النص المفهرس

صفحات 61-66

السياسة
وفي مراتب الاجتهاد، وعذر المجتهد
إذا أخطأ الاجتهاد.
٥. عدم الاغترار بالملك والسلطان ،
وذلك في قول الهدهد لسليمان عليه
السلام: ﴿أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِ﴾
[النمل: ٢٢]. فهو تنبيه لسليمان بأن في
مخلوقات الله تعالى ممالك وملوكًا
تداني ملكه أو تفوقه في بعض أحوال
الملك.
٦. إن معرفة أحوال الممالك والأمم
من أهم ما يعنى به ملوك الصلاح،
ليكونوا على استعداد بما يفاجئهم من
تلقائها.
٧. ومن مقومات السياسة الرشيدة:
التثبت في قبول الأخبار، فيجب على
الإمام أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ
العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن
أعذارهم.
٨. إرسال الكتب والرسل إلى غير
المسلمين وتبيلغهم الدعوة، ودعائهم
إلى الإسلام، وذلك في قوله تعالى:
﴿أَذْهَب ◌ِّكِتَبِ هَذَا فَأَلْقِّهِ إِلَيْهِمْ﴾
[النمل: ٢٨]. وقد كتب النبي صلى الله
علیه وسلم إلی کسری وقیصر وغيرهم.
٩. جواز طلب الإمارة لمن وجد نفسه
كفئًا لها، ليتوصل إلى إمضاء أحكام
الله تعالى، وإقامة الحق وبسط العدل،
ابتغاء وجه الله لا لحب الملك والدنيا.
١٠. ينبغي للحاكم مراعاة الحالة
الاقتصادية للناس والبلاد، والادخار
في أيام الرخاء لأيام الشدة.
١١. جواز الحيل المشروعة للتوصل
إلى الحق.
١٢. العفو والصفح مع القدرة
والسلطان.
١٣. اجتهاد الحاكم في تتبع أحوال
الناس، والقيام بما يحتاجونه ويطلبونه،
ودفع الظلم عنهم.
١٤. الاعتراف بنعمة الله تعالى والثناء
عليه، وأن الملك والتمكين بيد الله
تعالی.
١٥. مشاورة أهل الحل والعقد فيما
يتعلق بأمور الأمة ومصالح العباد.
١٦. إن الرشاوى سبب في فساد الدين
والحكم والممالك.
www. modoee.com
٦٧

حرف السین
العلاقة السياسية بين الدول
العلاقة السياسية بين الدول لها أهمية
كبيرة في الإسلام، حيث أولاها عناية
واضحة من خلال نصوص الكتاب والسنة،
وقد اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم
بها في حياته، وسار على نهجه الخلفاء
الراشدون من بعده.
وأشير هنا إلى هذه العلاقة على النحو
الآتي:
أولًا: الدول الإسلامية:
بالنظر إلى العلاقة السياسية بين الدول
الإسلامية نجد أنها تتمثل في بعض آيات
الكتاب العزيز، منها:
﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
قوله تعالى:
فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيُّكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[الحجرات: ١٠].
وقوله تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ ﴾ [التوبة: ٧١].
هذه الموالاة: هي المؤازرة، والمعاونة،
واتصال الأيدي(١).
والولاء والتوالي: أن يحصل شيئان
فصاعدًا حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما،
ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان،
ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٦٣٦/٢،
الجواهر الحسان، الثعالبي ٢/ ١١٢.
حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد، والولاية
النصرة، والولاية تولي الأمر(٢).
ومقتضى هذه الولاية بين الدول
الإسلامية، التعاون والتناصر على جميع
المستويات، وفي شتى المجالات، سواء
كان تعاونًا اقتصاديًا أو علميًا أو طبيبًا أو غير
ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اُسْتَنَصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ
فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم
مِيثَقُّ﴾ [الأنفال: ٧٢].
كما أن من مقتضى الولاية بين الدول
الإسلامية، التناصر فيما بينهم، والتعاون
العسكري والدفاعي عن بلدان المسلمين،
فالمسلمون کالجسد الواحد، والجهاد إنما
يجب - إذا داهم العدو المسلمين- على
أهل تلك البلدة، فإن عجزوا فمن حولهم،
وهكذا قال ابن قدامة: (ومن حضر الصف
من أهل فرض الجهاد، أو حضر العدو بلده،
تعين عليه)(٣)
فالجهاد فرض عين في موضعين:
أحدهما: إذا التقى الزحفان وهو حاضر.
والثاني: إذا نزل الكفار بلد المسلمين،
تعين على أهله النفير إليهم.
هذا في أهل الناحية ومن بقربهم، أما
البعيد على مسافة القصر، فلا يجب عليه،
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني
ص٥٣٣.
(٣) المقنع ص ٨٦.
٦٨
جوية
القرآن الكريم

