النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِّيْمِ مـ السّيَّاسِةْ عناصر الموضوع مفهوم السياسة ٨ الألفاظ ذات الصلة ١٠ قواعد السياسة في القرآن ١٢ مقاصد السياسة في القرآن ٢٧ سمات النظام السياسي في القرآن ٤٥ نماذج قرآنية من السياسة ٥٥ العلاقة السياسية بين الدول ٦٨ المُجَلَ التَّاشِعْ عَشَرِ حرف السين مفهوم السياسة أولًا: المعنى اللغوي: أصل كلمة سياسة مشتقة من الفعل ساس يسوس بمعنى: دبر أمور الناس، يقال: ست الرعية سياسة: أمرتهم ونهيتهم، وساس الأمر سياسة: قام به (١). وسوسه القوم: جعلوه يسوسهم، وسوس الرجل أمور الناس: إذا ملك أمرهم. والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه، وهي فعل السائس، يقال: يسوس الدواب إذا قام عليها وراضها، والوالي يسوس رعيته، وسوس له أمرًا، أي : روضه وذلله(٢). وكلمة السياسة لم ترد في القرآن الكريم مطلقًا، وإنما ورد ما يدل عليها، كالملك، والتمكين والاستخلاف، حيث وردت هذه المفردات في سور المائدة والأعراف ويوسف والقصص وغيرها. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال ابن نجيم رحمه الله: السياسة هي القانون الموضوع لرعاية الآداب، والمصالح، وانتظام الأحوال (٣). وقيل: السياسة هي: استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في العاجل والآجل (٤). وقيل هي: حياطة الرعية بما يصلحها لطفًا أو عنفًا (٥). وقال البجيرمي: السياسة هي: إصلاح أمور الرعية، وتدبير أمورهم (٦). وقال النبهاني: السياسة: رعاية شؤون الناس داخليا وخارجيا، وتعني نظام الحكم وجهاز الدولة، وتعني علاقة الناس وعلاقة الأمة بغيرها من الأمم، وهو ما اصطلح على تسميته بالسياسة الداخلية والخارجية (٧) ٠ (١) لسان العرب، ابن منظور ٦/ ١٠٧. (٢) انظر: المصدر السابق ٤٢٩/٦ - ٤٣٠. (٣) انظر: البحر الرائق ٧٦/٥. (٤) انظر: الكليات، الكفوي ص ٥١٠، حاشية ابن عابدين ٤ /١٥. (٥) انظر: طلبة الطلبة ص٣٠٢. (٦) انظر: حاشية البجيرمي على شرح منهج الطلاب ١٧٨/٢. (٧) انظر: مفاهيم سياسية لحزب التحرير ص٥. ٨ جوبيه القرآن الكريمِ السياسة ويقول عبدالوهاب خلاف: إن علم السياسة الشرعية يبحث فيه عما تدبر به شؤون الدولة الإسلامية من القوانين والنظم التي تتفق مع أصول الإسلام(١). وقد اختلفت التعريفات المعاصرة للسياسة، فعرفها المعجم القانوني بأنها: أصول أو فن إدارة الشئون العامة (٢). وعرفها معجم اللغة العربية المعاصرة بعدة تعريفات بناء على المقصود منها، أشهرها التعريف لها بالمعنى العام أنها: (سلوك الحكومات والدول ومواقفها تجاه القضايا الداخلية والقضايا المتعلقة بالدول الأخرى)(٣). (١) انظر: النظم الإسلامية، حسين الحاج ص٤٤. (٢) انظر: موقع المعجم القانوني. (٣) معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ٢/ ١١٣٤. www. modoee.com ٩ حرف السين الألفاظ ذات الصلة ١ الملك: الملك لغة: الميم واللام والكاف أصلٌ صحيح يدل على قوةٍ في الشيء وصحة. يقال: أملك عجينه، أي: قوى عجنه وشده. وملكت الشيء: قويته(١). وملك وأملك، وملك ملكًا وإملاكًا وتمليكًا: اشتقاق ذلك من الملك، وهو القوة والشدة. والمَلِك: هو المتصرف بالأمر والنهي في الجمهور، وذلك يختص بسياسة الناطقين، ولهذا يقال: ملك الناس، ولا يقال: ملك الأشياء(٢). والمَلِك: اسم لكل من يملك السياسة ، إما في نفسه، وذلك وبالتمكين من زمام قواه وصرفها عن هواها، وإما في غيره، سواء تولى ذلك أو لم يتول، على ما تقدم(٣). الملك اصطلاحًا: هو حكم الناس وأمرهم ونهيهم وقيادتهم في أمورهم. الصلة بين الملك والسياسة: الملك فيه معنى السيطرة، والسياسة جزء منه لا تنفك عنه، بل إن الملك لا بد أن يتسم بالسياسة الحكيمة في أمور البلاد وشؤونها، ولو أن الملك لم يكن ملمًا بجوانب السياسة لم يكن موفقًا ولا مسددًا في ملكه، فالسياسة جزء من الملك، وكل ملك لا بد لقيامه من السياسة الشرعية. الحكم: ٢ الحكم لغة: مشتق من الفعل: حكم يحكم حكمًا، بمعنى قضى وفصل، والحكم: القضاء في الشيء بأنه كذا أو ليس بكذا سواءٌ لزم ذلك غيره أم لا (٤). الحكم اصطلاحًا: لا يختلف عن المعنى اللغوي؛ إذ الحكم في الاصطلاح: ((القضاء بالشيء بأنه كذا أو (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٨١/٥. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٧٢، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ١٢٥/٤. (٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٧٢. (٤) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص١٦٧، تاج العروس، الزبيدي ٥١٠/٣١. جَوَسُولَة البقية القرآن الكريم ١٠ السياسة ليس بكذا، سواء ألزمت ذلك غيرك أو لم تلزمه»(١). الصلة بين الحُكم والسياسة: الحکم یشمل عموم شؤون البلاد سواءً كان قضاءً أو غيره، فالحاكم يسوس أمور الناس وهو مسؤول عنهم، إلا أن العلاقة بين الحكم والسياسة، أن الحكم أخص من السياسة، والسياسة تشمله وغيره، ويمكن القول: إن كل حكم من السياسة، وليست كل سياسة حكمًا. والله أعلم. الإمامة: ٣ الإمامة لغة: مصدر: أم القوم وأم بهم بمعنى: تقدمهم، والإمام ما ائتم به من رئيسٍ وغيره، والجمع أيمةٌ(٢). الإمامة اصطلاحًا: (رياسة عامة تتضمن حفظ مصالح العباد في الدارين))(٣). والإمامة ترادف مصطلح الخلافة، ويقال لولي أمر المسلمين العام: خليفة أو إمام، قال النووي: ((يجوز أن يقال للإمام: الخليفة والإمام وأمير المؤمنين)» (٤). الصلة بين الإمامة والسياسة: لا شك أن الخلافة والولاية من أسس السياسة الشرعية، والخليفة والوالي لا بد أن يكون على دراية