النص المفهرس
صفحات 21-34
شعيب عليه السلام تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَآ أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولِ إِلَّا قَالُواْ سَلِعٌ أَوْ بَحْنُنُ (١) أَتَوَاصَوْ بِّ بَلَّ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ [الذاريات: ٥٢-٥٣]. ومن ذلك قول قوم شعيب له عليه السلام: ﴿قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ لَّمُ وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِن نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَذِبِينَ [الشعراء: ١٨٥ - ١٨٦]. وما كان من شعيب في الوقت نفسه إلا أن يقابل ذلك بالثبات على ما جاء به، والصبر على أذية قومه، وهذه سمة ظاهرة في حياة الأنبياء جميعا، وفي مقدمتهم أولو العزم من الرسل، وعلى رأسهم سيدنا النبي المصطفى صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين، فقد شاءت حكمة الله تعالى أن تكون هذه الحياة دار ابتلاء، وأن الكفر لم يزل يصارع الإيمان. قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ یُقَئِلُونَكُمْ حَتَّى يُرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَعُوا ﴾ [البقرة: ٢١٧]. فلم يكن شعيب عليه السلام بِذْعًا من الرسل في هذا، فلاقی من أذی قومه ما لاقی إخوانه الأنبياء عليهم السلام، وصبر كما صبروا. قال تعالى: ﴿﴾ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِ، لَنُخْرِجَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَتِنَاً قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَثِمِينَ ) قَدِ اقْتَرْنَا عَلَى اللّهِ گذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلِيكُم ٨٨ بَعْدَ إِذْ نَّنَا ◌َللَّهُ مِنْهَاً وَمَا يَكُونُ لَنَّا أَنْ تَّعُودَ فِيَهَا إِلَّ أَنْ يَشَآءُاللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلّ شَىْءٍ عِلَّمَأْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَلْنَاْ رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَنِينَ ﴾ [الأعراف: ٨٨-٨٩]. ويلاحظ هنا تفويض شعيب الأمر إلى الله، حيث قال: ﴿إِلَّ أَن يَشَآءُاللّهُ رَبُّنَا﴾، وفي هذا إشارة إلى أن الأمر كله لله، إنه ليس ثمة خلود إلى الرجاء، ولكنه المزج بينه وبين الخوف، ثم يعلن عن اعتماده على الله تعالى وحده، ﴿وَسِعَ رَيْنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَأْ عَلَى اُللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾، إنه التوكل الصادق، بعيدا عن العجب والغرور، إنه التعويل على فضل الله، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْتُهُ, مَا زَّكَ مِنكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًّاً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَّكِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]. هکذا کان شعیب علیه السلام وأتباعه، إنهم يعولون على فضل الله، غير متعلقين بشيء سواه. ثم ما كان من شعيب عليه السلام بعد أن استنفذ كل ما يمكنه من وسائل النصح إلا أن يتوجه إلى الله تعالى ويصدق في اللجوء إليه ، ويطلب الإغاثة منه بأن يفصل بينه وبین قومه الذين أصروا على العناد ، فقال: ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَيْحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]. وذلك بعد أن تبجح قومه فقالوا: ﴿لینِ أَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾، ثم زاد www. modoee.com ٣٣٣ حرف الشین تعنتهم وبالغوا في التكذيب والاستهزاء وصدقت في اتباعه، إلا أنهم كانوا قلة. قال تعالى على لسان شعيب: ﴿ وَإِنكَانَ حتى سألوا العذاب ، وقالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفَا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ١٨٧) [الشعراء: ١٨٧]. طَيِفَةٌ مِّنكُمْ ءَامَنُواْ بِأَلَّذِىّ أُرْسِلْتُ بِ. وَطَآئِفَةٌ لَمْيُؤْمِنُواْ فَأَصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ بَيْنَنَأْ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ ﴾ [الأعراف: ٨٧]. هنالك دعا شعيب عليه السلام