النص المفهرس
صفحات 41-53
الشرب فالملاحظ أن قوله: ﴿مَنیاً﴾ قد جمع الحروف، فمعنی ﴿یَشْرَبُبِهَا﴾ أي : یشرب منها (٣)، ومنهم من ذهب إلى التضمين (٤)، فضمن ﴿یَشْرَبُّبِهَا﴾ أي: یروی(٥). والأولى أن یکون معنی ﴿یَشْرَبُبِهَا﴾ أي: يتلذذون بها؛ لأن أهل الجنة لا يظمؤون، وإنما ينشدون من الشرب المسرة، ويطلبون اللذة والاستمتاع. والله أعلم. كل أنواع اللذة والفرح والسرور والبهجة والحبور لأهل الجنة، وفوق ذلك أن هذا الطعام والشراب فيه تكريم لأهل الجنة ، فينادون هذا النداء العلوي ، ويقال لهم: ﴿كُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَتَأُ بِمَاكُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وهذا بذاته لذة ومتعة ونعیم یفوق کل نعیم. ٢. شراب لذيذ. من أوصاف شراب أهل الجنة أنه لذيذ، وقد جاء هذا في وصف خمر الجنة، فقال ربنا: ﴿بَيْضَّةَ لَذَّةٍ لِلشَّرِيِينَ﴾ [الصافات: ٦ ﴿وَأَنْهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلِشَّرِينَ﴾ وقال: [محمد: ١٥]. أي: ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل هي حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل(١). وقال: ﴿لَّذَّةٍ لِلشَّرِبِنَ﴾ لأن اللذة تختلف باختلاف الأشخاص، فرب طعام یلتذ به شخص ویعافه الآخر، فقال: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ﴾ بأسرهم، ولأن الخمر كريهة الطعم، فقال: ﴿لَذَّةِ﴾ أي: لا يكون في خمر الآخرة كراهة الطعم (٢). وقد جاء وصف اللذة أيضًا مضمنًا في قوله: ﴿عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾﴾ [الإنسان: ٦]. فمن المفسرين من ذهب إلى تناوب (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٣/٧. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨/ ٤٦. (٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٧٠/٥. (٤) التضمين: أن يدل بكلمة واحدة على معنى كلمتين. أو إعطاء الشيء معنى الشيء. انظر: الإتقان للسيوطي ١٣٦/٣. (٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٠١٢٦/١٩ www. modoee.com ٢٠٧ حرف الشین مشروبات أهل النار وصفة شربها النار دار العقاب التي أعدها الله للكفار والعصاة، وقد أعد فيها من العذاب أنواعًا، ومن أنواع العذاب في جهنم شراب أهل النار، وقد ذكر القرآن أنواعًا من شراب أهل النار، ووصف شربهم، وفيما يأتي بيان ذلك. أولًا: مشروبات أهل النار: ذكر القرآن عددًا من أشربة أهل النار، منها: ١. الحميم. وقد ذكره القرآن في عدة آيات، منها: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٠]. وقوله: ﴿فَلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن ثَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١ يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِي بُطُوِهِمْ وَلْجُلُودُ ﴾ [الحج: ١٩- ٢٠]. وقوله: ﴿وَسُقُوا مَآءُ حَمِيعًا فَقَطَّعَ أَمْعَلَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]. والحميم هو الماء الحار، الشديد الحرارة والغليان. فأهل النار يسلط عليهم من الجوع ما يضطرهم إلى أكل الزقوم(١) (١) الزقوم: الزاء والقاف والميم أصيل يدل على جنس من الأكل، والزقوم طعام أهل النار. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٦/٣، جامع البيان، الطبري ٤٣/٢٢. الذي هو كالمهل، فإذا ملؤوا منه البطون يسلط عليهم من العطش ما يضطرهم إلى شرب الحميم(٢). وهذا الحميم قد وصفه الله بعدة أوصاف، وهي: يصهر البطون والجلود. قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن ثَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١) يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِي بُطُوِهِمْ وَاَلْجُلُودُ ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٠]. أي: يذيب ما في بطونهم، ويشوي جلودهم. قال ابن عباس: تسيل أمعاؤهم وتتناثر جلودهم. وقال أيضًا: يمشون وأمعاؤهم