعه فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم، ومن شاء أن يشفع ويدخلون الجنة (١) شرح العقيدة الواسطية، محمد خليل هراس ص ٢١٥. الفاسدة ، وهي الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح. الرابعة: فيمن دخل النار من المذنبين، فيخرج بشفاعة نبينا وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم من المؤمنین. الخامسة: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها. قال القاضي عياض: وهذه الشفاعة لا تنكرها المعتزلة ، ولا تنكر شفاعة الحشر الأول)»(٢). وذكر ابن أبي العز الحنفي في شرحه على الطحاوية بأن الشفاعة ثمانية أنواع (٣)، ومنها ما هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله أن الشفاعة ستة أنواع(٤)، وكذلك الشيخ عمر الأشقر(٥)، فإذا تقرر هذا فإن الشفاعة في الآخرة أنواع: النوع الأول: الشفاعة العامة. وهي التي يتدافعها الأنبياء آدم إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام ، كل واحد يحيل على الآخر إلى (٢) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، القرطبي ص ٦٠٦-٦٠٧. (٣) شرح العقدية الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، ص ١٣٢ - ٢٣٣. (٤) أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة ص ٧٥. (٥) القيامة الكبرى، عمر الأشقر ص ١٨٩. www. modoee.com ٣٦٥ حرف الشین أن يصلوا إلى نبينا محمد صلى الله عليه بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: یا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسلم ، کما تقدم الكلام عليها باختصار في بداية المطلب، وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون. وسل تعطه ، واشفع تشفع، فأقول: أمتي أمتي، فيقال لي : فمن كان في قلبه مثقال قال الله تبارك وتعالى: حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها ، فأنطلق فأفعل ، ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: یا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك ، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنی أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل) (١). قال النووي رحمه الله: ((والحكمة في أن الله تعالى ألهمهم سؤال آدم ومن بعده صلوات الله وسلامه عليهم في الابتداء ولم يلهموا سؤال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هي ، والله أعلم - إظهار فضيلة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم لو سألوه ابتداء لكان يحتمل أن غيره يقدر على هذا ويحصله، وأما إذا سألوا غيره من رسل الله تعالی وأصفيائه فامتنعوا ، ثم سألوه فأجاب وحصل غرضهم فهو النهاية في ارتفاع المنزلة وكمال القرب وعظيم الإدلال ـل ومعم فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا ()﴾ [الإسراء: ٧٩]. و ثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم ، فيقولون له: اشفع لذريتك، فيقول: لست لها ، ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام ، فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها ، ولكن عليكم بموسى عليه السلام ، فإنه كليم الله، فيؤتي موسى فيقول: لست لها، ولکن علیکم بعیسی علیه السلام، فإنه روح الله و کلمته، فیؤتي عيسى فيقول: لست لها ، ولكن علیکم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأوتی، فأقول: أنا لها، فأنطلق فاستأذن على ربي ، فيؤذن لي، فأقوم بین یدیه فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن یلھمینه الله، ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك ، وقل يسمع لك، وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق ، فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة، أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها ، فأنطلق فأفعل ، ثم أرجع إلى ربي فأحمده (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، رقم ٧٥١٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدني أهل الجنة منزلة فيها، رقم ١٩٣. ٣٦٦ القرآن الكريم