النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
م
الشَِّّكْ
سر
ر.
عناصر الموضوع
مفهوم الشكر
٣٨٤
الشكر في الاستعمال القرآني
٣٨٥
الألفاظ ذات الصلة
٣٨٦
اقتران الصبر والشكر
٣٨٨
أساليب القرآن في الحث على الشكر
٣٨٩
٣٩٢
الشكر في حق الله تعالى
٣٩٧
أنواع الشكر
٣٩٩
العبد والشكر
٤٠٢
شكر المخلوق
٤٠٤
مجالات الشكر
٤١٢
نماذج قرآنية في الشكر
٤١٧
ثمرات الشكر
المُجَلَّدَ التَّاشِعْ عَشِرِ

حرف الشین
مفهوم الشكر
أولًا: المعنى اللغوي:
الشكر: عرفان الإحسان ونشره، وحمد مولیه، ويقال: شكره وشكر له، یشکره شكرًا،
بالضم، وشكورًا، كقعودٍ، وشكرانًا، كعثمان، وحكى اللحياني: شكرت الله، وشكرت
لله، وشكرت بالله، وكذلك شكرت نعمة الله، وشكرت بها، وباللام أفصحها، والشكور،
كصبورٍ: الكثير الشكر، والجمع شكرٌ وشكورون، والمفعول مشكور (١).
فالشكر: الثناء على المحسن بذكر إحسانه(٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب: ((هو عبارة عن معروف يقابل النعمة، سواء كان باللسان أو باليد أو
بالقلب)»(٣).
فالعبد يشكر الله، فيثني عليه بذكر إحسانه الذي هو نعمة، والله يشكر العبد، فيثني عليه
بقبوله إحسانه الذي هو طاعته (٤).
وقيل: الشكر: تصور النعمة وإظهارها، قيل: وهو مقلوب عن الكشر، أي: الكشف،
ويضاده الكفر، وهو: نسيان النعمة وسترها، ودابة شكور: مظهرة بسمنها إسداء صاحبها
إليها.
فالشكر إذًا: عرفان الإحسان، والاعتراف بالنعمة، وأداء ما يترتب عليه، والقيام بحق
مسدیھا(٥).
(١) انظر: العين، الفراهيدي ٢٩٢/٥، تهذيب اللغة، الأزهري ١٠/١٠، أساس البلاغة، الزمخشري
٥١٦/١، لسان العرب، ابن منظور ٤٢٣/٤، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر
١٢٢٥/٢.
(٢) انظر: الكليات، الكفوي ص٥٣٥.
(٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٦١.
(٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٦١.
(٥) انظر: العين، الفراهيدي ٢٩٢/٥، جمهرة اللغة، ابن دريد ٢/ ٧٣٢، الصحاح، الجوهري ٧٠٢/٢،
المخصص، ابن سيده ٣/ ٤٢٤.
٣٨٤
جوسين
القرآن الكريم

الشكر
الشكر في الاستعمال القرآني
وردت مادة (شكر) في القرآن الكريم (٧٥) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ كَرِيمٌ
٤
﴾ [النمل: ٤٠ ]
٤٠
ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٥٢
الفعل المضارع
٣٥
[البقرة: ٥٢]
الفعل الأمر
٧
﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لَقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ [لقمان: ١٢]
المصدر
٣
[سبأ: ١٣]
اسم الفاعل
١٤
١٩٨)﴾ [البقرة: ١٥٨]
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرْ عَلِيمٌ ◌َ
صيغة المبالغة
١٠
[إبراهيم: ٥]
اسم المفعول
٢
﴿فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء: ١٩]
وجاء الشكر في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي الدال على الثناء على المحسن بذكر
إحسانه.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب الشين، ص٦٦٩-٦٧١.
www. modoee.com
٣٨٥
المثال
الفعل الماضي
﴿أَعْمَلُوْ ءَالَ دَاوُدَ شُكْرًاً وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ
١٣
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورِ

حرف الشین
الألفاظ ذات الصلة
١
الحمد :
الحمد لغة:
هو نقيض الذم(١).
الحمد اصطلاحًا:
الإخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه(٢).
الصلة بين الشكر والحمد:
الشكر يكون باللسان وغيره، أما الحمد فإنه لا يكون إلا باللسان، فالشكر من جهة ما
يكون به أعم من الحمد، كما أن الشكر لا يكون إلا على النعم، وأما الحمد فإنه يكون على
الصفات والأفعال والنعم (٣)، فالشكر من جهة ما يكون عليه أخص من الحمد، فبينهما عموم
وخصوص ، كما قرره المحققون من أهل العلم (٤).
الثناء:
٢
الثناء لغة:
ذكر ما يشعر بالتعظيم (٥)، وهو الذكر بالخير والكلام الجميل، ويستعمل في الوصف
بمدح أو ذم، فيقال: أثنى عليه خيرًا أو أثنى عليه شرًا، لكن غلب استعماله في الخير، وقد
طار ثناء فلان، أي: ذهب وانتشر بين الناس(٦).
الثناء اصطلاحًا:
(«هو الإتيان بما يشعر التعظيم مطلقًا، سواء كان باللسان أو بالجنان أو بالأركان؛ وسواء
كان في مقابلة شيء أو لا)) (٧).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ١٠٠.
(٢) بدائع الفوائد، ابن القيم ٢/ ٩٣.
(٣) انظر: غريب القرآن، ابن قتيبة ص ٢٠.
(٤) انظر: تفسير القرآن، أبو المظفر السمعاني ٣٥/١، الكشاف، الزمخشري ٨/١، تفسير القرآن العظيم،
ابن كثير ١/ ١٢٨.
(٥) التعريفات، الجرجاني ص٧٢.
(٦) انظر: شمس العلوم، نشوان الحميرى ٨٩٥/٢.
(٧) الكليات، الكفوي ص٣٢٤.
٣٨٦
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ

الشكر
الصلة بين الشكر والثناء:
الشكر يكون مقرونًا بنعمة أو معروف، بينما الثناء ليس شرطا أن يكون على نعمة أو
معروف، وقد يكون بشرٍ، وإن جاء في تعريفه أنه الذكر الحسن والوصف الجميل، فهو
كذلك باعتبار الغالب(١).
النكران:
٣
النكران لغة:
الجحود، وعدم الاعتراف بالشيء(٢).
النكران اصطلاحًا:
جحد النعمة، وعدم الاعتراف بها(٣).
الصلة بين الشكر والنكران:
علاقة تضاد، فشكر النعمة إظهارها وعرفانها والثناء على المنعم، بينما نكران النعمة هو
جحودها وإنکارها وعدم الاعتراف بها.
(١) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص ٢٠١، التعريفات، الجرجاني ص١٢٨.
(٢) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٩٥٢، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار
عمر ٣/ ٢٢٨١.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ٢٧٣.
www. modoee.com
٣٨٧

حرف الشین
اقتران الصبر والشكر
قرن الله سبحانه وتعالى بين الصبر
والشكر في أربعة مواضع من كتابه، وأخبر
فيهن بأن آيات الله ينتفع بها أهل الصبر،
وأهل الشكر.
من هذه الآيات: ما جاء في سياق بيان
الغاية من إرسال موسى عليه السلام إلى
قومه والتي منها أن يذكرهم بنعم الله عليهم
وإحسانه إليهم، وبأيامه في الأمم المكذبين،
وو قائعه بالکافرین؛ لیشکروا نعمه وليحذروا
عقابه.
قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
مُوسَى بِشَايَتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ
اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم ◌ِأَيَّنِمِ
اللَّهُّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ
شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥].
أي: ذکرهم تذکیر عظة بأيام الله، وبأيام
الله: أيام ظهور بطشه وغلبه من عصوا أمره،
وتأييده المؤمنين على عدوهم؛ فإن ذلك كله
مظهر من مظاهر عزة الله عز وجل.
ولكون الآيات مختلفة، بعضها آيات
موعظة وزجر، وبعضها آيات منة وترغيب،
جعلت متعلقة بـ﴿لَكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾؛
إذا الصبر مناسب للزجر؛ لأن التخويف
يبعث النفس على تحمل معاكسة هواها
خيفة الوقوع في سوء العاقبة، والإنعام يبعث
النفس على الشكر(١).
في الآية دلالة على أن الصبار والشكور
ينتفعان بالتذکیر والتنبيه ویتعطان به.
ومنها: ما أخبر سبحانه وتعالى فيها أن في
جري السفن في البحر لدلالات لكل صبار
عن محارم الله، شكور لنعمه، قال سبحانه
وتعالى: ﴿فِ ذَلِكَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِى فِ الْبَحْرِ
بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيِّكُ مِنْ ءَايَتِةٍ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ
لِكُلِّ صَبَّارِشَكُورِ﴾ [لقمان: ٣١].
یخبر سبحانه وتعالى أنه هو الذي سخر
البحر لتجري فيه الفلك بأمره، أي: بلطفه
وتسخيره، فإنه لولا ما جعل في الماء من
قوة يحمل بها السفن لما جرت؛ ولهذا قال:
﴿لِيُرِيَكُ مِنْ ءَايَتِهِ﴾، أي: من قدرته، ﴿إِنَّ
فِ ذَلِكَ لَآَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارِشَگُورٍ﴾، أي: صبار
في الضراء شكور في الرخاء (٢). ولما تقدم
ذکر جري الفلك في البحر، و کان في ذلك ما
لا یخفی علی راکبه من الخوف، وتقدم ذکر
النعمة، ناسب الختم بالصبر على ما يحذر،
وبالشكر على ما أنعم به سبحانه وتعالى (٣).
وفي الآية دلالة على أن آيات الله الكونية
إنما ينتفع بها أهل الصبر والشكر.
ومنها: ما أخبر سبحانه وتعالى بها في
سياق الحديث عن سبأ وما حل بهم، وما
في ذلك من عبرةٍ لكل صبار على المكاره
(١) التحرير والتنوير ١٣ / ١٩١.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٤/٦.
(٣) البحر المحيط ٤٢٣/٨.
٣٨٨
البَشَّ
جوي
القرآن الكريمِ

الشکی
والشدائد، شکور لنعم الله عز وجل.
قال سبحانه وتعالى: ﴿فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ
بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ
وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ
شَكُورِ﴾ [سبأ: ١٩].
في الآية دلالة على أن قصص القرآن فيها
آيات وعبرٌ لأهل الصبر وأهل الشكر.
ومنها: ما أخبر سبحانه وتعالى فيها بأن
أحوال الفلك في البحر فيها عبرة لكل صبار
شكور.
قال سبحانه وتعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الْرِيحَ
فَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِوَةٌ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِكُلِّ
صَبٍَّ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣].
جعل ذلك آية لكل صبار شكور؛ لأن
في الحالتين خوفًا ونجاة، والخوف يدعو
إلى الصبر، والنجاة تدعو إلى الشكر،
وإنما جعل ذلك آية للمؤمنين؛ لأنهم الذين
ينتفعون بتلك الآية فيعلمون أن الله منفرد
بالألوهية ، بخلاف المشركين فإنها تمر
بأعينهم فلا يعتبرون بها(١).
(١) التحرير والتنوير ١٠٦/٢٥.
أساليب القرآن في الحث على الشكر
تنوعت أساليب القرآن في الحث على
الشكر على النحو الآتي:
أولًا: أسلوب الأمر:
١. الأمر بالشكر بصيغة المفرد.
أخبر الله سبحانه وتعالى أنه أعطى العبد
الصالح لقمان الحكمة، وهي الفقه في الدين
وسلامة العقل والإصابة في القول، وأمره أن
یشکره على نعمه علیه.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لَقْمَنَ
اَلْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ١٢].
((أمره الله بشكره على ما هو محفوف
به من نعم الله التي منها نعمة الاصطفاء
لإعطائه الحكمة، وإعداده لذلك بقابليته
لها، وهذا رأس الحكمة؛ لتضمنه النظر في
دلائل نفسه وحقيقته قبل النظر في حقائق
الأشياء، وقبل التصدي لإرشاد غيره، وأن
أهم النظر في حقيقته هو الشعور بوجوده
على حالة كاملة، والشعور بموجده ومفيض
الكمال عليه، وذلك كله مقتضٍ لشكر
موجده على ذلك))(٢).
وفي الآية تنبيه على أن الحكمة الأصلية
والعلم الحقيقي هو العمل بهما، وعبادة
الله والشكر له. وقال سبحانه وتعالى
(٢) التحرير والتنوير ١٥٢/٢١.
www. modoee.com
٣٨٩