تتساقط وجلودهم، وقال: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها، والجلود مع البطون(٣). فهذا الحميم من شدته له أثر على ظاهر أهل النار وباطنهم. يقطع الأمعاء. قال تعالى: ﴿وَسُقُواْ مَآءُ حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَلَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]. فهذا الماء الحار يقطع أمعاءهم، أي : مصارینهم، فتخرج من أدبارهم لفرط حرارته (٤). ٢. الصدید. قال تعالى: ﴿مِّن وَرَآبِهِ- جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّآءِ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥ -١٦]. فالآيتان تخبرنا أن جهنم تنتظر هذا (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤٦٤/٤. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٩٧/١٦، فتح البیان، القنوجي ٢٩/٩. (٤) انظر: فتح البيان، القنوجي ١٣/ ٦٢. مَوَسُولَة النفسية القرآن الكريمِ ٢٠٨ الشرب الجبار العنيد، وتترصد له، وتتبعه حيث كان، بحيث لا يستطيع الفرار منها، أو الهرب عنها، ويلقى فيها من الأهوال ألوانًا وأشكالًا، ومن هذه الأهوال أنه يسقى من ماء مخصوص ليس كالمياه المعهودة، هو الصديد وهو ما يسيل من جلود أهل النار ولحومهم، وهو دم مختلط بقیح، یسیل من جلد الكافر ولحمه. وقال مجاهد: هو القیح والدم(١). وقال محمد بن كعب القرظي: هو ما يسيل من فروج الزناة يسقاه الكافر (٢). واشتقاقه من الصد، لأنه يصد الناظرين عن رؤيته (٣). وجعل الصديد ماء على التشبيه البليغ في الإسقاء؛ لأن شأن الماء أن يسقى. والمعنى: ويسقى صديدًا عوض الماء إن طلب الإسقاء (٤). ٣. المهل. قال تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]. ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ ) وقال: طَعَامُ اْأَثِ كَالْمُهْلِ يَغْلِ فِي الْبُعُونِ ﴾ (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣ / ٦١٨. (٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣٤١/٤. (٣) انظر: فتح البيان، القنوجي ٩٧/٧، التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ١٦١/٧، التفسير الوسيط، طنطاوي ٧/ ٥٣٧. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١١/١٣. [الدخان: ٤٣ -٤٥]. والمهل فيه أقوال: قال ابن عباس وابن مسعود: کل شيء أذبته من ذهب أو نحاس أو فضة فهو المهل(٥). وقال مجاهد: إنه الصديد والقيح. وقال سعيد بن جبير: إنه ضرب من القطران. قال ابن عباس وابن عمر: المهل ماء غليظ مثل دردي الزيت وعکره(٦). وقال الضحاك: ماء أسود، وإن جهنم السوداء، وماؤها أسود، وشجرها أسود، وأهلها سود(٧). قال الحسن: كان ابن مسعود على بيت المال لعمر بالكوفة، فأذاب يوما فضة مكسرة، فلما انماعت، قال: يدخل من بالباب، فدخلوا، فقال لهم: هذا أشبه ما رأينا في الدنيا بالمهل. قال مجاهد: ولو وقعت منها قطرة في الأرض لأفسدت على أهل الأرض معايشهم(٨). وقد ذكر القرطبي أن هذه الأقوال صحيحة ومرادة في معنى الآية (٩). (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ٥٥ - ٥٦. (٦) انظر: المصدر السابق ٢١/ ٥٧. (٧) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ١٦٧/٦. (٨) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٦/٢١، المحرر الوجيز، ابن عطية ٧٦/٥، مفاتيح الغيب، الرازي ٤٦٠/٢١، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ٣٩٤. (٩) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ٣٩٤. www. modoee.com ٢٠٩ حرف الشین واستغاثتهم يحتمل أن تكون لأنهم إذا طلبوا ماء للشرب فيعطون هذا المهل، ويحتمل أن يستغيثوا من حر جهنم فيطلبوا ماء یصبونه على أنفسهم للتبريد فیعطون هذا الماء (١). وقوله: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ لأن المقصود بشرب الشراب تسكين الحرارة، وهذا يبلغ في احتراق الأجسام مبلغًا عظيمًا(٢). وقد ذكر الله لهذا المهل في القرآن أو صافًا، وهي: یشوي الوجوه. قال تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءِ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ فأهل النار حين يستغيثون من الظمأ لاحتراق أفئدتھم یغاثوا بماء کالمهل يشوي وجوهم ویذيبها من فرط حرارته. يغلي في البطون. قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ (@) طَعَامُ الْأَثِ ﴿ كَالْمُهْلِ يَغْلِ فِ اَلْبُعُونِ ﴾ [الدخان: ٤٣ -٤٥]. والمعنى أن هذه الشجرة إذا طعمها الكافر في جهنم، صارت في جوفه تفعل كما يفعل المهل السخن من الإحراق والإفساد. ٤ . الغساق. قال تعالى: ﴿هَذَا فَلْذُ وقُوهُ حَمِيعٌ وَغَسَّاقٌ﴾ (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٤٦٠. (٢) المصدر السابق ٢١ / ٤٦٠. (٣) [ص: ٥٧]. قال ابن عباس: غساق: الزمهرير ". قال محمد بن كعب: هو عصارة أهل النار. وقال السدي: الغساق الذي يسيل من دموع أهل النار يسقونه مع الحميم، وكذا قال ابن زيد (٤). وقال مجاهد ومقاتل: هو الثلج البارد الذي قد انتهی برده(٥). قال الربيع بن أنس: الغساق: هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعھم وجروحھم، فهو بارد لا يستطاع من برده، ولا یواجه من نتنه(٦). وقال: ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيَهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا() إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤-٢٥]. أي: لا یذقون في جھنم بردًا ییرد حر السعیر عنهم إلا الغساق، ولا شرابًا یرویھم من شدة العطش إلا الحمیم، فهم لا يذوقون مع شدة الحر ما يكون فيه راحة من ريح باردة، أو ظل يمنع من نار، ولا يجدون شرابًا فيسكن عطشهم، ويزيل الحرقة من بواطنهم، ولكن يجدون الماء الحار المغلي، وما يسيل من جلودهم من الصديد والقيح والعرق، وسائر الرطوبات المستقذرة. (٣) معالم التنزيل، البغوي ٧/ ٩٩. (٤) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ١٢٧. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢٩/٢٠، معالم التنزيل، البغوي ٧ / ٩٩. (٦) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٧/٨. ٢١٠ مَسُو ◌َ الـ القرآن الكريمِ الشرب والخلاصة: إنهم لا يذوقون فيها شرابًا معه حيث وقف القرآن. إلا الحميم البالغ الغاية في السخونة، أو الصديد المنتن، ولا بردًا إلا الماء الحار المغلي(١). يقول سيد قطب: ((﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيَهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ ثم يستثني فإذا الاستثناء أمر وأدهى: ﴿إِلََّ حِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ إلا الماء الساخن يشوي الحلوق والبطون. فهذا هو البرد! وإلا الغساق الذي يغسق من أجساد المحروقين ويسيل. فهذا هو الشراب!))(٢). ٥. شراب من عين آنية. قال تعالى: ﴿تَصْلَ نَارًا حَامِيَّةً ( تُشْقَى مِنْ عَيْنِءَانِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٤ -٥]. أي: متناهية في الحر، والآني الذي قد انتهى حره، من الإيناء بمعنى التأخر، يقال: آناه یؤنیه إیناء، أي : أخره وحبسه(٣). والمعنى: إن أهل النار إذا عطشوا في تلك الدار وطلبوا ما يطفئ غلتهم، جيء لهم بشراب من هذه العين الآنية، بلغ من الحرارة غايتها، فهو لا يطفئ لهبًا، ولا ينقع غلة (٤). والقرآن لم يحدد نوع الشراب الذي يسقاه أهل النار من العين الآنية، فقد يكون ماء حمیمًا، وقد یکون صدیدًا، أو مھلًا، أو غير ذلك، وهذا من الأمور الغيبية ، فنقف (١) تفسير المراغي ١٣/٣٠. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٨٠٧/٦. (٣) فتح البيان، القنوجي ٢٠١/١٥. (٤) تفسير المراغي ١٣٢/٣٠. والآيات السابقة تبرز هداياتها في بيان شراب أهل النار وأوصافه؛ تفظيعًا لحالهم، وبيانًا لما هم فيه من شدة العذاب، وأن سبب دخولهم النار هو كفرهم برب العباد، كما تشير إلى تحذير الخلق من هذا المصير والجزاء. ثانيًا: صفة شرب أهل النار: وصف الله شرب أهل النار بوصفين، هما: ١. شرب الهيم. قال تعالى: ﴿ثُمَّإِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ الَكُونَ مِن شَجَرٍ مِّنِ زَقُومٍ فَالِقُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ اَلْسِيمِ ) فَشَرِبُونَ شُرْبَ الهِمِ ٥٣ هَذَا نُزُلُمْ يَوْمَ الدِّينِ ﴾ [الواقعة: ٥١-٥٦]. 