النص المفهرس

صفحات 21-40

الشرب
إلا لشيء كانت مفسدته خالصة أو غالبة، العمل الذي يكون قوي الدرجة كامل الرتبة
في القبح.
وجميع المحرمات لا تخلو من أن تكون
علی واحد من الوصفین، والله ما حرم شيئًا
على عباده إلا وفي هذا التحريم مصلحة
لهم؛ لذلك حرم عليهم بعض الأشربة
لضررها وخبثها، وقد ذكر القرآن من هذه
الأشربة المحرمة الخمر والدم.
١. الخمر.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَتُرُ
وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ
فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ
أَنْ يُوقِعَ بَيْتَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ
وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ فَهَلْ أَنُ مُّنْتَهُونَ﴾
[المائدة: ٩٠ - ٩١].
هذه الآيات هي المرحلة الأخيرة التي
مر بها تحريم الخمر، وتخبرنا الآيات أنه
بعد أن نهى الله سبحانه فيما سلف عن
تحريم ما أحل الله من الطيبات، وأمر بأكل
ما رزق الله من الحلال الطيب، وكان من
جملة الأمور المستطابة عند العرب الخمر
والميسر، لا جرم أن بين عز اسمه أنهما غير
داخلين فيما يحل، بل هما مما يحرم(١).
وقد وصف الله هذه الأقسام الأربعة
بوصفين:
الأول: قوله: ﴿يَجْسٌ﴾ والرجس في
اللغة كل ما استقذر من عمل. فالرجس هو
(١) انظر: تفسير المراغي ٧/ ٢٠.
الوصف الثاني: قوله: ﴿مِّنْ عَمَلِ
الشَّيْطَنِ﴾ وهذا أيضًا مكمل لكونه رجسًا
،لأن الشيطان نجس خبيث والخبيث ، لا
يدعو إلا إلى الخبيث (٢).
وقد ذكر الله في هذه الآيات نوعین من
المفسدة في الخمر:
النوع الأول: ما يتعلق بالدنیا : وهو قوله:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ
وَالْبَغْضَآءَ فِىِ الْخَيْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ فالظاهر فيمن
یشرب الخمر أنه یشربها مع جماعة، ویکون
غرضه من ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه
ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم، فكان غرضه
من ذلك الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة إلا
أن ذلك في الأغلب ينقلب إلى الضد؛ لأن
الخمر يزيل العقل، وإذا زال العقل استولت
الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل،
وعند استیلائهما تحصل المنازعة بين أولئك
الأصحاب، وتلك المنازعة ربما أدت إلى
الضرب والقتل والمشافهة بالفحش، وذلك
يورث أشد العداوة والبغضاء.
النوع الثاني: المفاسد المتعلقة بالدين،
وهو قوله: ﴿وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ الَّهِ وَعَنِ الصَّلَوةَ
وشرب الخمر يمنع عن ذكر الله والصلاة؛
لأن شرب الخمور يورث الطرب واللذة
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢ / ٤٢٣.
www. modoee.com
١٨٧

حرف الشین
الجسمانية، والنفس إذا استغرقت في اللذات
الجسمانية غفلت عن ذكر الله تعالى (١).
والقرآن وإن كان قد ذكر نوعين من
مفسدة الخمر، فقد ذكر الأهم، والخمر
فيها مفاسد أخرى، ولها أضرار كثيرة، منها
أضرار صحية، فهي تحدث أضرارًا جسيمة
بأجهزة الجسم المختلفة، كالجهاز العصبي
والدوري والهضمي والتناسلي والجلد
والعظام والأسنان وغيرها، ومنها أضرار
اجتماعية، وأضرار أمنية، وأضرار اقتصادية
تتعلق بالمتعاطى، وتتعلق باقتصاد الدول،
مما يؤكد أن الله ما حرمها إلا لضررها.
وقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ والاستفهام
هنا تقريري، فكأنه قيل له: أتفعله بعد ما قد
ظهر من قبحه ما قد ظهر؟(٢).
والآيات دالة على تحريم شرب الخمر
من وجوه:
أحدها: تصدير الجملة بإنما، وذلك لأن
هذه الكلمة للحصر، فكأنه تعالى قال: لا
رجس ولا شيء من عمل الشيطان إلا هذه
الأربعة.
(١) انظر: المصدر السابق.
(٢) انظر: المصدر السابق.
ـعَلَّكُمْ تَفْلِحُونَ
ورابعها: أنه قال:
جعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان
الا جتناب فلاحًا کان الا رتکاب خيبة.
وخامسها: أنه شرح أنواع المفاسد
المتولدة منها في الدنيا والدين، وهي وقوع
التعادي والتباغض بين الخلق وحصول
الإعراض عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة.
وسادسها: قوله: ﴿فَهَلْ أَنْثُ مُنْنَهُونَ﴾ وهو
من أبلغ ما ينتهى به، كأنه قيل: قد تلي عليكم
ما فيها من أنواع المفاسد والقبائح فهل أنتم
منتهون مع هذه الصوارف؟ فالاستفهام في
الآية خرج عن بابه إلى الأمر، أي: انتهوا.
وسابعها: أنه تعالى قال بعد ذلك:
﴿وَأَطِيعُواْاللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢].
فظاهره أن المراد: وأطيعوا الله وأطيعوا
الرسول فيما تقدم ذكره من أمرهما
بالاجتناب عن الخمر والميسر، وقوله
﴿وَأَحْذَرُواْ﴾ أي : احذروا عن مخالفتهما في
هذه التكاليف.
وثامنها: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى
رَسُولِنَا أَلْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾ وهذا تهديد عظيم
ووعيد شديد في حق من خالف في هذا
وثانيها: أنه تعالى قرن الخمر والميسر
بعبادة الأوثان.
التکلیف وأعرض فیه عن حکم الله، وبیانه،
وثالثها: أنه تعالى أمر بالاجتناب، وظاهر يعني : أنكم إن توليتم فالحجة قد قامت
الأمر للوجوب.
عليكم والرسول قد خرج عن عهدة التبليغ
والإعذار والإنذار، ولا شك أنه تهديد
شديد، فصار كل واحد من هذه الوجوه
١٨٨
جوبيو
القرآن الكريمِ

الشرب
الثمانية دليلاً قاهرًا وبرهانًا باهرًا في تحريم يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ
فَإِنَّهُ رِجْسُ أَوْ فِسْقًا أُهِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾
الخمر (١).
والدم المسفوح: هو الدم الجاري المهراق
٢. الدم المسفوح.
من البهيمة بعد ذبحها، فعلى ذلك يحمل
ورد تحريم الدم في أربع آيات من
القرآن، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ
اَلْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ
اللَّهِ ﴾ [البقرة: ١٧٣].
المطلق على المقيد، فيكون تحريم الدم
مقيدًا بالدم المسفوح، وأما الدم المتبقي
في أجزاء لحم البهيمة بعد تذكيتها فلا شيء
فیه(٤).
وقوله: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا
عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْنَّةً أَوْ دَمًا
مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُ أَوْ فِسْقًا
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ يِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
فالله يخبر عباده المؤمنين في الآية
الأولى أنه حرم عليهم بعض الأطعمة
وغيرها؛ لما لها من ضرر اعتقادي أو دنيوي
عليهم، ومن هذه المحرمات الدم.
ونص الله على تحريمه لأن العرب
كانت تأكل الدم، كانوا يأخذون المباعر (٢)
فيملأونها دمًا، ثم يشوونها بالنار
ويأكلونها(٣).
وقد ورد تحريم الدم مطلقًا في ثلاث
آيات من القرآن، وورد في الآية الرابعة
مقيدًا بالدم المسفوح في قوله: ﴿قُل لََّ أَجِدُ
فِي مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَن
(١) انظر: المصدر السابق.
(٢) المباعر: مكان البعر، والمراد هنا: أمعاء
الإبل.
انظر: لسان العرب ٤ /٧١.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٨/٢.
وتتجلى حكمة تحریم الدم فيما يأتي:
: أن شربه يورث ضراوة في الإنسان،
فتغلظ طباعه ويصير كالحيوان
المفترس، وهذا منافٍ لمقصد
الشريعة؛ لأنها جاءت لإتمام مكارم
الأخلاق، وإبعاد الإنسان عن التهور
والهمجية، ولذلك قيد في بعض
الآيات بالمسفوح ، أي : المهراق؛
لأنه کثیر، لو تناوله الإنسان اعتاده، ولو
اعتاده أورثه ضراوة(٥).
الدم يعتبر مرتعًا صالحًا لتكاثر الجراثيم
ونموها.
* لا يحتوي الدم على أي مادة غذائية،
بل إنه عسر الهضم جدًا، حتى إنه إذا
صب جزء منه في معدة الإنسان تقيأه
مباشرة، أو خرج مع البراز دون هضم
على صورة مادة سوداء.
(٤) انظر: المصدر السابق.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٨ / ٥٤.
www. modoee.com
١٨٩

حرف الشین
یحتوي الدم على عناصر سامة، يأتي
في مقدمتها غاز ثاني أكسيد الكربون،
وهو غاز قاتل خانق، وهذا ما يفسر
تحريم المختنق من الحيوان أيضًا،
وذلك أن ((المختنقة)) إنما تموت عن
طريقة تراكم هذا الغاز في دمائها ما
يؤدي إلى نفاقها.
ولا شك، فإن تكرار شرب الدماء لمن
اعتاد عليها، وهي مشبعة بهذا الغاز القاتل،
مؤدٍ إلى أضرار صحية بالغة الخطورة قد
تودي بحياة الإنسان.
وتتميمًا للفائدة أقول: من رحمة الله
بعباده أن الله أحل تناول الأطعمة والأشربة
المحرمة عند الضرورة؛ لأن التحريم كان
بسبب المفاسد الناتجة من ذلك، والمعارضة
لحفظ الضروريات الخمس، فالخمر يحل
شربها دفعًا لهلاك النفس؛ لأن حفظ النفس
ضروري، فكان لابد من تحصيله بإباحة
المحرم، وإذا أباحه الله للضرورة فذلك
بشرطين: غير باغ، أي: غير طالب للمحرم،
مع قدرته على الحلال، أو مع عدم جوعه،
ولا عادٍ، أي: متجاوز الحد في تناول ما أبيح
له، اضطرارًا، وذلك ما ورد في قوله تعالى:
﴿فَمَنِ أَضْطُرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ فَلاَ إِنَّمَ عَلَيْهٍ إِنَّ
اُللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
والآيات السابقة تتضح فيها رحمة الله
بعباده؛ حيث نهاهم عما فيه مضرتهم في
أبدانهم وعقولهم، حيث لم يحرم عليهم
الخمر والدم إلا وفي هذا التحريم مصلحة
لهم، وحفظ لأبدانهم وعقولهم.
فائدة مهمة:
كما ورد تقييد الدم بالمسفوح في القرآن،
فقد ورد تقييده في السنة أيضًا، فأحل النبي
صلى الله عليه وسلم من الدم الكبد
والطحال، كما ورد في حديث ابن عمر
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان
فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد
والطحال)(١).
(١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٣٢١٨
٢/ ١٠٣٧، وابن ماجه في سننه، كتاب
الأطعمة، باب الكبد والطحال، رقم ٣٣١٣،
٤٣١/٤.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١٠٢/١، رقم ٢١٠.
١٩٠
وَر النفسية
جوبي
لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ

الشرب
الشرب والابتلاء
أقام الله الدنيا على الابتلاء، كما قال:
﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَّوْتَ وَالْحَيَوَةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُوْ أَحْسَنُ
عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
والله له أن يبتلي عباده بما يشاء، وله
الحكمة البالغة في ذلك، والابتلاء يكون
بالخير والشر كما قال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ يِلشَّرِّ
وَالْخَيَرِ فِتْنَةٌ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
فالابتلاء يكون بالنعم أيضًا، وقد ابتلى
الله بعض عباده ببعض النعم، ومن هذه
النعم التي ابتلى الله بها بعض عباده نعمة
الماء وشربه، وقد قص القرآن ذلك علينا من
قصة بني إسرائيل، وقصة ثمود.
أولًا: بنو إسرائيل:
ورد ابتلاء بني إسرائيل بنعمة الماء
وشربه في قوله: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ
قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ
مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّىَ إِلَّا
مَنِ أَغْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهِ، فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا
[البقرة: ٢٤٩].
مِنْ
والآيات قبل ذلك تحكي قصة الملأ من
بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام إذا
طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكًا يقاتلون
معه في سبيل الله، فأخبرهم نبيهم أنه قد
یفرض عليهم القتال ولا يمتثلون، فلما كتب
عليهم القتال تولوا إلا قليلًا منهم، وأخبرهم
نبيهم أن الله قد اختار طالوت ملكًا عليهم،
وأقام لهم الأدلة -بعد جدالهم- العقلية
والمادية على أحقية طالوت في الملك
عليهم، وبعد أن قامت الأدلة أيقنوا بذلك،
فخرج طالوت بجنوده لملاقاة العدو
ويتجلى لنا مصداق حكمة الله في اصطفاء
هذا الرجل ، إنه مقدم على معركة ومعه
جيش من أمة مغلوبة، عرفت الهزيمة والذل
في تاريخها مرة بعد مرة، وهو يواجه جیش
أمة غالبة فلابد إذن من قوة كامنة في ضمير
الجيش تقف به أمام القوة الظاهرة الغالبة،
هذه القوة الكامنة لا تكون إلا في الإرادة.
الإرادة التي تضبط الشهوات والنزوات،
وتصمد للحرمان والمشاق، فتجتاز الابتلاء
بعد الابتلاء، فلابد للقائد المختار إذن أن
يبلو إرادة جيشه، وصموده وصبره.
واختار هذه التجربة وهم كما تقول
الروايات عطاش؛ ليعلم من يصبر معه ممن
ينقلب على عقبيه، ويؤثر العافية وصحت
فراسته ﴿إِنَ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن
شَرِبَمِنْهُ فَليْسَ مِی ﴾ فهو عاص ولا یتبعنا
لعدم صبره وثباته ولمعصيته ﴿وَمَنْ لَمْ
يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِيٍ﴾ أي: لم يشرب منه فإنه
مني ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِبَدِهِ،﴾ فلا جناح
عليه في ذلك، ولعل الله أن يجعل فيها
بركة فتكفيه، وفي هذا الابتلاء ما يدل على
أن الماء قد قل عليهم ليتحقق الامتحان،
www. modoee.com
١٩١

