النص المفهرس
صفحات 41-60
السياسة والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، والتفضل بالإحسان، والصفح والعفو، والوفاء بالعهد، وعدم نقض الميثاق، والصبر، والأمر بالعمل الصالح، والنهي عن الظلم، والآيات في ذلك أكثر من أن يستوعبها هذا المجال. ونصوص القرآن العديدة في شأن الیتیم، زادت على العشرين موضعًا(١). قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. في هذه الآية أمر بمراعاة مكارم الأخلاق ومداراة الناس، والمعنى: استعمال العفو، وقبول ما سهل من أخلاق الناس، وترك الاستقصاء عليهم في المعاملات، وقبول العذر ونحوه(٢). قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أثقل شيءٍ في ميزان المؤمن خلقٌ حسنٌ)(٣). وروى ابن عمر أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي المؤمنين أفضل؟ فقال: (أحسنهم خُلُقًا) (٤). (١) انظر: المصدر السابق ٨/ ٥٦٤. (٢) انظر: أحكام القرآن، الكيا الهراسي ١٤١/٢. (٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الشهادات، باب بيان مكارم الأخلاق ومعاليها التي من كان متخلقا بها كان من أهل المروءة التي هي شرط في قبول الشهادة على طريق الاختصار، ١٩٣/١٠، رقم ٢٠٥٧٨. وصححه الألباني في صحيح الجامع ١٤/١. (٤) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، ٢/ ١٤٢٣، رقم ٤٢٥٩. وقد جمعت هذه الآية مكارم الأخلاق، لأن فضائل الأخلاق لا تعدو أن تكون عفوًا عن اعتداء ، فتدخل في: ﴿خُذِ الْعَنْوَ﴾، أو إغضاء عما لا يلائم فتدخل في: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾، أو فعل خير واتسامًا بفضيلة فتدخل في: ﴿وَأَمُرْ بِاَلْعُرْفِ﴾. وهذا معنى قول جعفر بن محمد: في هذه الآية أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها، وهي صالحة لأن يبين بعضها بعضًا، فان الأمر بأخذ العفو يتقيد بوجوب الأمر بالعرف، وذلك في كل ما لا يقبل العفو والمسامحة من الحقوق، وكذلك الأمر بالعرف یتقید بأخذ العفو ، وذلك بأن يدعو الناس إلى الخير بلين ورفق(٥). فجعل الله تعالى أصل شريعته إكمال ما يحتاجه البشر من مكارم الأخلاق في نفوسهم، ولا شك أن الرسول صلى الله علیه وسلم أکبر مظهر لما في شرعه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَأَتَبِعْهَا﴾ [الجاثية: ١٨]. وأمره أن يقول: وَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣]. فكما جعل الله رسوله صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم، جعل شريعته لحمل الناس على التخلق بالخلق العظيم بمنتهى وحسنه الألباني في صحيح وضعيف الترغيب والترهيب ١٦٤/٣. (٥) انظر: التحرير والتنوير ٤٠١/٨. www. modoee.com ٤٧ حرف السين الاستطاعة. وبهذا يزداد وضوحًا معنى التمكن الذي أفاده حرف الاستعلاء في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. فهو متمکن منه الخلق العظيم في نفسه، ومتمكن منه في دعوته الدينية(١). قال القرطبي: تضمنت هذه الآية قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات، فقوله: ﴿خُذِ اٌلْعَفْوَ﴾ دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطیعین. ودخل في قوله: ﴿وَمُّنْ يِاَلْعُرْفِ﴾ صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار. وفي قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة (٢). وقال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الَّنِّ إِنَّ بَعْضَِ اَلَّنِ إِنْرٌ وَلَا تَّمْتَسُواْ وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضَأَ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوَةٌ وَأَنَّقُواْ اللّهَ إِنَّ [الحجرات: ١٢]. اَللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَلَّا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا السَِّئَةُ أَدْفَعْ بِأَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَلَا الَّذِى بَيْنَكَ (١) انظر: المصدر السابق ٢٩/ ٦١. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٢١٩/٧. وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُوَلِىُّ حَمِيدٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. ١٠٠٠٠ ///٣ ((لبيان ما في ذلك الأمر من الصلاح ترويضًا على التخلق بذلك الخلق الكريم، وهو أن تكون النفس مصدرًا للإحسان، ولما كانت الآثار الصالحة تدل على صلاح مثارها. وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالدفع بالتي هي أحسن، أردفه بذكر بعض محاسنه، وهو: أن يصير العدو کالصدیق، وحسن ذلك ظاهر مقبول، فلا جرم أن یدل حسنه علی حسن سببه»(٣). وهذا من جملة حسن الأدب في الخدمة في حق صحبتك مع الله؛ تحلم مع عباده لأجله، ومن جملة حسن الخلق في الصحبة مع الخلق ألا تنتقم لنفسك، وأن تعفو عن خصمك (٤). ٠ ﴿وَإِذْأَ خَذْنَا مِيثَقَ بَنِيّ وقال سبحانه: إِسْرَّهِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَ بِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. وهذه الشرائع من أصول الدين، التي أمر الله بها في كل شريعة، لاشتمالها على المصالح العامة، في كل زمان ومكان، فلا يدخلها نسخ، کأصل الدين(٥). وقد أمر الله بالإحسان في آيات كثيرة (٣) التحرير والتنوير ٥٨/٢٥. (٤) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ١٤٣/٧. (٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٧. ٤٨ جوية القرآن الكريم السياسة منها: قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقوله: ﴿وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [النساء: ١٤]. ٣٦]. وقال سبحانه: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ اَلْفَسَادَ فِ الْأَرْضِّ إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]. وحض الله في كتابه على العفو ، فقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىُّ وَلَا تَنسَوأُ اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّاللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. قال الأمين الشنقيطي: ((فانظر: ما في هذه الآية من الحض على مكارم الأخلاق من الأمر بالعفو والنهي عن نسيان الفضل)»(١). ((والعفو أقرب إلى صفة التقوى من التمسك بالحق؛ لأن التمسك بالحق لا ینافي التقوى ، لكنه يؤذن بتصلب صاحبه وشدته، والعفو يؤذن بسماحة صاحبه ورحمته، والقلب المطبوع على السماحة والرحمة، أقرب إلى التقوى من القلب الصلب الشديد، لأن التقوى تقرب بمقدار قوة الوازع، والوازع شرعي وطبيعي، وفي القلب المفطور على الرأفة والسماحة لين يزعه عن المظالم والقساوة، فتكون التقوى أقرب إليه لكثرة أسبابها فيه))(٢). (١) انظر: أضواء البيان ٣/ ٥٠. (٢) التحرير والتنوير ٤٤٣/٢. ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وقال سبحانه: وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن: وفي الحقوق العامة أوامر ونواهي، عبادات ومعاملات، جاءت آیات الوصايا العشر، التي قال عنها ابن مسعود رضي الله عنه: من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمة فليقرأ: ﴿﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَاحَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمَّ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَدَ كُم مِّنْ إِمْلَقٍ أَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَاهُمٌ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌ وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَضَّنَّكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُوْ نَّعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]. فهذه الآية تعرف بالوصايا العشر، والتي هي جامعة لأبواب الخير، وموصدة لأبواب الشر، فصارت هذه السورة بحق جامعة لأصول الرسالة (٣)، حيث ذكر الله تعالى فيها مبادئ الأخلاق العامة التي يصلح بها المجتمع الإسلامي، والذي يبين أن النظام السياسي في الإسلام اهتم بجانب الأخلاق وحفظ الحقوق ورعايتها اهتمامًا ظاهرًا. ومن ذلك: بر الوالدين، ورعاية حق الأولاد والإحسان إليهم، والنهي عن قتلهم خشية الفقر، والنهي عن الفواحش، والنهي (٣) انظر: أضواء البيان ٩/ ٩٦. www. modoee.com ٤٩ حرف السين عن قتل النفس المحرمة إلا بالحق. ٣. کامل وشامل. تناول كتاب الله عز وجل قضايا الناس والمجتمعات، سواء كانت المتعلقة بالعبادات أو المعاملات أو المناكحات أو العلاقات السياسية أو القضايا الاجتماعية أو محاسن الاخلاق ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَكِنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]. وبين ذلك في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِ الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. فلا شك أن القرآن فيه بیان كل شيء، والسنة كلها تدخل في آية واحدة منه، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَنْكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾(١) [الحشر: ٧]. والسنة والإجماع والقياس والاجتهاد مستندة إلی تبیین الکتاب، فمن ثم کان تبيانًا لكل شيء(٢). والقرآن أنزله الله تعالى كتابًا لصلاح أمر الناس کافة، رحمة لهم لتبلیغهم مراد الله منهم. قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِبْيَنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ فكان المقصد الأعلى منه صلاح الأحوال الفردية، والجماعية، والعمرانية. فالصلاح الفردي يعتمد تهذيب النفس وتزكيتها، ورأس الأمر فيه صلاح الاعتقاد، لأن الاعتقاد مصدر الآداب والتفكير، ثم صلاح السريرة الخاصة، وهي العبادات الظاهرة كالصلاة، والباطنة كالتخلق بترك الحسد والحقد والكبر. وأما الصلاح الجماعي فيحصل أولًا من الصلاح الفردي، إذ الأفراد أجزاء المجتمع، ولا يصلح الكل إلا بصلاح أجزائه، وهناك شيء زائد على ذلك وهو ضبط تصرف الناس بعضهم مع بعض، على وجه يعصمهم من مزاحمة الشهوات ومواثبة القوى النفسانية، وهذا هو علم المعاملات، ويعبر عنه عند الحكماء بالسياسة المدنية. وأما الصلاح العمراني فهو أوسع من ذلك إذ هو حفظ نظام العالم الإسلامي، وضبط تصرف الجماعات والأقاليم بعضهم مع بعض على وجه يحفظ مصالح الجميع، ورعي المصالح الكلية الإسلامية، وحفظ المصلحة الجامعة عند معارضة المصلحة القاصرة لها، ويسمى هذا بعلم العمران وعلم الاجتماع. وصار مجموع التشريع الحاصل بالقرآن والسنة، كافيًا في هدي الأمة في عبادتها، ومعاملتها، وسياستها، في سائر عصورها، (١) انظر: أضواء البيان ٤٢٨/٢. (٢) انظر: الكشاف ٥٨٦/٢. جَوَسُور القرآن الكريم السياسة بحسب ما تدعو إليه حاجاتها، فقد کان الدین وافيًا في كل وقت بما يحتاجه المسلمون (١). والله عز وجل نص على بعض الأحكام، وأجمل القول في بعضها، وأحال على الأدلة في سائرها بقوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىَّ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ. مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. فیین النبي صلى الله عليه وسلم ما أجمله الله في كتابه، كما أمره، حيث يقول: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. فما أحل صلی الله عليه وسلم، أو حرم، ولم يوجد في القرآن نصّا، فهو مما بین من مجمل القرآن، أو علمه بما نصب من الأدلة فيه (٢). فما ترك القرآن شيئًا من أمر الدين إلا وقد دلنا عليه؛ إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة، يتلقى بيانها من الرسول صلى الله علیه وسلم، أو من الإجماع، أو من القیاس الذي ثبت بنص الكتاب. فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره، إما تفصيلا وإما تأصيلاً. وقال: ﴿أَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾(٣) [المائدة: ٣]. تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِ (١) انظر: التحرير والتنوير ٣١/٥٣٦/١. (٢) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ١/ ٤٤٣. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٢٧٠-٢٧١. شىء﴾ أي: من تحليل وتحريم، ومحبوب ومكروه، وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبات، والنهي عن المحرمات، وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن الأمور على الجلية، وعن الغيوب المستقبلة المجملة والتفصيلية، والإخبار عن الرب تبارك وتعالى بالأسماء والصفات، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقات، فلهذا كان: ﴿وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]. تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد، ومن الضلالة إلى السداد، ويبتغون به الرحمة من رب العباد، في هذه الحياة الدنيا ويوم المعاد (٤). ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. ﴿وَمَّآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ ◌َهُمُ الَّذِىِ اخْتَلَفُواْ فِيَةٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]. وهذا الكمال والشمول للشريعة الإسلامية، يفيد الأمة في مجالات السياسة المختلفة من وجوه: أولها: أن الشمول ينسحب أثره على وقوله: ﴿مَا كَانَحَدِيثًا يُفْتَرَىْ وَلَكِن مناحي الحياة السياسية في جميع مراحلها، بدءًا من ضوابط اختيار الحاكم، ومرورًا بمنهجه في الحكم، وانتهاء بحالات عزله (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم ٤/ ٤٢٧. www. modoee.com حرف السين أو انعزاله. وثانيها: أن الشمول ينفي عن الشريعة تهمة النقص والقصور التي يحاول أعداء الإسلام اتهام الشريعة بها، أو الترويج لها، لا سيما إذا استطاع المسلمون أن يبينوا أوجه الكمال والشمول هذه. وثالثها: أن الشمول والكمال ينبئ عن ربانية مصادر الشريعة، وخلوصها من تهمة استفادتها من أي نظام آخر، سواء كان قانونيًا أو اقتصاديًا أو سياسيًا، فلم تتأثر الشريعة الإسلامية بشريعة فارس ولا الروم، ولا بحكم الصين أو الهند أو غير ذلك من الدول المحيطة بالدولة الإسلامية إبان نزول الوحي، أو إقامة الدولة في المدينة النبوية. ٤ . محقق للمساواة. جاءت الشريعة بمبدأ المساواة بين الناس بغض النظر عن اختلافهم في اللون أو الجنس أو اللغة، وجعلت أساس التفاضل بينهم العمل الصالح. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُمٍ مِنْ ذَكَرٍ وَأَنَى وَجَعَلَكُمْ شُعُوبًا وَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَتُكُمْ إِنَّ الّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. وهذا المبدأ جاءت به الشريعة في وقت كانت العصبية للجنس والقبيلة هي الأساس في المجتمع، وفي تمايز الناس وتفاضلهم. والحكمة في جعله بني آدم شعوبًا وقبائل، هي التعارف فيما بينهم، فالتعارف هو العلة المشتملة على الحكمة، لقوله: ﴿وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ﴾. فيعرف بعضهم بعضًا، ويتميز بعضهم عن بعض لا لأجل أن يفتخر بعضهم على بعض ويتطاول عليه، فاتضح من هذا أن الفضل والكرم إنما هو بتقوى الله لا بغيره من الانتساب إلى القبائل (١). والله تعالى قد علق محبته لخلقه على وصف التقوى والإيمان والإحسان، كقوله: ﴿وَأَحْسِنُوَأْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]. [البقرة : وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ ٢٠٥]. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ وقوله: الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل وقوله: عمران: ٧٦]. و قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَِّرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]. إلى غير ذلك من الآيات. ونفى محبته من وصف الاعتداء والكفر والظلم، كقوله: ﴿وَلَا تَعْتَّدُوَأْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلّ كَفَّارِأَئِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. (١) انظر: أضواء البيان ٤٥/٣ ٤١٧/٧. ٥٢ جَوَسُوع لِلْقُرآن الكَرِيمِ السياسة عمران: ٣٢]. ٥٧]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْقَآيِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]. الشريعة الإسلامية عامة لجميع البشر في کل زمان ومكان. قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَانَّةٌ لِلنَّاسِ بَشِيرًاً وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨]. وهي باقية لا يلحقها نسخ ولا تغيير ؛ لأن الناسخ يجب أن يكون بقوة المنسوخ أو أقوى منه، فلا ينسخ الشريعة وهي تشريع من الله إلا تشريع آخر من الله سبحانه، وحيث إن الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع ومحمد صلی الله عليه وسلم خاتم النبيين، لقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَا أَحَدٍ مِّنِ رِجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّيْنَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. فلا يتصور أن ينسخها أو يغيرها شيء. وعموم الشريعة وبقاؤها وعدم قابليتها وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ﴾ [آل للنسخ والتبديل كل ذلك يستلزم عقلًا أن تكون قواعدها وأحكامها على نحو يحقق وقوله: ﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ﴾ [آل عمران: مصالح الناس في كل عصر ومكان، ويفي بحاجاتهم ولا يضيق بها ولا يتخلف عن أي مستوی عال یبلغه المجتمع، وهذا كله متوفر في الشريعة الإسلامية ؛ لأن الله تعالى وهو العليم ؛ إذ جعلها عامة في المكان إلى غير ذلك من الآيات. والزمان وخاتمة لجميع الشرائع، جعل ٥. العالمية. الله قواعدها وأحكامها على نحو يجعلها صالحة لكل زمان ومكان، وهذا ما يدل عليه واقع الشريعة ومصادرها وطبيعة مبادئها وأحکامها وما ابتنت علیه هذه الأحكام، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَزْسَلْنَكَ إِلَّرَحْمَةُ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. والرحمة تتضمن رعاية مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم (١). وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم رسول إلى جميع الناس، وصرح بذلك في آيات كثيرة، كقوله: ﴿ وَمَّا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَافَّةٌ لِلنَّاسِ؟ وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَّكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. وقوله: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ (١) انظر: المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، عبدالكريم زيدان ص٣٩- ٤٠. www. modoee.com ٥٣ حرف السين مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]. هذا القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا اَلْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُم بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. وصرح بشمول رسالته لأهل الكتاب مع العرب بقوله: ﴿وَقُل لِلَّذِينَ أُوتُّواْ الْكِتَبَ وَأَلْأُمِّيِِّنَ ءَ أَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ أَهْتَدَوَّاً فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ﴾ [آل عمران: ٢٠]. إلى غير ذلك من الآيات(١). وهذه الآيات وأمثالها من أصرح وسلامه عليه إلى جميع الخلق، كما هو معلوم من دينه ضرورة، وکما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث(٢). وما بعث نبيًا في أمة إلا أن یکون بلغتهم، فاختص کل نبي بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غیرهم، واختص محمد بن عبد الله رسول الله بعموم الرسالة إلى سائر الناس (٣)، كما ثبت في الصحيحين عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي وذكر منها: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصةً وبعثت إلى الناس كافةً)(٤). (١) انظر: أضواء البيان ٤١/٢. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦/٢. (٣) انظر: المصدر السابق ٤ / ٤٧٧. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التيمم، وهو ما يفيده العموم في كلمة (للناس) وقيد في موضع آخر: عموم رسالته ببلوغ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِنَبَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ أَهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ" وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١]. وقوله: ﴿هَذَا بَصَُّ لِلنَّاسِ وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ ◌ِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٢٠]. وقوله سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَّانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. هذه الآية الكريمة تدل على عموم رسالته الدلالات على عموم بعثته، صلوات الله صلى الله عليه وسلم الأسود والأحمر والجن والإنس، لدخول الجميع في قوله تعالى: ﴿لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٥). قال الطيبي: مدار هذه السورة على كونه صلى الله عليه وسلم مبعوثًا إلى الناس كافة، ينذرهم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولهذا جعل براعة استهلالها ﴿تَبَارَكَ الَّذِى ◌َزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِه لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾، وذكر بدائع من صنعه تعالى، جمعًا بين الاستدلال والتذكير، وأعقب ذلك بتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم على دعوته ومقاومته الكافرین(٦). ويظهر في رسالة النبي صلى الله عليه ١٢٨/١، رقم ٣٢٨، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد، ٦٣/٢، رقم ١١٩١. (٥) انظر: أضواء البيان ٣/٦. (٦) انظر: التحرير والتنوير ٦/١٩. ٥٤ جَوَُّور القرآن الكريم السياسة وسلم شمول البعثة في قوله: ﴿لِلْعَلَمِينَ نَذِيرً﴾، وعموم الرحمة في قوله: ﴿وَمَاً أَرْسَلْنَكَ إِلَّرَحْمَةُ لِلْعَلَمِينَ﴾(١). وقال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٧]. هذا وعالمية الشريعة الإسلامية تمثل ثراء كبيرًا في مجال السياسة الداخلية والخارجية، وأبرز مظاهر هذا الثراء في تقديري ما يلي: أولًا: أن عالمية الإسلام أعون للحاكم على تنفيذ تعاليم الشرع وتحكيم شرع الله عز وجل في دولته، مما لا يتأتى معه مجال للنقد أو الاعتراض من الدول غير الإسلامية. ثانيًا: أن هذه السمة (العالمية) تفتح آفاقًا للتعاون المثمر بين الدول الإسلامية المختلفة، حيث يكون الهدف والتشريع واحدًا. (١) انظر: روح المعاني ١/ ٥٤. نماذج قرآنية من السياسة جعل الله عز وجل كتابه العظيم دليلًا للسالكين وهداية للراغبين، قال سبحانه: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. فمن تأمله وتدبره وعمل بما فيه وجد بغيته وضالته. وقد ذكر الله تعالى في كتابه نماذج سياسية من أنبياء الله تعالى وغيرهم، حتى تكون قصصهم عبرة لأولي الألباب، ومن هذه النماذج قصة نبي الله داود وسليمان ويوسف عليهم الصلاة والسلام، وكذلك قصة ذي القرنين، وملكة سبأ، وهو ما سأتناوله في النقاط الآتية: أولًا: دواد وسليمان عليهما السلام: جمع الله تعالى النبوة والحكم في بيت واحد لداود وسليمان عليهما السلام، وهذه نعمة كبيرة غير مسبوقة في بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ: ١٠]. فذكر الله عز وجل في هذه الآية الكريمة أنه آتی داود منه فضلا تفضل به علیه، وبین هذا الفضل الذي تفضل به على داود في آيات أخر، كقوله: ﴿وَقَّتَلَ دَاوُودُ جَالُونَ وَءَاتَنَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَاَلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ. مِنَايَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]. آتى الله داود الملك الذي كان بيد طالوت والحكمة، أي: النبوة، ﴿وَعَلَّمَهُ. www. modoee.com حرف السين مِنَايَشَآءُ﴾ أي: مما یشاء الله من العلم الذي اختصه به صلی الله عليه وسلم (١). وقوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ, وَءَاتَيْنَهُ اُلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ لَلْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]. وقوله: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًاً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥]. وقوله: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِفَةً فِی اَلْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. إلى غير ذلك من الآيات. قال الله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودٌّ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الَّيْرِ وَأُوتِنَا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ اَلْفَضْلُ اَلْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦]. بين الله سبحانه في هذه الآية وراثة سليمان لدواد وتميزه بالنعم الأخرى واتساع ملکه، فورث من داود نبوته وعلمه وملكه دون سائر أولاده، وكان لداود عليه السلام تسعة عشر ابنًا، ولذا قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦](٢). وقد اتصف ملك داود وسليمان عليهما السلام بالقوة والعدل والحكمة، قال تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلگهُ﴾ عبارة عامة لجميع ما وهبه (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٦٩/١. (٢) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ١٩٣/٧. وَفَصّلَ الله تعالى من قوة وجند ونعمة، اَلِطَابِ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو فصل القضاء بين الناس بالحق وإصابته وفهمه(٣). وذكر الله عز وجل أنه أعطى داود ملكًا وسلطانًا لم یکن لآبائه، وفي ذلك إيماء إلى أن شأن محمد صلی الله عليه وسلم سيصير إلى العزة والسلطان، ولم یکن له سلف ولا جند، فقد كان حال النبي صلى الله عليه وسلم أشبه بحال داود عليه السلام. وفي ذلك الإيماء إلى التحذير من الضجر في ذات الله تعالى، واتقاء مراعاة حظوظ النفس في سياسة الأمة، إبعاده لرسوله صلى الله عليه وسلم عن مهاوي الخطأ والزلل، وتأدییًا له في أول أمره وآخره، مما أن يتلقى بالعذل. وكان داود أيضًا قد صبر على ما لقيه من حسد ((طالوت» ملك إسرائيل إياه على انتصاره على جالوت ملك فلسطين (٤). وقد حصلت بعض الوقائع في بني إسرائيل أبرزت ذكاء سليمان عليه السلام وحكمته، ومن ذلك ما يلي: أولًا: واقعة الغنم التي نفشت في الحرث: قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ إِذْنَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ ﴿ فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلَّا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَاً وَسَخَّرْنَا (٣) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ٤/ ٣٤. (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٧/٢٣. ٥٦ جوية القرآن الكريمِ السياسة مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالْغَّيْرْ وَكُنَّا فَعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: ٧٨-٧٩]. وکان داود ملكًا نبيًا يحكم بين الناس فوقعت هذه النازلة، وكان ابنه إذ ذاك قد کېر وکان یجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم، وكانوا يدخلون إلى داود من باب آخر، فتخاصم إلیه رجل له زرع، دخلت حرثه غنم رجل فأفسدت عليه، فرأى داود دفعها إلى صاحب الحرث، فخرجا علی سلیمان، فشکی صاحب الغنم فجاء سلیمان فقال: يا نبي الله، إني أرى ما هو أرفق بالجميع، أن يأخذ صاحب الغنم الحرث يقوم عليه ويصلحه حتى يعود كما كان، ويأخذ صاحب الحرث الغنم في تلك المدة ينتفع بمرافقها من لبن وصوف ونسل، فإذا عاد الحرث إلی حاله، صرف كل مال صاحبه إليه، فرجعت الغنم إلى ربها والحرث إلى ربه، فقال داود: وفقت يا بني وقضى بينهما بذلك (١). باجتهاد لا بوحي، وأن سلیمان أصاب، فاستحق الثناء باجتهاده وإصابته، وأن داود لم يصب فاستحق الثناء باجتهاده، ولم يستوجب لومًا ولا ذمًا بعدم إصابته. کما أثنى على سليمان بالإصابة في قوله: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَ﴾ وأثنى عليهما في قوله: ﴿وَكُلًا (١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٣٠٦/٦. مَنَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فدل قوله: ﴿وَكُلًّا ءَانَيْنَا﴾ على أنهما حكما فيها معًا، كل منهما بحکم مخالف لحکم الآخر، ولو کان وحیًا لما ساغ الخلاف. ثم قال: ﴿فَغَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَ ﴾ فدل ذلك على أنه لم يفهمها داود، ولو کان حکمه فيها بوحي لكان مفهمًا إياها كما ترى، فقوله: ﴿وَكُلَّ ءَانَيْنَا﴾ مع قوله: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَ﴾ قرينة على أن الحكم لم يكن بوحي بل باجتهاد، وأصاب فیه سلیمان دون داود بتفهیم الله إياه ذلك. والقرينة الثانية: هي أن قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَهَا ﴾ يدل على أنه فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع، لا أنه أنزل عليه فيها وحيًا جديدًا ناسخًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَهَا﴾ أليق بالأول من الثاني، كما ترى(٢). وقدم سليمان في الذكر على داود لتوفر علمه، وتأخر ذکر داود لتشريفه بذکر کتابه، فما فاته من التقديم اللفظي حصل به التضعيف من التشريف المعنوي (٣). وفي الآية قرينتان على أن حكمهما كان وإبرازه في جملة مستقلة له بالذكر ولكتابه، وقد أوتي سليمان الحكمة، وسخر له أهل الصنائع والإبداع ، فاستكملت دولة إسرائيل في زمانه عظمة النظام والثروة (٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤ /١٧٠. (٣) انظر: البحر المحيط ٤١٣/٣. www. modoee.com ٥٧ حرف السين والحكمة والتجارة فکان في قصتهما مثل. واحدة، فطمع فيها وقال: أعطنيها، وغلبني وكانت تلك القصة منتظمة في هذا بحجته. السلك الشريف، سلك إيتاء الفرقان والهدى والرشد والإرشاد إلى الخير والحكم والعلم. وكان في قصة داود وسليمان تنبيه على أصل الاجتهاد وعلى فقه القضاء، فلذلك خص داود وسليمان بشيء من تفصيل أخبارهما، أي: وآتينا داود وسليمان حكما وعلما إذ يحكمان إلى آخره، فـ﴿إِذٌ يَحْكُنَانِ﴾ متعلق بـ ﴿ءَانَيْنَا﴾ المحذوف، أي: كان وقت حكمهما في قضية الحرث مظهرًا من مظاهر حكمهما وعملهما. وهذه الآية أصل في اختلاف الاجتهاد، وفي العمل بالراجح، وفي مراتب الترجيح، وفي عذر المجتهد إذا أخطأ الاجتهاد، أو لم يهتد إلى المعارض؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلّ ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ في معرض الثناء عليهما (١). ثانيًا: واقعة المائة نعجة: إذا تسور على داود محرابه رجلان متخاصمان، ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لَا تَخَفٌْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَأَحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَاءِالصِّرَطِ﴾ [ص: ٢٢]. فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون من النعاج، وليس عندي إلا نعجة (١) انظر: التحرير والتنوير ٨٥/١٧، ٠٨٧/١٧ وسأله أن يعطيه نعجته، ولما رأى منه تمنعًا اشتد عليه بالكلام وهدده، فأظهر الخصم المشتكي أنه يحافظ على أواصر القرابة، فشكاه إلى الملك. وبهذا يتبين أن موضع هذا التحاكم طلب الإنصاف في معاملة القرابة؛ لئلا يفضي الخلاف بينهم إلى التواثب، فتنقطع أواصر المبرة والرحمة بینهم. وقد علم داود من تساوقها للخصومة، ومن سكوت أحد الخصمين، أنهما متقاربان على ما وصفه الحاكي منهما، أو كان المدعی علیه قد اعترف، فحكم داود بأن سؤال الأخ أخاه نعجته ظلم؛ لأن السائل في غنى عنها، والمسؤول ليس له غيرها، فرغبة السائل فيما بيد أخيه من فرط الحرص على المال، واجتلاب النفع للنفس بدون اكتراث بنفع الآخر. وهذا ليس من شأن التحاب بین الأخوين، والإنصاف منهما فهو ظلم، وما كان من الحق أن يسأله ذلك، أعطاه أو منعه، ولأنه تطاول عليه فى الخطاب، ولامه على عدم سماح نفسه بالنعجة، وهذا ظلم أيضًا(٢). فقال داود: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَّالِ نَّعْجَئِكَ إِلَى نِعَجِهِ، وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الْخُلَطَِّ لَتْفِي بَعْضُهُمْ عَى بَعْضٍ إِلَّا (٢) المصدر السابق ١٣٥/٢٣. ٥٨ فَضْو جَوَسُولَةُ النَفسِير لِلْقُرْآن الكَرِيمِ السياسة الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ﴾ [ص: ٢٤]. قال ابن كثير رحمه الله: قد ذکر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حدیث یجب اتباعه، ولکن روی ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس - ويزيد وإن كان من الصالحين - لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة، فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة، وأن يرد علمها إلى الله عز وجل، فإن القرآن حق، وما تضمن فهو حق أيضًا(١). وفي قول الهدهد لسليمان عليه السلام: ﴿أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢]. تنبيه لسليمان بأن في مخلوقات الله ممالك وملوكًا تداني ملكه، أو تفوقه في بعض أحوال الملك، جعله الله مثلًا له، کما جعل علم الخضر مثلًا لموسى عليه السلام، لئلا يغتر بانتهاء الأمر إلى ما بلغه هو. وفيه استدعاء لإقباله على ما سيلقى إليه، لأهمية هذا المطلع في الكلام، فإن معرفة أحوال الممالك والأمم من أهم ما يعنى به ملوك الصلاح، لیکونوا على استعداد بما يفاجئهم من تلقائها، ولتكون من دواعي الازدياد من العمل النافع للمملكة، بالاقتداء بالنافع من أحوال غيرها، والانقباض عما (١) انظر: تفسير القرآن العظيم ٧ / ٦٠. في أحوال المملكة من الخلل، بمشاهدة آثار مثله في غيرها(٢). وكان من منهج سليمان عليه السلام في حکمه فيما يتعلق بشأن ملكة سبأ مايلي: * التثبت في قبول الأخبار، وهو قول سليمان للهدهد: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]. دلیل علی أن الإمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم؛ لأن سليمان عليه السلام لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه، وإنما صار صدق الهدهد عذرا لأنه أخبر بما يقتضي الجهاد، وكان سليمان عليه السلام حبب إليه الجهاد، وقد قبل عمر رضي الله عنه عذر النعمان بن عدي ولم یعاقبه، ولکن للإمام أن یمتحن ذلك إذا تعلق به حكم من أحكام الشريعة (٣). ومن منهجه كذلك: إرساله الكتب والرسل لغير المسلمين ودعوتهم، قال تعالى: ﴿أَذْهَب ◌ِّكِتَنِ هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [النمل: ٢٨]. # أمره بالتولي حسن أدب لیتنحی حسب ما يتأدب به مع الملوك، بمعنى: وکن قريبًا حتى ترى مراجعتهم. وقال ابن (٢) انظر: التحرير والتنوير ٢٤٨/١٩. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢٦/١٣. www. modoee.com ٥٩ حرفالسین زيد: أمره بالتولي بمعنى الرجوع إليه؛ في ذلك (٤). أي: ألقه وارجع. ﴿فَأَنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨](١). فأرسل سليمان عليه السلام الهدهد بكتابه ليلقيه إليها، فجمعت قومها وقالت ﴿كَأَيُّهَا الْمَلُوا إِ أُلْغِىَ إِلَ كِبُ كَرِيمٌ ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْسَنِ الرَّحِيمِ نْ أَلَّ تَعْلُواْ عَلَّ وَأَتُونِ مُسْلِمِينَ ﴾ [النمل: ٢٩-٣٠- ٣١]. ومن حکمة بلقیس کونھا لم تذکر من ألقى إليها الكتاب، وما ذاك إلا لتعلم أصحابها أن لها اتصالًا إلى أمور لا يعلمون طريقها. وفي ذلك سياسة منها أورثت الحذر منها في أهل مملكتها وخواص مدبريها، وبهذا استحقت التقديم عليهم. وتأكيد الجملة للاعتناء (٢) بشأن الحكم(٢). وفي هذه الآية دليل على إرسال الكتب إلى المشركين وتبليغهم الدعوة، ودعائهم إلى الإسلام، وقد كتب النبي صلی الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وإلى كل جبار(٣). ولا يدل قوله: ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ على جواز أن تكون المرأة ملكة ؛ لأن ذلك كان من فعل قوم بلقيس، وهم كفار، فلا حجة (١) انظر: المصدر السابق ١٣ /١٢٧. (٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٩٥/١٩. (٣) الجامع لأحكام القرآن ١٢٧/١٣. وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوا بنت كسرى قال: (لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأةٌ)(٥). وكذلك كان، فإنهم لم يستقم لهم أمر، والفلاح الفوز بالمطلوب والتدبير يحتاج إلى كمال الرأي، ونقص المرأة مانع، وفي الحديث دليل على أن المرأة لا تلي الإمارة ولا القضاء ولا عقد النكاح (٦). ثانيًا: يوسف عليه السلام: اصطفى الله تعالى نبيه يوسف للنبوة، وتعرض عليه السلام لمحن وابتلاءات عدة منذ صغره، وكان لهذه المحن أثرها في تكوين شخصيته وحنكته السياسية والإدارية، مما صار به بعد ذلك إلى تولي مقاليد الأمور في مصر ، فسار فيها على أطيب وجه وأحسنه. وقد قال الله تعالى عن يوسف عليه السلام مبينًا صفاته التي اتصف بها: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ, مَاتَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمَأْ وَكَذَلِكَ نَهْزِى (٤) انظر: البحر المحيط ٦٤/٧. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي ، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إى كسرى وقيصر ٤ / ١٦١٠، رقم ٤١٦٣. (٦) انظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن الجوزي ٣٢٥/١. جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم ٦٠ السياسة اٌلْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢]. هذا إخبار عن اصطفاء يوسف عليه السلام للنبوة، ذکر هنا في ذکر مبدأ حلوله بمصر لمناسبة ذكر منة الله عليه بتمكينه في الأرض، وتعليمه تأويل الأحاديث. والأشد: القوة. وفسر ببلوغه ما بين خمس وثلاثین سنة إلى أربعین. وإنما جعل بلوغ الأشد علة، لأنه أقوى أطوار الإنسان وأجلى مظاهر مواهبه في الجسم والعقل، وهو الجانب الأهم، فجعل ((الأشد)» كأنه الغاية المقصودة من تطويره، والأشد: سن الفتوة واستجماع القوى. والحكم والحكمة مترادفان، وهو: علم حقائق الأشياء والعمل بالصالح واجتناب ضده. وأريد به هنا النبوة ، كما في قوله تعالى في ذكر داود وسليمان عليهما السلام: ﴿وَكُلَّا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًاً﴾ والمراد بالعلم علم زائد على النبوة. وتنكير ﴿وَعِلْمَاً﴾ للنوعية، أو للتعظيم. والمراد: علم تعبير الرؤيا، كما سيأتي في قوله تعالى عنه: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِ رَبٍِّ﴾(١) [يوسف: ٣٧]. وقال سبحانه: ﴿ وَكَذَلِكَمَگنَا لُِوسُفَ فِى اُلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ﴾ [يوسف: ٥٦]. ويكنى بالتمكين عن الإقدار وإطلاق التصرف، لأن صاحب المكان يتصرف في (١) انظر: التحرير والتنوير ٤٤/١٢، ١٤٦/١٧. مكانه وبيته، ثم يطلق على التثبيت والتقوية والاستقلال بالأمر. ويقال: هو مكين بمعنى ممكن، فعيل بمعنى مفعول. قال تعالى: ﴿إِنَّكَ أَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِيْنُ أَمِينٌ﴾ [ يوسف: ٥٤]. فهو كناية، أو هو مجاز مرسل مرتب على المعنى الكنائي. والتمكين في الأرض تقوية التصرف في منافع الأرض والاستظهار بأسباب الدنيا، بأن يكون في منعة من العدو، وفي سعة في الرزق وفي حسن حال، قال تعالى: ﴿إِنَّا مَكّنَّا لَهُ فِ الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤]. وقال: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [الحج: ٤١]. فمعنی مکنه: جعله متمكنًا، ومعنی مکن له: جعله متمكنًا لأجله، أي : رعيًا له، مثل حمده وحمد له(٢). ولما تبينت له براءة يوسف وتحقق في القصة أمانته، وفهم أيضًا صبره وعلو همته، عظمت عنده منزلته، وتيقن حسن خلاله(٣). قال ابن العربي في أحكامه: قوله: ﴿إِنَّكَ اَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينُ أَمِينٌ﴾: أي: متمكن مما أردت، أمين على ما ائتمنت عليه من شيء؛ أما أمانته فلظهور براءته، وأما مكانته فلثبوت عفته ونزاهته (٤). ولما فهم يوسف عليه السلام من الملك أنه عزم على تصريفه والاستعانة بنظره، قال: (٢) انظر: المصدر السابق ٢٠/٦. (٣) انظر: الجواهر الحسان ٢٤٣/٢. (٤) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٥٨/٣. www. modoee.com ٦١ حرف السين ﴿قَالَ أَجْعَلْنِى عَلَى خَزَآبِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: هذين القولين أن يفصل ما يتولاه من جهة الظالم على ثلاثة أقسام: ٥٥]. لما في ذلك من مصالح العباد، وطلب يوسف للعمل إنما هي حسبة منه عليه السلام في رغبته في أن يقع العدل، وجائز أيضًا للمرء أن يثني على نفسه بالحق، إذا جهل أمره، و﴿خَزَآینِ﴾: لفظ عام لجميع ما تختزنه المملكة من طعام ومال وغيره(١). فدلت الآية على جواز أن يطلب الإنسان عملًا يكون له أهلًا(٢). وفي هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لا یعارضه فیه، فیصلح منه ما شاء؛ وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره، فلا يجوز ذلك. قال الماوردي: فإن كان المولي ظالما يجز(٣). فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين: أحدهما: جوازها إذا عمل بالحق فيما تقلده؛ لأن یوسف ولي من قبل فرعون، ولأن الاعتبار في حقه بفعله لا بفعل غيره. الثاني: أنه لا يجوز ذلك؛ لما فيه من تولي الظالمين بالمعونة لهم، وتزكيتهم بتقلد أعمالهم. قال الماوردي: والأصح من إطلاق وفهم أيضًا صبره وجلده، عظمت منزلته (١) انظر: الجواهر الحسان ٢٤٣/٢. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٩/ ١٤١. أحدها: ما يجوز لأهله فعله من غير اجتهاد في تنفيذه، کالصدقات والزكوات، فيجوز توليه من جهة الظالم، لأن النص على مستحقه قد أغنى عن الاجتهاد فيه، وجواز تفرد أربابه به قد أغنى عن التقليد. والقسم الثاني: ما لا يجوز أن يتفردوا به ويلزم الاجتهاد في مصرفه، كأموال الفيء، فلا يجوز توليه من جهة الظالم؛ لأنه يتصرف بغير حق، ويجتهد فيما لا يستحق. والقسم الثالث: ما يجوز أن يتولاه لأهله، وللاجتهاد فيه مدخل كالقضايا والأحكام، فعقد التقليد محلول، فإن كان النظر تنفيذًا للحكم بين متراضيين، وتوسطًا بين مجبورين جاز، وإن كان إلزام إجبار لم ومن مقومات الحكم والسياسة التي يمكن أن نستخلصها من قصة نبي الله يوسف عليه السلام ما يلي: أولًا: طلبه للإمارة حين وجد نفسه کفًا لها، ولم یکن في عصره من هو مثله. وذلك أن الملك لما تبينت له براءة يوسف مما نسب إليه، وتحقق في القصة أمانته، عنده وتیقن حسن خلاله، فقال: ﴿آئنُوني (٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣/ ٥٠. ٦٢ جومبو القرآن الكريمِ السياسة [يوسف: ٥٤]، فقال إذا بقيت في غشائها أنحفظت ﴿إِلََّقَلِلَامِمَّا (١) إِى أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى يوسف عليه السلام: ﴿أَجْعَلْنِ عَلَى خَزَآبنِ الْأَرْضِّ إِ حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. أي: أمين أحفظ ما تستحفظنيه، عالم بوجوه التصرف، وصفا لنفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن يولونه، وإنما قال ذلك؛ ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى، وإقامة الحق وبسط العدل، والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد، ولعلمه أن أحدًا غيره لا يقوم مقامه في ذلك، فطلب التولية ابتغاء وجه الله ، لا لحب الملك والدنيا(٢). ثانيًا: أدار شؤون البلاد في المراحل الحرجة، وذلك بالادخار من الرخاء للشدة والعسر لليسر. قال تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ: إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا نَأْكُلُونَ (٢ُمَّبَأِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْ كُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ ◌َنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ () ثُمَ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٧ - ٤٩]. وذلك أن أرض مصر لا یبقی فيها الطعام عامين، فعلمهم حيلة يبقى بها من السنين المخصبة إلى السنين المجدبة، وهي أن يتركوه في سنبله غير مدروس، فإن الحبة (١) انظر: المحرر الوجيز ٢٦٤/٣. (٢) انظر: الكشاف ٤٥٥/٢. نَأَكُونَ﴾ أي: لا تدرسوا منه إلا ما يحتاج إلى الأكل خاصة(٣). وفي هذا دليل على أنه ينبغي للحاكم مراعاة الحالة الاقتصادية للناس والبلاد، والادخار في أيام الرخاء لأيام الشدة. ثالثًا: تعامله في قضية الصواع بحكمة وذكاء في قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ اَلْمَلِكِ وَلِمَنْ جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِه زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. إلى قوله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ أَسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيٍَّ كَذَلِكَ كِذْنَا لِيُوسُفَّ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّ أَنْ يَشَآءُ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِ ذِى عٍِّ عَلِمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]. وصواع الملك: إناء كان يشرب به ويكال به، ويقال له: الصاع، ويذكر ويؤنث (٤). وتعد هذه الآية أصل في الجعالة، وذلك أن يوسف عليه السلام أمر عماله أن يخبئوا الصاع في متاع أخيه، وفي ذلك أيضًا دلیل على جواز الحيل المشروعة. رابعًا: عفوه وصفحه في قضيته مع إخوته مع قدرته ومكانته، وتعامله معهم بالحكمة (٣) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١/ ٧٣٧. (٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٩٠. www. modoee.com ٦٣ حرف السين واللين والكياسة. قال تعالى: ﴿قَالَ لَا ﴿إِنَّا مَكِّنَّا قال الله تعالى عن ذي القرنين: تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمِّ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ لَّهُ فِي الْأَرْضِ وَءَانَيْنَهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ سَبًا﴾ [الكهف: أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]. ٨٤]. رابعًا: ذو القرنين: وهو رجل آتاه الله من القوة والملك ما جعله يجوب أقطار الأرض ويصل إلى مواقع غريبة، وقد اختلف المفسرون في شخصيته، فذهب بعضهم إلى أنه الإسكندر (١). وقد بلغ ملكه إلى أقصى المغرب وإلى أقصی المشرق وإلى أقصى الشمال، بدلیل أن يأجوج ومأجوج قوم من الترك يسكنون في أقصى الشمال، وهذا الذي بلغه ملك هذا الرجل هو نهاية المعمور من الأرض، ومن بلغ ملكه إلى هذا الحد ليس إلا الإسكندر، فوجب القطع أن المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلفوس اليوناني المقدوني(٢). ولم يتجاوز القرآن ذكر هذا الرجل بأكثر من لقبه المشتهر به، إلى تعيين اسمه وبلاده وقومه ؛ لأن ذلك من شؤون أهل التاريخ والقصص، وليس من أغراض القرآن، فكان منه الاقتصار على ما يفيد الأمة من هذه القصة عبرة حكمية أو خلقية (٣). (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠٥/١٨، مفاتيح الغيب، الرازي ١٣٩/٢١، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣١/١١. (٢) انظر: المصادر السابقة. (٣) انظر: التحرير والتنوير ١٢١/١٥. وقد آتاه الله من كل شيء يحتاج إليه في الوصول إلى أغراضه ﴿سَبَبًا﴾ أي: طريقًا موصلاً إليه، والسبب ما