النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ السَّمَاءُ ٧ عناصر الموضوع مفهوم السماء ٢٩٠ السماء في الاستعمال القرآني ٢٩١ الألفاظ ذات الصلة ٢٩٢ القسم بالسماء في بعض أحوالها ٢٩٤ أوصاف خاصة للسماء ٣٠١ السماء وضرب الأمثال ٣١٩ ٣٢٤ لمسات إعجازية في السماء المُجَلَّدَ الثَّامِنْ عَشِّر حرف السين مفهوم السماء أولًا : المعنى اللغوي: لفظ السماء مأخوذ من: سما يسمو سموًّا أي: علا، ومنه يقال: سمت همته إلى معالي الأمور إذا طلب العزّ والشرف، والسّماء المظلة للأرض، وهو على معنى السقف (١). والسماء في اللغة: يقال لكل ما ارتفع وعلا قد سما يسمو، وكل سقف فهو سماء، ومن هذا قيل للسحاب: السماء، لأنها عالية (٢). فهي كل ما علا وارتفع وكان فوق رأسك وأصلها السماء المعروفة. ثانيًا : المعنى الاصطلاحي: الأصل أن: سماء كلّ شيء: أعلاه(٣)، ومنه هذه السماء المعروفة التي فوقنا. والسماء: اسم جنس للعالي لا يخص شيئًا، فهي متعبد الملائكة ومستقر الوحي وفيها أنوار الطاعات (٤)، فهي عمومًا كل ما في الجهة العليا فوق رءوسنا، وكل ما علاك فأظلك (٥)، يقال له سماء. فكل أفق من الآفاق فهو سماء كما أن كل طبقة من الطباق سماء(٦). (١) انظر: المصباح المنير، الفيومي ص ١٥١، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ص ٤٥٢. (٢) تهذيب اللغة، الأزهري ١١٥/١٣. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٢٧. (٤) الوابل الصيب، ابن القيم ص ٥٣. (٥) تفسير المراغي ١٠٩/١٠. وانظر: فقه اللغة، الثعالبي ص ٢٧٥. (٦) الكليات، الكفوي ص ٧٨٠. ٢٩٠ جوبير القرآن الكريمِ السماء السماء في الاستعمال القرآني وردت مادة (سمو) في القرآن الكريم (٣٨١) مرةً، ويخص موضوع البحث منها (٣١٣) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ الاسم (مفرد) ١٢٠ [البقرة: ٢٢] الاسم (جمع) ١٩٠ ﴿فَقَضَدُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَّوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] وجاءت السماء في القرآن على وجهين(٢): الأول: السماء المعروفة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَآءَ بَيْنَهَا بِأَتَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]. الثاني: سقف البيت: ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ﴾ [الحج: ١٥]. أي: فلیمدد بحبل إلى سماء البيت. (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب السين ص ٦٨٣ -٦٤٤. (٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٢٦٢/٣-٢٦٤، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص ٣٥٨. www. modoee.com ٢٩١ حرف السين الألفاظ ذات الصلة ١ الفلك: الفلك لغة: كل شيء دائر، والفلك مجرى الكواكب وتسميته بذلك لكونه كالفلك، قال الله عز وجل: ﴿كُلِّ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] وفلكة المغزل ومنه اشتق فلك ثدي المرأة، وفلکت الجدي إذا جعلت في لسانه مثل فلکة يمنعه عن الرضاع(١). الفلك اصطلاحًا: والفلك واحد أفلاك النجوم. وفي حديث ابن مسعود: (تركت فرسي كأنه يدور في فلك). كأنه لدورانه شبهه بفلك السماء الذي تدور عليه النجوم. قال ابن زيد: الأفلاك مجاري النجوم والشمس والقمر، وهي بين السماء والأرض (٢). الصلة بين الفلك والسماء: الفلك جزء كبير تحت السماء الدنيا ، فيه كل ما يزينها من نجوم وكواكب ، ويمكن أن يقال هو: ما يكون تحت السماء الدنيا مباشرة، التي يراها الناس ويبحثون فيها ويستكشفون ما بها وينظرون فيها ويطيرون تحتها ويهتدون بما فيها وغير ذلك. الأرض: ٢ الأرض لغة: الجرم المقابل للسماء، وجمعه أرضون، ولا تجيء مجموعة في القرآن، ويعبر بها عن أسفل الشيء، كما يعبر بالسماء عن أعلاه(٣). الأرض اصطلاحًا: يمكن القول أن أشمل تعريف هو ما ذكره علماء الجغرافيا والبيئة: ((الأرض هي أحد الكواكب التسعة التي تدور حول الشمس، وهي الثالثة بالنسبة للقرب من الشمس، والثالثة من حيث درجة اللمعان إذا ما شوهدت من عند الشمس، والخامسة بين المجموعة الشمسية من حيث الحجم)). (٤) (١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٥٤، لسان العرب، ابن منظور ٤٧٨/١٠. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٨٦/١١. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٣. (٤) المدخل إلى علم الجغرافيا والبيئة، محمد محمود محمدين ص ١٠٩. ٢٩٢ جَوَسُولَةُ النَّفِيَّ القرآن الكريم السماء الصلة بين الأرض والسماء: صلة السماء بالأرض من حيث إن الأرض مهبط لما ينزل من السماء، والسماء مصعد لما يرفع إليها من الأرض، وقد ذكرتا مقترنتين في القرآن الكريم بألفاظ متقاربة في مواضع كثيرة. قال ابن القيم: ((وأما الأرض فأكثر ما تجيء مقصودًا بها معنى التحت والسفل دون أن يقصد ذواتها وأعدادها، وحيث جاءت مقصودًا بها الذات والعدد أتى بلفظ يدل على البعد كقوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. وفرق ثان وهو أن الأرض لا نسبة لها إلى السموات وسعتها، بل هي بالنسبة إليها كحصاة في صحراء، فهي وإن تعددت وتكبرت فهي بالنسبة إلى السماء كالواحد القليل فاختير لها اسم الجنس(١). (١) بدائع الفوائد، ابن القيم ص ١٤٩. www. modoee.com ٢٩٣ حرف السين القسم بالسماء في بعض أحوالها القسم: هو أن يريد المتكلم الحلف على شيء فيحلف بما یکون فیه فخر له أو تعظيم لشأنه أو تنويه لقدره(١). أولًا: السماء