بالسياسة الشرعية؛ لتوقف أمور البلاد ومصالح العباد عليها. وعلى ذلك فالخلافة والولاية أعم من السياسة. (١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص١٢٦. (٢) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ١٠/ ٥٧٢. (٣) الكليات، الكفوي ص٢٦٧. (٤) روضة الطالبين، النووي ١٠/ ٤٩. www. modoee.com حرف السين قواعد السياسة في القرآن ذكر الله تعالى في كتابه قواعد السياسة الشرعية ومقوماتها، كالتشريع والعدل والشورى والأمانة والحرية والطاعة، ونتناول في هذا المبحث قواعد السياسة في النقاط الآتية: أولًا: التشريع حق لله تعالى: لما كان هذا الكون مخلوقًا مملوكًا لله تعالى، والملك الحقيقي يستلزم حق الانفراد بالتصرف، والبشر جزء من هذا الملك، لما کان الأمر کذلك: فإنه ليس من حق أي أحد غير الله أن يتصرف في ملك الله بشيء مهما یکن ذلك الشيء، إلا أن يأذن الله له بذلك التصرف(١). وحيث إن الله هو خالقنا ورازقنا والمنعم علينا بجلائل النعم ودقائقها، فليس لنا أن نحكم لأنفسنا بالإباحة أو التحريم، إلا أن نعلم أن الله حكم لنا بها، وإلا كنا مشرعين على الله بغير علم ولا إذن منه(٢). قال الله تعالى في حكاية قول يوسف عليه السلام: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلََّ لِلّهِ أَمَرَ أَلَّ تَعْبُدُوّا إِلَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الّذِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠]. والمراد بالتشريع: هو ما شرعه الله (١) انظر: العقيدة الإسلامية وأسسها ص٢٥٣. (٢) انظر: المصدر السابق ص٢٥٤. جَوَسُور القرآن الكريم لعباده من العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات ونظم الحياة في شعبها المختلفة، لتنظيم علاقة الناس بربهم، وعلاقاتهم بعضهم ببعض، وتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة(٣). قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَضَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْ حَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ» إِبْزَهِيَمَ وَمُوسَى وَحِيسَى﴾ [الشورى: ١٣]. وأصل لفظة ﴿شَرَعَ ﴾ أي: جعل طريقًا واسعة، وكثر إطلاقه على سن القوانين والأديان، فسمي الدين شريعة، فـ(شرع) هنا .(٤) مستعار للتبيين (٤). المقصود من ذلك أصول الديانة وأسس التشريع التي لا تختلف فيها الشرائع(٥). فتبين هذه الآية أن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب لبيان الحق من الباطل، وبيان ما اختلف فيه الناس، وأن الواجب على الناس اتباع ما أنزل إليهم من ربهم، ورد ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة، وأن من لم يتبع ذلك كان منافقًا، وأن من اتبع الهدى الذي جاءت به الرسل فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذلك حشر أعمى ضالًا شقیًا معذبًا، وأن الذين فرقوا دينهم قد برئ (٣) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي، مناع القطان ص ١٣ - ١٤. (٤) انظر: التحرير والتنوير ١١٨/٢٥. (٥) انظر: التحرير والتنوير ٢٠٧/٦، فتح القدير ٤/ ٧٥٤. ١٢ السياسة الله ورسوله منهم(١). وقال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ اَلْخَلْقُ وَالْأَنْهُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. أي: يتصرف في خلقه بما يشاء من أمره، لا یشرکه أحد کما لا یشرکه أحد في خلقه(٢)؛ لأن الخلق والأمر لله لا لغيره، وفي هذا تذكير من شأنه إيصالهم إلى إفراد .(٣) الله تعالى بالعبادة . وقال تعالى: ﴿فَإِن نَزَعْنُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُمُتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وقال سبحانه: ﴿ وَمَا آخَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]. ويفهم من هاتين الآيتين الكريمتين أنه لا يجوز التحاکم إلی غیر کتاب الله وسنة نبيه صلی الله عليه وسلم، وقد أوضح تعالى هذا المفهوم موبخًا للمتحاكمين إلى غير كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم مبينًا أن الشيطان أضلهم ضلالاً بعيداً عن الحق (٤)، بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوَا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلَا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]. (١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٠٧/٥. (٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤٥٢/٨. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥٨/٨. (٤) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١ / ٢٤٤. وأشار إلى أنه لا يؤمن أحد حتى يكفر بالطاغوت(٥). وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَوُاْ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِ اَللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. قال ابن كثير: أي : هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس، من تحريم ما حرموا عليهم، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل الميتة والدم والقمار، إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة، التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم، من التحليل والتحريم، والعبادات الباطلة، والأقوال الفاسدة(٦). وقال تعالى: ﴿فَلَّ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَقَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيّ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. قال مجاهد وغيره: نزلت فيمن أراد