حرف الشین
فعصى أكثرهم وشربوا من النهر الشرب
المنهي عنه، ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًامِنْهُمْ﴾
ورجعوا على أعقابهم ونكصوا عن قتال
عدوهم، وکان في عدم صبرهم عن الماء
ساعة واحدة أكبر دليل على عدم صبرهم
على القتال الذي سيتطاول وتحصل فيه
المشقة الكبيرة، وكان من الخير ومن الحزم
أن ينفصلوا عن الجيش الزاحف؛ لأنهم بذرة
ضعف وخذلان وهزيمة (١).
وظاهر قول طالوت: ﴿إِنَّ اللّهَ
مُبْتَلِيكُم﴾ أن ذلك بوحي إلى النبي
وإخبار من النبي لطالوت، ويحتمل أن
یکون هذا مما ألهم الله طالوت إليه، فجرب
به جنده، وجعل الإلهام ابتلاء من الله لهم،
وهذه النزعة واجب أن تقع من كل متولي
حرب، فليس يحارب إلا بالجند المطيع(٢).
وحكمة هذا الابتلاء وجهان:
الأول: كان مشهورًا من بني إسرائيل أنهم
يخالفون الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات
الباهرة، فأراد الله تعالى إظهار علامة قبل
لقاء العدو، يتميز بها من يصبر على الحرب
ممن لا يصبر؛ لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا
يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو، فلما كان هذا
هو الصلاح قبل مقاتلة العدو لا جرم قال:
﴿إِنَ اللَّهُ مُبْتَلِكُمْ بِنَهَرٍ﴾(٣).
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦٨/١.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٣٤/١.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٥٠٩.
الثاني: أنه تعالى ابتلاهم ليتعودوا الصبر
على الشدائد.
﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ فيه سد
و قوله:
للذرائع؛ لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ
الطعم، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل
إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم.
ولهذه المبالغات لم يأت الكلام ((ومن لم
يشرب منه))(٤)
.
وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ, مِنَِّّ﴾
مفهومه أن من طعمه ليس منه؛ ليعلم
السامعون أن المغترف غرفة بيده هو کمن
لم یشرب منه شيئًا، وأنه ليس دون من لم
يشرب في الولاء والقرب(٥).
روي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما
أن القوم شربوا على قدر يقينهم. فشرب
الكفار شرب الھیم، وشرب العاصون دون
ذلك، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفًا،
ويقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئًا، وأخذ
بعضهم الغرفة، فأما من شرب فلم پرو، بل
برح به العطش، وأما من ترك الماء فحسنت
حاله، وكان أجلد ممن أخذ الغرفة (٦).
ثانيًا: قوم ثمود:
أرسل الله صالحًا عليه السلام إلى قومه
(٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٣٤/١.
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢/ ٤٩٧.
(٦) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٤٣/٥، المحرر
الوجيز، ابن عطية ١/ ٣٣٤.
١٩٢
جَوَسُور
القرآن الكريمِ

الشرب
ثمود، فدعاهم صالح إلى عبادة الله وحده،
وأن يطيعوه فيما بلغهم من رسالة ربهم
فأبوا وكذبوا، وكانت البشرية جيلًا بعد
جيل تطلب خارقة معجزة من الرسول تدل
على أنه حقًا مرسل من الله: ﴿مَآ أَنتَ إِلًا
بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِشَايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾
[الشعراء: ١٥٤].
وهكذا طلبت ثمود تلك الخارقة،
اقترحوا عليه آية يأتيهم بها ليعلموا صدقه
بما جاءهم به من ربهم، وهو أن يخرج لهم
الآن من هذه الصخرة ناقة عشراء صفتها كذا
و کذا، فما كان منه إلا أن أخذ عليهم نبي الله
صالح العهود والمواثيق: لئن أجابهم إلى
ما سألوا ليؤمنن به وليتبعنه، فأعطوه ذلك،
فقام نبي الله صالح عليه السلام، فصلی، ثم
دعا الله عز وجل أن یجیبهم إلى سؤالهم،
فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها
عن ناقة عشراء، على الصفة التي وصفوها،
فآمن بعضهم، وكفر أكثرهم(١)، ووصاهم
صالح عليه السلام بأمرين:
الأول: قوله: ﴿قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لََّا شِرْبٌ
وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥].
قال قتادة: إذا كان يوم شربها شربت
أي: لها حظ ونصيب من الماء، ولكم ماءهم كله، وشربهم في اليوم الذي لا
نصيب من الماء، فاقتنعوا بشربكم ولا
تزاحموا على شربها (٢).
٠
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢ /٥٢٥.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٥٢٥/٢٤،
إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٥٩/٦،
والثاني: قوله: ﴿وَلَا تَمَشُوهَا ◌ِسُوْمٍ فَيَأْخُذَّكُمْ
عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦].
فابتلاهم الله بهذا الابتلاء، وأخبر في
سورة القمر عن كيفية ذلك الابتلاء فقال:
﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَأَرْتَقِبْهُمْ وَأَصْطَيْ
ابَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ تُخَصَرٌ﴾ [القمر:
وَتَبِّتْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بِيََّهُمْ
٢٧ - ٢٨].
﴿وَنَبِّتَهُمْ أَنَّ الْمَآَةَ﴾ التعريف
وقوله:
في الماء للعهد، أي ماء: القرية الذي
يستقون منه، فإن لكل محلة ينزلها قوم ماء
لسقياهم(٣).
وأخبر عن الماء بأنه قسمة، والمراد
مقسوم، فهو من الإخبار بالمصدر للتأكيد
والمبالغة (٤).
وضمير ﴿تَمْ﴾ عائد إلى معلوم من
المقام بعد ذكر الماء؛ إذ من المتعارف
أن الماء يستقي منه أهل القرية لأنفسهم
وماشيتهم، ولما ذكرت الناقة علم أنها لا
تستغني عن الشرب، فغلب ضمير العقلاء
على ضمير الناقة الواحدة، وإذالم يكن للناقة
مالك خاص أمر الله لها بنوبة في الماء (٥).
التفسير المنير، الزحيلي ٢٠٠/١٩.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧/ ٢٠٠.
(٤) المصدر السابق.
(٥) المصدر السابق.
www. modoee.com
١٩٣

حرف الشین
تشرب(١).
وقال مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء
یوم نوبتھم فیشربون، ویحضرون یوم نوبتها
فيحتلبون(٢). فكانت إذا كان يوم شربها
شربت ماءهم كله أول النهار وتسقيهم
اللبن آخر النهار، وإذا كان يوم شربهم كان
لأنفسهم ومواشيهم وأرضهم، ليس لهم في
یوم ورودها أن يشربوا من شربها شيئًا، ولا
لها أن تشرب في يومهم من مائهم شيئًا(٣).
وهذا مبدأ الفتنة، فإن الناقة كانت في يوم
شربها تشرب ماء البئر كله، فشحوا بذلك
وأضمروا منعها عن الماء، فأبلغهم صالح
أن الله ينهاهم عن أن يمسوها بسوء(٤).
وقد جعلت القسمة على هذا الوجه
لمنع الضرر؛ لأن حيوانات القوم كانت تنفر
منها، ولا ترد الماء وهي علیه، فصعب ذلك
.(٥)
علیهم(٥).
والمحتضر بفتح الضاد، اسم مفعول من
الحضور وهو ضد الغيبة. والمعنى: محتضر
عنده ، فحذف المتعلق لظهوره. وهذا من
جملة ما أمر رسولهم بأن ينبئهم به، أي :
لا يحضر القوم في يوم شرب الناقة، وهي
(١) انظر: الدر المنثور ٣١٦/٦ وعزاه إلى عبد بن
حميد وابن المنذر.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ١٤٧.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣٠/١٣.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٠/٢٧.
(٥) تفسير المراغي ٢٧/ ٩١.
بإلهام الله لا تحضر في أيام شرب القوم (٦).
فمكثت الناقة بین أظهرهم حينا من الدهر
ترد الماء، وتأكل الورق والمرعى، وينتفعون
بلبنها، يحتلبون منها ما يكفيهم شربًا وريًا،
ولكن ثمود لم يصبروا على الابتلاء، فلما
طال عليهم الأمد وحضر شفاؤهم، تمالؤوا
على قتلها وعقرها، وأهلكهم الله بسبب
عنادهم وكفرهم وعصيانهم، كما أخبر
القرآن.
(٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧/ ٢٠٠.
◌َ البَسيـ
جَوُورُ
القرآن الكريمِ
١٩٤