ربه، فكان دعاء صادقا، اتسم بتفويض الأمر لله، ليقضي سبحانه وتعالى بما يشاء، وهذا ما وضحه بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ [الشعراء: ١٨٨]. ذلك هو دعاء شعيب، لم يعرف أنه دعا بنزول عذاب معين، بل ولا حتى نزول العذاب، ولكنه أحال الأمر إلى العزيز الحكيم، فكان فتحا مبينا ونصرا عظيما له ولمن آمن به، حيث قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دَارِهِمْ جَئِمِينَ آ أَلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَن ◌َّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَاَ اَلَّذِينَ كَذَّبُواْ [الأعراف: شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِنَ ٩١- ٩٢]. وهكذا ينتصر الله تعالى للصادقين من عباده، كما قال تعالى: ﴿فَأَنَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. كما سيأتي توضيحه في المبحث الرابع إن شاء الله تعالى. ومما ينبغي أن يذكر هنا: أن قوم شعيب علیه السلام لم یکونوا کلهم کذلك، بل إن منهم طائفة قد آمنت بشعيب عليه السلام، ثانيًا: الصد عن سبيل الله تعالى: لم يكتف قوم شعيب عليه السلام بالتكذيب والاستهزاء، إنما عمدوا إلى مسلك خبیث آخر، ألا وهو الصد عن سبيل الله تعالى، والوقوف بوجه كل من أراد الإيمان بشعيب واتباعه. قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْعُدُواْ بِكُلٍ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٦]. لقد كان من بغي قوم شعيب ومزيد تعنتھم أن لم یکتفوا بتكذیب نبيهم شعیب عليه السلام والإعراض عن قبول ما جاءهم به عن ربهم، ولم يكتفوا بالضلال الذي كانوا عليه، ولكنهم عمدوا إلى إضلال الآخرين، بل ومنعهم من الإيمان بشعيب عليه السلام، وتهديدهم بالقتل إن هم فعلوا ذلك، وهذا غاية الظلم ونهاية الإجرام، وحين علم شعيب بذلك نهاهم عن ذلك البغي بقوله: ﴿وَلَا نَفْعُدُواْ بِكُلِ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ ﴾ يعني : لا تجلسوا بكل طريق ٣٣٤ جوبيع القرآن الكريمِ شعيب عليه السلام -وهو الصراط- توعدون المؤمنين بالقتل. الثاني فهو مستفاد من قوله: ﴿وَتَصُدُّونَ قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا وكانوا، فیما ذکر، يقعدون على طريق من قصد شعيبًا وأراده ليؤمن به، فيتوعدونه ويخوفونه، ويقولون: إنه كذاب(١)! وذکر عدة آثار تدل على ذلك منها: حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة ﴿بِكُلٍ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ قال: كانوا يوعدون من أتى شعيبا وغشيه فأراد الإسلام (٢). وذكر ابن كثير أن شعيباً عليه السلام كان ينهاهم عن قطع الطريق الحسي والمعنوي، ﴿وَلَا نَفْعُدُواْ بِكُلٍ صِرَطٍ بقوله تُوعِدُونَ﴾، أي : تتوعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم، قال السدي وغيره: كانوا عشارين(٣). وعن ابن عباس ومجاهد وغير واحد ﴿ وَلَا نَفْعُدُواْ بِكُلٍّ صِرَّطٍ تُوعِدُونَ﴾: أي : تتوعدون المؤمنين الآتين إلى شعيب ليتبعوه. قال ابن كثير: والأول أظهر، لأنه قال: ـكُلّ صِرَاطٍ﴾ وهو الطريق، أما المعنى (١) انظر: جامع البيان ١٢ / ٥٥٦. (٢) انظر: المصدر السابق. (٣) قوله «عشارين»: جمع عشار، وهو الذي يأخذ العشر من أموال الناس، ويسمى الضريبة، وهي التي يأخذها الماكس بغير حق. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٣٤٩/٥،٢٣٨/٣. عِوَجًا﴾، أي: تصرفون من يريد الإيمان عن دين الله، وتودون أن تكون سبيل الله عوجا مائلة (٤). ثالثًا: همهم بإخراج شعيب عليه السلام ورجمه: لقد دعا شعيب قومه إلى أعدل خطة، ولقد وقف عند آخر نقطة لا يملك أن يتراجع وراءها خطوة، نقطة الانتظار والتريث والتعايش بغير أذى، وترك كلٍ وما اعتنق من دين، وهو ما جاء في قوله تعالَى: ﴿ وَإِنكَانَ طَآئِفَةٌ مِنكُمْ ءَامَنُواْ بِالَّذِىَ أُرْسِلْتُ بِ وَطَآئِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَاْ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ ﴾[الأعراف: ٨٧]. لكن الطواغيت لا يرضيهم أن يكون للإيمان في الأرض وجود ممثل في جماعة من الناس لا تدين الطاغوت (٥). لذا لم يكتفوا بما كانوا عليه من التكذيب والاستهزاء