التحاكم إلى الطاغوت (٧). ورجحه الطبري، لأنه أشبه بنسق الآيات(٨). وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم (٩). (٥) انظر: المصدر السابق. (٦) انظر: تفسير القرآن العظيم ١٩٨/٧. (٧) انظر: البحر المحيط ٢٩٦/٣. (٨) انظر: جامع البيان ٥٢٤/٨. (٩) انظر: مفاتيح الغيب ١/ ١٤٨٢. www. modoee.com ١٣ حرف السين وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوَّا إِلَى مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]. هذا إنكار من الله عز وجل، على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية: أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد. وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل: في جماعة من المنافقين، ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل: غير ذلك، والآية أعم من ذلك کله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا (١). وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنَّقُواْ اللّهِ إِنَّ اللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١]. أي: لا تقدموا خلاف الكتاب والسنة(٢). وهذه الآية أصل في ترك التعرض لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وإيجاب اتباعه والاقتداء به(٣). (١) انظر: تفسير القرآن العظيم ٣٤٦/٢. (٢) انظر: الوجيز، الواحدي ١٠١٥/٢. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ولا يخفى أن في ارتضاء حکم غیر الله، رفض شريعة الله والتحاكم إليه، وقد سمى الله كل حكم يخالف حكمه بأنه حكم الجاهلية. قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونٌّ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. ويحسن هنا الإشارة إلى سن القوانين الوضعية والأحكام العرفية والتحاكم إليها دون شرع الله، وهي مسألة الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، وهناك فرق بين حق التشريع وبین مخالفة تشریع الله أو حكم الله. فأما الأول (والذي له تعلق بتوحيد الربوبية) فإن الشرك في الربوبية إما أن یکون شرگا أکبر، أو شرگًا أصغر، فإن كان الأمر راجعًا إلى الجحود والاستحلال (أي: الاعتقاد) فإن صاحبه مشرك شرگا أکبر ولو وافق حكمه حكم الله، وأما ما کان دون الاعتقاد فيكون دون ذلك. وأما مخالفة حكم الله المتعلق بتوحيد الألوهية فلا یکون شرگًا(٤)، وإنما هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو آثم بصغيرته. ١٩٩/١٦. (٤) هناك فرق بين صرف العبادة لغير الله، وبين مخالفة حكم الله وشرعه، فالأول يكون مشركًا شركًا أكبر، والثاني يأثم بفعله ويفسق، ولو عد شركًا للزم من ذلك التكفير بالذنوب والمعاصي، وهو أشد من قول الخوارج: في التکفیر بالکبیرة، والله أعلم. ١٤ جوبيبو القرآن الكريم السياسة والفرق بين استحلال القلب والفعل، أن صار يطلق على إبلاغ الحق إلى ربه، ولو لم الاستحلال القلبي يكون صاحبه كافرًا، وأما يحصل اعتداء ولا نزاع (٢). الاستحلال العملي فیکون صاحبه فاسقًا. والله تعالى ذكر أن الحكم بغير ما أنزل سبحانه منه ما یکون کفرًا، ومنه ما یکون ظلمًا، ومنه ما يكون فسقًا. والله أعلم. ثانيًا: العدل: العدل في اللغة: القصد في الأمور، وهو خلاف الجور، وهو أيضًا: ما قام في النفوس أنه مستقيم(١). والمقصود فيه: المساواة بين الناس أو بين أفراد أمة، في تعيين الأشياء لمستحقها، وفي تمکین کل ذي حق من حقه، بدون تأخير، فهو مساواة في استحقاق الأشياء، وفي وسائل تمكينها بأيدي أربابها، فالأول هو العدل في تعيين الحقوق، والثاني هو العدل في التنفيذ. فالعدل وسط بين طرفين هما: الإفراط في تخويل ذي الحق حقه، أي : بإعطائه أكثر من حقه، والتفريط في ذلك، أي: بالإجحاف له من حقه، و کلا الطرفین یسمی جورًا. ويطلق لفظ العدل الذي هو التسوية، على تسوية نافعة يحصل بها الصلاح والأمن، ثم توسعوا في هذا الإطلاق حتى (١) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص ١٠٣٠، المصباح المنير، الفيومي ص٢٠٦. والعدل أشرف أوصاف الملك وأقوم لدولته ؛ لأنه يبعث على الطاعة ويدعو إلى الألفة ، وبه تصلح الأعمال وتنمو الأموال، وتنتعش الرعية وتكمل المزية، وقد أمر الله عز وجل به الخلق وحثهم عليه (٣). والعدل يدخل في جميع المعاملات، وهو حسن في الفطرة، لأنه كما يصد المعتدي عن اعتدائه، کذلك یصد غیره عن الاعتداء عليه، كما قال تعالى: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. وإذ قد كان العدل بهذه الاعتبارات تجول في تحديده أفهام مخطئة، تعين أن تسن الشرائع لضبطه على حسب مدارك المشرعين ومصطلحات المشرع لهم، على أنها معظمها لم يسلم من تحريف لحقيقة العدل في بعض الأحوال، فإن بعض القوانين أسست بدافع الغضب والأنانية، فتضمنت أخطاء فاحشة ، مثل القوانين التي يمليها الثوار بدافع الغضب على من كانوا متولين الأمور قبلهم، وبعض القوانين المتفرعة عن تخيلات وأوهام، كقوانين أهل (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٢/٤ - ٠١٦٣ (٣) انظر: المنهج المسلوك في سياسة الملوك ٢٤٢/١. www. modoee.com ١٥ حرف السين الجاهلية والأمم العريقة في الوثنية (١). وقد نصت آيات القرآن الكريم في غير موضع علی بیان مكانة العدل وأهميته وآثاره على الفرد والمجتمع، وما يحققه من منافع دنيوية وأخروية، ومن ذلك ما يلي: ١ . العدل أساس الحکم بين الناس. ﴿ إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُّكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا قال تعالى: اَلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّاللّه نِعِنَّا يَعِبُّكُمْ بِيُّهِ إِنَّاللَّهَ كَانَ سَمِيعً بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. هذا وقد ذكر بعض المفسرين أنه ما قامت السموات والأرض إلا بالعدل، فالعدل قوام الأمور وروحها، وبفقده تفسد الأمور كلها ويختل الميزان لكل شيء. والحكم بالعدل من لازمه معرفة العدل في كل أمر من الأمور، فإن فهمت الأمة حقيقة العدل وعرفت حدوده وضعت كل شيء في موضعه، وكان المتولون للولايات هم الكمل من الرجال والأكفاء للأعمال، فجرت تدابيرهم وأفعالهم على العدل والسداد، متجنبين للظلم والفساد، ترقت الأمة وصلحت أحوالها، وتمام ذلك في الآية الأخرى التي أمر الله فيها بطاعة ولاة الأمور، بقوله: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩](٢) . ومعنى ﴿أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾: أي تحكموا بالإنصاف والسوية، إذا قضيتم بين من ينفذ عليه أمركم، أو يرضى بحكمكم، ولأن الحكم وظيفة الولاة، قيل: الخطاب لهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَا يَعِظُكُرِيِهِ﴾ أي: نعم شيئًا يعظكم به، أو نعم الشيء الذي يعظكم به. والمخصوص بالمدح محذوف، وهو المأمور به من أداء الأمانات، والعدل في الحكومات (٣). وقد اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية على أقوال. قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي، قول من قال: هو خطاب من الله لولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولوا أمره في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم، بالعدل بينهم في القضية، والقسم بينهم بالسوية. يدل على ذلك ما وعظ به الرعية في: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمِّ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الراعي بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة (٤). وقد أجمع العلماء على أنه يجب على الحاكم أن يحكم بالعدل لهذه الآية، وقوله (٢) انظر: القواعد الحسان في تفسير القرآن ص١٠٧ - ١٠٨. (٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٠٥/١. (٤) جامع البيان ٨/ ٤٩٢. (١) انظر: التحرير والتنوير ١٦٣/٤. مَشَارَةُ الْبَقِيَّة القرآن الكريم ١٦ السياسة تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. كان محبوبًا عند المعامل به، ولم يكن لازمًا لفاعله، وأعلاه ما كان فى جانب الله تعالى(٥). وقوله تعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾(١) [ص: ٢٦]. وقد جمع في هذه الآية ما يتصل بالتکالیف فرضًا ونفلًا، وما يتصل بالأخلاق والآداب: عمومًا وخصوصًا(٢). قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل ﴿إِنَّ اللَّهُ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ ﴾ رواه ابن جرير(٣). ٢. العدل قرين الصفات الحسنة. ورد في القرآن ما يؤكد على ارتباط العدل بغيره من الصفات الحسنة ، كالإحسان إلى الخلق والعطف عليهم. قال سبحانه: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍَ ذِى الْقُرْفَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِيَّ يَعِفُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]. العدل: هو الإنصاف، والإحسان إلى الناس. وعن ابن عباس: العدل: التوحيد، والإحسان: أداء الفرائض. وقيل غير ذلك(٤). والإحسان: هو معاملة بالحسنى ممن لا يلزمه إلى من هو أهلها. والحسن: ما (١) انظر: اللباب في علوم الكتاب ٦/ ٤٣٩. (٢) انظر: المصدر السابق ١٤١/١٢. (٣) انظر: جامع البيان ١٧ / ٢٨٠. (٤) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٦/ ٣٧. وهو فوق العدل، وذاك أن العدل: هو أن يعطي ما عليه، ويأخذ ماله. والإحسان: أن يعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقل مما له. فالإحسان زائد على العدل، فتحرى العدل واجب، وتحرى الإحسان ندب وتطوع. وعلى هذا قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء: ١٢٥]. ولذلك عظم الله تعالى ثواب المحسنين، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩]. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة : ١٩٥]. وقال: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلِّ [التوبة: ٩١](٦). ٣. ضرورة الصلح بين المتخاصمين بالعدل. قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَّاً فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَثُهُمَا عَلَى اٌلْأُخْرَى فَقَدِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَّى تَفَِّ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ (٥) انظر: التحرير والتنوير ٢٠٥/١٣. (٦) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص١١٩. www. modoee.com ١٧ حرف السين ﴾ [الحجرات: ٩]. يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ فجعل الفيء إلى أمر الله غاية للمقاتلة، أي: يستمر قتال الطائفة الباغية إلى غاية قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءُ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ سَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلنَّقْوَىٌّ وَأَتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]. رجوعها إلى أمر الله، وأمر الله هو ما في الشريعة من العدل والكف عن الظلم، أي: حتى تقلع عن بغيها. وأتبع مفهوم الغاية ببيان ما تعامل به الطائفتان بعد أن تفي الباغية بقوله: ﴿فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا قال الأمين