النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
سَُِائِب ◌ْ عَلَيْه السِّلَام
عناصر الموضوع
التعريف بسليمان عليه السلام
٢٥٢
ذكر سليمان عليه السلام في القرآن
٢٥٤
فضائل سليمان عليه السلام
٢٥٥
خصائص ملك سليمان عليه السلام
٢٥٨
مواقف من سيرة سليمان عليه السلام
٢٦٤
شبهات حول سليمان عليه السلام
٢٧٥
موت سليمان عليه السلام
٢٨١
تدبير سليمان عليه السلام لملكه
٢٨٦
الهدايات المستفادة من قصة سليمان
٢٨٠
المُجَلَّدَ الثَّامِنْ عَشِّر
حرف السين
التعريف بسليمان عليه السلام
اسمه ونسبه:
سليمان بن داوود بن إيشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن تخشون بن عمينا آداب بن إرم
بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم (١).
ذلك ما يذكره المؤرخون من نسب سليمان عليه السلام، أما في كتاب الله فقد جاءت
آيات تدل على أنه ابن لداوود عليه السلام وهي:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أَعْمَلُوْءَالَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣].
والخطاب هنا سليمان عليه السلام (٢)؛ إذ الآل في اللغة يستعمل فيمن يختص بالإنسان
اختصاصًا ذاتيًا إمّا بقرابة قريبة، أو بموالاة(٣). ففي هذه الآية دلالة على أنه من أهله وقرابته.
والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ، أَوَّبُ﴾ [ص: ٣٠].
فالمعنى أن الله تعالى وهب لداوود سليمان ابنًا (٤)، وكثيراً ما يذكر الله تعالى الأبناء
بلفظ الهبة، كما قال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩].
وقال تعالى: ﴿فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥].
وقال تعالى: ﴿وَهَبْنَا لَهُ، إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٤٩].
وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ولا يتعارض هذا مع ما ورد في سورة الأنعام من قوله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِيَّتِهِ،
دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤].
وسواء أرجعنا الضمير إلى نوح عليه السلام أم إلى إبراهيم عليه السلام فلا تنافي بين
کونه ابناً لداوود عليه السلام، وأما نوح عليه السلام فکل من جاء بعده فهو من ذریته کما قال
تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] ، وأما إبراهيم عليه السلام فهو جد لداوود
کما رأينا في نسبه فهو من ذريته.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُدَ﴾ [النمل: ١٦].
فالأصل أن الولد يرث أباه؛ قال السعدي: «أي: ورث علمه ونبوته فانضم علم أبيه إلى
(١) انظر: تاريخ دمشق، ابن عساكر ٢٣١/٢٢، قصص الأنبياء، ابن كثير ٢٨٤/٢.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢/ ١٦٣.
(٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٩٨.
(٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٥٠٣/٤، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٦٤.
٢٥٢
جوبيبو
القرآن الكريمِ
سليمان عليه السلام
علمه، فلعله تعلم من أبيه ما عنده من العلم مع ما كان عليه من العلم وقت أبيه)) (١).
فظهر من مجموع دلالات هذه الآيات الثلاث أن سليمان عليه السلام ابن لداوود عليه
السلام.
زمانه:
إن الناظر في سياق الآيات القرآنية التي تتحدث عن سليمان عليه السلام يجد أن السياق
لا يخرج عن أحد ثلاثة أمور:
الأول: أن يكون ذكره مقترناً بأبيه داوود عليه السلام، ومن هذا الاقتران ما يدل دلالة قطعية
على اجتماعهما في مكان واحد وزمن واحد، قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ
اْحَّثِ إِذْنَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّالِحِكْمِهِمْ شَهِدِينَ ﴾ [الأنبياء: ٧٨].
فحكمهما في قضية واحدة في مكان واحد دليل على وجودهما في زمن واحد (٢).
الثاني: أن یذکر سلیمان علیه السلام بعد ذکر أبيه داوود، ومثال ذلك ورود قصته بعد قصة
أبيه في سورة ص.
الثالث: أن يذكر سليمان عليه السلام منفردا، كقوله تعالى: ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى
مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ﴾ [البقرة: ١٠٢].
ومن مجموع ما سبق يظهر لنا جليًّا أن سليمان عليه السلام عاش مدة من الزمن في حياة أبيه
داوود عليه السلام، وبلغ من العمر ما يؤهله لأن يحضر مجلس قضاء والده، ويستدرك عليه
بعض أحكامه، وبعد وفاة والده ورثه في الملك والنبوة، واستقل بذلك، قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ
سُلَيْمَنُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]، وما يهمنا هنا أن الوراثة لا تكون إلا بعد موت المورث(٣)، أما
ماهية هذه الوراثة فسنذكره عند الكلام عن فضائله عليه السلام.
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٠٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٢٢/١٦، معالم التنزيل، البغوي ٢٩٨/٣.
(٣) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٦٦/١٠.
www. modoee.com
٢٥٣
حرف السين
ذكر سليمان عليه السلام في القرآن
ورد ذكر سليمان عليه السلام في القرآن الكريم (١٧) مرة، في (٧) سور.
وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:
السورة
الآيات
البقرة
١٠٢
الأنبياء
٧٨-٨٢
النمل
١٥-٤٤
سبأ
١٢-١٤
ص
٣٠-٤٠
٢٥٤
قَضوري
جوبي
القرآن الكريمِ
سليمان عليه السلام
فضائل سليمان عليه السلام
حبا الله تعالى نبيه سليمان عليه السلام
بفضائل جليلة، منها:
١. العلم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ
عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥].
وهو علم مخصوص غير النبوة؛منطق
الطير والدواب، ومعرفة القضاء.
قال الطبري: ((وذلك علم كلام الطير
والدواب، وغير ذلك مما خصهم الله
بعلمه)»(١).
وقال السمعاني:(( علم القضاء وعلم
منطق الطير ومنطق الدواب)) (٢).
٢. وراثة النبوة.
قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُدَ﴾ [النمل:
١٦].
ولكن يا ترى ما هو هذا الميراث الذي
ورثه هذا النبي الكريم ؟
إن هذا الميراث قد ذكره المفسرون عند
کلامهم على هذه الآية، وفي ذلك يقول ابن
جرير الطبري: ((يقول تعالى ذكره: ﴿وَوَرِثَ
سُلَيْمَنُ﴾ [النمل: ١٦] أباه داوود العلم الذي
كان آتاه الله في حياته، والملك الذي كان
خصه به على سائر قومه، فجعله له بعد أبيه
(١) جامع البيان، الطبري ٢٤/١٨.