حرف الشین
حانًا الإنسان على شكره عز وجل، وشكر بشكره على ما آتاه من النبوة والرسالة، فقال
سبحانه وتعالى لموسى: ﴿إِنِ اصْطَفَيْتُكَ
عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَلَمِى فَخُذْ مَآءَاتَيْتُكَ وَكُن
مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤].
والديه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ
أُمُّهُ،وَهْنَّا عَلَى أَنْ وَفِصَلُهُ،فِ عَامَيْنِ آَنِ آَشْكُرْ
لِي وَلَوْ لِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان: ١٤].
أي: ((قلنا له أن اشكر لي ولوالديك. قيل:
الشكر لله على نعمة الإيمان، وللوالدين
على نعمة التربية))(١).
٢. الأمر بالشكر بصيغة الجمع.
جاء الأمر بالشكر بصيغة الجمع، قال
سبحانه وتعالى آمرًا المؤمنين بشكره:
﴿وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:
١٥٢].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن
كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].
وهو أمر، وليس بإباحة. قيل: ولا يمكن
القول بوجوب الشكر؛ لأنه إما أن يكون
بالقلب، أو باللسان، أو بالجوارح(٢).
وأخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه أن
إبراهيم عليه السلام أمر قومه بعبادة الله
وشكره على نعمه عليهم، قال عز وجل:
﴿وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُواْ لَهُمْ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
[العنكبوت: ١٧].
وأمر الله سبحانه وتعالى الأنبياء بشكره
على نعمة النبوة والرسالة:
فأمر سبحانه وتعالى موسى عليه السلام
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/ ٦٤.
(٢) البحر المحيط ٢/ ١٠٩.
وأمر سبحانه وتعالى الرسول الكريم
صلى الله عليه وسلم أن يكون من الشاكرين
له على نعمه، فقال: ﴿وَكُن مِنَ الشَّكِرِينَ﴾
[الزمر: ٦٦].
أي: على ما أنعم به عليك، من أن جعلك
سيد ولد آدم(٣).
ثانيًا: أسلوب الترغيب:
وعد الله سبحانه وتعالى من ثبت
على الإيمان وشكره على نعمة الإسلام،
بأنه سيجزيه أحسن الجزاء؛ وذلك ترغيبًا
للمؤمنين للاقتداء بهم في ثباتهم.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا
رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ
أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَى أَعْقَبِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ
عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اللَّهُ
الشَّكِرِينَ
[آل عمران: ١٤٤].
١٤٤
أي:
صبروا وجاهدوا
الذین
واستشهدوا(٤).
وهذا «وعد عظيم بالجزاء، وجاء بالسين
التي هي في قول بعضهم: قرينة التفسير في
الاستقبال، أي: لا يتأخر جزاء الله إياهم
(٣) الكشاف، الزمخشري ٤/ ١٤٢.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٢٦/٤.
٣٩٠
جوية
القرآن الكريمِ

الشكر
عنهم ، وظاهر هذا الجزاء أنه في الآخرة، بجملة فعلية إلى الجملة الاسمية مع أن لـ
وقيل: في الدنيا بالرزق، والتمكين في
الأرض»(١).
ثالثًا: أسلوب المدح:
قال سبحانه وتعالى مادحًا إبراهيم عليه
السلام؛ لشكره نعم الله عليه: ﴿شَاكِرًا
لِأَنْعُمِّةِ اجْتَبَنَهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[النحل: ١٢١].
((مدح لإبراهيم عليه السلام ، وتعريض
بذريته الذين أشركوا وكفروا نعمة الله،
مقابل قوله: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾
[النحل: ١١٢]))(٢).
رابعًا: أسلوب الاستفهام:
أخبر سبحانه وتعالى أنه اختص داود
عليه السلام بأن علمه صناعة الدروع،
يعملها حلقًا متشابكة، تسهل حركة الجسم؛
لتحمي المحاربين من وقع السلاح فیھم.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةً
لَبُوُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ
شَكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠].
استفهام يتضمن الأمر، أي: اشكروا الله
على ما أنعم به عليكم(٣).
وكان العدول عن إيلاء (هل) الاستفهامية
(١) البحر المحيط ٣٦٥/٣.
(٢) التحرير والتنوير ٣١٧/١٤.
(٣) البحر المحيط ٧/ ٤٥٧.
(هل) مزيد اختصاص بالفعل، فلم يقل:
فهل تشكرون، وعدل إلى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ
شَكِّرُونَ﴾؛ ليدل العدول عن الفعلية إلى
الاسمية على ما تقتضيه الاسمية من معنى
الثبات والاستمرار، أي: فهل تقرر شكركم
وثبت؛ لأن تقرر الشكر هو الشأن في مقابلة
هذه النعمة (٤).
(٤) التحرير والتنوير ١٧/ ١٢٢.
www. modoee.com
٣٩١