الشرب
أحكام تتعلق بالشرب
بعد تأمل لما ورد في حديث القرآن عن
الشرب، نتلمس بعض الأحكام المتعلقة
بالشرب، ومنها:
١. عدم التحليل والتحريم بالأهواء.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ
الْمَيْنَةً وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَا أُمِّلَ لِغَيْرِ
اللَّهِ بِهٌِ فَمَنِ اضْطُرَ غَيِّرَ بَاغْ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ
اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ
أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ
لِّنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبِّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ
اَلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿ مَتَعُ قَلِلٌ وَهُمْ عَذَابٌ
[النحل: ١١٥-١١٧].
فالآية الأولى نصت على بعض
المحرمات، ومنها تناول الدم، ثم تبين
الآيات أن ذلك حد الحلال والحرام الذي
شرعه الله في المطعومات، فلا تخالفوه
اتباعًا لأوهام الوثنية، ولا تقولوا للكذب
الذي تصفه ألسنتكم وتحکیه: هذا حلال
وهذا حرام. فهذا حلال وهذا حرام حين
تقولونها بلا نص هي الكذب عينه، الذي
تفترونه على الله. فالتحريم والتحليل
لا يكونان إلا بأمر من الله، فهما تشريع.
والتشریع لله وحده لا لأحد من البشر، وما
يدعي أحد لنفسه حق التشريع بدون أمر
من الله إلا مفتر، والمفترون على الله لا
يفلحون، وليس لهم إلا المتاع القليل في
الدنيا، ومن ورائه العذاب الأليم، والخيبة
والخسران(١).
وفي وصف ألسنتهم الكذب، مبالغة
في وصف كلامهم بالكذب، حتى لكأن
ماهیة الكذب کانت مجهولة، فكشفت عنها
ألسنتهم ووضحتها، ووصفتها، ونعتتها
بالنعوت التي جلتها(٢).
والآية وإن كانت واردة فى سياق تحريم
بعض المطعومات والأشربة، إلا أنها عامة،
کما قال ابن كثير: «ويدخل في هذا کل من
ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو
حلل شيئًا مما حرم الله، أو حرم شيئًا مما
أباح الله، بمجرد رأيه وتشهيه))(٣).
فالآيات فيها بيان أن التحليل والتحريم
حق لله، وليس لغيره، والذي يشرع بتحليل
أو تحریم من نفسه مدع، ومفتر، وكذاب،
وليس له إلا العذاب الأليم؛ جزاء تعديه
علی حق الله.
٢. الشكر.
نعم الله تعالى تترادف على عباده،
وقيدها الشكر، وقد أمر الله عباده بالشكر
وحضهم عليه في كثير من آيات القرآن،
والمراد بالشكر: أن يواظب العبد على شكر
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٢٠٠/٤.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٨/ ٢٥٢.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٠٩/٤.
www. modoee.com
١٩٥

حرف الشین
ربه، وعلى المداومة على ما يرضيه، وعلى
استعمال النعم فيما خلقت له.
ومن النعم التي يجب شکر الله عليها
نعمة الشرب والأشربة التي أباحها الله
لعباده، وقد ورد الحث على الشكر في
غير آية من الآيات التي تحدثت عن نعمة
الشرب.
قال تعالى: ﴿أَفَّهَ يْتُمُ الْمَآءَ أَلَّذِى تَشْرَبُونَ
٦٨
ـاءَنْتُمْ أَنْزَ لْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِأَمْ تَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ) لَوْ
فَشَاءُ جَعَلْتَهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة:
٦٨-٧٠].
وهذه الآيات فيها عدد من النعم، فيها
نعمة الماء وإنزاله من السحاب، ونعمة
شربه، ونعمه کونه عذبًا فراتًا، لم یجعله الله
ملحًا، فبعد أن عدد الله على عباده النعم في
هذه الآيات، حثهم على الشكر فقال: ﴿فَلَوْلًا
تَشْكُرُونَ﴾ أي : فهلا شكرتم الله على هذه
النعم الجليلة، التي هي ملاك حياتكم وحياة
زروعكم، وحيواناتكم؟ وأخلصتم له العبادة
والطاعة، ووضعتم نعمه في مواضعها؟ وكل
نعمة من النعم المذكورة في الآيات تستحق
الشكر بذاتها.
والملاحظ في هذه الآيات أن الله ذكر
الشكر في الشرب، ولم يذكره في الطعام في
الآيات السابقة في قوله: ﴿أَفَرَّهَيَّتُم مَّا تَّخُرُونَ
٤َأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ وَ أَمْ نَحْنُ النَِّعُونَ ، لَوْ نَشَآءُ
٦٣
لَجَعَلْنَهُ حُطَمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣-
٦٥].
وحكمة ذلك تتجلى فيما يأتي:
أن في المأكول قال: ﴿مَرُونَ﴾ فأثبت
لهم سعيًا فلم يقل: تشكرون، وقال في
الماء: ﴿َأَنْتُمْ أَنْزَ لْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾، لا عمل
لكم فيه أصلًا فهو محض النعمة فقال:
﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾.
النعمة لا تتم إلا عند الأكل والشرب،
٥
ألا ترى أن في البراري التي لا يوجد
فيها الماء لا يأكل الإنسان شيئا مخافة
العطش، فلما ذكر المأكول أولًا وأتمه
بذكر المشروب ثانيًا قال:
تَشْكُرُونَ﴾ على هذه النعمة التامة(١).
وقد كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم المثل الأعلى في امتثال أوامر القرآن،
فقد ورد أنه إذا شرب الماء قال: (الحمد لله
الذي سقانا عذبًا فراتًا برحمته، ولم يجعله
ملحًا أجاجًا بذنوبنا)(٢).
وفي ذلك تعليم لأمته أن تقتدي به في
شكر نعمة الشرب وغيرها.
وقال سبحانه: ﴿أَوْلَمْ يَّرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَمَا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤٢٢/٢٩،
إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٩٨/٨.
(٢) أخرجه الطبراني في الدعاء رقم ٨٩٩،
ص ٢٨٠، وأبو نعيم في حلية الأولياء
١٣٧/٨، وهو مرسل.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، رقم
٤٤٢٢.
١٩٦
◌َرُ النَّفْسِيْ
جوبيير
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الشرب
وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُونَ ) وَمْ سمن أو جبن،، لمسة وجدانية تشعر قلبه
بوجود الخالق ورحمته ونعمته. ويطرد هذا
[يس:
فِيَهَا مَنَفِعُ وَمَشَارِبٌ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ ﴾
٧١- ٧٣].
في کل ما تمس يده من أشياء حوله، و کل ما
يستخدمه من حي أو جامد في هذا الكون
الکبیر. وتعود حیاته کلها تسبیحًا لله وحمدًا
وعبادة آناء الليل وأطراف النهار ، ولكن
الناس لا يشكرون»(٤).
فقد ذكر الله عباده في هذه الآيات بعدد
من النعم من خلق الأنعام، وتملیکها لهم،
وتسخيرها للركوب والأكل، وشرب ألبانها،
وغير ذلك من المنافع، ثم حضھم علی شکر
هذه النعم وغيرها فقال: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾
أفلا يشكرون هذه النعم التي توجب العبادة
شكرًا، ولو شکرتم لزادکم من فضله، ولو
كفرتم لسلبها منكم، فما قولكم؟ أفلا
تشکرون استدامة لها واستزادة فيها؟(١).
وقوله: ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ استفهام
تعجيبي لتر کھم تکریر الشکر علی هذه النعم
المتعددة(٢).
وجيء بالفعل المضارع ﴿يَشْكُرُونَ﴾
المفيد للتجديد والاستمرار؛ لأن تلك النعم
متتالية متعاقبة في كل حين (٣).
يقول سيد قطب: ((﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾
وحين ينظر الإنسان إلى الأمر بهذه العين
وفي هذا الضوء الذي يشيعه القرآن الكريم،
فإنه یحس لتوه أنه مغمور بفیض من نعم الله،
فیض یتمثل في كل شيء حوله، وتصبح کل
مرة يركب فيها دابة، أو يأكل قطعة من لحم،
أو يشرب جرعة من لبن، أو يتناول قطعة من
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٠٦/٢٦.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦٧/٢٣.
(٣) انظر: المصدر السابق.
والآيات السابقة تتجلى هداياتها في بيان
أن الشرب نعمة عظمى من نعم الله على
خلقه، وأنه يجب مقابلة هذه النعم بالشكر
والاعتراف بمنعمها، وتسخيرها في طاعته.
٣. عدم الإسراف.
نھی الله عباده عن الإسراف في کل أمور
حياتهم، ومما ورد النهي فيه عن الإسراف
موضوع الشرب، فقد قال تعالى آمرًا عباده
بالأكل والشرب من الطيبات، ناهيًا عن
الإسراف: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لَا
يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
والإسراف: تجاوز الحد المتعارف في
الشيء(٥). والإسراف إما أن يكون بالزيادة
على القدر الكافي، والشره في المأكولات
الذي يضر بالجسم، وإما أن يكون بزيادة
الترفه في المآكل والمشارب واللباس، وإما
بتجاوز الحلال إلى الحرام (٦).
(٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٩٧٥/٥.
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩٢/٨.
(٦) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٢٨٧.
www. modoee.com
١٩٧