الشنقيطي رحمه الله: فانظر: بِالْعَدْلِ﴾ والباء للملابسة، والمجرور حال من ضمير ﴿فَأَصْلِحُوا﴾. والعدل: هو ما ما في هذه الآيات من مكارم الأخلاق، يقع التصالح عليه بالتراضي والإنصاف، والأمر بأن تعامل من عصى الله فيك بأن تطيعه فيه(٢). وأن لا يضر بإحدى الطائفتين، فإن المتالف التي تلحق كلتا الطائفتين، قد تتفاوت تفاوتًا شديدًا فتجب مراعاة التعديل. فيجب العدل في صورة الإصلاح، فلا يضيعوا بصورة الصلح منافع عن كلا الفريقين، إلا بقدر ما تقتضيه حقيقة الصلح من نزول عن بعض الحق بالمعروف. ثم أمر المسلمين بالعدل بقوله: ﴿وَأَقْسِطُواْ﴾ أمرًا عامًا، تذييلًا للأمر بالعدل الخاص في الصلح بين الفريقين، فشمل ذلك هذا الأمر العام أن يعدلوا في صورة ما إذا قاتلوا التي تبغي(١). ٤. العدل مطلوب مع العدو والصدیق. (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/ ٢٠١- ٢٠٢. أمر الله تعالى المرء بالعدل في جميع أحواله، مع عدوه وصديقه، وأن لا يحمله البغض على الحيف والظلم. ومرجع تفاصيل العدل إلى أدلة الشريعة، فالعدل هنا كلمة مجملة جامعة، وهي بإجمالها مناسبة إلى أحوال المسلمين حين کانوا بمكة، فیصار فيها إلى ما هو مقرر بين الناس في أصول الشرائع، وإلى ما رسمته الشريعة من البيان في مواضع الخفاء، فحقوق المسلمين بعضهم على بعض من الأخوة والتناصح، قد أصبحت من العدل بوضع الشريعة الإسلامية (٣). فنهاهم أولًا أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدًا وتشدیدًا، ثم استأنف، فذكر لهم وجه الأمر بالعدل، وهو قوله: ﴿هُوَ (٢) انظر: أضواء البيان ٣/ ٥٠. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٥/١٣. ١٨ جوسيس القرآن الكريمِ السياسة أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: العدل أقرب إلى التقوى، وأدخل في مناسبتها، أو أقرب إلى التقوى لكونه لطفًا فيها. وفيه تنبيه عظيم على أن وجود العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله، إذا كان بهذه الصفة من القوة، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين، الذين هم أولياؤه وأحباؤه؟(١). ٥. العدل صفة الأنبياء والمرسلين. قال تعالى: ﴿وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبٌّ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ [الشورى: ١٥]. أمر الله نبيه أن يؤمن بجميع الكتب المنزلة، وأن يعدل بين الناس كلهم، فيعطي كل ذي حق حقه، ويمنع كل مبطل عن باطله؛ فإن القسط والعدل في جميع أمور الدين والدنيا فيما جاء به، وهو المقصود بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥](٢). هذا ولو نظرنا إلى القوانين التي تحكم حياة الناس لوجدنا أن (أعلى القوانين هي الشرائع الإلهية، لمناسبتها لحال من شرعت لأجلهم، وأعظمها شريعة الإسلام، لابتنائها على أساس المصالح الخالصة أو الراجحة، (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ١/ ٦٤٧. (٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ١/ ٢٩٤. وإعراضها عن أهواء الأمم والعوائد الضالة، فإنها لا تعبأ بالأنانية والهوى، ولا بعوائد الفساد، ولأنها لا تبنى على مصالح قبيلة خاصة، أو بلد خاص، بل تبنى على مصالح النوع البشري وتقويمه وهديه إلى سواء السبيل، ومن أجل هذا لم يزل الصالحون من القادة يدونون بيان الحقوق ؛ حفظًا للعدل بقدر الإمكان وخاصة الشرائع الإلهية، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. أي: العدل. فمنها المنصوص عليه على لسان رسول البشرية، ومنها ما استنبطه علماء تلك الشريعة، فهو مدرج فيها وملحق بها (٣). ثالثًا: الشورى: الشورى من أسمى مبادئ الإسلام، حيث أمر به القرآن والسنة، وذلك نظرًا لما يحققه من عدالة وتوازن في أمور الحكم والسياسة وغيرهما، وقد عرفها الراغب الأصفهاني بأنها: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض (٤). وقال ابن العربي أنها: الاجتماع على أمرٍ لیستشیر کل واحد منهم صاحبه، ويستخرج ما عنده(٥). (٣) التحرير والتنوير ٤/ ١٦٣. (٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٧٠. (٥) أحكام القرآن، ابن العربي ٣٨٩/١. www. modoee.com ١٩ حرف السين الآراء في أمر من الأمور لمعرفة أصوبها وأصلحها، لأجل اعتماده والعمل به (١). والمشترك في هذه التعريفات وغيرها، هو دورانها حول معنى تقليب وجهة النظر واستنباط الرأي لتحقيق غايات نافعة للأمة. وخلاصة القول : إنها استطلاع للرأي من أهل الخبرة فیه، بهدف الوصول لأقرب الأمور للحق. والشورى مشروعة في الشريعة الإسلامية على جهة الإجمال، في حق الحاكم، وفي حق عامة المسلمين، وهي أصل من أصول الحكم في الشريعة الإسلامية، وركن هام من أركان قيام الدولة الإسلامية، حیث اتفق العلماء على مشروعيتها، استنادًا إلى الأدلة القرآنية، وأدلة السنة النبوية القولية والفعلية، الدالة على مشروعيتها والدائرة بين الوجوب والاستحباب. وأهم ما يجب على الإمام المشاورة في کل مالا نص فيه عن الله ورسوله، ولا إجماعا صحیحًا يحتج به، أو ما فيه نص اجتهادي غير قطعي، ولا سيما أمور السياسة والحرب المبنية على أساس المصلحة العامة، وكذا طرق تنفيذ النصوص في هذه الأمور، إذ هي تختلف باختلاف الزمان والمكان. فهو ليس حاكماً مطلقاً كما يتوهم (١) انظر: مناهج الشريعة الإسلامية ص ١٢٨/٢. وعرفها بعض المعاصرين بأنها: تبادل الكثيرون، بل مقيد بأدلة الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين العامة وبالمشاورة. ولو لم يرد في الشورى إلا وصف للمؤمنين بقوله تعالى: ﴿وَمُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. وقوله لرسوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ اَلْأَمِّ﴾ [آل عمران: ١٥٩ ] لکفی، فکیف وقد ثبتت في الأخبار والآثار قولًا وعملًاً(٢). قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب. هذا ما لا خلاف فيه(٣). وفي قوله تعالى: ﴿فَعَّفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ ◌َُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِ الْأَمِّيِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. قال القرطبي في هذه الآية: أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الأوامر التي هي بتدریج بليغ؛ وذلك أنه أمره بأن يعفو عنهم ما له في خاصته عليهم من تبعة؛ فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تبعة أيضًا، فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلًا للاستشارة في الأمور (٤). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أُسْتَجَابُوْ لِرَبِهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِنَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ ﴾ [الشورى: ٣٨]. (٢) الخلافة ص٣٨. (٣) انظر: المحرر الوجير ١/ ٥٦٥. (٤) الجامع لأحكام القرآن ٢٤٩/٤. ٢٠ القرآن الكريمِ السياسة والمشاورة هنا في شؤون الأمة طاعتها، ودخيلة في تقدير أمرهم، وكان في مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على ما تريده من قوة شو کتهم، وشدة مدافعتهم(٢). ومصالحها، وقد ذكرها الله تعالى في معرض المدح والثناء، واشترطها في أمر العائلة فقال: ﴿﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَقَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَاً﴾ [البقرة: ٢٣٣]. فشرع بهاته الآيات المشاورة في مراتب المصالح كلها: وهي مصالح العائلة، ومصالح القبيلة أو البلد، ومصالح الأمة. وتدل هذه الآية على جلالة موقع المشورة، لذكرها مع الإيمان وإقامة الصلاة، كما تدل على أننا مأمورون بها (١). والمشاورة من الأمر القديم وخاصة في الحرب، فهذه بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس: ﴿قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَوُّأْ أَفْتُونِي فِىّ أَمْرِى مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَقِّْ حَقَّ تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢]. لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم، وحزمهم فيما يقيم أمرهم، وإمضائهم على الطاعة لها، بعلمها أنهم إن لم يبذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم دونها، لم يكن لها طاقة بمقاومة عدوها، وإن لم يجتمع أمرهم وحزمهم وجدهم، كان ذلك عونًا لعدوهم عليهم، وإن لم تختبر ما عندهم، وتعلم قدر عزمهم لم تكن على بصيرة من أمرهم، وربما كان في استبدادها برأيها وهن في (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٨/٣- ٢٦٩. وهذه الآية مكية، وقد نزلت قبل قيام الدولة المسلمة في المدينة، مما يوحي بأن وضع الشورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن تكون نظامًا سیاسیًا للدولة، فهو طابع أساسي للأمة كلها(٣). أسباب الشورى: یمکن إجمال أسباب الشورى ودوافعها في ما يلي: ١. تطبيق الشورى امتثالا لأمر الله عز وجل. ٢. تطبيق الشورى تحقيقا لمصلحة الأمة الإسلامية. ٣. تطبيق الشورى للتقريب بينه وبين الصحابة الأجلاء. ٤. تطبيق الشورى للكشف عن رجاحة عقل صحابته الأجلاء وإبداء محاسنهم. ٥. تطبيق الشورى بهدف تأليف القلوب وغرس الاقتداء في نفوس أتباعه. ٦. تطبيق الشورى لاستخراج خبرات الغير في الوقائع المختلفة والاستفادة منها. وأشير هنا إلى مسألتين من أهم مسائل (٢) الجامع لأحكام القرآن ١٢٩/١٣ - ١٣٠. (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣١٦٠/٥. www. modoee.com ٢١ حرف السين الشوری بإيجاز: ١. حكم الشورى في حق الحاكم. اختلف العلماء في حكم الشورى في حق الحاكم، هل هي واجبة عليه أم سنة؟ على قولين: القول الأول: أن الشورى في حق الحاكم واجبة عليه وجوبًا عينيًا، وقد كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم على الرغم من استغنائه عنها بالوحي. وهو قول جمهور الفقهاء والأصوليين والمفسرين وغيرهم، ونصوصهم وافرة في هذا الصدد(١). القول الثاني: أن الشورى في حق النبي فقط صلى الله عليه وسلم واجبة دون غيره من الحكام. وهو مروي عن الحسن البصري وسفيان الثوري، وعللا ذلك بأنه إنما أمر بها ليقتدي به غيره وتشيع في أمته، وذلك فيما لا وحي فيه (٢). ٢. حكم الشورى في حق عامة الناس. لا تخلو أمور الناس من أن تكون أمورًا ذات أهمية كبيرة ، أو أمورًا دونها في (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٥٦٥/١، الجامع لأحكام القرآن ١٦١/٤، أحكام القرآن، الجصاص ٢٦٣/٥. (٢) انظر: التحرير والتنوير ١٤٩/٤. الأهمية، وعلى كلٍ فقد ذكر الإمام النووي أن التشاور فى الامور المهمة مستحب في حق الأمة بإجماع العلماء(٣). وتختلف أمور الناس حسب درجاتها وأهميتها من شخص لآخر، فقد يستشير المرء في أمور الزواج من حيث الإقدام على التزوج بامرأة معینة، أو تزويج ابنته لشخص معين، ومن ذلك الاستشارة في الإقدام على بعض الأعمال والوظائف، والتجارات ونحوها من أمور الناس. وهنا يفرق بين أمرين: أولهما: أن طلب المشورة من الغير مستحبة، والثاني: أن تقديم المشورة ممن طلبت منه واجبة، وذلك في تقديري جريًا على أن إلقاء السلام على الغير سنة، ورده فرض، و جريًا على استحباب طلب النصيحة من