حرف الشین
الشكر في حقّ الله تعالى
سمی الله تعالی نفسه بالشاکر والشكور،
وقرن سبحانه وتعالى بين الشكر والعبادة؛
لارتباطهما ببعضهما ارتباطًا وثيقًا، وقرن
بين الشكور والغفور، والشكور والحليم،
والشاكر والعليم، وفي هذا المبحث نتناول
الشكر في حقه عز وجل، واقتران أسماء الله
(الشاكر، والشكور) ببعض أسمائه الحسنى:
أولًا: استحقاق الله للشكر:
يمتن الله سبحانه وتعالى على عباده
بنعمه، ويدعوهم إلى شكرها ورؤيتها؛
وعدم الغفلة عنها.
قال سبحانه وتعالى: ﴿أَلَوْتَرَوْاْ أَنَّ اللَّهُ سَخَّرَ
لَكُمْ مَّا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ
نِعَمَهُ ظَهِرَةً وَبَاطِنَةٌ ﴾ [لقمان: ٢٠].
هذه النعم الجسيمة يقابلها وجوب شکر
المنعم المتمثل بعبادته وحده دون غيره من
الأنداد؛ ولذلك قرن سبحانه وتعالى في
مواضع من كتابه بين الشكر والعبادة.
قال سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتٍ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُوا لِلَّهِ
إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُّدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].
فالشكر في هذه الآية، هو العمل الصالح،
وهنا لم يقل: (حلالًا)؛ لأن المؤمن أباح الله
له الطيبات من الرزق خالصة من التبعة؛
ولأن إيمانه يحجزه عن تناول ما ليس له.
وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَّعْبُدُونَ﴾،
أي: فاشكروه، فدل على أن من لم يشكر
الله، لم یعبده وحده، کما أن من شكره، فقد
عبده، وأتى بما أمر به، ويدل أيضًا على أن
أكل الطيب، سبب للعمل الصالح وقبوله.
والأمر بالشكر عقيب النعم؛ لأن الشكر
يحفظ النعم الموجودة، ويجلب النعم
المفقودة (١).
وأمركم سبحانه وتعالى بالشكر له؛ لأنه
الذي خلقها لکم، وسهل علیکم أسبابها، بأن
تتبعوا سنته الحكيمة في طلب هذه الطيبات
واستخراجها، وفي استعمالها فيما خلقت
لأجله، وبالثناء عليه جل جلاله وعم نواله،
واعتقاد أن هذه الطيبات من فضله وإحسانه،
ليس لمن اتخذوا أندادًا له تأثير فيها.
ولذلك قال: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ
تَعْبُدُونَ﴾، أي: إن كنتم تخصونه
بالعبادة، وتؤمنون بانفراده بالسلطة والتدبير،
فاشكروا له خلق هذه النعم وإباحتها لكم،
ولا تجعلوا له أندادا تطلبون منهم الرزق
أو ترجعون إليهم بالتحليل والتحريم؛ فإن
ذلك له وحده، وإلا کنتم مشر کین به کافرین
لنعمه، کالذین من قبلکم، جهلوا معنی عبادة
الله سبحانه وتعالى ، فاتخذوا بينهم وبينه
وسطاء في طلب الرزق، ورؤساء يشرعون
لهم من الدين ما لم يشرعه، ويحلون لهم
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨١.
٣٩٢
القرآن الكريمِ

الشكر
ويحرمون علیھم ما لم یشرعه لهم. ومن
الشكر له سبحانه وتعالى استعمال القوى
التي غذيت بتلك الطيبات في نفع أنفسكم
وأمتکم وجنسکم(١).
فالآية توحي بأن الشكر عبادة وطاعة
يرضاها الله من العباد.
وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنَا
رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَّاً طَيِّبًا وَأَشْكُرُ وانِعْمَتَ
اللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُّدُونَ ﴾ [النحل: ١١٤].
يقول سبحانه وتعالى آمرا عباده المؤمنين
بأكل رزقه الحلال الطيب وبشكره على
ذلك؛ فإنه المنعم المتفضل به ابتداء الذي
يستحق العبادة وحده لا شريك له(٢).
وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَبْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ
اَلْرِّزْقَ وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُواْ لَهُهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
[العنكبوت: ١٧].
أي: فالتمسوا عند الله الرزق لا من عند
أوثانکم، تدركوا ما تبتغون من ذلك، وذلوا
له واشكروا له على رزقه إياكم، ونعمه التي
أنعمها عليكم(٣).
فهذه الآيات ترشد إلى شكر الله؛ لأنه
المتفضل على عباده بالنعم ابتداء دون طلب
منهم، وهو المستحق لإفراده بالعبادة، لكن
من الخلق من يعبد غيره، ویشکر غيره، كما
جاء في الحديث الذي يستأنس به، عن أبي
(١) المنار، محمد رشيد رضا ٧٨/٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٢٣/٤.
(٣) جامع البيان، الطبري ٣٧٥/١٨.
الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (قال الله عز وجل: إني
والجن والإنس في نبأٍ عظيمٍ، أخلق ويعبد
غيري، وأرزق ويشكر غيري) (٤).
ثانيًا: معنى اسم الله الشاكر والشكور:
الله سبحانه وتعالى هو الشكور، وهو
يوصل الشاكر إلى مشكوره، بل يعيد الشاكر
مشکورًا.
ومعنى الشكر المضاف إليه سبحانه
وتعالى، ((الرضا بيسير الطاعة من العبد
والقبول له، وإعظام الثواب عليه)»(٥).
وقال الشيخ السعدي رحمه الله: ((ومن
أسمائه الشاكر والشكور، وهو الذي يشكر
القليل من العمل الخالص النقي النافع،
ويعفو عن الكثير من الزلل، ولا يضيع
أجر من أحسن عملا، بل يضاعفه أضعافًا
مضاعفة بغير عدٍ ولا حساب، ومن شكره
أنه یجزي بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة
ضعف إلى أضعاف كثيرة))(٦).
ثالثًا: اقتران اسم الله الغفور بالشكور:
اقترن اسم الله الغفور بالشکور في ثلاثة
(٤) أخرجه البيهقي في الشعب ١/١١/٢،
والطبراني في مسند الشاميين، ٩٣/٢/ ٩٧٤.
وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، رقم
٢٣٧١.
(٥) شأن الدعاء ص٦٥- ٦٦.
(٦) الحق الواضح المبين ص ٧٠.
www. modoee.com
٣٩٣