80 فالآيات تخبرنا أن أهل النار بعد أكلهم شاربون بعد ذلك من ماء حار لغلبة العطش علیکم، ولکنه شرب لا یشفی الغلیل، ومن ثم تشربون ولا ترتوون(٥)، وشربكم لا یکون شربکم شربًا معتادًا بل شرب الهیم. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك: هو جمع أهيم، وهو الجمل الذي أصابه الهيام، بضم الهاء، وهو داء معطش يشرب معه الجمل حتى يموت أو یسقم سقمًا شديدًا. (٥) تفسير المراغي ١٤٣/٢٧. www. modoee.com ٢١١ حرف الشین وقال قوم آخرون: هو جمع هائم وهائمة، وهذا أيضًا من هذا المعنى؛ لأن الجمل إذا أصابه ذلك الداء هام على وجهه وذهب، وقال سفيان الثوري وابن عباس: الهيم هنا الرمال التي لا تروى من الماء، وذلك أن الهيام بفتح الهاء هو الرمل الدق الغمر المتراكم (١). أي: إن هذا الشراب الجهنمي يقبل عليه الذين أكلوا من هذا الطعام الزقومي، يقبلون عليه في سعار مجنون، أشبه بالإبل الهیم، أي : العطاش، التي حبست عن الماء أيامًا، فإذا وردت عليه عبت منه في نهم شديد، لتنقع غلتها، وتروي ظمأها. لھیب، أشد من هذا الحميم، فهم يستشفون من داء بداء، ويستجیرون من بلاء ببلاء، ويطفئون النار بالنار! (٢). وإعادة فعل (شاربون) لتأكيد تلك الدِّينِ﴾ وفيه مبالغة بديعة؛ لأن النزل ما يعد الصورة الفظيعة (٣). ﴿فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ لَلْسِيمِ﴾ عطف على ﴿لَكِلُونَ﴾ لإفادة تعقيب أكل الزقوم بشرب الهيم دون فترة ولا استراحة (٤). (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٤٧/٥. (٢) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ٠٧٢٢/١٤ (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣١٠/٢٧. (٤) المصدر السابق. وإعادة ﴿فَشَرِئُونَ﴾ توكيد لفظي لنظيره، وفائدة هذا التوكيد زيادة تقرير ما في هذا الشرب من الأعجوبة ، وهي أنه مع كراهته يزدادون منه كما ترى الأهيم، فيزيدهم تقطيعًا لأمعائهم لإفادة التعجيب من حالهم تعجيبًا ثانيا بعد الأول، فإن كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه من تناهي الحرارة أمر عجيب، وشربهم له کما تشرب الإبل الهيم في الإكثار أمر عجيب أيضًا، فكانتا صفتين مختلفتين (٥). وقوله: ﴿فَشَرِبُونَ شُرَّبَ اَلِيمِ﴾ بيان لزيادة العذاب، أي : لا يكون أمركم أمر من شرب ماء حارًا منتنا فيمسك عنه، بل وفي إقبال أهل هذا الطعام على هذا يلزمكم أن تشربوا منه مثل ما تشرب الهيم، الشراب - إشارة إلى أن ما في بطونهم من وهي الجمال التي أصابها العطش ، فتشرب ولا تروى، وهذا البيان في الشرب لزيادة العذاب (٦). وهذا العذاب وهذا الشراب ثم يوم للقادم عاجلا إذا نزل، ثم يؤتى بعده بما هو المقصود من أنواع الكرامة، فلما جعل هذا، مع أنه أمر مھول، کالنزل، دل على أن ما بعده لا یمکن لبشر تصوره(٧). (٥) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤٦٤/٤، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣١٠/٢٧، التفسير الوسيط، طنطاوي ١٤/ ١٧٣. (٦) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٤١٤. (٧) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٩/ ١٢٥. مَسُورَةُ الـ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢١٢ الشرب والتعبير عما أعد لهم من عذاب بالنزل، على سبيل التهكم(١). ٢. التجرع وعدم الاستساغة. قال تعالى: ﴿وَأَسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ مِّن وَرَابِهِ، جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن ١٥ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مَّآءِ صَدِيدٍ ﴿ يَتَجَزَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيفُهُ﴾ [إبراهيم: ١٥ - ١٧]. تخبرنا الآيات أن من وراء الجبار العنيد جهنم، أي: هي له بالمرصاد تنتظره، ليسكنها مخلدًا فيها أبدًا، ويعرض عليها في الدنيا غدوا وعشيًا إلى يوم التناد. ثم بين شرابه فيها فقال: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّآءِ صَدِيدٍ﴾ أي : ليس له في النار شراب إلا ماء يخرج من جوفه وقد خالطه القیح والدم، وخص بالذكر لأنه آلم أنواع العذاب، ثم ذكر ألمه من ذلك الشراب فقال: ﴿يَتَجَزَّهُهُ، وَلَا یکاهُ يُسِينُهُ﴾ أي : يتحساه جرعة بعد جرعة، ولا يكاد يزدرده؛ من شدة كراهته، ورداءة طعمه ولونه، وریحه وحرارته(٢). والتجرع: التحسي، أي: يتحساه مرة بعد مرة، لا مرة واحدة؛ لمرارته وحرارته ونتنه و کراهته، وقيل: يكلف تجرعه ويقهر علیه، وقيل: إنه دال على المهلة، أي : يتناوله شيئًا فشيئًا (٣). (١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ١٢٥/٩، التفسير الوسيط، طنطاوي ١٤ / ١٧٣. (٢) تفسير المراغي ١٣٨/١٣. (٣) انظر: فتح البيان، القنوجي ٧/ ٩٧. ﴿يَتَجَرَّعُهُ، وَلَا يَكَادُ وقوله: يُسِيفُهُ﴾ يقال: ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغًا إذا كان سهلاً، والمعنى: لا يقارب أن يسيغه ويبتلعه، فكيف يكون الإساغة؟ بل يغص به فيشربه جرعة بعد جرعة ، فيطول عذابه بالحرارة والعطش تارة، ويشربه على هذه الحالة أخرى، فإن السوغ انحدار الشراب في الحلق بسهولة وقبول نفس، ونفيه لا يوجب نفي ما ذكر جميعًا. وقيل: لا یکادیدخله في جوفه، وعبر عنه بالإساغة لما أنها المعهودة في الأشربة، وقيل: إنه يسيغه بعد شدة وإبطاء (٤) وهو توكيد لشناعة هذا الصديد، وأنه لا يسوغه الشارب أبدًا، ولا يكون على أية درجة من درجات الإساغة ، وهذا أبلغ من أن يقال: ((ولا يسيغه))؛ لأن نفى الإساغة لا يقطع بأن تكون هناك درجة من درجات الإساغة في هذا الشراب، ولكن نظرًا لقلتها، فقد شملها النفي(٥). يقول سيد قطب: ((يسقى من الصديد السائل من الجسوم. يسقاه بعنف فيتجرعه غصبًا وكرهًا، ولا يكاد يسيغه؛ لقذارته ومرارته، والتقزز والتكره باديان نكاد نلمحهما من خلال الكلمات!» (٦). (٤) المصدر السابق. (٥) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١٦١/٧. (٦) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٠٩٣/٤. www. modoee.com ٢١٣ حرف الشین لمسات إعجازية في الشرب القرآن آية الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم التي تحدی بها البشر جميعًا، أن يأتوا بمثله في كل شيء، وقد اشتمل القرآن على وجوه كثيرة من الإعجاز، وفيه إشارات علمية مما لم يكن ليحيط به علم بشر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه، ثم یبقی الناس يكتشفون أسراره في الكون، والقرآن قد سبق به منذ دهر بعيد تصريحًا وتلويحًا، كان يتلوه على الناس نبي أمي، لم يدرس علوم الفضاء ولا البيئة ولا البحار ولا طبقات الأرض ولا الأجنة، لينبئ العالم أنه رسول رب العالمين، وأن هذا القرآن من علم الله الذي أحاط بكل شيء. وقد أشار القرآن إلى بعض الإشارات العلمية في بعض الأشربة، وهذا بيانها: أولًا: اللبن: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ ◌ُتْفِيكُم ◌ِمَا فِ بُطُونِهِ، مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنَا خَالِصًا سَآَيِفًا لِلشَّرِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]. هذه الآية اشتملت على بعض الإشارات الإعجازية العلمية في تکوین اللبن، وقيمته، وبيان ذلك فيما يأتي: ١. مراحل تكوين اللبن من بين الفرث والدم. الفرث: الطعام المتبقي في أمعاء الحيوان بعد هضمه. وأصل الفرث: التفتيت. يقال: فرثت کبده، أي: فتها(١). وقد فهم المفسرون من هذه الآية أن المقصود: نسقيكم من بين الفرث والدم الذي اشتملت عليه بطون الأنعام، لبنًا نافعًا لأبدانكم، خالصًا من رائحة الفرث، ومن لون الدم، مع أنه