السياسة
إلا إذا لم یکن دونهم کفایة من المسلمین.
فمفهوم قوله: (أو حضر العدو بلده) أنه لا
یلزم البعید. وهو صحیح، إلا أن تدعو حاجة
لحضوره، كعدم كفاية الحاضرين للعدو،
فيتعين أيضًا على البعيد(١).
وفي روضة الطالبين: الجهاد الذي
هو فرض عين، إذا وطىء الكفار بلدة
للمسلمين، أو أطلوا عليها ونزلوا بابها
قاصدين ولم يدخلوا، صار الجهاد فرض
عین، وعن ابن أبي هريرة وغيره أنه یبقی
فرض كفاية، والصحیح الأول، فیتعین علی
أهل تلك البلدة الدفع بما أمكنهم(٢).
وبهذا يتبين لنا أن علاقة المسلمين
بعضهم ببعض تقوم على الولاء والنصرة
والمعاونة، ومن صور التعاون المعاصرة
التي حرصت عليها الدول الإسلامية: الدفاع
المشترك، والتعاون السياسي والحربي،
ونحو ذلك.
ثانيًا: الدول غير الإسلامية:
يمكن استتنباط جوانب العلاقة السياسية
بين الدول غير الإسلامية من خلال الآيات
الآتية:
قال الله تعالى: ﴿﴿لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ
اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَّحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا
فِى قُلُوبِهِمْ فَأَزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَنَبَهُمْ فَتْحًا
(١) انظر: الإنصاف، المرداوي ١٠/ ١٥.
(٢) انظر: روضة الطالبين، النووي ٢١٤/١٠.
قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].
وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم
أسس المعاهدات والمواثيق للدولة
الإسلامية في علاقاتها سواء مع الدول
الإسلامية الأخرى أو الدول غير الإسلامية،
والمسلمون عاهدوا الله في زمن الرسول
صلی الله عليه وسلم عدة عهود:
أولها: عهد الإسلام.
ومنها: عهد المسلمين عندما يلاقون
الرسول صلى الله عليه وسلم وهو البيعة،
أن لا یشرکوا بالله شیئا، ولا یسرقوا، ولا
یزنوا، ولا یقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان
يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصونه
في معروف، وهو عين العهد الذي ذكره
القرآن في سورة الممتحنة عند ذكر بيعة
النساء المؤمنات، كما ورد في الصحيح أنه
كان يبايع المؤمنين على مثل ذلك.
ومنها: بيعة الأنصار رسول الله صلى
الله عليه وسلم في موسم الحج سنة ثلاث
عشرة من البعثة قبل الهجرة، وكانوا ثلاثة
وسبعين رجلا التقوا برسول الله صلى الله
عليه وسلم بعد الموسم في العقبة، ومعهم
العباس بن عبد المطلب، فبايعوا على أن
يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم
كما يمنعون نساءهم وأبناءهم، وعلى أنهم
یأوونه إذا هاجر إليهم.
وقد تقدم هذه البيعة بيعتان:
www. modoee.com
٦٩