بنبي الله شعيب عليه السلام، وإنما هموا بأمر خطير، وارتكاب أمر قبيح، ألا وهو إخراج شعيب ومن آمن به من قريتهم، لا لشيء إلا أنهم لم يعبدوا الأصنام مثلهم، وهذا ديدن أهل الكبر والطغيان (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٣٧٠. وانظر: التفسير المنير ٢٩٣/٨. (٥) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٣١٨/٣. www. modoee.com ٣٣٥ حرف الشین متى ما غلبوا في البرهان وقامت عليهم الحجة عمدوا إلى مثل هذا ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ، لَنُخْرِجَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾، ذاك أن وجود جماعة مسلمة في الأرض، لا تدين إلا لله، ولا تعترف بسلطان إلا سلطانه، ولا تحكم في حياتها شرعًا إلا شرعه، ولا تتبع في حياتها منهجًا إلا منهجه، إن وجود جماعة مسلمة کهذه يهدد سلطان الطواغيت حتى لو انعزلت هذه الجماعة في نفسها، وتركت الطواغيت لحكم الله حين يأتي موعده(١). فتعجب شعيب من صنيعهم وسألهم: ﴿أَوَلَوْكُنَاكَرِهِينَ﴾ العود في ملتكم التي أنقذنا الله منها؟ فقالوا له: نعم، فقال: ﴿ قَدِ أَفْتَرَيْنَا عَلَ اللّهِكَذِبًا إِنْ هُدْنَا فِي مِلِيم﴾أي : قد اختلقنا علی الله کذبًا إن دخلنا في دینکم ﴿بَعْدَ إِذْ نَّنْنَا ◌َللَّهُ مِنْهَا﴾ أي : بعد أن أكرمنا الله تعالى بالإسلام، وأنقذنا من ملتكم، يقال: معناه ، كنا كاذبين مثلكم لو دخلنا في دینکم بعد إذ نجانا الله تعالى من ذلك(٢). وهذا هو إصرار الصادقين، وثبات الموقنين، وتمسكهم بالمبدأ الذي هم عليه حتى لو كلفهم ذلك التضحية بالنفس أو الوطن أو ما يملكون. (١) انظر: المصدر السابق. (٢) انظر: تفسير السمر قندي ١/ ٥٣٣. غير أن شعيبا عليه السلام وإن كان لا یشك في أنه کان على الحق، وخصومه على الباطل، إلا أنه فوض الأمر إلى الله تعالى، فقال: ﴿إِلَّ أَن يَشَآءُاللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَاكُلَّ شَىْءٍ عِلْمَأْ عَلَى اللّهِ تَوَكِلْنَا﴾. ثم إن قوم شعيب عليه السلام لم يكتفوا بهذا التهديد، وهو الإخراج من الأرض والإبعاد عن الوطن، إنما عمدوا إلى تهديد من نوع آخر هو أشد من هذا وأنکی، فبعد أن دعاهم إلى الاستغفار والتوبة، وذكرهم بعفو الله تعالى ورحمته ولطفه بهم إن تابوا وأنابوا ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ ﴾ [هود: ٩٠]. إِنَّ رَبِّ رَحِيمٌ وَدُودٌ ٢) إنه يدعوهم ويذكرهم برفق ولين، ویحاورهم بلطف وهدوء، ولكنهم يقابلون ذلك بصلف وعناد، بعد هذا الرفق واللطف عمدوا إلى التهديد فـ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَئِكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلًا رَهْظُكَ لَرَجَمْنَكٌ وَمَّا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيٍ ﴾ [هود: ٩١]. وقد تقدم بيان المراد بالضعف بأنه كان ضعيف الانتصار والقدرة، وأما الرهط فهو جماعة الرجل، والرجم إما أن يراد به الرجم بالحجارة وهو الظاهر، وإما أن يراد به السب، وسواء أريد هذا أم ذاك، فهم غير عابئين بشعيب عليه السلام، وهذا ما دلت عليه فاصلة الآية: ﴿وَمَّا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ ٣٣٦ ◌َةُ النَّفِيَّة جوية القرآن الكريم شعيب عليه السلام أي: لست بذي منعة وعزة ومنزلة في نفوسنا(١). ولكن الله تعالى الذي أرسل شعيبا قد تكفل بحفظه وحمايته، فلم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا مما هددوه به، حتى بلغ رسالة ربه على أتم وجه وأكمله. وبعد هذا التعنت من قوم شعيب ما كان منه عليه السلام إلا أن يخوفهم مغبة ما هم عليه من الصلف والعناد، فيقول لهم بأسلوبه الهادئ الذي اتسم به: ﴿وَيَقَوْمِ أَعْمَلُوا عَلَى مَكَانَئِكُمْ إِّ عَمِلُ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ وَأَرْتَقِبُواْ إِ مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴾ [هود: ٩٣]. فماذا كانت النتيجة؟ هذا ما نبينه في المبحث القادم إن شاء الله تعالى. عليه السلام] (١) انظر: المحرر الوجيز ٣٨٥/٧. عاقبة قوم شعيب عليه السلام أولًا: دعاء شعيب عليه السلام ربه عز وجل: الدعاء سلاح ماض، وهو يمثل حاجة العبد إلى مولاه، وشدة فاقته إلى عونه ونصرته، ولأهمية الدعاء أمر به ربنا تبارك وتعالى، ووعد بإجابة الداعي حيث قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِ اسْتَجِبٌلكم﴾، وفي الوقت نفسه حذر من ترك الدعاء، وأوعد من کان کذلك بالعقاب الأليم، لما فيه من الإعراض عن الله تعالى، وإظهار الاستغناء عنه جل وعلا، وذلك مخالف للحقيقة، ومجانب للواقع، فقال تعالى في تمام الآية السابقة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. والمراد بالعبادة هنا الدعاء، فقد أخرج [انظر: مدين: موقف قوم مدين من رسولهم ابن جرير من طريقه عن السدي، إن معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾ قال: عن دعائي، ومعنى: ﴿دَاخِرِينَ﴾ قال: صاغرين(٢). وبما أن الرسل عليهم السلام هم صفوة الخلق، وأعرفهم بربهم تبارك وتعالى، فقد كان الدعاء ديدنهم في الرخاء والشدة، وفي السر والعلن، ومن جملة الدعاء الذي كانت الرسل تقوله : الدعاء على أقوامهم، ولكن (٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره، ٢١/ ٤٠٨. www. modoee.com ٣٣٧ حرف الشین هذا السلاح ما كانوا يستعملونه إلا بعد جاء بعد ما حكى الله تعالى من قول قومه: ﴿ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَآءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (٣)﴾[الشعراء: ١٨٧]. أن يستنفذوا كل ما بوسعهم من النصح والإرشاد، والتحذير والإنذار، فيصدق فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ ))﴾ [غافر: ٥١]. وكذلك فعل شعيب عليه السلام، في دعائه على قومه، وقد ورد دعاء شعيب عليه السلام صراحة في قوله تعالى: ﴿رَبِّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَِّينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]. والملاحظ على دعاء شعيب عليه السلام أنه لم يصرح فيه بطلب نزول العذاب أو حلول سخط الله تعالى على قومه، بل اتسم بالتفويض والتوكل على الله جل في علاه، وقد ظهر هذا التفويض والتوكل على الله تعالی جليا أيضا فيما حكاه الله تعالى عنه من قوله: ﴿فَأَصْبِرُواْ حَتَّ يَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَنَأْ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]. ١٨٨) وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ( [الشعراء: ١٨٨]. والملاحظ أن الدعاء الصريح جاء بعد ذکر من آمن من قومه ومن كفر، وموضع التفويض الأول جاء بعد ما حكاه الله تعالی من قوله: ﴿عَلَى اَللَّهِ تَوَكَلْنَا﴾، والثاني(١) (١) يلاحظ أن قوله: ﴿فَأَصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ بَيْنَنَا﴾، وقوله: ﴿رَبَِّ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ وإن لم يكن بصيغة الدعاء المعروفة، إلا أنه يفيد وبهذا يتسم دعاء شعيب عليه السلام بصدق اللجوء إلى الله تعالى، وتفويض الأمر إليه وحده جل في علاه. ثم إنه لما فوض الأمر إلى ربه جل وعلا لیحکم بينه و بين قومه، ويقضي بالقضاء الفاصل، مع یقینه بأن الله تعالى عالم بما يعمل قومه، وما هم عليه من عبادة الأصنام، وفعل المنكرات، ومن أبشعها الصد عن سبيل الله جل في علاه، لما كان ذلك كذلك كان الجواب هو حكم الله العادل الذي لا يتخلف، وهو نصرة المظلومين وقمع الظالمين، فحل بقوم شعيب ما حل بمن سبقهم من الظالمين. ثانيًا : إهلاك قوم شعيب عليه السلام: بعد أن بلغ شعيب عليه السلام قومه ذلك؛ لما فيه من التفويض ورد الأمر لله، وذلك غاية الدعاء، ومما يؤيد هذا أن الله تعالى قد انتصر له والله تعالى أعلم. قال الألوسي رحمه الله تعالى في روح المعاني ٤١٥/١ عند قوله: ﴿فاصبروا حتى يَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾: خطاب للكفار ووعيد لهم، وقال ١١٨/١٠ عند قوله: ﴿رَبِ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: أي : هو تعالى أعلم بأعمالكم من الكفر والمعاصي، وبما تستوجبون عليها من العذاب، فسينزله عليكم حسبما تستوجبون في وقته المقدر له لا محالة. ٣٣٨ جوسين القرآن الكريم شعيب عليه السلام في تحذيرهم وتذكيرهم، وقال لهم على طريق الإشفاق عليهم والرفق بهم: ﴿وَيَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَافِىَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَلِحْ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنكُمٍ بَعِيدٍ ﴾﴾ [هود: ٨٩]. وبعد أن أصروا على التكذيب والبغي والعناد، حل بهم ما حذرهم منه، وتحققت سنة الله تعالى فيهم، فأصابهم الله تعالى بثلاثة أنواع من العذاب، وهي التي أخبرنا الله تعالى بها في كتابه الكريم، وهي قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دَارِهِمْ جَئِمِينَ ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُواْ سُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَأَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِرِينَ [الأعراف: ٩١- ٩٢]. ٩٢ وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ◌َّتْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ ل ◌َنْ لَمْ يَغْنَوْ فِيهَاْ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَ كَمَا بَعِدَتْ نَمُودُ (٥﴾ [هود: ٩٤ -٩٥]. وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوُهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابٌ يَوْمِ الْفُلَّةِ إِنَّهُ، كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (﴾ [الشعراء: ١٨٩]. وهذا التنوع في العذاب (الرجفة والصيحة والظلة)، كان أحد أسباب اختلاف المفسرین رحمهم الله تعالی في كون أهل مدين وأصحاب الأيكة أمة أو أمتين، كما رسالة ربه، وبذل جهده في نصحهم، واجتهد سبق بيانه، غير أن هذا التنوع لا يقتضي ذلك، إذ لا يمنع أن يتنوع العذاب على أمة واحدة، ولا مانع أن یکون کل ذلك في آن واحد. وقد أثار الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالی سؤالا وأجاب عنه فقال: فإن قيل: الهلاك الذي أصاب قوم شعيبٍ ذكر تعالى في الأعراف أنه رجفةٌ، وذكر في هودٍ أنه صيحةٌ، وذكر في الشعراء أنه عذاب يوم الظلة. فالجواب: ما قاله ابن كثير رحمه الله في تفسيره قال: وقد اجتمع عليهم ذلك كله أصابهم عذاب يوم الظلة ، وهي سحابةٌ أظلتهم فيها شررٌ من نارٍ ولهبٍ ووهجٍ عظيمٍ، ثم جاءتهم صيحةٌ من السماء، ورجفةٌ من الأرض شديدةٌ من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام(١). وأما ابن عاشور رحمه الله تعالى فقد فصل هذه الأنواع من العذاب حيث قال: ((الرجفة التي أصابت أهل مدين هي صواعق خرجت من ظلة وهي السحابة، قال تعالى في سورة الشعراء: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾. وقد عبر عن الرجفة في سورة هود بالصيحة، فتعين أن تكون من نوع الأصوات المنشقة عن قالع ومقلوع، لا قارع ومقروع (١) انظر: أضواء البيان ٣٦/٢. www. modoee.com ٣٣٩ حرف الشین وهو الزلزال، والأظهر أن يكون أصابهم زلزال وصواعق، فتكون الرجفة الزلزال، والصيحة الصاعقة، كما يدل عليه: ﴿كَأَن ◌َّمْ يَغْنَوَ فِيهَاَ﴾))(١). وهذا توجيه حسن، ومنه نعلم أن أصحاب الأيكة هم أهل مدين كما تقدم، وإلى مثله ذهب الدكتور عبد الكريم زيدان حيث قال: فاستحقوا بكفرهم وإصرارهم الهلاك، وكان هلاكهم بأنواع العذاب: بالصيحة، وبالرجفة، وبعذاب يوم الظلة، واستشهد بالآيات الكريمة ، ثم قال: وهكذا اجتمع عليهم ذلك كله: أصابهم عذاب يوم الظلة وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت أرواحهم وخمدت أجسامهم(٢). وبهذا العذاب المدمر يكون قوم شعيب قد باءوا بالخسران الذي وصموا به شعیب عليه السلام ومن آمن معه إذ قالوا ما حكاه الله تعالى عنهم: ﴿وَقَالَ لَمْلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَيْنِ أَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ [الأعراف: ٩٠]. قال الله تعالى بعدها ردا عليهم: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ سُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَضْنَوْاْ فِيهَاَ اَلَّذِينَ كَذَّبُواْ (١) التحرير والتنوير ١٣/٩. (٢) انظر: المستفاد ٢٤٧/١. ١٢# [الأعراف: شُعَيْبَا كَانُواْ هُمُ الْخَسِرِينَ ٩٢]. ويلاحظ أن الله تعالى كرر قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا﴾، وذلك لتعظيم المذلة لهم وتفظيع ما يستحقون من الجزاء على جهلهم، وأيضا فإنهم لما قالوا: ﴿لَيْنِ آَتَّبَعْتُمْ شُعَيِّبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾، بَيَنَ تعالى أن الذين لم يتبعوه وخالفوه هم الخاسرون(٣). ثالثًا: عدم تأسف شعيب على هلاك قومه: بعد أن رأى شعيب عليه السلام ما حل بقومه، وما أصابهم من نقمة ربه تبارك وتعالى، لم یکترث بما نزل بهم، ولم يأسف عليهم، بل أعرض عنهم وتركهم ماضيا في سبيله ،وهو يقول ما حكاه الله تعالى عنه: ﴿فَنَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغَنُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَنَصَحْتُ لَكُمّ فَكَيْفَ ءَاسَى عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ ﴾ [الأعراف: ٩٣]. وهذه الآية لها دلالات عظيمة: منها: أن شعيبًا عليه السلام قد أقام الحجة على قومه بتبليغ رسالة ربه، وأنه قد نصح لهم، وصبر على أذاهم وسخريتهم، وهذا النصح شأن کل رسول، فهو لابد أن یکون مبلغا فصيحا ناصحا عالما بالله لا يدركه أحد من خلق الله في هذه الصفات، ولذا (٣) انظر: مفاتيح الغيب ١٤ / ١٩٠. ٣٤٠ جوب القرآن الكريم شعيب عليه السلام فإن نبينا صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه عليه السلام إذ يقول: ﴿فَتَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْنُكُمْ رِسَلَتِ رَّ وَنَصَحْتُ لَكُمَّ تَكَيْفَ ءَسَى عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ ٩٣ [الأعراف: ٩٣]. يوم عرفة، وهم أوفر ما کانوا وأكثر جمعًا: (أيها الناس، إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟) قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها عليهم، ويقول: (اللهم اشهد، اللهم اشهد)(١). وفي قوله: ﴿رِسَلَتِ رَنٍ﴾ بالجمع لإفادة التجدد؛ لأن کل تبلیغ یتضمن رسالة بما بلغه(٢)، أو المراد ما أوحي إلي في الأوقات المتطاولة أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي والمواعظ والزواجر والبشائر والنذائر، ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء من قبله(٣). ومن ذلك: أنه لا ينبغي التأسف على هلاك الظالمين، لأنهم جراثيم تنخر في قلب المجتمع وتهدد استقراره، لا يصح المجتمع ولا يصلح إلا باجتثاثھم، ولنتأمل موقع الحمد بعد هلاك الظالمين في قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ [الأنعام: ٤٥]. فما أجمل ما حكاه الله تعالى عن شعیب (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم ١٢١٨. وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٥٧/٢. (٢) انظر: التحرير والتنوير ٨/ ١٩٣. (٣) انظر: الكشاف ٨٦/٢. وعدم الأسى عليهم بعد الإعذار بالنصح لهم، سمة بارزة من سمات المرسلين عليهم الصلاة والسلام، وقد قال الله تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَتِهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَكَ إِلَّا الْبَغُ﴾ [الشورى: ٤٨]. فليس من مهماتهم نتائج ذلك التبليغ، ولذا فهم بعد أن يؤدوا ما عليهم لا يتأسفون على ما حل بأقوامهم من العذاب والنكال، وهكذا كان شعيب مع قومه ، قال تعالى: ﴿فَنَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغَنُكُمْ يِسَلَتِ رَّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءَاسَى عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ ﴾ [الأعراف: ٩٣ وهكذا ينبغي أن يكون الدعاة، سائرين إلی الله علی هدي النبوة، يدعون إلى الله على بصيرة، محاسبين أنفسهم على ذلك، هل أدوا النصح كما ينبغي؟ غير ناظرين إلى نتائج ما تسفر عنه تلك الدعوة، إذ الأمر لله من قبل ومن بعد ﴿وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]. كما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ www. modoee.com ٣٤١ حرف الشین [القصص: ٥٦]. وقال له أيضا في الموضوع ذاته: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. ومعنى ﴿لَا تَهْدِى﴾: أي : لا تزرع الهداية في القلوب، ولا توصل إلى الإيمان المطلوب، ومعنى ﴿الَتَهْدِىّ﴾: أي: لتدل وترشد وتوضح الطريق، وبذلك يجمع ما بين الآيتين، ويزول ما قد يوهم التعارض بینھما. [انظر: مدين: عاقبة قوم مدين] الدروس المستفادة من قصة شعيب وسنركز في هذا المبحث على طرف من