الغير، ووجوب تقدیمها ممن طلبت منه. ويؤيد هذا ما روي عن جابر بن عبد الله مرفوعًا قال: (إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه)(٤). رابعًا: الأمانة: عن أبي هريرة قال: (بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسٍ يحدث القوم، جاءه (٣) شرح صحيح مسلم ٤ / ٦٧. (٤) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الأدب، باب المستشار مؤتمن، ١٢٣٣/٢، رقم ٣٧٤٧. وصحح إسناده الحافظ في تغليق التعليق ٢٥٣/٣. ٢٢ القرآن الكريم السياسة أعرابيٌّ فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلی الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فکره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضی حدیثه قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله، قال: (فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: کیف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)(١). قال ابن الجوزي: (((إذا وسد الأمر إلى غير أهله) أي: أسندت الولاية والإمارة))(٢). فيجب على الإمام من النصح لرعيته کالذي يجب عليهم له، فعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كلكم راعٍ فمسئولٌ عن رعيته، فالأمير الذي على الناسَ راعٍ وهو مسئولٌ عنهم)(٣). وعن معقل بن يسارٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه وسلم يقول: (ما من أميرٍ يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة)(٤). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه فأتم حديثه ثم أجاب السائل، ٣٣/١، رقم ٥٩. (٢) انظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين ١٠٠٩/١. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العتق، باب كراهية التطاول على الرقيق ، وقوله : عبدي وأمتي، ٩٠١/٢، رقم ٢٤١٦. ولا شك أن أمانة الحكم والسياسة من أعظم الأمانات وأهمها، لتعلقها بقيام الدین، وتحکیم شرع الله تعالی وتنفيذه وحراسته، ورفع المظالم ورد الحقوق. قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّاللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِّ إِنَّ اللَّهَ نِمَا يَعِظُكُمْ بِيَّهِ إِنَّا لَهُ كَانَ سَمِيعًاً بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. وقد جمع لفظ الأمانة ليعم به کل ما یمکن أن یؤتمن الإنسان عليه(٥). باعتبار تعدد أنواعها وتعدد القائمين بالحفظ تنصيصا على العموم(٦). والأمانة: هي الشيء المؤتمن عليه، ومراعاتها القيام عليها لحفظها إلى أن تؤدى. والأمانة أيضًا المصدر، والمؤدى هو العين المؤتمن عليه، أو القول إن كان المؤتمن عليه لا المصدر(٧). ((والأداء: الدفع والتوفية، ورد الشيء أو رد مثله فيما لا تقصد أعیانه، ومنه أداء الأمانة وأداء الدین ، أي : عدم جحده))(٨). والأمانات يدخل فيها أشياء كثيرة، من أجلها: الولايات الكبيرة والصغيرة باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، ٨٨/١، رقم ٣٨٣. (٥) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤٥٧/٨. (٦) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤/١٨. (٧) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٦/ ٣٦٧. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، (٨) التحرير والتنوير ٥٨٦/٢. www. modoee.com ٢٣ حرف السين والمتوسطة، الدينية والدنيوية. فقد أمر الله ويذلك الإدراك أدركت عرض الأمانة عليها، أن تؤدى الأمانات إلى أهلها بأن يجعل وأبت وأشفقت، أي: خافت))(٢). فيها الأكفاء لها، وكل ولاية لها أكفاء مخصوصون. فهذا الطريق الذي أمر الله به في الولايات من أصلح الطرق لصلاح جميع الأحوال، فإن صلاح الأمور بصلاح المتولين والرؤساء فيها، والمديرين لها والعاملين عليها، فيجب تولية الأمثل فالأمثل: ﴿إِنَ خَيْرَ مَنِ أَسْتَنْجَرْتَ الْقَوِىُّ اَلْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]. فصلاح المتولين للولايات الكبرى والصغرى عنوان صلاح الأمة وضده بضده(١). وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْتَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهُ، كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. ((ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه عرض الأمانة، وهي التكاليف مع ما يتبعها من ثواب وعقاب على السماوات والأرض والجبال، وأنهن أبين أن يحملنها وأشفقن منها، أي: خفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك عذاب الله وسخطه، وهذا العرض والإباء، والإشفاق کله حق، وقد خلق الله السماوات والأرض والجبال إدراكًا يعلمه هو جل وعلا، ونحن لا نعلمه، (١) القواعد الحسان في تفسير القرآن ص١٠٧. جَوُورُ القرآن الكريمِ وقال تعالى: ﴿أَلِغُكُمْ رِسَلَتِ رَنِى وَأَنَا لَكُمْ نَامِعُ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨]. فالنصح والأمانة متلازمان، والنصح دليل على الأمانة، ولذلك قرنا في أكثر من موضع، منها قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَتَأَبَنَا مَالَكَ لَا تَأْمَثَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّالَهُ لَنَصِحُونَ﴾ [يوسف: ١١] (٣) . خامسًا: الحرية: الحرية في نظر الإسلام ضرورة من الضرورات الإنسانية، وتكليف شرعي واجب، سواء كانت هذه الحرية متعلقة برق العبودية، أو الاعتقاد والدین، أو غير ذلك. وهذا المبدأ الإسلامي ظاهر في كتاب الله تعالی وسنة نبيه صلی الله علیه وسلم، إلا أن الإسلام قد وضع له ضوابطَ وشروطًا. والناظر في مفهوم