(٢) تفسير القرآن، السمعاني ٤ / ٨١.
داوود دون سائر ولد أبيه»(٣)
فالوراثة إذن وراثة للعلم والملك؛
ولکن لم لا یکون ورث مع ذلك مال أبیه،
مع أنه المتبادر إلى الأذهان من لفظ الوراثة
والميراث؟
يجيب على ذلك الإمام ابن كثير ذلك
بقوله: ((وليس المراد وراثة المال؛ إذ لو
كان كذلك لم يخص سليمان وحده من
بین سائر أولاد داوود، فإنه قد كان لداوود
مائة امرأة، ولکن المراد بذلك وراثة الملك
والنبوة؛ فإن الأنبياء لا تورث أموالهم، كما
أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم
في قوله: (نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما
تركناه صدقة)(٤)»(٥).
ومما يؤكد هذا ويؤيده أنه قد ورد
الاستعمال القرآني للوراثة في وراثة العلم
والدين دون المال في غير ما آية من كتاب
الله تعالى منها:
قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ
وَرِقُواْ الْكِنَبَ ﴾ [الأعراف: ١٦٩].
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٤/١٨.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الفرائض، باب قول النبي صلى الله عليه
وسلم: (لا نورث ما تركناً صدقة) ٨/ ١٥٠،
٦٧٣٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(لا نورث ما تركنا فهو صدقة) ١٣٧٩/٣،
رقم ١٧٥٨.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٢/٦.
www. modoee.com
٢٥٥
حرف السين
وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْرَقْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ
أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْرِقُواْ الْكِنَبَ
مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴾ [الشورى:
١٤].
فظهر مما تقدم أن سليمان عليه السلام
ورث علم أبيه ونبوته وملكه.
٣. تعليم منطق الطير.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا
مَنطِقَ الَّيْرِ وَأُوْتِنَا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَوَ اَلْفَضْلُ
الْمُّبِينُ﴾ [النمل: ١٦].
يقول ابن كثير: ((أخبر سليمان بنعم
الله عليه، فيما وهبه له من الملك التام،
والتمکین العظیم، حتى إنه سخر له الإنس
والجن والطير، وكان يعرف لغة الطير
والحيوان أيضا، وهذا شيء لم يعطه أحد
من البشر -فيما علمناه - مما أخبر الله به
ورسوله)»(١).
٤ . الشكر.
وقد ذكر الله تعالى شكر هذا النبي في
ثلاث آیات:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىّ
أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَِّ أَنْعَمْتَ عَلَنَّ وَعَلَ وَلِدَنَّ
وَأَنْ أَعْمَلَ صَدِحَاتَرْضَنَهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِىِ
عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ﴾ [النمل: ١٩].
قال الألوسي: ((أي اجعلني أزع شكر
نعمتك أي أکفه وارتبطه لا ينفلت عني وهو
مجاز عن ملازمة الشكر والمداومة عليه
فكأنه قيل: رب اجعلني مداوماً على شكر
نعمتك)»(٢).
وهنا كان شكره عليه السلام على سماع
قول النملة، وفهم خطابها.
الثانية: قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ
عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ وَأُوتِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَوَّ
اٌلْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦].
قال الزمخشري: ((قوله: إنّ هذا لهو
الفضل المبين قول وارد على سبيل الشكر
والمحمدة))(٣).
فشكر ربه سبحانه على ما وهب له من
علم وما آتاه الله من الملك.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا
عِنْدَهُ، قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبٍِّ لِيَبْلُوَنِيِّ ءَأَشْكُرُأَمْ أَكْفُرٌ
وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ
كَرِيمٌ﴾
[النمل: ٤٠].
قال الطبري: ((هذا البصر والتمكن
والملك والسلطان الذي أنا فيه حتى حمل
إلي عرش هذه في قدر ارتداد الطرف من
مأرب إلى الشام، من فضل ربي الذي أفضله
علي وعطائه الذي جاد به علي ليختبرني
ويمتحنني، أأشكر ذلك من فعله علي، أم
(١) المصدر السابق.
(٢) روح المعاني، الألوسي ١٧٦/١٠.
(٣) الكشاف، الزمخشري ٣٥٤/٣.
٢٥٦
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
سليمان عليه السلام
أكفر نعمته علي بترك الشكر له؟)) (١).
وفي هذا الموضع کان شكره على نعمة
التسخير والتمكن من إحضار العرش بين
یدیه في زمن یسیر جدًّا.
٥. الفهم.
قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلًا
ءَنَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].
والفهم أخص من العلم(٢).
قال الزبيدي: «فإن العلم مطلق الإدراك،
وأما الفهم فهو سرعة انتقال النفس من
الأمور الخارجية إلى غيرها))(٣).
وفهم سليمان عليه السلام إمّا إنه قد
جعل الله له من فضل قوّة الفهم ما أدرك به
ما يعرض له من القضايا، وإمّا بأن ألقى ذلك
في روعه إلهامًا، أو بأن يوحى إليه بوحي
خاص (٤).
وظهرت عليه هذه الصفة في زمان أبيه،
وقد ذكر في القرآن الكريم ما يدل على
ذلك في قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ
يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ إِذْنَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
٨ فَفَهَمْنَهَا
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ
سُلَيْمَنَّ وَكُلَّا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:
٧٩،٧٨].
(١) جامع البيان، الطبري ١٨/ ٧٤.
(٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٢٧٤/٢.
(٣) تاج العروس، الزبيدي ٢٢٤/٣٣.
(٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص
٦٤٦.
فيذكر ربنا سبحانه وتعالى في هاتين
الآيتين قضية حدثت فى زمان داوود عليه
السلام، يلخصها العلامة السعدي بقوله: ((إذا
تحاکم إلیهما صاحب حرث، نفشت فيه غنم
القوم الآخرين، أي: رعت ليلاً فأكلت ما في
أشجاره، ورعت زرعه، فقضى فيه داوود
عليه السلام ، بأن الغنم تكون لصاحب
الحرث، نظراً إلى تفريط أصحابها، فعاقبهم
بهذه العقوبة، وحكم فيها سليمان بحكم
موافق للصواب، بأن أصحاب الغنم يدفعون
غنمهم إلى صاحب الحرث فينتفع بدرها
وصوفها ويقومون على بستان صاحب
الحرث، حتى يعود إلى حاله الأولى، فإذا
عاد إلى حاله، ترادًا ورجع كل منهما بما
له، وكان هذا من كمال فهمه وفطنته عليه
السلام»(٥).