حرف الشین
وقد بغض الله تعالى الإسراف للناس
ببيان أنه سبحانه لا يحبه ولا يرضاه لعباده
فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ لأن
الإسراف يؤدي إلى إضرار أبدانهم،
وحرمان لغيرهم، وضياع لذوي الحاجة
في الجماعة الإسلامية، كما قال ابن عباس:
ما من مسرف إلا ووراءه حق مضيع. وقد
أكد سبحانه وتعالى بغضه للإسراف بنفي
المحبة، ومحبة الله مطلب المؤمنين(١).
﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ﴾ هذا الأمر
المقيد بما عطف عليه من النهي، إرشاد عال
أيضًا فيه صلاح للبشر في دينهم ومعاشهم
ومعادهم، لا يستغنون عنه في وقت من
الأوقات، ولا عصر من الأعصار، وكل
ما بلغوه من سعة العلم في الطب وغيره
لم يغنهم عنه، بل هو يغني المهتدي به في
أمره ونهيه عن معظم وصايا الطب لحفظ
الصحة(٢).
قال بعض السلف: جمع الله الطب
كله في نصف آية: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ وَلَا
شْرِفُواْ﴾(٣).
وقال ابن عباس: كل ما شئت، والبس
ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف
.
ومخيلة (٤)
والآية تظهر هدايتها في لفت أنظارنا
إلی الترشید وعدم الإسراف، وھکذا علمتنا
سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم قولًا
وعملًا.
٤. عدم العتو والإفساد في الأرض.
أنعم الله على عباده بالنعم الكثيرة
ليستعملوها في عمارة الأرض، وطاعة
ربهم، ونھی الله عباده عن استغلال النعم
في العتو والإفساد في الأرض، وقد ورد
النهي عن ذلك أيضًا في حديث القرآن عن
الشرب، فقال تعالى في قصة بني إسرائيل:
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا أَضْرِب
بِعَصَاكَ الْحَجَرِّ فَأَنْفَجَرَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَشْرَةً
عَيْنَّا قَدْ عَلِ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمَّ كُلُواْ
وَأَشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ
مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠].
فالآية تذكر حال بني إسرائيل، وما أنعم
الله عليهم من النعم، ومنها نعمة الأكل
والشرب، ثم نهاهم عن العتو والإفساد، أي:
لا يكون شكركم على النعمة بالإفساد في
الأرض، فتتحول النعم التي بين أيدیکم إلى
نقم، وتصبحوا على ما فعلتم نادمين.
والنهي متوجه إلى بني إسرائيل
خصوصًا؛ لأن النعمة إذا كثرت على أمثال
(١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٦/ ٢٨١٨.
(٢) المنار، محمد رشيد رضا ٣٤١/٨.
(٣) معالم التنزيل، البغوي ٢٢٥/٣، تفسير القرآن (٤) أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا في كتاب
اللباس، ٧ / ١٤٠.
العظيم، ابن كثير ٤٠٦/٣.
١٩٨
القرآن الكريم

الشرب
بني إسرائيل كانت مظنة الفساد (١).
والنهي وإن کان متوجهًا لبني إسرائيل،
إلا أنه نهي للبشرية جميعًا؛ فإن النعمة حتى يصل المتأمل إلى إخلاص العبادة له
قد تنسي العبد حاجته إلى الخالق فيهجر
الشريعة فيقع في الفساد.
والآية ترشدنا إلى أن حق النعمة يهتدوا بما في ذلك من دلالة على تفرد الله
مقابلتها بالشكر، وعدم تسخيرها في الفساد
والإفساد، والبطر والتكبر.
٥. التفکر والاعتبار.
أمر الله عباده في آيات كثيرة بإعمال
العقول والتفكر في نعم الله، للوصول إلى
معرفة الله وعبادته، ومن النعم التي أمر الله
عباده بالتفكر فيها نعمة الماء وشربه، فقال:
﴿هُوَ أَلَّذِىّ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَّهُ لَكُرٌ مِنْهُ
شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ )
يُثْبِتُ لَكُوبِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَاَلنَّخِيلَ
وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَيَةً لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٠-
١١].
في کمال قدرة الله الذي أنزل هذا الماء
من السحاب الرقيق اللطيف ورحمته، حيث
جعل فيه ماء غزيرًا، منه يشربون وتشرب
مواشيهم، ويسقون منه حروثهم، فتخرج
لهم الثمرات الكثيرة والنعم الغزيرة(٢).
(١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢٤٨/١.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٤٣٦.
فقد ختم الله الآية بالتفكر للحض على
التفكر والتأمل في عظيم قدرته سبحانه؛
عز وجل.
وفي الآية تعريض بالمشركين الذين لم
بالإلهية بأنهم قوم لا يتفكرون(٣).
يقول سيد قطب: ((﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةٌ
لِقَوْمٍ يَنَّفَكَّرُونَ﴾ في تدبير الله لهذا
الكون، ونواميسه المواتية لحياة البشر،
وما كان الإنسان ليستطيع الحياة على هذا
الكوكب لو لم تكن نواميس الكون مواتية
لحياته، موافقة لفطرته، ملبية لحاجاته. وما
هي بالمصادفة العابرة أن يخلق الإنسان في
هذا الكوكب الأرضي، وأن تكون النسب بین
هذا الكوكب وغيره من النجوم والكواكب
هي هذه النسب، وأن تكون الظواهر الجوية
والفلكية على ما هي عليه، ممكنة للإنسان
من الحياة، ملبية هكذا لحاجاته على النحو
الذي نراه.
والذين يتفكرون هم الذين يدركون
حكمة التدبير، وهم الذين يربطون بين
ظاهرة كظاهرة المطر وما ينشئه على
الأرض من حياة وشجر وزروع وثمار،
وبين النواميس العليا للوجود، ودلالتها على
الخالق وعلى وحدانية ذاته ووحدانية إرادته
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٥/١٤.
www. modoee.com
١٩٩