موجود بينهما سائغًا للشاربين بحيث يمر في الحلوق بسهولة ويسر، ويشعر شاربه بلذة وارتياح. وقد استطاع العلماء حديثا معرفة كيف یتکون اللبن في بطون الأنعام بعد اكتشاف أسرار الجهاز الهضمي، ومعرفة وظائف أعضائه، وبعد اكتشاف الدورة الدموية وعلاقتها بعملية امتصاص المواد الغذائية من الأمعاء ودخولها في الدم. في هذه الآية الكريمة يلفت الله نظرنا إلى ظاهرة عجيبة تحمل لنا العبرة من قدرة الخالق، فاللبن الذي يعتبر من أهم الأغذية يخرج لنا من بطون الأنعام بصورة مدهشة. مراحل تكون اللبن من بين الفرث والدم(٢): يتم تكوين اللبن في الأنعام بالتنسيق المحكم والتدرج الدقيق بين الجهاز (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ /٤٩٨. (٢) انظر: إشارات إعجازية في تكوين لبن الأنعام، حامد عطية محمد ص٣١ وما بعدها، بحث منشور في موقع الهيئة العالمية للإعجاز. ٢١٤ جَوَسُوع القرآن الكريمِ الشرب الهضمي والجهاز الدوري والجهاز التناسلي عن طريق الغدد اللبنية في الضروع وغيرها من الأجهزة، حیث جعل الله لكل جهاز وظيفة وأعمالًا خاصة يقوم بها ليتكون - في نهاية المطاف - اللبن الخالص السائغ للشاربين. ويمكن أن نجمل مراحل تكون اللبن كالآتي: ١. عملية الهضم في الكرش (تحول العلف إلی فرٹ). ٢. عملية استخلاص الأحماض الدهنية من بین الفرٹ. ٣. عملية استخلاص من بين الدم: ويتم تكوين اللبن بواسطة الغدد الثديية ،أو الضرع عن طريق عمليتين مهمتين: المرحلة الأولى: ترشیح بعض مكونات اللبن من مجرى الدم. المرحلة الثانية: تر کیب مکونات اللبن الأخرى بواسطة التمثيل الغذائي الخلوي. ويكفى أن نعلم أنه من أجل إنتاج لتر واحد من الحليب في ثدي الحیوان یجب أن یمر ما يقارب خمسمائة لتر من الدم خلال هذا العضو؛ كي يتم امتصاص المواد اللازمة من البروتينيات، والكربوهيدرات، والدهون، والعناصر والفيتامينات والهرمونات اللازمة لتكوين ذلك اللتر من اللبن. وجه الإعجاز في تكوين اللبن: ما كان أحد يعلم قبل اكتشاف أجهزة التشريح في القرنين الماضيين أسرار ما يجري في الجهاز الهضمي للحيوان، ووظائف ذلك الجهاز المعقد، وعلاقته بالدورة الدموية، ومراحل تكون اللبن في بطون الأنعام، فلما تكاملت صناعة الأجهزة والتجارب العلمية على مر قرون كثيرة عرف الإنسان أن مكونات اللبن تستخلص بعد هضم الطعام من بين الفرث، وتجري مع مجرى الدم لتصل إلى الغدد اللبنية في ضروع الإناث التي تقوم باستخلاص مكونات اللبن من بين الدم، دون أن يبقى أثر للفرث أو الدم في اللبن، وتضاف إليه في حويصلات اللبن مادة سكر اللبن التي تجعله سائغًا للشاربين. هذه الأسرار كانت محجوبة عن البشر فلم يكتشفوها إلا بعد رحلة طويلة من البحث والتجارب التي استغرقت قرونًا، لكن القرآن كشفها أمام قارئيه بأجمل عبارة وأوجز لفظ قبل ألف وأربعمائة عام(١)، وما كان بشر في ذلك العهد ليتصورها فضلًا على أن يقررها بهذه الدقة العلمية الكاملة. والقرآن -وهو يعبر عن هذه الحقائق العلمية- يحمل أدلة الوحي من الله في خصائصه الأخرى لمن يدرك هذه (١) انظر: المصدر السابق. www. modoee.com ٢١٥ حرف الشین الخصائص ويقدرها، ولكن ورود حقيقة لقيمته الغذائية المرتفعة. واحدة على هذا النحو الدقيق يفحم المجادلين المتعنتين. ٢. قيمة اللبن الغذائية. امتن الله على عباده بأنواع الأشربة المباحة الكثيرة، وقد نص القرآن على بعض هذه الأشربة في سياق امتنان الله على عباده، وكون القرآن ينص على بعض الأشربة بعينها، فهذا يبين أهمية هذه الأشربة وفائدتها للإنسان، ومن هذه الأشربة: اللبن. وقد أثبت العلم الحديث أن اللبن ذو قيمة غذائية مرتفعة، ويفي بالاحتياجات الغذائية في شكل ملائم ونسب متزنة، وأقرب إلى الكمال من أي غذاء آخر. والحقيقة أن اللبن أكمل الأغذية من الناحية البيولوجية، رغم أنه ينقصه قليل من العناصر الغذائية، ولكن رغم ذلك يعد أفضل من أي غذاء منفرد وحيد، ولا توجد أي مادة غذائية أخری یمکن أن تقارن مع اللبن من حيث قيمته