٦. الأوبة.
قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ
الْعَبْدُّ إِنَّهُ: أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠].
قال السعدي: ((أي: رجّاعًا إلى الله في
جميع أحواله، بالتأله والإنابة، والمحبة
والذكر والدعاء والتضرع، والاجتهاد في
مرضاة الله، وتقديمها على كل شيء))(٦).
وقد ذكر الله هذه الصفة تعليلاً لمدح
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٢٨.
وانظر: جامع البيان، الطبري ٣٢٢/١٦،
تفسير القرآن، السمعاني ٣٩٤/٣.
(٦) تيسير الكريم الرحمن ص ٧١٢.
www. modoee.com
٢٥٧
حرف السين
سلیمان علیه السلام بکونه نعم العبد، فکل
من کان کثیر الرجوع إلى الله ناله حظه من
هذا المدح الإلهي.
وفي هذا يقول الرازي: ((وهذه الكلمة
للتعليل، فهذا يدل على أنه إنما كان نعم
العبد لأنه كان أوابا، فيلزم أن كل من كان
كثير الرجوع إلى الله تعالى في أكثر الأوقات
وفي أكثر المهمات كان موصوفا بأنه نعم
العبد وهذا هو الحق الذي لا شبهة فیه»(١).
خصائص ملك سليمان عليه السلام
لا بد لكل نبي يرسل إلى قوم أن يؤيده
ربه سبحانه ببرهان یظهر به صدقه ويكون
عنوان هداية لمن يريد سبحانه أن يهديه
سواء السبيل، فيلهمه رشده، وفي السنة ما
يدل على ذلك.
فعن أبي هريرة، قال: قال النّبيّ صلّى الله
عليه وسلّم: (ما من الأنبياء نبيٌّ إلّا أعطي ما
مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الّذي أوتيت
وحيًا أو حاه اللّه إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم
تابعًا يوم القيامة)(٢).
وعموم هذا الحديث يدخل فيه نبي الله
سليمان عليه السلام؛ فيا ترى ما هو برهان
هذا النبي ودليل صدقه على نبوته ؟
لقد وهبه ربه جل في علاه ملگا خصه فیه
بخصائص تدل على نبوته، ولم تكن لغيره
من بعده، وهي:
١. تسخير الجن والشياطين.
وقد بین الله سبحانه وتعالى أن من سخر
لسليمان عليه السلام نوعان:
النوع الأول: بعض الشياطين الذين هم
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
القرآن، باب كيف بنزل الوحي، ١٨٢/٦،
رقم ٤٩٨١، ومسلم في صحيحه، كتاب
الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا
محمد صلى الله عليه وسلم، ١٣٤/١، رقم
١٥٢.
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٨٩/٢٦.
٢٥٨
القرآن الكريم
سليمان عليه السلام
الكفار من الجن (١)، وهؤلاء كانوا على
قسمين:
القسم الأول: من امتثل أوامر سليمان
عليه السلام، فكان بعض هؤلاء الممثلين
يقومون بالغوص في البحار كما قال الله
تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾
[الأنبياء: ٨٢].
لاستخراج اللآلئ و الدرر وغير ذلك مما
(٢)
يطلب منهم(٢).
وصنف آخر منهم لهم عمل غير الغوص
الذي هو البناء، قال تعالى: ﴿وَالشَّيَطِينَ كُلَّ
بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص:٣٧].
ويخترعون الصنائع العجيبة(٣).
والقسم الثاني: هم العصاة المتمردون
من الشياطين، وهؤلاء يقول الله فيهم:
﴿وَءَاخَرِينَ مُقَرَّبِينَ فِ الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٨].
قال ابن كثير: ((أي: موثقون في الأغلال
والأكبال ممن قد تمرد وعصى وامتنع
من العمل وأبى أو قد أساء في صنيعه
واعتدى)) (٤).
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٨١/٦.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤٩٥/٣.
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٦/ ٨٠.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٣/٧.
والذي جعلنا نجزم بأن هؤلاء هم الكفار
من الجن دليلان:
الأول: أن الكافر من الجن يسمى
شيطانًا(٥).
والثاني: في قوله تعالى: ﴿وَكْنَا لَهُمْ
حَفِظِينَ﴾[الأنبياء: ٨٢].
يقول ابن كثير: ((أي: يحرسه الله أن يناله
أي: يغوصون في أعماق البحار أحد من الشياطين بسوء، بل كل في قبضته
وتحت قهره لا یتجاسر أحد منهم علی الدنو
إليه والقرب منه)) (٦)
فحراسة الله تعالى له عن أن يناله منهم
سوء یدل علی کفرهم إذ إن من يقدم ذلك
يدل على بغضه للرسول ورسالته ، وهذا من
فهؤلاء يقومون ببناء المدن والقصور المكفرات المعلومة والله أعلم.
النوع الثاني: بعض مؤمني الجن.
٠٥/٠١٠٠
قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ
بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَانُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ
السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢].
فبين تعالى أنه سخر بعضاً من مؤمني
الجن للعمل بين يدي سليمان عليه السلام،
وكانت أعمالهم ما ذكره الله في قوله:
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ, مَا يَشَآءُ مِن تَحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ
وَحِفَانٍ كَالْجَوَابٍ وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍ﴾ [سبأ: ١٣].
فهم يعملون له ما يلي:
(٥) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١٠٩/٦،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥/١٩،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٥٠٠.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٥٩/٥.
www. modoee.com
٢٥٩
حرف السين
المحاريب: وهي جمع محراب، شديدة الهبوب(٥).
والمحراب: كل بناء حسن، وأشرف شيء
فيه وصدره سواء كان مسجداً أم بيتاً أم
مصلى (١).
التماثيل: وهي جمع تمثال، والتمثال:
(كل ما صوّر على مثل صورة غيره من
حيوان وغير حيوان)(٢).
الجفان: جمع جفنة، وهي: ما يوضع فيه
الطعام، ولعظمها شبهها بالجواب التي هي
جمع جابية، وهي البركة التي يجبى إليها
الماء(٣).
القدور: ما يطبخ فيها الطعام، ولعظمها
كانت ثابتة على الأثافي لا تنزل عنها (٤).
٢. تسخير الريح.
فقد سخر الله تعالى لسليمان عليه
السلام الريح.
قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرّيحَ عَاصِفَةٌ تَجْرِى
بِأَمْرِإِلَى الْأَرْضِ الَّتِ بَرَّكْنَا فِيَهَا وَكُنَا بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِمِينَ﴾[الأنبياء: ٨١].
ووصفها الله تعالی بصفات:
الأولى: أنها ريح عاصفة، بمعنى أنها
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٢٣٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٥٠٠.
(٢) محاسن التأويل، القاسمي ٨/ ١٣٧.
(٣) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ١٣٧/٨،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٧٦.
(٤) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٤٣/٤،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٥٠٠.
الثانية: أنها رخاء، قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ
الْرِيجَ تَجْرِى بِأَمْرِهِه ◌ُخَةٌ حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦].
والمعنى: أنها ريح لينة لا تزعزع ولا
تعصف (٦).
فإن قيل: كيف يمكن الجمع بين
الوصفين المتناقضين؟
فالجواب: ذكر المفسرون للجمع
وجوهًا:
الأول: إن المراد بالعاصفة أنها في قوة
العاصفة ولا تعصف.
والثاني: إنها تكون تارة رخاء، وتارة
عاصفة على ما يريده سليمان عليه السلام
.(٧)
ويشتهيه ("
والظاهر من السياق أنها تكون بحسب
ما يريده سليمان عليه السلام ، يقول ابن
عاشور: ( .. وذلك باختلاف الأحوال فإذا
أراد الإسراع في السير سارت عاصفة ، وإذا
أراد اللين سارت رخاء، والمقام قرينة على
أن المراد المواتاة لإرادة سليمان كما دل
عليه قوله تعالى: ﴿تَجْرِى بِأَمْرِهِ﴾ في الآيتين
المشعر باختلاف مقصد سليمان منها كما
إذا كان هو راكباً في البحر ؛ فإنه يريدها
رخاء لئلا تزعجه ، وإذا أصدرت مملكته
بضاعة أو اجتلبتها سارت عاصفة ، وهذا
(٥) معالم التنزيل، البغوي ٣٠١/٣.
(٦) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٤٩٧.
(٧) انظر: المصدر السابق.
٢٦٠
جَوَسُولَة النفسية
الْقُرْآن الكَرِيمِ
سليمان عليه السلام
بين بالتأمل) (١).
الثالثة: أنها تجري حيثما يريد سليمان
عليه السلام.
قال تعالى: ﴿فَخَرْنَا لَهُ الْرِيِجَ تَجْرِى ◌ِأَمْرِهِ.
رُخَ حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦].
أي: إنها تجري حيثما أراد، وهذا يدل
على التعميم في الأمكنة التي يريد الذهاب
إليها (٢).
ولكن في الآية الأخرى يقول تعالى:
﴿وَلِسُلَيْمَنَ الْرِيحَ عَاصِفَةً تَّجْرِى بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ
اَلَّتِ بَرَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ﴾
[الأنبياء: ٨١].
فظاهر هذه الآية أن جريها مخصوص
بكونه إلى الأرض التي بورك فيها، فكيف
الجمع بينهما ؟
يقول العلامة الشنقيطي: «قوله: ﴿حَيْثُ
أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦] يدل على أنها تجري بأمره
حیث أراد من أقطار الأرض، وقوله: ﴿تَجْرِى
بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِ بَرَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٨١]؟
لأن مسكنه فيها وهي الشام، فترده إلى
الشام. وعليه فقوله: حيث أصاب في حالة
الذهاب. وقوله: إلى الأرض التي باركنا فيها
في حالة الإياب إلى محل السكنى، فانفكت
الجهة فزال الإشكال»(٣).
الرابعة: سرعة جري هذه الريح المسخرة،
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧/ ١٢٣.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤ /٢٣٥.
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٤/ ٢٣٥.
وهذا ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ وَلِسُلَيْمَنَ
الْرِّيِحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢].
قال الطبري: ((وسخرنا لسليمان الريح،
غدوها إلى انتصاف النهار مسيرة شهر،
ورواحها من انتصاف النهار إلى الليل مسيرة
شهر»(٤).
وقال ابن كثير: ((من تسخير الريح
له تحمل بساطه، غدوها شھر ورواحها
شهر، قال الحسن البصري: كان يغدو على
بساطه من دمشق فينزل بإصطخر يتغذى
بها، ويذهب رائحاً من إصطخر فيبيت
بكابل، وبين دمشق وإصطخر شهر كامل
للمسرع، وبين إصطخر وكابل شهر كامل
للمسرع» (٥).
٣. إسالة النحاس.
قال تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ اُلْقِطْرِ﴾ [سبأ:
١٢].
قال البيضاوي: ((النحاس المذاب أساله
له من معدنه فنبع منه نبوع الماء من الينبوع،
ولذلك سماه عينًا وكان ذلك باليمن))(٦).
٤ . تعليمه منطق الطير.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا
مَنْطِقَ الَّيْرِ وَأُوِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهَوَ اَلْفَضْلُ
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٢٧/١٩.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٩٩/٦.
(٦) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٤٣/٤.
وانظر: جامع البيان، الطبري ٢٢٩/١٩.
www. modoee.com
٢٦١
حرف السين
الْمُِّينُ﴾ [النمل: ١٦].
فمن الطير ذكر سبحانه الهدهد، قال
قال ابن كثير: ((أخبر سليمان بنعم الله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِىَ لَآ أَرَىَ
اُلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَإِينَ﴾ [النمل:
٢٠].
عليه، فيما وهبه له من الملك التام، والتمكين
العظيم، حتى إنه سخر له الإنس والجن
والطير. وكان يعرف لغة الطير والحيوان
أيضا، وهذا شيء لم يعطه أحد من البشر
-فیما علمناه -مما أخبر الله به ورسوله»(١).
٥. تنوع جنودہ.
قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ مِنَ
اُلْجِنِّ وَالْإِنسِ وَاُلَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧].
فهذه الآية الكريمة تبین أن لسليمان عليه
السلام أنواعاً من الجنود، جند من الإنس،
وجند من الجن، وجند من الطير.
قال ابن كثير: «وجمع لسليمان جنوده
من الجن والإنس والطير يعني: ركب فيهم
في أبهة وعظمة كبيرة في الإنس، وكانوا هم
الذين يلونه، والجن وهم بعدهم يكونون
في المنزلة، والطير ومنزلتها فوق رأسه، فإن
کان حرًّا أظلته منه بأجنحتها، وقوله: ﴿فَهُمْ
يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧]. أي: يكف أولهم على
آخرهم؛ لئلا يتقدم أحد عن منزلته التي هي
مرتبة له))(٢).