حرف الشین
مواضع:
قوله سبحانه وتعالى: ﴿لِيُوَفِيَهُمْ
أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضَّلِهَّ إِنَّهُ.
غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠].
عن قتادة رحمه الله في قوله سبحانه
وتعالى: ﴿إِنَّهُ غَفُورُشَكُورٌ﴾ إنه غفور
لذنوبهم، شكور لحسناتهم (١).
وقال ابن عاشور رحمه الله: («فإن من
صفاته الغفور الشكور، أي: الكثير المغفرة،
والشديد الشكر .
على تقصير العباد
فالمغفرة تأتى
المطيعين؛ فإن طاعة الله الحق التي هي إليه(٥).
بالقلب والعمل والخواطر لا يبلغ حق الوفاء
بها إلا المعصوم، ولكن الله تجاوز عن
الأمة فيما حدثت به أنفسها، وفيما همت به
ولم تفعله، وفي اللمم، وفي محو الذنوب
الماضية بالتوبة. والشكر كناية عن مضاعفة
الحسنات علی أعمالهم فهو شکر بالعمل؛
لأن الذي يجازي على عمل المجزي بجزاء
وافر، يدل جزاؤه على أنه حمد للفاعل
فعله)» (٢).
وقال السعدي رحمه الله: ((غفر
لهم السيئات، وقبل منهم القليل من
الحسنات)»(٣).
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُللَّهِ
(١) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٤٦٤.
(٢) التحرير والتنوير ٣٠٨/٢٢.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٨٩.
الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ
شَكُورُ﴾ [فاطر: ٣٤].
((وصفوه سبحانه وتعالى بأنه يغفر
الذنوب ويجازي على القليل من الأعمال
الصالحة بالكثير من الثواب)» (٤)
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَقْتِفْ
حَسَنَّةُ نَّزِدْ لَهُ، فِيَهَا حُسْنَاْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورُ﴾
[الشورى: ٢٣].
تذييل
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورُ﴾
وتعلیل؛ للزيادة لقصد تحقيقها بأن الله كثيرة
مغفرته لمن يستحقها، كثير شكره للمتقربين
رابعًا: اقتران اسم الله الشكور بالحليم:
اقترن اسم الله الشكور بالحليم في
موضع واحد، في قوله سبحانه وتعالى:
﴿إِن تُقْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضَا حَسَنًا يُضَحِفْهُ لَكُمْ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُرٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧].
قوله: ﴿حَلِيمٌ﴾، أي: لا يعجل
بالعقوبة، بل يستر ويتجاوز عن الذنوب.
ومجيء هذا التذييل هنا يشعر بالتوجيه في
بعض نواحي إصلاح الأسرة، وهو أن يقبل
كل من الزوجين عمل الآخر بشكر، ويقابل
كل إساءة بحلم؛ ليتم معنى حسن العشرة؟
ولأن الإنفاق يستحق المقابلة بالشكر،
والعداوة تقابل بالحلم(٦).
(٤) المحرر الوجيز ٤ / ٤٤٠.
(٥) التحرير والتنوير ٢٥/ ٨٥.
(٦) أضواء البيان ٢٠٦/٨.
٣٩٤
مَوَسُولَةُ النَّفي
القرآن الكريمِ

الشكر
خامسًا: اقتران اسم الله الشاكر بالعليم: بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ
شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].
اقترن اسم الله الشاكر بالعليم في
موضعین من کتابه:
قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا
فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].
الشاكر والشكور، من أسماء الله سبحانه
وتعالى، الذي يقبل من عباده اليسير من
العمل، ويجازيهم عليه العظيم من الأجر،
الذي إذا قام عبده بأوامره، وامتثل طاعته،
أعانه على ذلك، وأثنى عليه ومدحه،
وجازاه في قلبه نورًا وإيمانًا وسعة، وفي
بدنه قوة ونشاطًا، وفي جميع أحواله زيادة
بركة ونماء، وفي أعماله زيادة توفيق، ثم
بعد ذلك، يقدم على الثواب الآجل عند ربه
کاملا موفورًا، لم تنقصه هذه الأمور.
ومن شكره لعبده : أن من ترك شيئا لله
أعاضه الله خيرا منه، ومن تقرب منه شبرا،
تقرب منه ذراعا، ومن تقرب منه ذراعا،
تقرب منه باعا، ومن أتاه يمشي، أتاه هرولة،
ومن عامله، ربح عليه أضعافا مضاعفة.
ومع أنه شاكر، فهو عليم بمن يستحق
الثواب الكامل، بحسب نيته وإيمانه وتقواه،
ممن ليس كذلك، عليم بأعمال العباد،
فلا يضيعها، بل يجدونها أوفر ما كانت،
على حسب نياتهم التي اطلع عليها العليم
(١)
الحكيم(١).
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٦.
أي: مثيبًا موفيًا أجوركم. وأتى بصفة
الشكر باسم الفاعل بلا مبالغة؛ ليدل على
أنه يتقبل ولو أقل شيء من العمل وينميه،
﴿عَلِيمًا﴾ بشكركم وإيمانكم فيجازيكم.
وفي قوله: ﴿عَلیمًا ﴾، تحذير وندب إلى
الإخلاص لله سبحانه وتعالى. وقيل: الشكر
من الله إدامة النعم على الشاكر(٢).
سادسًا: من صور شكره سبحانه وتعالى
لعبده:
فالله سبحانه وتعالی یشکر عبده بقوله،
بأن يثني عليه بين ملائكته وفي ملئه الأعلى،
ويلقى له الشكر بين عباده، ویشکره بفعله،
فإذا ترك له شيئًا أعطاه أفضل منه، وإذا بذل
له شيئًا رده عليه أضعافًا مضاعفة.
نماذج من شكره سبحانه وتعالى لعباده:
لما عقر سليمان عليه السلام الخيل غضبًا
لله؛ إذ شغلته عن ذكره، فأراد ألا تشغله مرة
أخرى، أعاضه عنها متن الريح، قال سبحانه
وتعالى واصفًا شغل سليمان عن ذكره، ثم
عقره للخيل: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِّ الصَّفِنَتُ
لِيَادُ ﴿ فَقَالَ إِنَّ أَحَْبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ
رَبِى حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ رُدُّوهَا عَّ فَطَفِقَ
مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣١-٣٣].
ثم قال سبحانه وتعالى في تعويضه
(٢) تفسير البحر المحيط ٤ / ١١٥.
www. modoee.com
٣٩٥