حرف الشین
ووحدانية تدبيره. أما الغافلون فيمرون على
مثل هذه الآية في الصباح والمساء، في
الصيف والشتاء، فلا توقظ تطلعهم، ولا تثير
استطلاعهم، ولا تستجيش ضمائرهم إلى
البحث عن صاحب هذا النظام الفريد))(١).
والآيات فيها حث على ضرورة التفكر
والتأمل في نعمة الشرب، وما يكتنفها من
النعم؛ وصولًا من وراء ذلك إلى وحدانية
الخالق وعبادته، والإيمان بقدرته وإبداعه.
مشروبات أهل الجنة وصفة شربها
الجنة هي دار النعيم التي أعدها الله
لعباده المؤمنين، وقد أعد الله لهم فيها من
النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت،
ولا خطر على قلب بشر، وأنواع النعيم في
الجنة لا حصر لها ولا عدد، ومن هذا النعيم
مشروبات أهل الجنة، وقد ذكر الله في
کتابه عددًا من مشروبات أهل الجنة، وصفة
شربهم، وبيان ذلك فيما يأتي:
أولًا: مشروبات أهل الجنة:
أخبرنا الله أن في الجنة أنهارًا، وعيونًا،
﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ
فقال:
الضَلِحَتِ أَنَّ لَمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
الْأَنْهَرُ ﴾[البقرة: ٢٥].
وقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ﴾
[الحجر: ٤٥].
ومن هذه الأنهار والعيون تأتي أشربة
أهل الجنة، وهذه الأشربة لا حصر لها ولا
عدد، فقد قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَتَأْ بِمَا
كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٩].
فترك ذکر المأکول والمشروب لتنوعهما
وكثرتهما، وهذا ما يعبر عنه بأن حذف
المتعلق يفيد العموم، وقال: ﴿ مُتَّكِينَ فِيهَا
يَدْعُونَ فِيَهَا بِفَكِهَةٍ كَثِيَرَةِ وَشَرَابٍ﴾ [ص:
٥١].
أي: بألوان متنوعة متكثرة من الفواكه،
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ /٢١٦٢.
٢٠٠
جَوْسُو ◌َرَ النَّفْسِيْ
القرآن الكريم

الشرب
وشراب كثير، فحذف ((كثير)) لدلالة الأول هذه الأصناف من التفكه الذي هو تنعم أهل
اليسار والرفاهية (٤)
عليه (١)، وخص الشراب والفاكهة من بين
ما يتنعم به فيها، لأن بلاد العرب قليلة
الفواكه والأشربة، فالنفس إليها أشوق،
وفي ذكرها أرغب، كما أن في ذلك إيماء
إلى أن مطاعمهم وشربهم للتغذي والتفكه
والتلذذ (٢). وتنوين ﴿وَشَرَابِ﴾ هنا للتعظيم
والتنويع.
وقد نص القرآن على بعض مشروبات
أهل الجنة، وهذا بيانها:
١. الماء.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَِّى وُعِدَ الْمُنَّقُونَّ فِيَا
أَنْهَرٌ مِن ◌ٍَّ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِّنِ لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَرَ طَعْمُهُ.
وَتْهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلِشَّرِبِنَ وَأَنْهَرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفَى﴾
[محمد: ١٥].
وسبب اختيار الأنهار من الأجناس
الأربعة: لأن المشروب إما أن يشرب لطعمه
فألذها: الحلو وهو متمثل بالعسل، والدسم
متمثل باللبن، وإما لأمر غير عائد إلى الطعم:
متمثلاً بالماء والخمر (٣).
وهذه الأصناف المذكورة في الآية
كانت من أفضل ما يتنافسون فيه، ومن أعز
ما یتیسر الحصول علیه، فکیف الكثير منها،
فكيف إذا كان منها أنهار في الجنة. وتناول
(١) فتح البيان، القنوجي ١٢/ ٥٦.
(٢) انظر: تفسير المراغي ١٣٠/٢٣.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨/ ٤٧.
وبدأ الله بالماء في الآية التي تتحدث عن
أنهار الجنة لأن أهل الدنيا لا يستغنون عنه
بأي حال من الأحوال(٥).
وبما أن الجنة لا تشابه الدنيا فقد ذكر
الله تعالى صفة الماء في الجنة بقوله: ﴿غير
مَاسِنِ﴾ يقال: أسن الماء، وأسن يأسن: إذا
تغير ريحه تغيرًا منكرًا(٦)، والمعنى: أي غير
متغير، لا بوخم، ولا بريح منتنة، ولا بحرورة
ولا بكدورة، بل هو أعذب المياه وأصفاها
وأطيبها ريحًا وألذها شربًا(٧).
وقد قرأ ابن كثير: (غير أسن) والمقصود
به: الإخبار به عن الحال، وقرأ الجمهور:
﴿غير ،َاسِنِ﴾ يريد به أن يكون كذلك في
المستقبل(٨)، فالمراد من القراءتين بيان
أن ماء الجنة لا يتغير لا في الحال ولا في
المستقبل ، وإنما هو ماء طيب لذيذ، تشتهيه
النفوس.
وقد وصف الله الأنهار بأنها جارية،
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/ ٩٦.
(٥) روح المعاني، الألوسي ٤٨/٢٦.
(٦) المفردات، الراغب ١٨/١.
(٧) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٩/٢٦، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣٦/١٦، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٧/٤، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص٧٨٦.
(٨) انظر: الحجة للقراء السبعة، الفارسي
١٩١/٦.
www. modoee.com
٢٠١

حرف الشین
ومعلوم أن الماء الجاري لا يأسن، فالفائدة
من قوله: ﴿غَيْرِ ءَاسِنٍ﴾ الماء الجاري وإن
كان لا يأسن، فإنه إذا أخذ منه شيء وطال
مكثه أسن، وماء الجنة لا يعرض له ذلك،
ولو طال مكثه ما طال(١).
وَمَاءٍ
ووصف الله ماء الجنة بقوله:
تَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١].
أي: جارٍ في منازلهم، من غير أخدود،
ولا يحتاجون فيه إلى جلب من الأماكن
البعيدة، ولا الإدلاء في بئر (٢).
٢. اللبن.
قال تعالى: ﴿وَهَرٌ مِّنِ لَّبَنٍ لَّمْ يَنَغَيِّرْ طَعْمُهُ,﴾
[محمد: ١٥].
ذكر اللبن بعد الماء لأنه يجرى مجرى
المطعوم لكثير من العرب في غالب
أوقاتهم(٣). وقد نفى الله عز وجل آفة اللبن،
وهي فساده بتغير طعمه إلى الحموضة كما
تتغير ألبان الدنيا؛ لأنهم كانوا إذا حلبوا
وشربوا أبقوا ما استفضلوه إلى وقت آخر؛
لأنهم لا يحلبون إلا حلبة واحدة أو حلبتين
في اليوم، فیقع في طعم اللبن تغیر (٤) . بل هو
(١) حادي الأرواح، ابن القيم ص ٣٧٢.
(٢) نظم الدرر، البقاعي ٧ / ٤٠٩.
(٣) تفسير المراغي ٢٦/ ٥٧.
(٤) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٢٥/٤،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/ ٨١، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٨٦.
مؤشراَةُ النَفسِّيّة
جوسين
القرآن الكريمِ
في غاية البياض، والحلاوة، والدسومة (٥).
٣. الخمر.
﴿وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلِشَّرِبِينَ﴾ [محمد:
١٥].
وذكرها بعد الماء واللبن لأنه إذا حصل
الري والشبع تشوفت النفس لما يستلذ به (٦).
وقال: ﴿الَّذَّةٍ لِلِشَّرِبِنَ﴾ للإشعار بأنها
لذیذة لجميع من يشربونها، بخلاف خمر
الدنیا؛ فإن من الناس من ينفر منها ويعافها
حتى ولو كان على غير دين الإسلام(٧).
ونفى القرآن عن خمر الآخرة ما هو
موجود في خمر الدنيا، فليس فيها حموضة
ولا مرارة، ولم تدنسها الأرجل بالدوس،
ولا الأيدي بالعصر، ولیس في شربها ذهاب
عقل ولا صداع ولا وجع بطن، ولا آفة من
آفات الخمر، بل خمر الآخرة لذيذة لهم،
طيبة الشرب، لا يتكرهها الشاربون بخلاف
خمر الدنيا، فإنها كريهة عند الشرب، وخمر
الآخرة لمجرد الالتذاذ، وتفريح الطبع، وقد
تكون سببًا في تقوية البدن، تعويضًا عن
خمور الدنيا، وخمر الآخرة حسنة المنظر
والطعم والرائحة والفعل (٨). قال تعالى:
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٣/٧.
(٦) تفسير المراغي ٢٦/ ٥٧.
(٧) التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٣٠/١٣.
(٨) انظر: فتح البيان، القنوجي ١٣/ ٦٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٣/٧، تفسير
المراغي ٢٦/ ٥٧.
٢٠٢

الشرب
◌ْيُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسِ مِن ◌َّعِينٍ )
لِلشَّرِبِينَ ﴿ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَ هُمْ عَنْهَا يُنَزَّقُونَ ﴾
[الصافات: ٤٥ - ٤٧].
وقال: ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾
[الواقعة: ١٩].
وقال: ﴿يَزَعُونَ فِيَهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا
تَأْثِيمٌ ﴾ [الطور:
قال ابن عباس: في الخمر أربع خصال:
السكر، والصداع، والقيء، والبول. فذكر
الله خمر الجنة، فنزهها عن هذه الخصال(١).
وقد أخبر الله أن خمر الجنة تمزج
بالكافور فقال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن
كَأْسِ كَانَ مِزَاجُهَا كَانُورًا (٥)عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا
عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْسِيرًا﴾ [الإنسان: ٥-٦].
والكأس في اللغة: هو الإناء الذي فيه
الشراب، وإذا لم یکن فیه الشراب لم یسم
كأسًا، بل هو إناء، وقد يطلق الكأس على
نفس الخمر (٢).
والآية تخبرنا أن الأبرار وهم الذين برت
قلوبهم بما فيها من محبة الله ومعرفته،
والأخلاق الجميلة، فبرت جوارحهم،
واستعملوها بأعمال البر، أخبر أنهم
﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأَسِ﴾ أي: شراب لذيذ من
خمر قد مزج بكافور، أي: خلط به ليبرده
ویکسر حدته، وهذا الكافور في غاية اللذة
(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٣٢١١/١٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٧ / ١٣.
(٢) انظر: فتح البيان، القنوجي ١٤ / ٤٦٠.
بَيْضَآءَ لَذَّةٍ قد سلم من كل مكدر ومنغص، موجود
في كافور الدنيا، فإن الآفة الموجودة في
الأسماء التي ذكر الله أنها في الجنة وهي في
الدنيا تعدم في الآخرة (٣). وقوله: ﴿يُفَجِرُونَهَا
تَفْسِيرًا﴾ أي: يشقونها شقًا، كما یفجر الرجل
النهر هاهنا وهاهنا إلى حيث يريد. وقال
مجاهد: يقودونها حيث شاءوا، وتتبعهم
(٤)
حيثما مالوا مالت معهم .
هذه أقوال تتعاضد على أن المراد
بالكأس والشارب في الآية هي الخمر،
لكن ما المانع أن يشمل الشراب غير الخمر؛
خاصة إذا كان الحديث عن نعيم أهل الجنة،
فلهم أن يشربوا ما شاءوا مما أعده الله لهم؟!
وقد اختلف العلماء في قوله تعالى:
﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ هل هي اسم عين
في الجنة أم أن ماء هذه العین ببرد الکافور أو
ريحه أو طعمه؟
قال الحسن: ((بيرد الكافور وطعم
الزنجبيل»(٥). وقال قتادة: ((المقصود ريح
الكافور))(٦). وقال السدي: ((كأن طعمه
طعم الكافور))(٧). وقال عطاء: ((إن ماء
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٩٠١.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٤٠/٢٣،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩ / ٩٦.
(٥) النكت والعیون، الماوردي ٤/ ٧٥.
(٦) المصدر السابق.
(٧) المصدر السابق.
www. modoee.com
٢٠٣

حرف الشین
تلك العين يسمى كافورًا))(١). وقد ذهب يعرفونه في الدنيا لأجل أن يرغبوا ويسعوا
فيما يوصلهم إلى هذا النعيم المقيم (٤).
الرازي إلى: ((أن ماء ها في بياض الكافور
ورائحته وبرده، ولكن لا يكون فيه طعمه
ولا مضرته، فالمعنى من ذلك الشراب:
یکون ممزوجًا بماء هذه العين)»(٢). وجمع
أبو السعود والألوسي بين هذه الآراء فقالا:
ماء كافور، هو اسم عين
آي:
وسميت هذه العين سلسبيلاً، قيل: إنها
سلسلة يصرفونها حيث شاءوا(٥). وقيل:
لأنها تنسل عليهم في مجالسهم وغرفهم
وطرقاتهم (٦). وقيل: لأنها سلسلة السبيل،
أي : حديده جديدة الجدية تسيل في
حلوقهم انسلالًاً(٧).
كَافُورًا
في الجنة، ماؤها في بیاض الكافور ورائحته
وبر ده»(٣)
وأخبر تارة أن الخمر تمزج بالزنجبيل،
فقال: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيَهَا كَأْسًا كَانَ مِنَ اجُهَا زَتْجِيلًا ()
عَيْنَافِيَهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٧ - ١٨].
والمعنى أن أهل الجنة يسقون في
الجنة كأسًا من الخمر ممزوجة بالزنجبيل،
وقد كانت العرب تستلذ مزيج الشراب
بالزنجبيل لطيب رائحته، وقال مقاتل : هو
زنجبيل لا يشبه الدنيا، أي : يلذع الحلق
فتصعب إساغته.
الأشجار والثمار والقصور والنساء والحور
والمأكولات والأشربة والملبوسات لا يشبه
ما في الدنيا إلا في مجرد الاسم، لكن الله
سبحانه وتعالی یرغب الناس ويطمعهم بأن
يذكر لهم أحسن شيء وألذه وأطيبه مما
(١) معالم التنزيل، البغوي ٢٩٣/٨.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٠٠/٣١.
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٧/ ١٠٠، روح المعاني، الألوسي ٢٩/ ٥٠.
وقد تعاضدت كلمة المفسرين على أن
المراد بالشراب هنا الخمر أيضًا ، لكن قد
يشمل الشراب غير الخمر، كما سبق بيانه.
وعن حكمة مزج الخمر بالكافور في
الآية الأولى، وبالزنجبيل في هذه الآية يقول
ابن القيم: ((فأخبر سبحانه عن العين التي
يشرب بها المقربون صرفًا، إن شراب الأبرار
يمزج منها؛ لأن أولئك أخلصوا الأعمال
كلها لله، فأخلص شرابهم، وهؤلاء مزجوا
فمزج شرابهم))(٨). وقال ابن كثير: ((فتارة
قلت: وكذلك ما في الجنان من يمزج لهم الشراب بالكافور وهو بارد، وتارة
بالزنجبيل وهو حار؛ ليعتدل الأمر))(٩).
وقد یوهم أن شربهم من هذه الكأس
الممزوجة بالكافور والمسك قد تؤثر
(٤) فتح البيان، القنوجي ١٤/ ٤٧١.
(٥) جامع البيان، الطبري ٢٩/ ٥٠.
(٦) النكت والعيون، الماوردي ٤ / ٦٠.
(٧) تفسير غريب القرآن، ابن قتيبة ٤ / ٨٠.
(٨) حادي الأرواح، ابن القيم ص٣٨٢.
(٩) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٤٨٠.
٢٠٤
جوسى
القرآن الكريمِ