وقد ذكر الله تعالى نموذجًا واحدًا لكل
نوع من هذه الجنود:
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٢/٦.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٣/٦.
وانظر: جامع البيان، الطبري ٢٥/١٨، معالم
التنزيل، البغوي ٤٩٤/٣.
ومن الجن العفريت المذكور في قصة
الملكة بلقيس، قال تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِتٌ
مِنَ الْجِنِ أَنَاْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِ عَيْهِ
لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩].
ومن هذه الآية يتبين لنا بعض صفات
هذا العفريت وهي السرعة الفائقة، والقوة
والأمانة(٣).
ومن الإنس: الذي عنده علم من الكتاب،
قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِى عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِنَبِ أَنَا
ءَائِيكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠].
وأهم ما يتميز به هذا الجندي من الإنس:
العلم ومعرفة اسم الله الأعظم وإجابة
الدعاء (٤).
وقبل أن ننهي الكلام على ملك سليمان
عليه السلام وما اختصه الله تعالى به من
خصائص نذكر مسألتين لهما به ارتباط:
المسألة الأولى: كم كان عمر سليمان
عليه السلام حينما أصبح ملكاً؟
یذکر المؤرخون في ذلك قولين:
الأول: إنه آل إليه الملك، وهو ابن اثنتي
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١٩٢.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم
٢٨٨٦/٩.
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
٢٦٢
سليمان عليه السلام
عشرة سنة(١).
الثاني: کان عمره اثنتين وعشرين سنة(٢).
المسألة الثانية: إلى أي البلاد وصل ملك
سليمان عليه السلام وما هي حدود مملكته؟
فالذي یمکن أن نجزم به أن هذا الملك
كان على بني إسرائيل في فلسطين والشام
ورثه عن أبيه، وهذا ظاهر من قوله تعالی:
﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرّيحَ عَاصِفَةٌ تَّجْرِى بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ
الَّتِى بَرَكْنَا فِيَهَا ﴾ [الأنبياء: ٨١].
والجن والشياطين وغير ذلك مما ذكرناه
سابقاً، لا بعظم رقعة الأرض.
أما ما يذكر من أنه عليه السلام ملك
الأرض كلها، فهذا قول لا دليل عليه، وظاهر
قصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ يرده؛
إذ کیف یکون تحت ملکه من لا يعرف خبره
إذ هي الأرض المباركة(٣)، والذي قد كان إلا من هدهد مع سعة مملكة سبأ وعظمها
وقربها النسبي، والله أعلم.
ووجه الاستدلال: أن حرف الجر (إلى)
هنا لانتهاء الغاية في المكان (٤)، ويلزم من
ذلك أن يوجد مكان هو ابتداء الجري منه،
فتكون فلسطين هي مبدأ الرحلة والشام
نهايتها، والفعل المضارع يدل على التجدد
والحدوث(٥)، فليس هذه رحلة واحدة
بل هي متكررة، ولا يمكن لملك عظيم
حازم فضلاً عن نبي مؤيد بالوحي أن تكون
رحلاته متجددة في التنزه، بل هي بتفقد
الملك أليق وبه ألصق ، فإذا تقرر ما سبق
فقد امتاز ملكه عليه السلام بتسخير الريح
(١) انظر: البدء والتاريخ، ابن طاهر المقدسي
١٠٣/٣، الكامل في التاريخ، ابن
الأثير ١/ ٢٠٠.
(٢) تاريخ ابن خلدون ٢/ ١١٢.
(٣) انظر: روح المعاني، الألوسي ٦٨/٩.
(٤) انظر: همع الهوامع، السيوطي ٤١٤/٢.
(٥) انظر: الطراز لأسرار البلاغة، يحيى بن حمزة
٢/ ١٤٣، مفتاح العلوم، السكاكي ص ٢٠٧
www. modoee.com
٢٦٣
حرف السین
مواقف من سيرة سليمان عليه السلام
بعد أن تكلمنا على خصائص ملك
سليمان عليه السلام نذكر ثلاثة مواقف من
سيرته في النقاط الآتية:
أولًا: قصة سليمان عليه السلام مع
النملة:
ركب سليمان عليه السلام في تواضع
لله سبحانه وجموع كثيرة من الإنس، وكانوا
هم الذين يلونه، والجن بعدهم في المنزلة،
أما الطیر فتكون فوق رأسه، فإن كان حَرًّا
أظلته منه بأجنحتها، وقد جعل لكل صنف
من جنده من يكف أولهم على آخرهم؛ لئلا
يتقدم أحد عن منزلته التي هي مرتبة له (١).
قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ, مِنَ
اُلْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧].
ثم انطلق بهذا الجيش العظيم، ولم يبين
لنا سبحانه أين مقصدهم ولا جهتهم التي
يقصدون ؛ إذ القصة مسوقة لبيان العبرة من
قصة النملة فحسب.
واصل الجيش بقيادة نبي الله سليمان
سيره حتى مر بمن معه من الجن والإنس
والطير على وادي النمل.
قال تعالى: ﴿حٌَّ إِذَا أَنَوْ عَلَ وَاِ النَّمْلِ﴾
[النمل: ١٨].
وهذا الوادي قيل: إنه في الطائف، وقيل:
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١٨٣.
إنه بالشام(٢).
والذي يظهر من إضافة الوادي إلى
النمل، أن هذا الوادي كثير النمل حتى كأنه
مستحق للنمل دون غيرهم مما يعيش فيه (٣).
وكما هي عادة النمل في النهار الانتشار
لجلب رزقها، وقد جعلن لهن من يحرسهن
عن أن يصل إليهن ما يضرهن ؛ إذ الغالب
في الوادي أن يكون مسلوكاً كما يظهر من
حراسة النملة لقومها، وهنا أحست هذه
النملة، فقد أدركت مجيء الجيش، وأنه
لسليمان وجنوده وأدركت كثرتهم، وأن
عليها وعلى النمل أن يتجنبوا الطريق،
ويدخلوا مساكنهم(٤).
وهنا نادت، فقالت: ﴿يَأَيُّهَا النَّمْلُ
أَدْ خُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَيُنُودُهُ.
وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨].
فجمعت في هذه العبارة الوجيزة أحد
عشر جنسًا من صنوف الكلام.