حرف الشین
السليمان بتسخير الريح: ﴿فَسَخَرْنَا لَهُ الْرِّيَحَ
تَجْرِى ◌ِأَمْرِهِه ◌ُبِنَةً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦].
ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا
منها في مرضاته، أعاضهم عنها أن ملكهم
الدنيا وفتحها عليهم، قال سبحانه وتعالى:
﴿ وَعَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِىِ
أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَيِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدٍ خَوْفِهِمْ أَمْنَا
يَعْبُدُونَفِ لَّا يُشْرِكُونَ بِىِ شَيْئًاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ
ذَلِكَ فَأَوْلَيْكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾ [النور: ٥٥].
وقد حقق لعباده هذا الوعد، ودانت لهم
البلاد والعباد، وننتظر متعبدين أن يحقق الله
ذلك للمؤمنين في هذا الزمان.
ولما احتمل يوسف الصديق ضيق
السجن، شكر له ذلك بأن مكن له في
الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، قال سبحانه
وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِِ
يَتَبُوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ
وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦].
ولما بذل الشهداء أبدانهم له حتى مزقها
أعداؤه، شكر لهم ذلك، بأن أعاضهم منها
طيرًا خضرًا أقر أرواحهم فيها، ترد أنهار
الجنة، وتأكل من ثمارها إلى يوم البعث،
فیردها علیهم أكمل ما تكون وأجمله وأبهاه،
روی أبو داود بسند حسن عن ابن عباسٍ
رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى
الله علیه وسلم: (لما أصيب إخوانكم بأحدٍ،
جعل الله أرواحهم في جوف طيرِ خضرٍ، ترد
أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى
قناديل من ذهبٍ معلقةٍ في ظل العرش)(١).
ولما بذل رسله أعراضهم فيه لأعدائهم،
فنالوا منهم وسبوهم، أعاضهم من ذلك بأن
صلی علیهم هو وملائكته، وجعل لهم أطيب
الثناء في سماواته وبين خلقه، فأخلصهم
بخالصة ذكرى الدار، قال سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ أَخْلَصْنَهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى النَّارِ﴾ [ص:
٤٦].
ومن شكره سبحانه وتعالى أن العبد
من عباده يقوم له مقامًا يرضيه بين الناس،
فيشكره له، وينوه بذكره، ويخبر به ملائكته
وعباده المؤمنين، كما شكر لمؤمن آل
فرعون ذلك المقام، وأثنى به عليه، ونوه
بذكره بين عباده، قال سبحانه وتعالى:
﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَى
إِنَّ الْمَلَأَّ يَأْتَمِّرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ فَأَخْرُجْ إِّ لَكَ
مِنَ النَّصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠].
وكذلك شكره لصاحب (يس) مقامه
ودعوته إليه، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَجَآءَ
مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَقَوْمِ أَنَّبِعُوا
الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠].
فهذه من صور شكره لعباده، والصور
کثيرة لا يتسع المجال لاستقصائها.
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب
في فضل الشهادة، رقم ٢٥٢٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٩٢٤/٢، رقم ٥٢٠٥.
٣٩٦
جوي
القرآن الكريم

الشكر
أنواع الشكر
للشكر أنواع ثلاثة، هي: شكر العمل،
وشكر الاعتراف، وشكر التحدث.
أولًا: شكر العمل بالطاعة:
قال سبحانه وتعالى: ﴿أَعْمَلُواْءَالَ دَاوُودَ
شُكْرَاً وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
أي: اعملوا بالطاعات في حال شكر
منكم لله على هذه النعم، ويحتمل أن يكون
نصبه على جهة المفعول، أي : اعملوا عملا
هو الشكر، كأن الصلاة والصيام والعبادات
كلها هي نفسها الشكر؛ إذ سدت مسده (١).
وفي الآية دلالة على أن الشكر يكون بالفعل،
كما يكون بالقول والنية (٢)، كما قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثةً
یدي ولساني والضمير المحجبا
قال أبو عبد الرحمن الحبلي: الصلاة
شکر والصيام شکر، و کل خير تعمله لله عز
وجل شكر، وأفضل الشكر الحمد. وعن
ثابت البناني قال: کان داود عليه السلام قد
جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة، فكان
لا تأتي عليهم ساعة من الليل والنهار إلا
وإنسان من آل داود قائم يصلي (٣).
وفي الصحيحين عن رسول الله صلى
(١) المحرر الوجيز ٤/ ٤١٠.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٤٤٢.
(٣) المصدر السابق.
الله عليه وسلم أنه قال: (إن أحب الصلاة
إلى الله تعالى صلاة داود، كان ينام نصف
الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وأحب
الصيام إلى الله تعالى صيام داود، كان يصوم
یوما ویفطر يوما، ولا يفر إذا لاقی) (٤).
ثانيًا: شكر القلب بالاعتراف:
قال السعدي: ((الشكر: اعتراف القلب
بمنة الله تعالى وتلقيها افتقارًا إليها، وصرفها
في طاعة الله تعالى وصونها عن صرفها في
المعصية)» (٥)
ثالثًا: شكر باللسان بالتحدث بالنعمة:
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَيِّكَ
فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١].
أي: أخبر بما أنعم الله عليك؛ اعترافًا
بفضله(٦)، فإن التحدث بنعمة الله، داع
لشكرها، وموجب لتحبيب القلوب إلى من
أنعم بها؛ فإن القلوب مجبولة على محبة
المحسن (٧).
قال ابن القيم رحمه الله:
((في هذا التحديث قولان:
أحدهما: أنه ذكر النعمة والإخبار بها،
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء،
باب ٣٧، ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام،
رقم ١٨٦، ١٨٧.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٧٦.
(٦) التحرير والتنوير ٤٠٣/٣٠.
(٧) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩٢٨.
www. modoee.com
٣٩٧