الحرية في الإسلام يجد له وضوحًا وتكاملًا وسماحة، لا تصل إليها مفاهيم الفلسفات التي تصدت للحرية، فالحرية في الإسلام هي: التحرر من قيود الوثنية، واستعباد الإنسان للإنسان، وحرية الكلمة، وحرية الضمير، وهو ما جمعته هذه الآية من القرآن: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ فهي حرية الاعتقاد والقول والتفكير. وكما دعا (٢) أضواء البيان ٢٥٨/٦. (٣) انظر: البحر المحيط ٢٨٥/٥. ٢٤ السياسة الإسلام إلى تحرير الفكر دعا إلى تحرير بيانيًا)). الجسم، وذلك بمحاربة الرق (١). والإسلام قد ضمن جميع الحريات للإنسان، ففي بقاء اليهود في الدولة الإسلامية إقرار لمبدأ حرية الاعتقاد والدین. والنبي صلى الله عليه وسلم قد جاور اليهود في المدينة وساكنهم وخالطهم وعاملهم ، والأدلة على ذلك كثيرة. وفي قوله تعالى: ﴿وَالمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَاَلْخُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ [المائدة: ٥] دليل على جواز نكاح الكتابية بالشروط المعتبرة، فإن ذلك يتضمن إقرارًا لمبدأ الحرية الدينية. والإسلام لا يكره أحدا على عقيدة، قال تعالى: ﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. قال ابن عاشور: ((وتعقيب آية الكرسي بهذه الآية، بمناسبة أن ما اشتملت عليه الآية السابقة من دلائل الوحدانية وعظمة الخالق وتنزيهه عن الشوائب ما کفرت به الأمم، من شأنه أن يسوق ذوي العقول إلى قبول هذا الدين الواضح العقيدة، المستقيم الشريعة، باختيارهم دون جبر ولا إكراه، ومن شأنه أن يجعل دوامهم على الشرك بمحل السؤال: أیترکون علیه أم يكرهون على الإسلام، فكانت الجملة استئنافًا (١) انظر: قضايا العصر ومشكلات الفكر تحت ضوء الإسلام، أنور الجندي ص١٧٦ - ١٧٧. ((ونفي الإكراه خبر في معنى النهي، والمراد : نفي أسباب الإكراه في حكم الإسلام، أي: لا تكرهوا أحدًا على اتباع الإسلام قسرًا، وجيء بنفي الجنس لقصد العموم نصًا، وهو دليل واضح على إبطال الإكراه على الدين بسائر أنواعه، لأن أمر الإيمان يجري على الاستدلال، والتمكين من النظر، وبالاختيار))(٢). كما أن اجتهاد العلماء واختلافهم على مر العصور، وفي جميع الفنون، ونبذهم للتقليد إقرار لمبدأ الحرية العلمية والفكرية. والحرية السياسية واحدة من حريات الإسلام، وتقوم على الشورى، غير أن الإسلام يعطي للحرية ضوابطها وتحفظاتها التي تضمن حرية الغير. وحرية العقيدة حيث لا إكراه في الدين، تعني كفالة الإسلام لحرية عقائد أهل الكتاب، وهو بهذا يدعو إلى الحرية من قيود العبودية الفكرية والجسدية. ويكفل الإسلام لأتباعه الحرية الاقتصادية كحرية التملك، وحرية التنقل (التبادل التجاري أو التجارة الدولية)، وحرية التعاقد، ولكن شريطة أن لا يكون ذلك في شيء محرم ، كالربا أو الاحتكار أو بيع الخمور ونحو ذلك. (٢) التحرير والتنوير ٤٩٩/٢. www. modoee.com ٢٥ حرف السين سادسًا : الطاعة: قال الراغب الأصفهاني: الطوع: الانقياد، ويضاده الكره، قال تعالى: ﴿أَقْنِياً طَوَّعًا أَوْكَرْهًا﴾ [فصلت: ١١]. ﴿وَلَهُ، أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوَّعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]. والطاعة مثله، لكن أکثر ما تقال في الائتمار لما أمر، والارتسام فيما رسم، قال: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ [النساء: ج ٨١]. ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١] أي: أطيعوا، وقد طاع له يطوع وأطاعه يطيعه، قال: ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٦]. وقوله في صفة جبريل عليه السلام: ﴿قُطَاع ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١](١). كما وردت لفظة ((الطاعة)) مقرونةً بلفظة أخرى هي: ((السمع)) فيقال: السمع والطاعة، وسمعنا وأطعنا، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥](٢). والمراد بالطاعة هنا: الاستجابة والانقياد لما يأمر به وينهى عنه ولي الأمر، وذلك بامتثال الأمر والنهي دون منازعة ومعارضة، سواء أمر بما يوافق الطبع، أو لم يوافقه بشرط أن لا يأمر بمعصية (٣). (١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ٣١٠/١. (٢) انظر: من قواعد النظام السياسي في القرآن ص٦. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٦١/٥، مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري ٢٢٥/٧. وقد وردت الآيات الآمرة بطاعة الله ورسوله في أربعة عشر موضعًا، منها ما يلي: قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]. وقوله: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ اَلْأَمْيِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. ((ولا شك عند أحد من أهل العلم أن طاعة الله ورسوله المذكورة في هذه الآيات ونحوها من نصوص الوحي، محصورة في العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم)) (٤). قال الإمام الطبري: فإذا كان معلوما أنه لا طاعة واجبة لأحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمِّ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩](٥). ومن ضوابط الطاعة: الطاعة بالمعروف، قال الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: لاباب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله)) ، وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون : قال أبو بكر وعمر، وقال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا (٤) أضواء البيان ٣٠٤/٧. (٥) انظر: جامع البيان ٨/ ٥٠٣. ٢٦ القرآن الكريم