الشرب
في عقولهم، فقال واصفًا هذا الشراب
﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١].
فهذا احتراس مما يوهمه شربهم من
الكأس الممزوجة بالكافور والزنجبيل من أن
يكون فيها ما في أمثالها المعروفة في الدنيا،
ومن الغول وسوء القول والهذيان، فعبر عن
ذلك بكون شرابهم طهورا بصيغة المبالغة
في الطهارة، وهي النزاهة من الخبائث، أي
: منزهًا عما في غيره من الخبائة والفساد،
وللإشعار بأن هذا الشراب قد بلغ النهاية في
الطهارة (١).
وأسند سقیه إلى ربهم إظهارًا لكرامتهم،
أي: أمر هو بسقيهم ، كما يقال: أطعمهم
رب الدار وسقاهم(٢).
وفي آية أخرى وصف الله شراب أهل
الجنة من الخمر فقال: ﴿يُسْقَوْنَ مِن ◌َّحِيقٍ
مَّخْتُومٍ خِتَفُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٥ -
٢٦].
والرحيق: اسم للخمر الطيبة الصافية،
الخالية من كل ما يكدر أو يذهب العقل.
وهذه الخمر مختوم على إنائها بخاتم،
بحيث لم تمسها يد قبل أيديهم. وهذه
الخمر -أيضًا- من صفاتها أن شاربها يجد
في نهاية شربها ما يشبه المسك في جودة
الرائحة(٣).
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٠٠/٢٩.
(٢) المصدر السابق.
(٣) التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٢٦/١٥.
الجمع بين موهم الاختلاف:
قال الله: ﴿وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ﴾ [محمد: ١٥].
وقال: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَخْتُورٍ﴾
[المطففين: ٢٥].
والنهر لا يختم عليه، فكيف الجمع بين
الآيتين؟ طريق الجمع بينهما أن المذكور
في سورة المطففين في أوانٍ مختوم عليها؛
لشرفها ونفاستها، وهي غير تلك الخمر التي
في الأنهار (٤).
٤. العسل.
﴿وَأَنْهَرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفَى﴾
قال تعالى:
[محمد: ١٥].
في غاية الصفاء وحسن اللون، والطعم،
والريح(٥). والعسل يشوب أجزاؤه من
الشمع والشوائب وغيرها ما هو موجود في
عسل أهل الدنيا (٦).
نهاية الحديث عن
وسبب ذكره في
أنهار الجنة؛ لما فيه من الشفاء في الدنيا
مما يعرض من المشروب والمطعوم، فهو
متأخر بالرتبة(٧).
قال ابن القيم: ((ثم تأمل اجتماع هذه
الأنهار الأربعة التي هي أفضل أشربة
(٤) انظر: فتح البيان، القنوجي ١٣٥/١٥.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ١٧٧ .
(٦) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٩/٢٦، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٢٦/ ٤٨.
٤٨/٢٦،
(٧) انظر: روح المعاني، الألوسي
تفسير المراغي ٢٦/ ٥٧.
www. modoee.com
٢٠٥

حرف الشین
الناس، فهذا لشرابهم وطهورهم، وهذا كلوا واشربوا مما تشتهيه أنفسكم، من
لقوتهم، وهذا للذتهم وسرورهم، وهذا أصناف المآكل والمشارب اللذيذة، متهنئين
لمنفعتهم)» (١).
والآيات التي تحدثت عن شراب أهل
الجنة تتجلى هداياتها في بيان عظيم نعمة
الله علی أهل الجنة، وأن إيمانهم كان سببًا
في نيلهم هذه المكانة العظمى، كما فيها
تحفيز وتشويق النفوس لهذا النعيم.
ثانيًا: صفة شراب أهل الجنة:
كما ذكر القرآن أشربة أهل الجنة، وعدد
أنواعًا منها، فقد ذكر أيضًا صفة شربهم؛ بيانًا
لهذا النعيم، وتشويقًا للنفوس، وصفة شراب
أهل الجنة هي:
١. شراب هنيء.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُثَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَعِيمٍ
١٧
فَكِهِينَ بِمَآ ءَائَمُهُمْ رَبُّمُ وَوَقَنَّهُمْ رَبُّهُمْ
عَذَابَ الْجَحِيمِ ( كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيًَ بِمَاكُنتُمْ
تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٧ -١٩].
فتخبرنا الآيات بأن الذين اتقوا ربهم
لهم جنات ونعيم، متمتعين على وجه الفرح
والسرور بما أعطاهم الله من النعيم الذي
لا یمکن وصفه، ووقاهم عذاب الجحيم،
فرزقهم المحبوب، ونجاهم من المرهوب؛
لما فعلوا ما أحبه الله، وجانبوا ما يسخطه
ويأباه، ويقال لهم وهم في هذا النعيم:
(١) انظر: حادي الأرواح، ابن القيم ص٣٧٣.
بتلك المآكل والمشارب على وجه الفرح
والسرور والبهجة والحبور (٢).
والهنيء: كل ما لا يلحق فيه مشقة، ولا
یعقب وخامة، ولا تنغیص فیه، ولا نكد، ولا
کدر، ولا أذى(٣).
وقوله: ﴿مَنِيَا﴾ إشارة إلى خلو الأكل
والشرب عما يكون فيها من المفاسد في
الدنيا، منها: أن الآكل يخاف من المرض فلا
يهنأ له الطعام.
يخاف النفاد فلا يسخو
ومنها: أنه
بالأكل، والكل منتفٍ في الجنة فلا مرض
ولا انقطاع، فإن كل أحد عنده ما يفضل
عنه. ولا إثم ولا تعب في تحصيله؛ فإن
الإنسان في الدنيا ربما يترك لذة الأكل لما
فيه من تهيئة المأكول بالطبخ والتحصيل من
التعب أو المنة، أو ما فيه من قضاء الحاجة
واستقذار ما فيه، فلا يتهنا، وكل ذلك في
الجنة منتفٍ.
ومنها: أنهم أمنوا من الموت، فلا يفوتهم
هذا النعيم؛ فإن ما لا يبقى أو لا يبقى الإنسان
معه منغص، وذلك منتفٍ في الجنة (٤).
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨١٥.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٦٥/١٧، روح المعاني، الألوسي ٣٢/١٤.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٠٦/٢٨،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧/ ٦٥.
٢٠٦
صَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِير
لِلْقُرآن الكَرِيمِ