حرف الشین
وقول العبد: أنعم الله علي بكذا وكذا.
قال مقاتل: يعني : أشكر ما ذکر من النعم
عليك في هذه السورة من الإيواء مع اليتم،
والهدى بعد الضلال، والإغناء بعد العيلة.
والتحدث بنعمة الله شکر، کما في حديث
جابر، أن رسول الله صلی الله علیه وسلم،
قال: (من صنع إلیه معروفٌ، فلیجز به، فإن
لم يجد ما يجزي به، فلیثن علیه، فإنه إذا أثنى
علیه، فقد شكره، وإن کتمه، فقد كفره، ومن
تحلی بما لم يعط، كان كلابس ثوبين من
زور)(١).
الله، وتبليغ رسالته، وتعليم الأمة. قال
مجاهد: هي النبوة. وقال الزجاج: أي: بلغ
ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله.
وقال الكلبي: هو القرآن، أمره أن يقرأه
على الناس.
والصواب: أنه يعم النوعين، إذ كل
منهما نعمة مأمور بشکرها، والتحدث بها،
وإظهارها من شكرها))(٣).
فذكر أقسام الخلق الثلاثة: شاكر النعمة
المثني بها، والجاحد لها، والكاتم لها،
والمظهر أنه من أهلها وليس من أهلها. فهو
متحلٍ بما لم يفعله، قال النبي صلى الله عليه
وسلم على المنبر: (من لم يشكر القليل،
لم یشکر الکثیر، ومن لم يشكر الناس، لم
یشکر الله. التحدث بنعمة الله شکرٌ، وتر کها
كفرٌ)(٢).
والقول الثاني: أن التحدث بالنعمة
المأمور به في هذه الآية، هو الدعوة إلى
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب من
صنع إلیه معروف فلیکافئه، رقم ٢١٥.
وصححه الألباني صحيح الأدب المفرد،
ص٩٨.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٠/ ٣٩٠، رقم
٠١٨٤٤٩
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٣٠١٤.
(٣) التفسير القيم، ابن القيم ص٥٧٤.
٣٩٨
القرآن الكريم

الشكر
العبد والشكر
أخبر الله في كتابه أن الشكر من عباده
قلیل، وأن الشاکرین لنعمه قلیل.
أولًا: الشكر قليل:
ورد في كتاب الله آيات تدل على أن
الشكر قليل من العباد.
﴿ وَلَقَدْ
منها: قوله سبحانه وتعالى:
مَكَّتَكُمْ فِ اْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَيِشَُّ
قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠].
يقول جل جلاله: ولقد وطأنا لكم - أيها
الناس- في الأرض، وجعلناها لكم قرارا
تستقرون فيها، ومهادا تمتهدونها، وفراشا
تفترشونها، وجعلنا لكم فيها معايش تعيشون
بها أيام حياتكم، من مطاعم ومشارب، نعمة
مني عليكم وإحسانا مني إليكم، وأنتم قليل
شكركم على هذه النعم التي أنعمتها عليكم
لعبادتکم غيري، واتخاذکم إلها سواي(١).
والخطاب للمشركين خاصة؛ لأنهم
الذين قل شكرهم لله سبحانه وتعالى؛ إذ
اتخذوا معه آلهة. ووصف قليل يستعمل
في معنى المعدوم، ويجوز أن يكون على
حقيقته، أي: إن شكركم الله قليل؛ لأنهم
لما عرفوا أنه ربهم فقد شکروه، ولکن أکثر
أحوالهم هو الإعراض عن شكره، والإقبال
على عبادة الأصنام وما يتبعها، ويجوز أن
(١) جامع البيان، الطبري ١٠/ ٧٣.
تكون القلة كناية عن العدم على طريقة
الكلام المقتصد؛ استنزالا لتذكرهم (٢).
ومنها: قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَحَعَلَ
لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَقِدَةٌ قَلِيلًا مَّا
تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩].
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ
أَنْشَأَ لَكُرُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ يُمْيء
وَيُمِيتُ تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٨].
وقوله سبحانه وتعالى:
قَلَ هُوَ الَّذِىّ
أَنشَأَكُمُ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِلَامَّا
تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣].
يخبر سبحانه وتعالى بمننه على عباده
الداعية لهم إلى شكره، والقيام بحقه ، فقال:
﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾؛ لتدركوا به
المسموعات، فتنتفعوا في دینکم و دنیاکم،
﴿وَالْأَبْصَرَ﴾؛ لتدركوا بها المبصرات،
فتنتفعوا بها في مصالحكم، ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾
التي تدركون بها الأشياء، وتتميزون بها
عن البهائم، فلو عدمتم السمع، والأبصار،
والعقول، بأن كنتم صمًا عميا بكما،
ماذا تكون حالكم؟ وماذا تفقدون من
ضرورياتكم وكمالكم؟ أفلا تشكرون الذي
من عليكم بهذه النعم، فتقومون بتوحيده
وطاعته؟! ولكنكم قليل شكركم، مع توالي
النعم عليكم (٣).
(٢) التحرير والتنوير ٨ ب/ ٣٥.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٥٦.
www. modoee.com
٣٩٩