تلك الفوائد والدرر التي اشتملت عليها هذه القصة المباركة، مراعين في ذلك ما تمس الحاجة إليه، لاسيما ما يحتاج إليه الدعاة والمرشدون ورجال التربية في أيامنا هذه، مما ينعكس على الأمة أمنا وسلاما ومحبة ووئاما، وذلك في نقاط معدودة على النحو الآتي: ١. أن التوحيد وتصحيح العقيدة أساس دعوة الأنبياء جميعا عليهم الصلاة والسلام، غير أن ذلك ليس بمعزل عن واقع الحياة، ولذا فإن شعيبا عليه السلام لم يقتصر على دعوتهم إلى التوحيد فحسب، بل أمرهم بإيفاء الكيل والوزن، وذلك لتنظيم الجانب الاجتماعي والاقتصادي في حياة الناس، والعدول عن النظام الاقتصادي القائم على الظلم والجشع، فينبغي على الدعاة والمصلحين مراعاة ذلك والاهتمام به. ٢. يعد البيان الناصع، وجودة التعبير، وحسن المنطق، وجزالة الأسلوب، وأدب الحوار، من الأمور الهامة للدعاة إلى الله تعالى، لما في ذلك من أثر فاعل في إيصال كلمة الحق إلى الناس ٣٤٢ جوبي قَضوري القرآن الكريمِ شعيب عليه السلام بأحسن طريق، كما قال تعالى على لسان شعيب عليه السلام: ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بِنَةٍ مِّن رَّبِ وَرَزَقَنِىِ مِنْهُ رِزْقًا حَسَنَّأْ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَنَكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ ﴾ [هود: ٨٨]. وبـ مراجعة قومه سمي خطيب الأنبياء عليه وعلهم الصلاة والسلام. ٣. لقد كان الحرص على هداية الناس، وإيصالهم إلى الصراط المستقيم، وإصلاح أمورهم، واستقامة أحوالهم، من أهم مهمات الرسل عليهم الصلاة والسلام، وينبغي أن يتأسى بهم الدعاة المصلحون في كل عصر ومصر، وهكذا كان شعيب عليه السلام: ﴿إنّ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨]. ٤. أن قليل الحلال خير وأعظم بركة من كثير الحرام ، دل على هذا قوله تعالى: ﴿َقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [هود: ٨٦]. فكم جر الحرام على أصحابه من نكبات وويلات، وكم من دراهم قليلة من الحرام، أکلت کثیراً من دراهم الحلال !! ومن يقف على بعض دواعي الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم هذه الأيام يدرك سر ذلك. ٥. يعد نصح شعيب عليه السلام لقومه الدرس الأول في الاقتصاد التطبيقي من ناحية الوزن والكيل، الذي يؤثر في حياة الناس اليومية، وتعاملهم الاقتصادي والمالي والتجاري في مختلف المجالات التي تحتاج إلى إيفاء من الكيل والميزان، كي تستقيم المعاملات بين الناس(١). ٦. للصلاة أثر كبير في تغيير سلوك الإنسان إلى الأحسن، قال تعالى: ﴿إِنَ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقد أدرك قوم شعيب ذلك ، ولذا فقد: ﴿قَالُواْ يَتَشُّعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَّا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَؤُا﴾ [هود: ٨٧]. حيث لاحظوا أن تأثير الصلاة على شعيب وأتباعه قد غيرت أوضاعهم، وأدت إلى التحرر من عبادة غير الله، وترك الغش في المكاييل والأوزان، فكان أن تهكموا عليه بهذا القول، ؛لأنهم في قرارة أنفسهم لا يريدون تغيير ما هم فيه (٢). ٧. (الشيء) في قوله تعالى: ﴿وَلَا (١) انظر: المنهج الاقتصادي في المكاييل والموازين لنبي الله شعيب عليه السلام ص ٢٠-٢١. (٢) انظر: مع الأنبياء في القرآن الكريم ص ٢٠٧. www. modoee.com ٣٤٣ حرف الشین تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾[هود: ٨٥] يشمل الأنواع الحسية من كافة معاملات الناس التي تندرج تحت اسم المكاييل والأوزان، كما يشمل المعاني المعنوية من احترام الناس وتقديرهم حسب فضلهم ومعطياتهم وتضحياتهم للمجتمع، أو هضم حقوقهم المعنوية ، كالعلوم والمعرفة والمهارة بالصنائع بعدم الاعتراف بها، وعدم تنزيلهم المنزلة التي يستحقونها بموجبها (١). ٨. الهدف من تأكيد الوجوب بالإيفاء بالمكيال والميزان في المعاملات التجارية هو إقرار العدل حتى لا ينتشر الفساد ، وتعم الفوضى في البلاد، وتصل الأمور إلى الهاوية، ولذا فقد حذر شعيب عليه السلام قومه من الإفساد في الأرض والغش(٢). ٩. ينبغي الترفع عن مقابلة السفهاء بمثل سفاهتهم ، نلاحظ ذلك في الفرق الكبير بين خطاب قوم شعيب عليه السلام ورده عليهم، فتأمل حلمه