حرف السين
إحداهما: سنة إحدى عشرة من البعثة،
بايعه نفر من الخزرج في موسم الحج.
والثانية: سنة اثنتي عشرة من البعثة، بايع
اثنا عشر رجلًا من الخزرج في موسم الحج
بالعقبة ليبلغوا الإسلام إلى قومهم.
ومن المواثيق: ميثاق بيعة الرضوان
في الحديبية تحت الشجرة سنة ست من
الهجرة، وفي كل ذلك واثقوا على السمع
والطاعة في المنشط والمكره(١).
وقال تعالى: ﴿لَّا يَنَهَنَّكُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ
يُقَِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم ◌ِّن دِيَزِكُمْ أَنْ نَبُّوهُمْ
وَتُقْسِطُوْاْ إِلَهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) إِنََّا
يَكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَأَخْرَبُوكُم
يّنِ دِيَرِكُمْ وَظَهَرُ واْعَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَنَوَأُمْ
فَأُوْلَكَ هُمُ الكَلِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨-٩].
فيه دليل على جواز التصدق على أهل
الذمة دون أهل الحرب، ووجوب النفقة
للأب الكافر الذمي، وأما الحربي فيجب
قتله(٢).
وفيه نص صريح على عدم النهي
المذكور في خصوص من لم يعادوهم في
الدين(٣).
وقوله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوْاْ إِنَّ اللّهَ لَا
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].
فقال الربيع بن أنس: أول آية نزلت في
(١) انظر: التحرير والتنوير ٥٤/٥.
(٢) انظر: أحكام القرآن، الكيا الهراسي ٤٠٩/٢.
(٣) انظر: أضواء البيان ٨/ ٨١.
الإذن بالقتال في المدينة، وقال آخرون:
نزلت هذه الآية في صلح الحديبية، فإنه
صلى الله عليه وسلم لما انصرف من صلح
الحديبية إلى المدينة، حين صده المشركون
عن البيت، صالحهم على أن يرجع عامه
القابل، ويخلو له مكة ثلاثة أيام، فلما كان
في العام القابل، تجهز رسول الله صلى
الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة القضاء،
وخافوا أن لا تفي لهم قريش، وأن يصدوهم
عن البيت ويقاتلونهم، وكره أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالهم في
الشهر الحرام في الحرم، فأنزل الله تعالى:
﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُوتَكُمْ﴾ يعني:
قريشًا الذين صالحوهم، ﴿وَلَا تَعْتَدُواْ
فنبذوا في الحرم بالقتال (٤).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ خَرَجُواْ
مِن دِيَرِهِم بَطَرًا وَرِثَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيٌِّ ﴾
[الأنفال: ٤٧].
جيء في نهيهم عن البطر والرئاء بطريقة
النهي عن التشبه بالمشركين، إدماجًا للتشنيع
بالمشركين وأحوالهم، وتكريهًا للمسلمين
تلك الأحوال ؛ لأن الأحوال الذميمة تتضح
مذمتها، وتنکشف مزید الانكشاف إذا كانت
من أحوال قوم مذمومین عند آخرين، وذلك
أبلغ في النهي، وأكشف لقبح المنهي عنه.
فنهوا عن أن يشبهوا حال المشركين في
(٤) انظر: أحكام القرآن، الكيا الهراسي ١/ ٨٠.
٧٠
جوية
لِلْطَرَآن الكَرِيْمِ

السياسة
خروجهم لبدر إذ خرجوا بطرًا ورئاء الناس،
لأن حق کل مسلم أن یرید بکل قول وعمل
وجه الله، والجهاد من أعظم الأعمال
الدينية(١).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ عَهَدَثَّ مِنْهُمْ
ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا
يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٥٦].
والمعاهدة في هذه الآية المسالمة وترك
الحرب، وأجمع المتأولون أن الآية نزلت
في بني قريظة، وهي بعد تعم كل من اتصف
بهذه الصفة إلى يوم القيامة (٢). والقاعدة: أن
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَ مِن قَوْمٍ
خِيَانَةٌ فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
اَلْفَآَيِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨].
أباح الله لرسوله صلى الله عليه وسلم
إذا توقع من أعدائه غائلة من مکر، أن ینبذ
إليهم على سواء، حتى لا يقول المبطل: إنك
نقضت العهد بنصب الحرب، ولم ينبذ إلى
أهل مكة عهودهم، بل غزاهم نبذًا، لأنهم
كانوا نقضوا العهد، لمعاونة هذيل على
خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم،
ولذلك جاء أبو سفيان إلى المدينة يسأل
تجديد العهد بينه وبين قريش، فلم يجبه
الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذلك،
فلأجل ذلك لم يحتج إلى النبذ إليهم، إذ
كانوا أظهروا نقض العهد بنصب الحرب
(١) انظر: التحرير والتنوير ١٢٥/٩.
(٢) انظر: المحرر الوجيز ٦٢١/٢.
لحلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم(٣).
قال ابن كثير: أذن الله لنبيه صلى الله
﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَ مِن
عليه وسلم بقوله:
قَوْرٍ﴾ قد عاهدتهم ﴿خِيَانَةٌ﴾ أي: نقضًا
لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود،
﴿فَنَبِذٌ إِلَيْهِمْ﴾ أي: عهدهم، ﴿عَلَى سَوَآءِ﴾
أي: أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم، حتى
يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم، وهم
حرب لك، وأنه لا عهد بينك وبينهم على
السواء، أي: تستوي أنت وهم في ذلك(٤).
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال:
٦١].
أمر الله المسلمين بأن لا يأنفوا من السلم،
وأن يوافقوا من سأله منهم. والجنوح: الميل،
وهو مشتق من جناح الطائر: لأن الطائر إذا
أراد النزول مال بأحد جناحيه، وهو جناح
جانبه الذي ينزل منه(٥).
وقال تعالى: ﴿إِلَّا أَلَّذِينَ عَهَدُم مِّنَ
الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوَكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُطَهِرُواْ
عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَنِّفُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مَُّّتِهِمَّ إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤].
قال ابن عباس: إن المشركين أخذوا
في نقض عهودهم التي بينهم وبينه صلى
الله عليه وسلم، فأمر الله تعالى نبيه فيمن
كان عهده أربعة أشهر، أن يقره إلى مضي
(٣) انظر: أحكام القرآن، الكيا الهراسي ٢/ ١٦٢.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٩/٤.
(٥) انظر: التحرير والتنوير ١٤٧/٩.
www. modoee.com
٧١