الغذائية المرتفعة؛ وذلك لاحتوائه على المواد الغذائية الأساسية الضرورية؛ التي لا يستغني عنها جسم الإنسان في جميع مراحل نموه وتطوره. فاللبن يعد من أفضل الأغذية للأطفال والناشئين، والبالغين والمسنين على السواء، فعلاوة على أنه ينفع الصغار في حیاتھم ویکسبهم مناعة ضد كثير من الأمراض؛ فإنه أيضًا یفید الکبار کثیرًا؛ القيمة الغذائية للبن: يمد اللبن جسم الإنسان بمجموعة كبيرة جدا من العناصر والمركبات الغذائية الحيوية المهمة، ويمكن إيجاز ذلك في النقاط الآتية: ١. يعد اللبن موردًا مهمًا وجيدًا للبروتينات ذات القيمة الغذائية المرتفعة. ٢. توجد الأحماض الدهنية في اللبن بنسبة دقيقة جدا بحيث يسهل هضمها وتمثيلها في الجسم، ویحتوي دهن اللبن على كثير من المواد الحيوية المهمة. ٣. عدم وجود اللاكتوز إلا في اللبن فقط، ويمتاز سكر اللبن (اللاكتوز) عن غيره من الكربوهيدرات الأخرى بقدرته على التخمر الذي يعد ذا أهمية نافعة في التغذية، کما أنه يؤثر على غشاء المعدة المخاطي نظرًا لقلة ذوبانه. ٤. يعد اللبن مصدرًا مهمًا لكثير من الفيتامينات. وهي مواد تساعد على الاستفادة من الغذاء والوقاية من الأمراض. ٥. يكون الماء ما يقرب من (٨٥ - ٩٠) من ألبان الثدييات المختلفة، وبعض مكونات اللبن إما ذائبة في الماء، جَوَ نُور القرآن الكريم ٢١٦ الشرب مثل بعض الفيتامينات والأنزيمات سائغًا للشاربين، يجزئ الأصحاء ويكفيهم، ويقوي المرضى ويشفيهم ، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ شُّتْقِيكُم ◌ِمَّا فِي بُطُونِهِ، مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَهٍ لَبْنَا خَالِصًا سَآَيِفًا لِلشَّرِيِينَ ﴾ واللاكتوز، أو على صورة معلقة بالماء مثل حبيبات الدهن أو جزيئات الکیزین. والماء له دور مهم وحيوي في حياة الإنسان حيث إن له وظائفه وجه الإعجاز: الفسيولوجية في الجسم الإنساني. ٦. يعتبر اللبن مصدرًا مهما من مصادر فیتامین (أ) الذي يعد مهما جدا في حياة الإنسان. ٧. يحتوي اللبن على نسبة لا بأس بها من فيتامين (د) وهذا الفيتامين يساعد على ترسب الكالسيوم والفوسفور في الجسم، أي : أنه يساعد على نمو العظام. ٨. يعد اللبن أحد المصادر الطبيعية الأساسية الغنية بالكالسيوم والفوسفور، وهما من الأملاح المعدنية الضرورية لجسم الإنسان؛ إذ إن هذه المعادن تدخل في تكوين الهيكل العظمي وتر کیب الأسنان. ٩. يحتوي اللبن على كثير من الأنزيمات التي تساعد على هضم الطعام وامتصاصه (١). هذا هو اللبن الذي أخرجه المولى بقدرته العظيمة من بين فرث ودم لبنّا خالصًا (١) انظر: الإعجاز العلمي في قيمة اللبن الغذائية علي أحمد علي الشحاتن ، مقال منشور على موقع الهيئة العالمية للإعجاز. ورد أن رسول الله صلی الله عليه وسلم: (من أطعمه الله طعامًا، فليقل: اللهم بارك لنا فیه، وارزقنا خیرًا منه، ومن سقاه الله لبنًا، فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه، فإني لا أعلم ما يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن)(٢). وهذه الإشارة من النبي صلى الله عليه وسلم يتجلى لنا منها بوضوح أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أشار إلى قيمة اللبن الغذائية المتميزة في زمن لم يكن يدرك الناس وقتئذ تركيب اللبن، وما يحتوي عليه من عناصر ومركبات الغذاء الحيوية المهمة، التي لا تجتمع في شراب غيره. ثم لما تقدم العلم وتوفرت الأجهزة توصل العلماء (٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٩٧٨، ٢/ ٤٧٢، وأبو داود في سننه، كتاب الأشربة، باب ما يقول إذا شرب اللبن، رقم ٣٧٣٠، ٥٦١/٥، والترمذي في سننه، أبواب الدعوات، باب ما يقول إذا أكل طعامًا، رقم ٥٠٦/٥،٣٤٥٥، وابن ماجه في سننه، كتاب الأطعمة، باب اللبن، رقم ٣٣٢٢، ٤ /٤٣٥ . وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١٠٤٤/٢، رقم ٦٠٤٥. www. modoee.com ٢١٧ حرف الشین والباحثون إلى اكتشاف هذه المواد الغذائية التي يحتوي عليها اللبن من البروتينات والكربوهيدرات، والسكريات، والدهون، والمعادن والفيتامينات، وغير ذلك. فمن أخبر محمدًا صلی الله عليه وسلم بهذه الحقائق في وقت کان یستحیل فیه علی الإنسان أن يتوصل إلى ما توصل إليه اليوم؟ مما يدل دلالة قاطعة على أن محمدًا رسول الله، وأن ما أخبر به وذكره إنما هو بتعليم الله له: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْمَوَىَ ) إِنْ هُوَ إِلَّاَ وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣-٤]. ثانيًا: العسل: قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ لْبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ٦٨ كُلِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَتِ فَأَسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلْلًا يَخْرِجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفُّ أَلْوَنُهُ فِيهِ شِفَآءُ لِّلنَّاسِنَّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَنَفَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٨-٦٩]. أخبر القرآن أن العسل فيه شفاء للناس، وجعل الشفاء مظروفًا في العسل على وجه الظرفية المجازية، وهي الملابسة؛ للدلالة على تمكن ملابسة الشفاء إياه (١). وقد أثبت العلم الحديث ما أخبر به القرآن، من خلال مئات البحوث التي قام بها العلماء عبر التجارب، وتتجلى فوائد (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٩/١٤. العسل فيما يأتي: ١. العسل عامل مهم لالتئام الجروح: فالعسل يمتلك خصائص مضادة للجراثيم في المختبر، کما أكد عدد من الدراسات السريرية أن استعمال العسل في علاج الجروح الملتهبة بشدة كان له الأثر الفعال في تطهير هذه الإنتانات الجرثومية والقضاء عليها، وعجل في شفاء الجروح. ٢. أهمية العسل فى معالجة الحروق. ٣. استخدام العسل كضماد للجروح ، حيث يساعد في تنظيف الجروح، ولم يحدث أي تأثير جانبي لاستعماله في علاج تلك الجروح. ٤. العسل غني بمضادات الأكسدة، وهذه المضادات يمكن أن تزيد من مقاومة الجسم ضد الإجهاد. ٥. علاج أمراض الفم ، العسل يمكن أن يلعب دورًا في علاج أمراض اللثة، وتقرحات الفم، ومشكلات أخرى في الفم، وذلك بسبب خصائص العسل المضادة للجراثيم. ٦. العسل علاج الأمراض المعدة والأمعاء ، فالعسل فيه خاصية القضاء على الجراثيم التي تسبب التهابات المعدة والأمعاء. وقد ورد هذا الأمر في السنة النبوية، فقد ٢١٨ جَوَسُوعَة النفسية القرآن الكريم الشرب جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن أخي استطلق بطنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اسقه عسلًا) فسقاه، ثم جاءه فقال: إني سقيته عسلًا فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال له ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة فقال: (اسقه عسلًا) فقال: لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال رسول الله صلی الله علیه وسلم: (صدق الله، و کذب بطن أخيك) فسقاه فبرأ)(١). وجه الإعجاز في الشفاء بالعسل: هذه الأسرار في الاستشفاء بالعسل كانت محجوبة عن البشر، فلم يكتشفوها إلا بعد رحلة طويلة من البحث والتجارب التي استغرقت قرونا، لكن القرآن كشفها أمام قارئيه بأجمل عبارة وأوجز لفظ قبل ألف وأربعمائة عام، ومن أخبر محمدًا صلى الله عليه وسلم بهذه الحقائق في وقت کان يستحيل فيه على الإنسان أن يتوصل إلى ما توصل إليه اليوم؟ فذلك دليل على صدق القرآن وصدق رسوله صلی الله علیه وسلم، وسبحان من أودع في العسل هذا السر الإلهي ليكون إحدى الدلالات على عظمة الخالق عز وجل. والحمد لله رب العالمين. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب الدواء بالعسل، رقم ٥٦٨٤، ١٢٣/٧، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب التداوي بالعسل، رقم ٢٢١٧، ٤ /١٧٣٦. موضوعات ذات صلة: الأكل، الأنهار، الخمر، الطعام، الماء www. modoee.com ٢١٩