حرف الشین
ثانيًا: الشاكرون قليل:
قال سبحانه وتعالى مبينًا عداوة الشيطان
للمؤمنين:
﴿ُمَّ لَتِيَنْهُمْ مِنْ بَيْنِ أَبْدِيِهِمْ وَمِنْ
خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَئِهِمْ وَعَنْ شَيِهِمَّ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ
﴾ [الأعراف: ١٧].
شَكِرِينَ
أي: من جميع الجهات والجوانب،
ومن كل طريق يتمكن فيه من إدراك بعض
مقصوده فيهم، ولما علم الخبيث أنهم
ضعفاء قد تغلب الغفلة على كثير منهم،
وكان جازما ببذل مجهوده على إغوائهم،
ظن وصدق ظنه، فقال: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ
شَكِينَ﴾، فإن القيام بالشكر من سلوك
الصراط المستقيم، وهو یرید صدهم عنه،
وعدم قيامهم به(١).
ولقد ظن إبليس ظنًا غير يقين أنه سيضل
بني آدم، وأنهم سيطيعونه في معصية الله،
فصدق ظنه عليهم، فأطاعوه وعصوا ربهم
إلا فریقًا من المؤمنين بالله، فإنهم ثبتوا على
طاعة الله، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ
صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِيْلِسُ ظَنَّهُ فَأَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ
اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠].
ولقد اتبع کثیر من الناس إبليس فاضلهم،
فلا تجد أكثرهم شاكرين لنعمه الجمة.
قال سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُّ حَذَرَ أَلْمَوْتِ
فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو
(١) المصدر السابق ص ٢٨٤.
فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣].
أي: ألم تسمع بهذه القصة العجيبة
الجارية على من قبلكم من بني إسرائيل،
حيث حل الوباء بديارهم، فخرجوا بهذه
الکثرة، فرارًا من الموت، فلم ينجهم الفرار،
ولا أغنى عنھم من وقوع ما كانوا يحذرون،
فعاملهم بنقيض مقصودهم، وأماتهم الله
عن آخرهم، ثم تفضل عليهم، فأحیاهم، إما
بدعوة نبي، کما قاله کثیر من المفسرين، وإما
بغير ذلك، ولكن ذلك بفضله وإحسانه، وهو
لا يزال فضله على الناس، وذلك موجب
لشکرهم لنعم الله بالاعتراف بها وصرفها
في مرضاة الله، ومع ذلك فأكثر الناس قد
قصروا بواجب الشكر (٢).
وأخبر سبحانه وتعالى أنه لذو فضل على
خلقه؛ بتركه معاجلة من افترى عليه الكذب
بالعقوبة في الدنيا وإمهاله إياه، ولكن أکثر
الناس لا يشكرون الله على تفضله عليهم
بذلك.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ
يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَمَةُ إِنَّ
اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٦٠].
وأخبر سبحانه وتعالى أنه تفضل على
عباده بنعمة التوحيد والإيمان، ولكن أكثر
(٢) المصدر السابق ص ٩٥١.
٤٠٠
جَوَسُو ◌َرَ النَفسِير
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الشكر
الناس لا یشکرون.
قال يوسف عليه السلام: ﴿وَأَتَّبَعْتُ مِنَّةَ
ءَبَآءِىّ إِبْرَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآَ
أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا
وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾
[يوسف: ٣٨].
وأخبر سبحانه وتعالى أنه وحده هو الذي
جعل للناس الليل؛ ليسكنوا فيه، ويحققوا
راحتهم، والنهار مضيئًا؛ ليصرفوا فيه أمور
معاشهم، ولكن أكثرهم لا یشکرون.
اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ
قال سبحانه وتعالى:
لَكُمُ اَلَيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرَاً
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ إِلَّ هُوَ النَّاسِ لَا
يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١].
وذمه سبحانه وتعالى الأكثر غير الشاكر
دلالة على مدح الأقل الشاكر، الذين قال
مثنيًا عليهم: ﴿وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ
[سبأ: ١٣].
أي: قلنا ذلك لآل داود فعمل منهم قلیل،
ولم يعمل كثير، وكان سليمان من أول الفئة
القليلة، والشكور: الكثير الشكر. وإذا كان
العمل شكرًا أفاد أن العاملين قليل(١).
وهذا هو واقع البشر؛ لأن توفيقه الشكر
نعمة تستدعي شكرًا آخر لا نهاية له؛ ولذلك
قيل : الشكور من يرى عجزه عن الشكر(٢).
(١) التحرير والتنوير ٢٢/ ١٦٤.
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٤٤/٤.
فالشكر من العباد يكون («بقدر الطاقة
البشرية هو الواقع وقليل فاعله، وأما الشكر
الذي يناسب نعم الله فلا قدرة عليه، ولا
يكلف الله نفسًا إلا وسعها))(٣).
وقد سمع عمر بن الخطاب رضي الله
عنه رجلًا يقول: اللهم اجعلني من القليل،
فقال له عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل:
أردت قوله عز وجل: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ
الشّگُورُ ﴾، فقال عمر رضي الله عنه: «کل
الناس أعلم من عمر)» (٤).
ثالثًا: منفعة الشكر عائدة إلى العبد:
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا
يَشْكُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٤٠].
أي: ((ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن
کفر فإن ربي غني کریم، فکل متقرب إلى
الله بعمل صالح یجب أن یستحضر أن عمله
إنما هو لنفسه يرجو به ثواب الله ورضاه في
الآخرة، ويرجو دوام التفضل من الله عليه
في الدنيا، فالنفع حاصل له في الدارين (٥)؛
إذ صان نفسه عن كفران النعمة، وفعل ما هو
واجب عليه من شكر نعمة الله عليه)»(٦).
فالعبد عند شكره لربه «إنما هو محسن
إلی نفسه بالشكر، لا أنه مكافئ به لنعم الرب،
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٩٩/٢٥.
(٤) المحرر الوجيز ٤ /٤١٠.
(٥) التحرير والتنوير ٢٧٢/١٩.
(٦) المحرر الوجيز ٢٤١/٨.
www. modoee.com
٤٠١

حرف الشین
فالرب تعالى لا يستطيع أحد أن يكافئ نعمه
أبدًا ولا أقلها ولا أدنى نعمة من نعمه، فإنه
سبحانه وتعالى هو المنعم المتفضل الخالق
للشكر والشاكر وما يشكر عليه)»(١).
شكر المخلوق
الذي لا يشكر الناس لا يشكر الله،
فشكر الإنسان على ما قدم له من إحسان
سمت الصالحين، وعدم انتظار الشكر من
المحسن إليه صفة الأبرار المتقين:
أولًا: شكر المحسن:
من أحق الناس بالشكر الوالدان؛ ولذلك
قرن سبحانه وتعالى بين شكره وشكرهما
في کتابه.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِسَنَ
بِوَلِدَيْهِ حَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنَا عَلَى أَنْ وَفِصَلُهُ فِى
عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِىِ وَلِوَلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾
[لقمان: ١٤].
يقول سيد قطب رحمه الله: ((وتوصية
الولد بالوالدين تتكرر في القرآن الكريم،
وفي وصايا رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ولم ترد توصية الوالدين بالولد إلا
قليلا، ومعظمها في حالة الوأد، وهي حالة
خاصة في ظروف خاصة؛ ذلك أن الفطرة
تتكفل وحدها برعاية الوليد من والديه،
فالفطرة مدفوعة إلى رعاية الجيل الناشئ
لضمان امتداد الحياة، كما يريدها الله، وإن
الوالدين ليبذلان لوليدهما من أجسامهما
وأعصابهما وأعمارهما ومن كل ما يملكان
من عزیز وغال، في غير تأفف ولا شكوى،
بل في غير انتباه ولا شعور بما يبذلان! بل
(١) مدارج السالكين، ابن القيم ٢٥٢/٢.
جَوُو ◌َرُ النَّفِيَّة
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٤٠٢