حرف السين
من شهر ربيع الآخر، ومن كان له من العهد
أکثر، أمر أن يحط إلى ذلك، ومن كان أقل،
أمر أن يرجع به إلى هذا القدر، ومن لم يكن
له عهد، أمر أن يجعل له خمسین لیلة من یوم
النحر إلى انسلاخ المحرم، إلا حي من بني
كنانة، كان قد بقي من عهدهم تسعة أشهر،
فأمر الله تعالی أن یتم عهدهم إلی مدتهم،
وهو معنى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدتُّم مِّنَ
اٌلْمُشْرِكِينَ﴾(١).
لما كان طلب السلم والهدنة من العدو
قد يكون خديعة حربية، ليغروا المسلمين
بالمصالحة، ثم يأخذوهم على غرة، أيقظ
الله رسوله لهذا الاحتمال، فأمره بأن يأخذ
الأعداء على ظاهر حالهم، ويحملهم على
الصدق، لأنه الخلق الإسلامي، وشأن أهل
المروءة، ولا تكون الخديعة بمثل نكث
العهد. فإذا بعث العدو کفرهم على ارتكاب
مثل هذا التسفل، فإن الله تكفل للوفي
بعهده، أن يقيه شر خيانة الخائنين. وهذا
الأصل، وهو أخذ الناس بظواهرهم، شعبة
﴿قَاتِمُوا
من شعب دين الإسلام، قال تعالى:
إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾
ومن أحكام الجهاد عن المسلمين أن لا
يخفر للعدو بعهد (٢).
وفي الكلام تنويه بمعالي أخلاق
المسلمين، وغض من أخلاق أهل الشرك،
(١) انظر: أحكام القرآن، الكيا الهراسي ١٧٢/٢.
(٢) انظر: التحرير والتنوير ٩/ ١٥٠.
هذه المدة، وذلك من يوم النحر إلى عشر وأن سبب ذلك الغض الإشراك الذي يفسد
الأخلاق، ولذلك قال تعالى: ﴿ذَلِكَ یِأَنَهُمْ
قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦] جعلوا قوما
لا يعلمون دون أن يقال بأنهم لا يعلمون:
للإشارة إلى أن نفي العلم مطرد فيهم،
فيشير إلى أن سبب اطراده فيهم، هو نشأته
عن الفكرة الجامعة لأشتاتهم، وهي عقيدة
الإشراك.
والعلم في كلام العرب، بمعنى: العقل
وأصالة الرأي، وأن عقيدة الشرك مضادة
لذلك، أي: كيف يعبد ذو الرأي حجرًا صنعه
وهو يعلم أنه لا يغني عنه(٣).
وقال سبحانه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ
مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨].
والأسير في دار الإسلام لا يكون إلا
مشركًا (٤).
فإذا كان الإحسان إلى العدو الحربي
الأسير حث عليه القرآن، وشرعه الإسلام،
فإن غیر الحربي من باب أولى وأحری.
موضوعات ذات صلة:
الاقتصاد، التمكين، الجهاد، الحضارة،
الحرية، الخلافة، الشورى، العدل
(٣) انظر: التحرير والتنوير ٢٧/١٠.
(٤) انظر: أحكام القرآن، الكيا الهراسي ٤٢٨/٢.
٧٢
جَوَسُولَهُ النَّهِ
القرآن الكريمِ