يتوصل به إلى المقصود، من علم أو قدرة أو آلة، فأراد بلوغ المغرب ﴿فَأَنْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥]. يوصله إليه حتى بلغ، وكذلك أراد المشرق ﴿فَأَنْبَحَ سَبَبًّا﴾ وأراد بلوغ السدين ﴿فَأَنْبَعَ سَبَبًا﴾ وأصل السبب الحبل، ثم توسع فیه حتى صار یطلق علی ما یتوصل به إلى المقصود (٤). وسياسة ذي القرنين تتمثل لنا من خلال قصته في سورة الكهف في الآتي: أولًا: كان مثالًا للحاكم المجتهد والقائم بالعمل بنفسه لما يتطلبه الأمر، في الانتقال من موضع لآخر، بحثًا عن إسعاد الآخرین، وتتبعًا لأحوال الناس، واستثمارًا للقوة التي منحه الله تعالى إياها. وذلك في قوله تعالى: ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ ﴿فَأَنْبَعَ سَبَبًّا [الكهف: ٨٥- ٨٦]. حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ وقوله: ﴿ثُمَّأَنْبَعَ سَبَبًّا ) الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٩-٩٠]. ﴿ثُمَّأَنْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ و قوله: السَّدَّيْنِ ﴾ [الكهف: ٩٢ -٩٣]. (٤) انظر: البحر المحيط ١٥١/٦. جَوَبُوبَةُ النفسية القرآن الكريمِ ٦٤ السياسة ثانيًا: حرص على إنصاف المظلوم من بالقتل، وقيل: غير ذلك. وقوله: ﴿ثُمَّيُرَةُ الظالم، ومنع الفساد في الأرض، وذلك ببناء إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ, عَذَابًا تُكْرًا﴾ أي: شديدًا بليغًا السد لیحجز يأجوج ومأجوج عن الناس، وجيعًا أليمًا. وفيه إثبات المعاد والجزاء. ولا یجعل لهم طريقًا إليهم. قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَذَا اُلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْمًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٤]. ثالثًا: أراد من قومه أن يكونوا متعاونين معه، وأشركهم في العمل واستعان بهم، فلم يجعلهم شعبًا متواكلًا يعتمد على قوة غيره، وذلك في قوله: ﴿قَالَ مَامَكَِّى فِيهِ رَبِخَيْرٌ فَأَعِنُونِ بِقُوٍَّ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَتْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥]. رابعًا: اعترافه بنعمة الله عليه، وثناؤه عليه، بقوله: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٩٥]. خامسًا: أنه بين معالم سياسته بوضوح في هؤلاء القوم ، وذلك في قوله: ﴿قُلْنَا يَذَا الْفَرْنَيْنِ إِمَّ أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ نَتَّخِذَ فِهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦]. فكان الرد﴿ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ، فَيُعَذِّبُهُ, عَذَابَا تَكْرًا﴾ [الكهف: ٨٧]. فالله تعالى مَكَّنَه منهم وحَكَّمَه فيهم، وأظفره بهم، وخَيَّه: إن شاء قتل وسبى، وإن شاء مَنَّ أو فدى، فعرف عدله وإيمانه في قوله: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ أي: من استمر على كفره وشرکه بربه ﴿فَسوفَنُعَذِّبُهُ﴾ قیل: وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ﴾ أي: تابعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له ﴿فَهُ جَزَآءُ الْحُسْنَى﴾ أي: في الدار الآخرة عند الله عز وجل، ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ قال مجاهد: معروفًا(١). فبين معالم سياسته في حكمهم أن من يستحق العقوبة يعاقب عقابًا دنيويًا، ولا يغنيه ذلك عن عقاب الآخرة. خامسًا: ملكة سبأ: ويظهر السياق القرآني أبرز ملامح السياسة عند ملكة سبأ في ما يلي: حکمة بلقيس في التعامل مع کتاب نبي الله سليمان. مشورتها مع كبار رجال مملكتها ورفض منطق القوة الغير متكافئة. قال تعالى: ﴿قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَوُاْ أَفْتُونِي فِىّ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْ حَقَّ تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢] محاولتها رشوة نبي الله سليمان عليه السلام بالهدايا، ورفضه لذلك. قال تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَاظِرَةٌ؟ ؟ فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَنَ ٣٥ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٣/٥. www. modoee.com ٦٥ حرف السين قَالَ أَتُمِدُونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَيْنِءَ اللّهُ خَيْرٌ مِّمَّاً ءَاتَنَكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ نَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٥-٣٦]. حيث علمت أنه لا طاقة لها بمواجهة سليمان عليه السلام وعداوته وقتاله، کما علمت أن الهدايا تقع موقعًا بالغًا في قلوب الناس، فأرسلت إليه بهدايا من نفائس الأموال، من أجل أن یکف عنهم، وانتظرت رأيه في ذلك، فردها سليمان عليه السلام وقال: ما والمال خيرٌ مما آتاكم، ولم يقبلها هدایاھا. رضوخها لدعوة نبى الله سليمان عليه السلام ودخولها في دينه. قال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]. وقال سبحانه من قول الهدهد عن ملكة سبأ: ﴿إِنِّ وَجَدتُّ أَمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَمَا عَرْشُ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]. وسبأ: هم حمير، وهم ملوك اليمن(١). واسم ملكة سبأ: بلقيس بنت الشيرح، وقيل: شراحيل بن ذي حدن بن اليشرج بن الحرث بن قيس بن صفی بن سبأ بن یشخب بن يعرب بن قحطان. وكان أبو بلقيس الذي يسمى الشیرج، ويلقب بالهدهاد، ملكًا عظيم (١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٧/ ٢٠١. الشأن، وكان يملك أرض اليمن كلها (٢). ﴿وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ من متاع الدنيا ما يحتاج إليه الملك المتمكن، ﴿وَمَاعَرْشُ عَظِيمٌ﴾ أي: سرير تجلس عليه، عظيم هائل مزخرف بالذهب، وأنواع الجواهر واللآلئ(٣). وكان لها قصر عظيم، قد وضع بناؤه على أن تدخل الشمس كل يوم من طاقة، وتغرب من مقابلتها، فیسجدون لها صباحًا آتاني الله من الملك والحكم والنبوة ومساءً؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢٤]. ويمكننا استنباط معالم السياسة الرشيدة في النماذج القرآنية من خلال ما سبق فيما يلي: ١. اتصاف الملك بالقوة والعدل والحكمة. ٢. الحذر من مراعاة حظوظ النفس في سياسة الأمة. ٣. إن العلم والحكمة مطلبان مهمان، بهما يكون قوام الملك والسداد في السياسة ورعاية الأمة. ٤. کان في قصة نبي الله داود وسليمان عليهما السلام تنبيه على أصل الاجتهاد، وعلى فقه القضاء، وهي كذلك أصل في اختلاف الاجتهاد، والعمل بالراجح، (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٦/٦. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم ١٨٦/٦-١٨٧. مُوسُوبَةُ النَّفي القرآن الكريم ٦٦