قال الزركشي: «فجمع في هذه اللفظة
أحد عشر جنساً من الكلام نادت وكنت
ونبهت وسمعت وأمرت وقصت وحذرت
وخصت وعمت وأشارت وعذرت؛
فالنداء: (يا) والكناية: (أي)، والتنبيه: (ها)،
والتسمية: (النمل)، والأمر: (ادخلوا)،
والقصص: (مساكنكم)، والتحذير: (لا
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٣٥٦/٣.
(٣) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٦/ ٣٣٣.
(٤) أضواء البيان، الشنقيطي ٩/٨.
٢٦٤
القرآن الكريم
سليمان عليه السلام
یحطمنکم)، والتخصیص: (سلیمان)،
والتعميم: (جنوده)، والإشارة: (وهم)،
والعذر: (لا يشعرون))(١).
فلما سمع نبي الله سليمان هذا النداء
تبسم، قال تعالى: ﴿فَبَسِّمَ ضَاحِكًا مِّن
قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩].
فإن قيل: لم تبسم نبي الله سليمان من
قولها؟
ذکر المفسرون وجهین في ذلك:
وقال أبو السعود: ((أي: اجعلني أزع
شكر نعمتك عندي واكفّه وأرتبطه بحيث
الأول: إنما تبسم سروراً بما ألهمت من
حسن حاله وحال جنوده في باب التقوى
والشفقة ، وابتهاجاً بما خصه الله تعالى به لا ينفلت عنّي حتّى لا أنفكّ عن شكرك
من إدراك ما هو همس بالنسبة إلى البشر أصلًا))(٤).
وفهم مرادها منه.
الثاني: أن یکون ذلك تعجباً من حذرها
وتحذيرها واهتدائها إلى تدبير مصالحها
ومصالح بني نوعها.
ورجح الألوسي الوجه الأول لمناسبته
لما بعده من الدعاء الذي سأل فيه ربه أن
يوفقه لشکر نعمته(٢).
وبعد تبسمه عليه السلام قال:
ـبِّ
أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَتِى أَنْعَمْتَ عَّ
وَعَلَى وَلِدَنَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَدِحًا تَرْضَنَهُ وَأَدْخِلْنِى
بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ﴾ [النمل:
١٩].
(١) البرهان في علوم القرآن ٢٢٧/٣.
(٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٧٥/١٠.
قال ابن كثير: ((أي: ألهمني أن أشكر
نعمتك التي مننت بها علي، من تعليمي
منطق الطير والحيوان، وعلى والدي
بالإسلام لك، والإيمان بك، ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ
صَلِحَاتَرْضَنَّهُ﴾ [النمل: ١٩] أي: عملًا تحبه
وترضاه،
﴿وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ
السَّلِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] أي: إذا توفيتني
فألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق
الأعلى من أوليائك))(٣).
ثانيًا: قصة سليمان عليه السلام مع
الهدهد:
تبدأ أحداث هذه القصة حينما ذهب
سليمان عليه السلام يتفقد الطير؛ ليعرف
من هو موجود منها ومن هو غائب، فلم ير
الهدهد، فسأل عنه: لماذا لا أرى الهدهد ؟
أهناك شيء يستره مما هو أكبر منه حجماً أم
هو غائب؟(٥).
قال تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ اَلَّيْرَ فَقَالَ مَالِىَ
لَا أَرَىَ الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآِينَ﴾
[النمل: ٢٠].
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١٨٣.
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٧٩/٦.
(٥) روح المعاني، الألوسي ١٧٧/١٠.
www. modoee.com
٢٦٥
حرف السين
فلما تيقن سليمان عليه السلام من خطير متيقن وشأن كبير (٥)، فأعلم سليمان
غياب الهدهد، وكان غياباً بلا إذن كما هو ما لم يكن يعلمه، ودفع عن نفسه ما توعده
من العذاب والذبح(٦).
ظاهر السياق توعده قائلًا: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ.
عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَ اذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَانٍ
◌ُمِينٍ﴾ [النمل: ٢١].
فأقسم على أن يعذبه عذابًا شديدًا، وكان
لیقتلنه أو لیأتینه بسلطان بین وحجة واضحة
في عذره (٢).
تعذيبه للطير فيما ذكر نتف ريشه (١)، أو أحد (٧).
لم يمض على الهدهد زمان طويل في
غيبته، بل جاء على وجه السرعة إلى سليمان
(٣)
عليه السلام (٣).
قال تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل:
٢٢]. فعاتبه على مغيبه، فقال معتذراً: ﴿فَقَالَ
أَخَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢] (٤).
على علمك الواسع وعلى درجتك فيه،
وابتداء كلامه بذلك لترويجه عنده عليه
السلام، وترغيبه في الإصغاء إلى اعتذاره
واستمالة قلبه، قال: ﴿وَحِثْتُكَ مِن سَبَلٍ بِنَبَكر
يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢].
أي: القبيلة المعروفة في اليمن بخبر
(١) جامع البيان، الطبري ٣٣/١٨.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٥/٦،
نظم الدرر، البقاعي ١٤ / ١٥٠.
(٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢٢٤/٨،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٦/٦.
(٤) فتح القدير، الشوكاني ١٥٣/٤.
ثم بدأ يفصل ما أجمل فقال: ﴿إِنِّ وَجَدتُ
آَمْرَأَةُ تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٣].
أي : تتصرف بهم ولا يعترض عليها
وقال ابن عاشور: ((وتنكير امرأة وهو
مفعول أول لـ(وجدت) له حكم المبتدأ
فهو كالابتداء بالنكرة إذا أريد بالنكرة
التعجب من جنسها كقولهم: بقرة تكلمت،
لأن المراد حكاية أمر عجيب عندهم أن
تكون امرأة ملكة على قوم، ولذلك لم يقل:
وجدتهم تملكهم امرأة»(٨).
وقال: ﴿وَأُوِّيَّتْ مِن كُلِّ شَقٍْ﴾ [النمل:
أي: عندي من العلم علم ما أحطت به ٢٣] ؛ أي: وأوتيت من كل شيء يؤتاه
الملوك في عاجل الدنيا مما يكون عندهم
من العتاد والآلة (٩).
وقال: ﴿وَلَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]
أي: سرير تجلس عليه عظيم هائل مزخرف
بالذهب، وأنواع الجواهر واللآلئ(١٠).
ولكن لماذا استعظم الهدهد عرش
(٥) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٨٢/١٠،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٠٤.
(٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣/ ١٨١.
(٧) روح المعاني، الألوسي ١٨٣/١٠.
(٨) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٢/١٩.
(٩) جامع البيان، الطبري ٣٩/١٨.
(١٠) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١٨٧.
٢٦٦
جوسي
القرآن الكريمِ
سليمان عليه السلام
بلقيس مع ما يشاهده من ملك سليمان؟
قال الألوسي: ((واستعظام الهدهد
لعرشها مع ما کان یشاهده من ملك سليمان
عليه السلام إما بالنسبة إلى حالها أو إلى
عروش أمثالها من الملوك، وجوز أن يكون
ذلك، لأنه لم يكن لسليمان عليه السلام مثله
وإن کان عظیم الملك فإنه قد يوجد لبعض
أمراء الأطراف شيء لا يكون للملك الذي
هم تحت طاعته. وأيا ما كان فوصفه بذلك
بين يديه عليه السلام لما ذكر أولًا من ترغيبه
عليه السلام في الإصغاء إلى حديثه، وفيه
توجيه لعزيمته عليه السلام نحو تسخيرها
ولذلك عقبه بما يوجب غزوها من كفرها
وكفر قومها))(١).
ثم قال: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ
لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ أَعْمَلَهُمْ
[النمل:
فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾
٢٤].
قال أبو السعود: ((أي: يعبدونها
متجاوزين عبادة الله تعالى، وزين لهم
الشيطان أعمالهم التي هي عبادة الشمس
ونظائرها من أصناف الكفر والمعاصي،
فصدهم بسبب ذلك عن سبيل الحق
والصواب ؛ فإن تزيين أعمالهم لا يتصور
بدون تقويم طرق كفرهم وضلالهم ، ومن
ضرورته نسبة طريق الحق إلى العوج، فهم
(١) روح المعاني، الألوسي ١٨٥/١٠.
بسبب ذلك لا یھتدون إلیه»(٢).
ثم قال: ﴿أَلََّيَسْجُدُواْ لِلَّهِ﴾ [النمل: ٢٥].
أي: لا يعرفون سبيل الحق التي هي
إخلاص السجود لله وحده دون ما خلق من
شيء من الكواكب وغيرها(٣).
وقال: ﴿الَّذِى يُحْرِجُ الْخَبَْ فِي السَّمَوَّتِ
وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥].
قال السعدي: ((يعلم الخفي الخبيء
في أقطار السماوات وأنحاء الأرض، من
صغار المخلوقات وبذور النباتات وخفايا
الصدور، ويخرج خبء الأرض والسماء
بإنزال المطر وإنبات النباتات، ويخرج
خبء الأرض عند النفخ في الصور
وإخراج الأموات من الأرض ليجازيهم
بأعمالهم»(٤).
وقال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾
[النمل: ٢٥]؛ أي: يعلم ما يخفيه العباد، وما
يعلنونه من الأقوال والأفعال (٥).
وقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ﴾ [النمل: ٢٦].
أي: لا تنبغي العبادة والإنابة والذل
والحب إلا له ؛ لأنه المألوه لما له من
الصفات الكاملة والنعم الموجبة لذلك؛
﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦].
الذي هو سقف المخلوقات ووسع
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود٦/ ٢٨١.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١٨٧.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٠٤.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٧/٦.
www. modoee.com
٢٦٧
حرف السين
الأرض والسماوات، فهذا الملك عظيم
السلطان کبير الشأن هو الذي یذل له ويخضع
ویسجد له ويركع، فسلم الهدهد حين ألقى
إليه هذا النبأ العظيم وتعجب سليمان كيف
خفي عليه(١).
وقال الخازن: ((والمقصود من هذا قد صنع له، وكان عظيمًا.
الكلام الرد على من يعبد الشمس وغيرها،
من دون الله ؛ لأنه لا يستحق العبادة إلا من
هو قادر على من في السموات والأرض،
عالم بجميع المعلومات، ﴿اَللَّهُ لَآ إَِهَ إِلَّا
هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦] أي: هو
المستحق للعبادة والسجود لا غيره»(٢).
وقد أحسن الهدهد في انتقاله من خبر
إلى خبر، وكان سرده لذلك في غاية الترابط.
قال أبو حيان: ((وما أحسن انتقالات هذه
الأخبار بعد تهدد الهدهد وعلمه بذلك:
أخبر أولًا: باطلاعه على ما لم يطلع عليه
سليمان، تحصنا من العقوبة بزينة العلم الذي
حصل له، فتشوف السامع إلی علم ذلك.
ثم أخبر ثانيًا: بتعلق ذلك العلم، وهو
أنه من سبأ، وأنه أمر متیقن لا شك فيه، فزاد
تشوف السامع إلى سماع ذلك النبأ.
ثم أخبر ثالثًا: عن الملك الذي أوتيته
امرأة، وکان سلیمان علیه السلام قد سأل
الله أن يؤتيه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده.
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٠٤.
(٢) لباب التأويل، الخازن ٣٤٤/٣.
ثم أخبر رابعًا: ما ظاهره الاشتراك بينه
وبين هذه المرأة التي ليس من شأنها ولا
شأن النساء أن تملك فحول الرجال، وهو
قوله: ﴿وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَقْءٍ وَلَمَا عَرْشُ
عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] وكان سليمان له بساط
ولما لم يتأثر سلیمان للإخبار بهذا کله،
إذ هو أمر دنيوي، أخبره خامسا: بما يهزه
لطلب هذه الملكة، ودعائها إلى الإيمان،
وإفراده بالعبادة فقال: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا
يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢٤]»(٣).
وقال ابن عاشور: ((وقد جمع هذا القول
الذي ألقي إلى سليمان أصول الجغرافية
السياسية من صفة المكان والأديان، وصبغة
الدولة وثروتها، ووقع الاهتمام بأخبار
مملكة سبأ ؛ لأن ذلك أهم لملك سليمان
إذا كانت مجاورة لمملكته يفصل بينهما
البحر الأحمر، فأمور هذه المملكة أجدى
بعمله»(٤).
وقال الشنقيطي: ((ففي هذا السياق عشر
قضایا یدر کها الهدهد ویفصح عنها لنبي الله
سليمان:
الأولى: إدراكه أنه أحاط بما لم يكن في
علم سليمان.
الثانية: معرفته لسبأ بعينها دون غيرها،
(٣) البحر المحيط، أبو حيان ٢٢٨/٨.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٤/١٩.