وصبره ورده عليهم بعد طلبهم العذاب: ﴿قَالَ رَبِّ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الشعراء: ١٨٨]. ١٨٨ ١٠. ذكر شعيب عليه السلام قومه بأنعم (١) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٥٢٥/٨، محاسن التأويل، القاسمي ٧/ ٢٠٧. (٢) انظر: أحسن القصص ص ٨٩. الله عليهم ، فقال لهم : واذكروا إذ کنتم قليلا في عددکم، فکثر کم بالنسل والتوالد حتى صار عددكم كبيرا، وفي هذا إشارة إلى أن الكثرة نعمة عظمية لما فيها من المهابة والعزة والقوة (٣). ١١. الإيمان الصادق لا يزيد أصحابه إلا قوة وإصرارا على الحق ، وكذلك کان شعیب علیه السلام والذين آمنوا معه، وبه عرف الصادقون في كل زمان ومكان، على مر العصور وتعاقب الدهور. ١٢. من أهم ما يجب على الدعاة: أن يتحلوا بما يدعون إليه من الأخلاق والآداب، ويتصفوا بذلك، وهذا ما أعلن عنه شعيب عليه السلام بقوله: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْأُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَمُكُمْ عَنْهُ﴾، وهو أمر لا بد منه لحصول النفع للمدعو، والنجاة للداعي. ١٣. المسلم يتوكل على الله تعالى في كل شؤونه وأحواله، ويستعين به، ويصبر لأمره، ويدعو الله أن يثبته وينصره (٤). ١٤. إن النجاة في الصدق، وإن مآل الكاذب الفضيحة، وعاقبته وخيمة، وللتنبه على هذه الحقيقة قال شعيب (٣) التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم ٣/ ٦٠. (٤) المصدر السابق ٣/ ٦١. ٣٤٤ فَضْو القرآن الكريمِ شعيب عليه السلام لقومه ما حكاه الله تعالى عنه: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴾ [هود: ٩٣]. ١٥. الصد عن سبيل الله ظلم سافر، وخلل في الفكر لا يقل ضرره عن الخلل الاقتصادي، ولذا فإن شعيبا قد حذر قومه من عاقبة ذلك ﴿ وَلَا نَفْعُدُواْ بِكُلِ صِرَطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٦]. وقد شاهدنا في أيامنا هذه عاقبة أمثال هؤلاء سواء كانوا من أبناء جلدتنا أم من غيرنا. ١٦. مراعاة جناب الله تعالى أولى من كل شيء، وقد نبه شعيب عليه السلام قومه: ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَهْطِى أَعَزّ عَلَيَّكُمْ مِّنَ اللَّهِ ﴾ أي : أتتركوني لأجل عشيرتي ولا تتركوني ولا تؤذونني ؛إعظاما لجناب الله تبارك وتعالى الذي أرسلني إلیکم لتبلیغکم رسالته؟(١) ١٧. الدعاء سلاح ماض ، وقد استعمله الرسل عليهم السلام ، ولكن بعد أن استنفذوا كل ما بوسعهم من النصح والإرشاد، فصدق فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى (١) انظر: المستفاد ٢٤٦/١. اٌلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ ٥١ [غافر: ٥١]. وكذلك فعل شعيب عليه السلام، فقد دعا على قومه، ولکنه دعاء اتسم بالتفويض والتوكل على الله جل في علاه ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوَمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِينَ ﴾ [الأعراف: ٨٩]. فكان دعاءً متميزًا، لم يظهر فيه طلب نزول العذاب أو استعجاله. ١٨. لقد تحققت سنة الله في قوم شعيب عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ جَثِمِينَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَاَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِرِينَ ﴾[الأعراف: ٩١-٩٢] ١٩. ينبغي عدم التأسف على هلاك الظالمين ، لأنهم معاول هدم في المجتمع تهدد أمنه واستقراره، لا يصح المجتمع ولا يصلح مع استمرار فسادهم وبغيهم، ولنتأمل موقع الحمد بعد هلاك الظالمين في قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ اٌلْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ [الأنعام: ٤٥]. فما رَبِّ الْعَلَمِينَ (٦)﴾ أجمل ما حكاه الله تعالى عن شعيب عليه السلام إذ يقول: ﴿فَلَوَلَ عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْنُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءَاسَى عَلَى قَوْمٍ www. modoee.com ٣٤٥ حرف الشين كَفرين ﴾ [الأعراف: ٩٣]. موضوعات ذات صلة: إبراهيم عليه السلام، صالح عليه السلام، موسى عليه السلام، هود عليه السلام، النبوة، نوح عليه السلام ٣٤٦ قَضوري جوبيع القرآن الكريمِ