٢٦٨
جَوَسُولَةُ النفسية
لِلْعُرْآن الكَرِيمِ
سليمان عليه السلام
ومجيئه منها بنبأ یقین لا شك فيه.
الثالثة: معرفته لتولية المرأة عليهم مع
إنکاره ذلك علیھم.
الرابعة: إداركه ما أوتيته سبأ من متاع
الدنيا من كل شيء.
الخامسة: أن لها عرشًا عظيمًا.
السادسة: إدراکه ما هم عليه من السجود
للشمس من دون الله.
السابعة: إدراكه أن هذا شرك بالله تعالى.
الثامنة: أن هذا من تزيين الشيطان لهم
أعمالهم.
التاسعة: أن هذا ضلال عن السبيل
القويم.
العاشرة: أنهم لا يهتدون)) (١).
ولما فرغ الهدهد من كلامه، وأبدى
عذره في غيبته، أخر سليمان أمره إلى أن
يتبين له صدقه من كذب(٢)، فقال: ﴿قَالَ
سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَذِينَ﴾ [النمل:
٢٧].
ولا يتسرع سليمان في تصديقه أو تكذيبه
ولا يستخفه النبأ العظيم الذي جاءه به، إنما
يأخذ في تجربته، للتأكد من صحته . شأن
النبي العادل والملك الحازم(٣).
فكان اختباره أن يرسل لهم كتاباً مع
الهدهد، وينتظر الجواب، فإن جاءه الجواب
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٨/ ٨.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٢٣٢/٨.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦٣٩/٥.
دل على صدقه وإلا فإنه يكون كاذباً، قال:
﴿أَذْهَبِ يِكِتَبِ هَذَا فَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ
فَأَنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨].
أي: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم، ثم
تنح عنهم فکن قریباً منهم، فانظر ماذا يردون
من الجواب (٤).
ثالثًا: قصة سليمان عليه السلام مع
ملكة سبأ:
امتثل الهدهد أمر سليمان عليه السلام،
وحمل الكتاب إلى ملكة سبأ، فوجدها في
حال خلوتها، فألقاه إليها وتنحى عنها لينظر
ماذا يكون جوابها عنه طاعة لمن أرسله
به(٥).
ففتحت الكتاب، وقرأته وعرفت
محتواه (٦)، ثم خرجت من خلوتها إلى
أشراف قومها، وأخبرت قومها بالكتاب
ومحتواه: ﴿قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَؤُّأْ إِنْ أَلْفِىَ إِلَىَّ كِنَّبُ
كَرِيمٌ ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٢٩ - ٣٠].
فهو كتاب مختوم حسن مضمونه وما
فیه، ومن عند ملك كريم، ووصل على نهج
غير معتاد (٧).
٠
(٤) معالم التنزيل، البغوي ٥٠١/٣.
(٥) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٤ / ٩٢، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٨/٦.
(٦) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /٢٥٨.
(٧) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٦٣/٣، إرشاد
العقل السليم، أبو السعود٦ / ٢٨٣.
www. modoee.com
٢٦٩
حرف السين
قاسم سلیمان عنوان الكتاب وخاتمه(١)،
أما مضمونه فهو تسمية الله، ثم نهاهم عن
الامتناع عن إجابته؛ فإن ترك الإجابة من
العلو والتكبر، وأمرهم المجيء إليه طائعين
منقادين (٢)
.
وبعد أن عرفتهم محتوى كتاب نبي الله والبلاء في الحرب، والأمر أيتها الملكة
سليمان عليه السلام، استشارتهم فيم يكون إليك في القتال وفي تركه، فانظري من الرأي
ما ترين، فمرينا نأتمر لأمرك (٤).
العمل وكيف يكون الرد عليه: ﴿قَالَتْ يَأَيُّهَا
اَلْعَلَؤُّأْ أَقْتُونِي فِىَ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمَّا حَتَّى
تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢].
فكان ردها: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوَكَ إِذَا دَخَلُواْ
قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةٌ﴾
[النمل: ٣٤]؛ أي إذا دخلوا بلداً عنوة خربوه،
وقصدوا من فيها من الولاة والجنود،
والأشراف والكبراء فأهانوهم غاية الهوان،
قال الألوسي: ((أي: أشيروا عليّ بما
عندكم من الرأي والتدبير فيما حدث لي
وذکرت لکم خلاصته، وقصدت بما ذكرت
استعطافهم وتطييب نفوسهم ليساعدوها إما بالقتل أو بالأسر؛ كي يستقيم لهم
الأمر (٥).
.
ويقوموا معها ، وأكدت ذلك بقولها:
﴿مَا
كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْ حَقَّى تَشْهَدُونِ﴾؛ أي: ما
أقطع أمراً من الأمور المتعلقة بالملك إلا
بمحضركم وبموجب آرائكم، والإتيان
بـ(كان) للإيذان بأنها استمرت على ذلك،
في هذا)»(٣).
فكان جوابهم ما جاء في قوله تعالى:
وکان هذا القول منها رحمها الله صائبًا؛
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/ ٥٠،
الكشاف، الزمخشري ٣/ ٣٦٤.
(٥) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٥٠٢/٣، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١٩٠.
(٦) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ /١٦٠.
جوسين
الْقُرآن الكَرِيمِ
٢٧٠
وهذا القول منها تزييف لما أحست منهم
من الميل إلى المقاتلة بادعائهم القوى الذاتية
والعرضية، وإشعار بأنها ترى الصلح مخافة
أن يتخطى سليمان خططهم فيسرع إلى
أو لم يقع منها غيره في الزمن الماضي فكذا إفساد ما يصادفه من أموالهم وعماراتهم،
ثم أن الحرب سجال لا تدري عاقبتها، فقد
تكون الدائرة عليهم (٦).
(١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣٦٠/٣،
أنوار التنزيل، البيضاوي ١٥٩/٤، فتح
القدير، الشوكاني ٤ /١٥٨، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ٢٥٩/١٩.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٥٠٢/٣، لباب
التأويل، الخازن ٣٤٥/٣.
(٣) روح المعاني، الألوسي ١٠/ ١٩٢.
﴿قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ وَالْأَخْرُ إِلَّكِ
فَأَنْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣]؛ أي: نحن
ذوو القوة على القتال، والبأس الشديد في
الحرب، وأرادوا بالقوة: قوّة الأجساد وقوّة
الآلات والعدد، بالبأس: النجدة والشجاعة