والطارق: وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴿ وَمَّ أَذَئِكَ مَا الشَّارِقُ ل التَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق: ١- ٣]. والطارق: النجم لأنّه يطلع بالليل، وما أتاك ليلًا فهو طارق، ثم فسره فقال: ﴿اَلَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ والثاقب: المضيء، والعرب تقول: أثقب نارك للموقد، ويقال: إن الثاقب: هو النجم الّذي يقال له: زحل، والثاقب: الّذي قد ارتفع على النجوم، والعرب تقول للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعًا: قد ثقب، كل ذلك جاء في التفسير (٢)، والصحيح أنه اسم جنس يشمل سائر النجوم الثواقب (٣). وأقسم ربنا بالسماء وبالطارق الذي يطرق ليلاً من النجوم المضيئة، ويخفى نهاراً، وكل ما جاء ليلاً فقد طرق وبنحو ذا قال أهل التأويل (٤). وأبهم الموصوف بالطارق ابتداء، ثم زيد إبهامًا مشوبًا بتعظيم أمره بقوله: ﴿وَمَّ أَذْرَكَ مَا (١) الاتقان، السيوطي ٢/ ٢٤٣. (٢) معاني القرآن، الفراء ٢٥٤/٣. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٠٨٥ . (٤) جامع البيان، الطبري ١٢ / ٥٣٢. الشَّارِقُ﴾ ثم بين بأنه: ﴿النَّجْمُ الثَّقِبُ﴾ ليحصل من ذلك مزید تقرر للمراد بالمقسم به وهو أنه من جنس النجوم (٥) . فهي النجوم العالية التي تضيء وتتلألأ في الليل المظلم، وتختفي إذا طلعت شمس النهار، والفرق بين الطارق والطرائق : أن الطارق نجم، والطرائق هي السبع السماوات فكل سماء طريقة. وإنما سمي النجم طارقاً ؛ لأنه إنما يرى بالليل ويختفي بالنهار، ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح (نهى أن يطرق الرجل أهله طروقاً)(٦)، أي: يأتيهم فجأة بالليل(٧). ثم تفسيره بالنجم الثاقب من تفخيم شأنه وإجلال محله ما لا يخفى على ذي نظر ثاقب، ولإرادة ذلك لم يقل ابتداء والنّجم الثاقب مع أنه أخصر وأظهر، ولله عز وجل أن يفخم شأن ما شاء من خلقه لما شاء (٨). فالطارق الذي أقسم الله به نجم ساطع في الليل، وضوؤه ثاقب فهي له مزية خاصة به دون غيره. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٨/١٢. (٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب كراهة الطروق، ١٨٢٥/٣، رقم ١٨٤ (٧) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٢٠١٧، أضواء البيان، الشنقيطي ٤٩٠/٨. (٨) انظر: روح المعاني ٤٢٩/٢٩، الكشاف، الزمخشري ٤/ ٤٧٣. ٢٩٤ جَوَُّور القرآن الكريمِ السماء ثانيًا: السماء ذات الرجع: وذلك في قوله تعالى: ﴿وَسَمَاءِ ذَاتِ الرَّجْع [الطارق: ١١] أي: المطر ويسمى ١١ رجعاً لأنه تعالى يرجعه وقتًا فوقتًا إلى العباد، ولولاه لهلكوا وهلكت مواشيهم (١)، فهو يرجع من السماء وترجع به السماء، فترجع به الأرض إلى البهاء والحسن. قال ابن عباس: الرجع المطر، وعنه: هو السحاب فيه المطر، وعنه: والسماء ذات الرجع تمطر ثم تمطر، وقال قتادة: ترجع رزق العباد كل عام ولولا ذلك لهلكوا وهلكت مواشيهم، وقال ابن زيد: ترجع نجومها وشمسها وقمرها يأتين من هاهنا (٢). ثم أقسم قسمًا ثانيًا على صحة القرآن، ﴿وَلَّمَاءِ ذَاتِ أَّْ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدِّعْ فقال: أي: ترجع السماء بالمطر كل عام، وتنصدع الأرض للنبات، فيعيش بذلك الآدميون والبهائم، وترجع السماء أيضًا بالأقدار والشئون الإلهية كل وقت، وتتصدع الأرض عن الأموات(٣)، فهي أمور ترجع بالسماء ومن السماء بين حين وآخر. (١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٣٧٦/٩، الكشاف، الزمخشري ٤٣٦/٤. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/٢٠، تفسير ابن كثير ٢٠١٨/٤، فتح القدير، الشوكاني ٥/ ٥٦٠، تفسير المراغي ١١٦/١٠. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٠٢/١٢، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٠٨٥. وافتتح الكلام بالقسم تحقيقًا لصدق القرآن في الإخبار بالبعث وفي غير ذلك مما اشتمل عليه من الهدى، ولذلك أعيد القسم بالسماء، كما أقسم بها في أول السورة، وذكر من أحوال السماء ما له مناسبة بالمقسم عليه، وهو الغيث الذي به صلاح الناس، فإن إصلاح القرآن للناس كإصلاح المطر، وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا)(٤). وفي اسم الرجع مناسبة لمعنى البعث في قوله عز وجل: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْمِ لَقَائِدُ ( [الطارق: ٨] وفيه محسن الجناس التام ، وفي مسمى الرجع وهو المطر المعاقب لمطر آخر مناسبة لمعنی الرجع البعث ، فإن البعث حياة معاقبة بحياة سابقة(٥)، فهي سماء ذات رجع لحياة الأرض بعد موتها ليدل على حياة أخروية دائمة لا تنقطع. وللبدء في القسم بالطارق ثم بالرجع بيان للمفسرين وهو كما يأتي: أنه قسم على الغيث الذي به صلاح الناس والقرآن مثل الغيث في إصلاحه كما (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب بيان مثل ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم، ٤ /١٧٨٧، رقم ٢٢٨٢. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٦/١٢. www. modoee.com ٢٩٥ حرف السين تقدم. مجموع قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ أَلَّجْ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ﴾ أي: إنزال المطر، وإنبات النبات وهو إحياء الأرض بعد موتها، مناسب لأن يكون الإقسام على تحقق البعث(١). وخلاصة ذلك : أن : قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّْعِ ﴿ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّلْعِ )﴾ [الطارق: ١١- ١٢]. هذا هو القسم الثاني للسماء، والقسم الأول ما كان في أول السورة، فهناك قال: ﴿وَلَّهِ وَالشَّارِقِ ) وَمَا أَذْرَئِكَ مَا الشَّارِقُ النَّجْمُ الَّاقِبُ ﴾ [الطارق: ١-٣]. وهنا قال: ﴿وَلَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ﴾ والمناسبة بين القسمين -والله أعلم : أن الأول فيه إشارة إلى الطارق الذي هو النجم، والنجم ترمی به الشیاطین الذین يسترقون السمع، وفي رمي الشياطين بذلك حفظ لكتاب الله عز وجل، أما هنا فأقسم بالسماء ذات الرجع أن هذا القرآن قول فصل، فأقسم على أن القرآن قول فصل، فصار القسم الأول مناسبته : أن فيه الإشارة إلى ما يحفظ به هذا القرآن حال إنزاله، وفي القسم الثاني الإشارة إلى أن القرآن حياة، يعني يقال: ﴿وَلسَِّ ذَاتِ أَلَّيْ﴾ الرجع هو المطر، يسمى رجعًا؛ لأنه يرجع ويتكرر، ومعلوم أن المطر به حياة الأرض. ﴿وَالأَرْضِ (١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤٩٦/٨. ذَاتِ الصَّدْعُ﴾ الصدع هو : الانشقاق يعني التشقق بخروج النبات منه، فأقسم بالمطر الذي هو سبب خروج النبات، وبالتشقق الذي يخرج منه النبات، وكله إشارة إلى حياة الأرض بعد موتها، والقرآن به حياة القلوب بعد موتها، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. فسمى الله القرآن روحًا؛ لأنه تحيى به القلوب (٢). فهو في القسم الأول حفظ للقرآن من السماء حتى يصل إلى الأرض، وهو في القسم الثاني بيان لما يفعله القرآن من صلاح وإصلاح حين يعمل به في الأرض، والله أعلم. ثالثًا: السماء ذات البروج: جاء في القرآن الكريم أن للسماء بروجاً، وورد ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِی السَّمَآءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَهَا لِلنَّظِرِينَ [الحجر: ١٦]. وقوله: ﴿ثَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِ السَّمَآءِ بُرُوجَا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَجًا وَقَمْرًا مُنِيرًا (٢)﴾ [الفرقان: ٦١]. وقوله: ﴿وَالسَّمَِّ ذَاتِ الْبُرُوج [البروج: ١]. (٢) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، جزء عم، ص ١٥١. ٢٩٦ فَضْو مَوَسُورُ النَّفِيَة لِلْقُرآن الكَرِيمِ السماء والبروج: القصور، الواحد: برج، وبه سمّي بروج السماء لمنازلها المختصة بها، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَكَ ذَاتِ اَلْبُرُوجِ ﴾ [البروج: ١]. وقال تعالى: ﴿نَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِي السَّمَآِ بُرُوجًا ﴾ [الفرقان: ٦١]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْكُمْ فِي بُرُوجِ تُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]. ويصح أن يراد بها بروج في الأرض -أي: البروج المشيدة وهو الأقرب-، وأن يراد بها بروج النجم، ويكون استعمال لفظ المشيدة فيها على سبيل الاستعارة - لتكون دليلاً على معنى آخر- وثوب مبرّج: صوّرت علیه بروج، واعتبر حسنه، فقيل: تبرّجت المرأة أي: تشبهت به في إظهار المحاسن، وقيل: ظهرت من برجها، أي: قصرها، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِی بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَّجْنَ تَبُّجَ الْجَهِلِيَّةِ اَلْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. ﴿غَيّرَ مُتَبَرِحَتٍ بِزِينَةٍ﴾ وقوله: [النور: ٦٠]. والبرج: سعة العين وحسنها تشبيها بالبرج في الأمرين(١)(٢)، فهي منازل ظاهرة الحسن كاملة الخلق عالية المكان. ومناسبة القسم لما أقسم عليه: أن المقسم (١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١١٥. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠١١/٤، الدر المنثور، السيوطي ٥٥٢/٥. عليه تضمن العبرة بقصة أصحاب الأخدود، ولما كانت الأخاديد خطوطًا مجعولة في الأرض مستعرة بالنار؛ أقسم على ما تضمنها بالسماء بقيد صفة من صفاتها التي يلوح فيها للناظرين في نجومها ما سماه العرب بروجًا، وهي تشبه دارات متلألئة بأنوار النجوم اللامعة الشبيهة بتلهب النار (٣). فحينما خدوا الأخاديد موقدة بالنار، جعلوها كالسماء حينما تكون بادیة البروج ليلاً یعاینها الناظرون. ونقل ابن جرير أقوالاً ثم قال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: معنى ذلك: والسماء ذات منازل الشمس والقمر، وذلك أن البروج جمع برج، وهي منازل تتخذ عالية عن الأرض مرتفعة (٤). أي: ذات المنازل المشتملة على منازل الشمس والقمر، والكواكب المنتظمة في سيرها ، على أكمل ترتيب ونظام دال على كمال قدرة الله تعالى ورحمته، وسعة علمه وحکمته(٥). وهذه البروج هي في التحقيق: سموت تقابلها الشمس في فلكها مدة شهر كامل من أشهر السنة الشمسية يوقتون بها الأشهر والفصول بموقع الشمس نهارًا في المكان (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢/ ٢٣٧. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٥١٩/١٢، الکشاف، الزمخشري ٤/ ٧٣٠. (٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٠٨٣. www. modoee.com ٢٩٧ حرف السين الذي تطلع فيه نجوم تلك البروج ليلًا (١). فأقسم سبحانه بما فیه غيب وشهود، وهو السماء ذات البروج، فإن کواکبها مشهود نورها، مرئيّ ضوؤها، معروفة حركاتها فى طلوعها وغروبها، وكذلك البروج نشاهدها وفيها غيب لا نعرفه بالحس، وهو حقيقة الکواکب وما أودع الله فيها من القوی وما فيها من عوالم لا نراها ولا ندرك حقيقتها(٢). فهو قسم عظیم من الله، ونحن لا نقسم إلا بالله، ولا نعلم من ذلك إلا ما علمنا من علم الله. والقسم بالسماء بوصف ذات البروج يتضمن قسمًا بالأمرين معًا لتلتفت أفكار المتدبرين إلى ما في هذه المخلوقات وهذه الأحوال من دلالة على عظيم القدرة وسعة العلم الإلهي ؛ إذ خلقها على تلك المقادير المضبوطة لينتفع بها الناس في مواقيت الأشهر والفصل(٣). رابعًا: السماء ذات الحبك: وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ اَلْبُكِ ٢) إِنَّكُ لَفِى قَوْلٍ تُخْتَلِفٍ ﴿ يُؤْقَّكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٨/١٢. (٢) تفسير المراغي ٩٩/١٠. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٧/١٢. • [الذاريات: ٧-٩]. وهي ذات الطرائق ، فمن الناس من تصور منها الطرائق المحسوسة بالنجوم والمجرة، ومنهم من اعتبر ذلك بما فيه من الطرائق المعقولة المدركة بالبصيرة، وإلى ذلك أشار بقوله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اُللَّهَ قِيمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا [آل بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ عمران: ١٩١](٤). يقول تعالى ذكره: والسماء ذات الخلق الحسن وعنى بقوله: ﴿ذَاتِ الْحُبُّكِ [الذاريات: ٧]: ذات الطرائق ... وبنحو ذا قال أهل التأويل، وإن اختلفت ألفاظ قائليه فیه(٥). قال ابن عباس رضي الله عنه: ذات الجمال والبهاء والحسن والاستواء (٦) وهذه الحبك في معناها ومدلولها، وبيان فهو قسم ومعجزة ونعمة ودليل كبير خلقها وإعجازها سيأتي في آخر البحث -لمن كان له قلب- على نعم الله وقدرته وحكمته. بكلام أبين وأوسع. ومناسبة هذا القسم للمقسم عليه في وصف السماء بأنها ذات حبك، أي طرائق (٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢١٧. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٤٤/١١، الكشاف، الزمخشري ٣٩٥/٤، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٢٢، فتح القدير، الشوكاني ١١٠/٥، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٥٣. (٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٧٣/٤. ٢٩٨ القرآن الكريم السماء لأن المقسم عليه: إن قولهم مختلف طرائق قددًا؛ ولذلك وصف المقسم به لیکون إيماء إلى نوع جواب القسم(١). خامسًا: السماء وما بناها: جاء في القرآن الكريم الحديث عن بناء السماء، ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَآءَ بَنَيْنَهَا بِأَبْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ [الذاريات: ٤٧]. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقَا أَمِ السَّمَاءُ بَنَهَا ( ٢٧ [النازعات: ٢٧]. ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَا ﴾ وقوله: [الشمس: ٥]. يقال: بنيت أبني بناء وبنية وبنى ... ﴿وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنََّهَا ﴾ [الشمس: ٥]. والبنيان واحد لا جمع؛ لقوله تعالى: لَ يَزَالُ بُلْيَتُهُمُ الَّذِى بَنَّوْ رِيبَةٌ فِ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١١٠]. وقال بعضهم: بنيان جمع بنيانة، فهو مثل: شعير وشعيرة، وتمر وتمرة، ونخل ونخلة، وهذا النحو من الجمع يصح تذكيره وتأنيثه(٢). يقول جل ثناؤه: والسماء ومن بناها، يعني: ومن خلقها، وبناؤه إياها: تصييره إياها للأرض سقفاً، وبنحوه قال أهل التأويل(٣). (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٤٠/١٠. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٤٧. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٠١/١٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ٥٠. فبناء الأرض والسماء في غاية الإحكام حتى صارت السماء كأنها سقفاً ثابتاً للأرض. فينظرون ﴿كَيْفَ بَنَيْنَهَا﴾ قبة مستوية الأرجاء، ثابتة البناء، مزينة بالنجوم الخنس، والجوار الكنس، التي ضربت من الأفق إلى الأفق في غاية الحسن والملاحة، لا ترى فيها عيبًا، ولا فروجًا، ولا خلالاً ولا إخلالاً، يقول تعالى مبينًا لقدرته العظيمة: ﴿وَالسَّمَ بَيْنَهَا﴾ أي: خلقناها وأتقناها، وجعلناها سقفًا للأرض وما عليها ﴿بِأَتَيْدِ﴾ أي: بقوة وقدرة عظيمة، ويقول: ﴿أَنْتُمْ﴾ أيها البشر ﴿أَشَدُّ خَلْقًا آَمِ السَّمَاءُ﴾ ذات الجرم العظيم، والخلق القوي، والارتفاع الباهر ﴾ الله ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ أي: جرمها وصورتها، ﴿سوَّنها﴾ بإحكام وإتقان يحير العقول، ويذهل الألباب، ويقول: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَابَنَنَهَا﴾ يحتمل أن ((ما)) موصولة، فيكون الإقسام بالسماء وبانيها، الذي هو الله تبارك وتعالى، ويحتمل أنها مصدرية، فيكون الإقسام بالسماء وبنيانها، الذي هو غاية ما يقدر من الإحكام والإتقان والإحسان (٤). فھو بناء ثابت مزین حسن ملیح لا عيب فيه ولا خلل، وبناؤه بقوة وقدرة عظيمة، فهي أعظم من خلق الناس وأكرم، ولله في (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٤٨، ٩٥٧، ١٠٧٢، ٠١٠٩٢ www. modoee.com ٢٩٩ حرف السين خلقه شئون، ﴿قَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ وكل ما قيل عنه مجرد نظريات قابلة للنقض والتعديل (٤). [المؤمنون: ١٤]. وكلاهما متلازم (١) -موصولة أو مصدية-، فيكون الإقسام بالسماء وبانيها، الذي هو الله تبارك وتعالى، ويحتمل أنها مصدرية، فيكون الإقسام بالسماء وبنيانها، الذي هو غاية ما يقدر من الإحكام والإتقان والإحسان (٢). ولذا جاء في السنة ما یبین قوتها وشدتها وقدرتها على حمل ما لا يعلمه إلا الله تعالی، فقد روى أبو ذر رضي الله عنه: أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تتط؛ ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم؛ لضحكتم قليلا ولبکیتم کثیرا ولا تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم على أوالي الصعدات تجارون إلى الله)(٣). فأما حقيقة السماء فلا ندريها ،وهذا الذي نراه فوقنا متماسكاً لا يختل ولا يضطرب تتحقق فيه صفة البناء بثباته وتماسكه، أما كيف هو مبني، وما الذي يمسك أجزاءه فلا تتناثر وهو سابح في الفضاء الذي لا نعرف له أولًا ولا آخرا؛ فذلك ما لا ندريه فبناء السماء بناء محکم متقن، جملها الله بالنجوم والكواكب التي هي بروج فيها، وجعل فيها طرائق لما فيها من مخلوقات عظيمة تسير فيها وفق نظام لطيف، ويرجع منها لما يحيي الأرض مرة بعد مرة، ليدل على أن السماء بما فيها أصل لحياة الأرض، وأن الحياة الحقيقية في السماء ولا تكون حياة في الأرض إلا بما يأتيها من السماء، فهي مصدرها في كل شيء والمصير إليها. وفي الاستدلال بخلق السماء بهذه العظمة، دلالة عظيمة على قدرة الله العظيم في خلق الناس من العدم، كما قال عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضَ قَادِرٌّ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلَّاً لَّا رَيّبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلََّ كُفُورًا " [الإسراء: ٩٩]. بل وعلى سهولة رجوعهم بعد الموت كما قال عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْتِىَ الْمَوْقَ بَلَ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠٣٥/٤. (٢) تيسر الكريم الرحمن السعدي ص ١٠٩٢. (٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد، باب لو تعلمون ما أعلم، ٤ /٥٥٦، رقم ٢٣١٢. (٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٩١٦/٦. ٣٠٠ جَوَبُوبـ القرآن الكريم السماء أوصاف خاصة للسماء للسماء أوصاف عديدة في القرآن الكريم، منها ما هو متعلق بذات السماء، ومنها أوصاف خارجة عنها، نوضحها فيما يأتي: أولًا: أوصاف السماء الذاتية: ١. السماء بناء. وذلك في قوله عز وجل: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَِ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَاءُ وَأَنْزَلَ مِن ◌َنَّ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَبِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًّا لَّكُمْ فَلَا ◌َّجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ )﴾ [البقرة: ٢٢]. وقوله عز وجل: ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَلَةَ بِنَآءُ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَِّبَتِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾ [غافر: ٦٤]. فبناء السماء على الأرض كهيئة القبة وهي سقف على الأرض (١)، أي: سقفًا للأرض(٢). وإنما ذكر الله عز وجل السماء والأرض فيما عدّد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم، (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ١٩٨، تفسير ابن أبي حاتم ٧٩/١، الكشاف، الزمخشري ١٧٦/٤. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٦٠، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٠٩. لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم، وبهما قوام دنياهم، فأعلمهم أنه الذي خلقهما وخلق جميع ما فيهما وما هم فيه من النعم(٣)، فهي بناء محكم متقن، بني بقوة، ويمسكه الله سبحانه فهو القائم عليه ليعبد وحده. فجعل لكم الأرض فراشًا تستقرون عليها، وتنتفعون بالأبنية، والزراعة، والحراثة، والسلوك من محل إلى محل، وغير ذلك من أنواع الانتفاع بها، وجعل السماء بناء لمسكنكم، وأودع فيها من المنافع ما هو من ضروراتكم وحاجاتكم، كالشمس، والقمر، والنجوم (٤). ٢. السماوات عددها سبع. وقد ورد في القرآن الكريم ذكر هذا العدد في قوله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّنُهُنَّ سَبْعَ سَمَنَوَتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٩]. وقوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمُ سَبْعَ طَرَِّقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] وقوله عز وجل: ﴿فَقَضَتُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]. وقوله عز وجل: ﴿اَللَّهُالَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. وقوله عز وجل: ﴿أَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ (٣) جامع البيان، الطبري ١/ ١٩٨. (٤) تيسير الكريم الرحمن ص ٣٤. www. modoee.com ٣٠١ حرفالسین ◌ِبَاقًاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُّتِ﴾ [الملك: ٣]. وقوله عز وجل: ﴿أَرْ تَرَوْاْ كَيَّفَ خَلَقَ اللّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا ﴾ [نوح: ١٥]. وجاء في التفصيل بأنها سبع سماوات مع ذكر ما فيها في حديث أنس رضي الله عنه لقصة المعراج أن رسول الله قال: (ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قیل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب پي، ودعا لي بخیر، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية ... ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلی الله عليه وسلم، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا یعودون إليه، ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى ... ) الحديث(١). سماوات (٢). وجاءت مضافة في القرآن الكريم (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله، ١٤٥/١، رقم ٢٥٩. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠١/٣٠. بأو صاف مختلفة وبيانها كالآتي: سبع طرائق. والطريق : السبيل الذى يطرق بالأرجل أي يضرب ، وأطباق السماء يقال لها طرائق، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَّبِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧](٣). ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ وقوله: طَرَّبِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧ ]يعنى السموات كلّ سماء طريقة (٤). يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا فوقكم أيها الناس سبع سماوات بعضهن فوق بعض؛ والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة، وإنما قيل السماوات السبع سبع طرائق، لأن بعضهن فوق بعض، فكل سماء منهن طريقة ، وبنحو ذا قال أهل التأويل(٥). فهي السماوات السبع كل سماء فوق سماء، وقيل لها طريقة لذلك ولأنها طرق للملائكة. والطرائق: السموات، لأنه طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل، وكل شيء فوقه مثله فهو طريقة: أو لأنها طرق الملائكة وقد اقتنع الناس منذ القدم بأنها سبع ومتقلباتهم(٦). سبع طباق. وهذا في قوله عز وجل: ﴿الَّذِى خَلَقَ (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٠٣. (٤) معاني القرآن، الفراء ٢٣٢/٢. (٥) جامع البيان، الطبري ٢٠٦/٩. (٦) الكشاف، الزمخشري ١٧٩/٣. ٣٠٢ جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم السماء سَبْعَ سَمَتٍ ◌ِباقاً مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمنِ مِن تَفَوتِ ﴾ [الملك: ٣]. وقوله عز وجل: ﴿أَرْ تَرَوْاْ كَيَّفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ◌ِبَاقًا (٥)﴾ [نوح: ١٥]، أي: بعضها فوق بعض ، والطباق: مصدر من قولهم: طابقت مطابقة وطباقا. وإنما عني بذلك: کیف خلق الله سبع سموات، سماء فوق سماء مطابقة (١)، أي: واحدة فوق واحدة ... أي: فاوت بينهما في الاستنارة فجعل كلاً منهما أنموذجاً على حدة (٢). وقد تضافرت الأدلة على أن السماوات بعضها فوق بعض بمسافات ولکل سعتها. سبع شداد. كما في قوله عز وجل: ﴿وَبَنَّيْنَا فَوْقَّكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ﴾ [النبأ: ١٢]. يعني السموات السبع في اتساعها وارتفاعها وإحكامها وإتقانها وتزيينها بالكواكب الثوابت والسيارات(٣). وإنما تشير هذه الآية إلى أن هذه السبع الشداد متينة التكوين، قوية البناء، مشدودة بقوة تمنعها من التفكك والانثناء، وهو ما نراه ونعلمه من طبيعة الأفلاك والأجرام فيما (١) جامع البيان ١٢ / ٢٥٢. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٤٩/٤. (٣) المصدر السابق ٤ / ١٩٨٢. وانظر: الكشاف، الزمخشري ٤ / ٦٨٥، أضواء البيان، الشنقيطي ٤٣٢/٧، فتح القدير، الشوكاني ٤٨٣/٥. نطلق عليه لفظ السماء فيدركه كل إنسان ... كما تشير إلى أن بناء هذه السبع الشداد متناسق مع عالم الأرض والإنسان (٤). ٣. السماء سقف محفوظ. وجاء ذلك في قوله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَآءُ سَقْفًا تَحْفُوظَا وَهُمْ عَنْ ءَايَتِهَا مُعْرِضُونَ ٣٢)﴾ [الأنبياء: ٣٢]. والسقف طول في انحناء تشبيهاً بالسقف(٥)، أي عالياً محروساً أن ینال ، أو محفوظاً من التغير بالمؤثرات، مهما تطاول الزمان (٦)، فكان محفوظًا من أن يقع ويسقط على الأرض، دليله قوله تعالى: ﴿وَبُمْسُِ الشَّمَآءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]. وقيل: محفوظًا بالنجوم من الشياطين، دليله قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَهَا مِن كُلِّ شَيْطَنِ رَّحِيمٍ )﴾ [الحجر: ١٧] وقيل: محفوظاً من الهدم والنقض، وعن أن يبلغه أحد بحيلة، وقيل: محفوظاً فلا يحتاج إلى عماد، وقال مجاهد: مرفوعاً، وقيل: محفوظاً من الشرك والمعاصي(٧). (٤) في ظلال القرآن ٣٨٠٦/٦. (٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤١٥. (٦) محاسن التأويل، القاسمي ٧/ ٢٠١. (٧) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٣٢، الكشاف، الزمخشري ١١٥/٣، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٢١٣/٣، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٦٠٩. www. modoee.com ٣٠٣ حرف السين ٤. السماء واسعة. وذلك في قوله عز وجل: ﴿ وَالسَّمَآءَ بَنَيْنَهَا ◌ِأَيْيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ )﴾ [الذاريات: ٤٧]. والسعة تقال في الأمكنة وفي الحال وفى الفعل كالقدرة والجود ونحو ذلك ... والدخان كالعثان المستصحب للهيب، وقوله ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ فإشارة إلى نحو قال: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَلِ وَهِىَ دُخَانٌ﴾، أي: قوله ﴿الَّذِىّ أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ, ثُمَّ هَدَى﴾ [ طه: ٥٠]. هي مثل الدخان إشارة إلى أنه لا تماسك لها (٤). ووسع الشيء اتسع والوسع الجدة والطاقة، ويقال ينفق على قدر وسعه، وأوسع فلان إذا كان له الغنى، وصار ذا سعة، وفرس وساع الخطو شديد العدو (١)، والوسع المراد سعة الباني سبحانه ووسع المبني. لذو سعة بخلقها وخلق ما شئنا أن نخلقه وقدرة عليه ... فأوسعها جلّ جلاله(٢)، ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ لأرجائها وأنحائها، وإنا لموسعون أيضاً على عبادنا، بالرزق الذي ما ترك الله دابة في مهامه القفار، ولجج البحار، وأقطار العالم العلوي والسفلي، إلا وأوصل إليها من الرزق، ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يغنيها، فسبحان من عم بجوده جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعت رحمته جميع البريات(٣). (١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٨٠. (٢) جامع البيان، الطبري ١١ / ٩٢. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩٥٧. وانظر: الكشاف، الزمخشري ٤٠٤/٤، جوبيو القُرآن الكَرِيمِ ٥. السماء كانت دخانًا. وورد ذلك في قوله عز وجل: ﴿ُمَّاُسْتَوى إِلَى السَّمَلِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ ﴾ [فصلت: ١١]. كُرْهَا قَالَتَا أَنْيْنَا طَآئِعِينَ وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات (٥). ٦. السماء مرفوعة بغير عمد. وجاء هذا في قوله عز وجل: ﴿اَللَّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْضِّ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَّ كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَمَّىَّ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَتِ لَعَلَّكُمْ بِقَلِرَبِّكُمْ تُوقِنُونَ [الرعد: ٢]. وقوله عز وجل: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَؤَنَهَا وَأَلْقَى فِ اْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَبِّكُمْ وَبَثَّ فِهَا مِنْ كُلِّ دَابَةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَنْنَا فِيَهَا مِن كُلِّ نَفْحِ كَرِيمٍ ﴾ [لقمان: ١٠]. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /١٧٧٨، فتح القدير، الشوكاني ١٢١/٥، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١/ ١٦. (٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣١٠. (٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٥٢/٤، فتح القدير، الشوكاني ٦٦٥/٥، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٧٧ . ٣٠٤ السماء يقال عمدت الشيء إذا أسندته، وعمدت الحائط مثله، والعمود خشب تعتمد عليه الخيمة وجمعه عمد وعمد ... والعمدة كل ما یعتمد عليه من مال وغيره وجمعها عمد، وقرئ(في عمد) والعميد السید الذی یعمده الناس(١). فنفى عنها ما تعتمد عليه لكمال البناء، وحکمة من بناها وقدرته وقوته على ذلك. فهي مرفوعة بغير عمد نراها، كما قال ربنا جل ثناؤه، ولا خبر بغير ذلك، ولا حجة يجب التسليم لها بقول سواه(٢). ويخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه أنه الذي بإذنه وأمره رفع السموات بغير عمد، بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بعداً لا تنال ولا تدرك مداها، فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها، مرتفعة عليها من كل جانب على السواء، وبعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية ... و قوله: ﴿بغير عمدٍ ترونها ﴾ روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد أنهم قالوا: لها عمد ولکن لا تری، وقال القبة، يعني بلا عمد، وکذا روي عن قتادة، وهذا هو اللائق بالسياق. والظاهر من قوله تعالى: ﴿وَهُمْسِكُ السَّمَآءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] فعلى هذا يكون قوله: ترونها تأکیداً لنفي ذلك، أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها، وهذا هو الأكمل في القدرة (٣)، فليس لها عمد، ولو کان لها عمد لرئیت، وإنما استقرت واستمسكت، بقدرة الله تعالى (٤). والحقيقة الواردة في الآيتين في ((الرعد)) و «لقمان» حول السماء هو ذكر العمد، وذکر المفسرون تأويلين للآيات: فمنهم من أثبت أن للسماوات أعمدة إلا أنها لا تری، وجعل جملة ﴿ترونها ﴾ صفة لـ ﴿هَدِ﴾ والضمير يعود إلى عمد. ومنهم من ذهب إلى أن ليس للسماوات عمد أصلًا، ويكون معنى الآية: الله الذي رفع السماوات كما ترونها، بغير عمد، من حالا وذلك بجعل جملة السماوات ويعود الضمير إلى السماوات. ويميل علماء الفلك المعاصرون إلى التأويل الأول فيقولون: إن الأجرام السماوية كلها قد بناها الخالق سبحانه وتعالى وجعل إياس بن معاوية: السماء على الأرض مثل كل جرم فيه بمثابة لبنة من بناء شامخ، ورفع هذه الأجرام كلها بعضها فوق بعض (١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٨٥. (٢) جامع البيان، الطبري ٣٢٧/٧. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٩٧٢. (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٧٧. www. modoee.com ٣٠٥ حرفالسین بقوى هي نوع القوة الطاردة المركزية، كما ربطها في نفس الوقت برباط الجاذبية العالية، والجاذبية تتعادل مع القوى الطاردة المركزية الناجمة عن الدوران في مسارات شبه دائرية أو قطاعات ناقصة، وهي بمثابة الأعمدة المقامة بالفعل. ورغم أننا لا نبصرها بأعيننا إلا أن ذلك لا يعني أن تلك الأعمدة غير موجودة بحال من الأحوال، فنحن نستطيع أن نتصورها في مجال کل جسم مادي وربما إذا منح شخص منا حاسة أخرى زيادة على ما لدينا من حواس يستطيع ذلك الشخص أن يرى تلك الأعمدة أو يحسبها تماماً كما ندرك بحواسنا العادية أيّ جسم مادي عادي(١). والذي يظهر -والله أعلم - أن قول ابن کثیر أنها بلا عمد هو الأقرب لدلالته على كمال العظمة، وكمال القدرة. فلو كانت بعمد فهذا من إتقان صنع الله، ولو كانت بغير عمد فهو أقوى لتوافر الأدلة على كمال قدرة الله، والله أعلم بالصواب. ٧. السماء لها أبواب. ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ اَلْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُجْرِمِينَ (١) مباحث في إعجاز القرآن، مصطفى مسلم ١٧٢. [الأعراف: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿فَفَنَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَآِ بِمَآءِ ﴾ [القمر: ١١]. وقوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَبًا ﴾[النبأ: ١٩]. وفي السماء قولان: أحدهما: أنها السماء المعروفة، وهو المشهور. والثاني: أنّ المعنى: لا تفتح لهم أبواب الجنة ولا يدخلونها، لأن الجنة في السماء، ذكره الزجاج(٢). وهو شامل للقولين فلا تفتح أبواب السماء لأعمالهم وأرواحهم ولا تفتح لهم أبواب الجنة. وفي الآية الأولى ثلاث قراءات سبعيات (لا يفتح لهم أبواب السماء) وهي قراءة حمزة، والکسائي.(لا تفتح لهم أبواب السماء) وهي قراءة أبي عمرو . (لا تفتّح لهم أبواب السّماء) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وعاصم، وابن عامر (٣) وهذه القراءات الثلاث معناها واحد ... وفي عدم فتح أبواب السماء لهم أقوال متقاربة معروفة، لا يكذب بعضها بعضًا، وهي كلها حق، قال بعض العلماء: ﴿لَا نُفَنَّحُ لَمُمْ أَبَّوَبُ السَّمَاءِ﴾ فيرفع لهم منها عملٌ صالح؛ لأن أعمالهم مردودة إلى (٢) زاد المسير، ابن الجوزي ١٥٦/٣. (٣) انظر: إتحاف فضلاء البشر، الدمياطي ص ٢٢٤. ٣٠٦ جونيو القرآن الكريم السماء الله، كما قال الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلُِّ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. والكفار ليس عندهم عملٌ صالح يرفع كلمهم، وليس عندهم كلمٌ طيب، قالوا: ﴿لَا تُقَنَّحُ لَهُمْ أَتَوَّبُ السَّمَةِ﴾ لترفع أعمالهم الصالحة إلى الله، وقال بعض العلماء: ولا تُفَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ السَّمَةِ﴾ لاستجابة دعواتهم؛ لأن دعواتهم مردودة ﴿وَمَا دُعَلَةُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِى صَلَلٍ ﴾ [الرعد: ١٤]. وقال بعض العلماء: ﴿لَا تُفَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ السَّمِ﴾ أي: لا تنزل إليهم البركات والرحمات من الله (جل وعلا) نازلة مفتحة لها أبواب السماء لكفرهم، وكل هذه الأقوال حق، وذهب جماهير من المفسرين أن معنى: ﴿لَا تُفَنَّحُ لَهُمْ﴾ لأرواحهم عند الموت ﴿لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ السَّمَلِ﴾ والآية تشمل هذا كله(١). ٨. السماء قائمة بأمر الله. وقد ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ◌َئِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِوَ، ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةٌ مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُونَ ﴾ [الروم: ٢٥]. فقوام السماء بما فيها وما هو من شأنها وكذلك الأرض بيد الله، ولذا قال عن نفسه ﴿اَلْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾. ومن آياته العظيمة : أن قامت السماوات (١) انظر: العذب النمير، الشنقيطي ٢٤٢/٣. والأرض واستقرتا وثبتتا بأمره فلم تتزلزلا ولم تسقط السماء على الأرض، فقدرته العظيمة التي بها أمسك السماوات والأرض أن تزولا يقدر بها أنه إذا دعا الخلق دعوة من الأرض إذا هم يخرجون (٢)، فقيام السماء والأرض بأمره، أي: هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها(٣). ٩. السماء والأرض خلقتا في ستة أيام. وقد ذكر ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ في سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَ اَلْعَرْشِ يُنْشِى أَلَّيْلَ النَّهَارَ يَعْلُبُ، حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخََّتٍِ بِأَمَِّهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُّ تَبَارَكَ اَللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾ [الأعراف: ٥٤](٤). يخبر تعالى بأنه خلق هذا العالم: سماواته وأرضه، وما بين ذلك في ستة أيام، كما أخبر بذلك في غير ما آية من القرآن، والستة الأيام هي: الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة -وفيه اجتمع الخلق (٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٩٠/٤، محاسن التأويل، القاسمي ٧/ ٥٩٤، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٥١. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٣٤/٣. (٤) وورد أن الله خلقها ((في ستة أيام)) في سورة يونس الآية ٣، وسورة هود الآية ٧، وسورة الفرقان الآية ٥٩، وسورة السجدة الآية ٤، وسورة ق الآية ٣٨، و سورة الحديد الآية ٤. www. modoee.com ٣٠٧ حرف السين كله، وفيه خلق آدم، عليه السلام، واختلفوا في ستة أيام وما مسنا من لغوب (٢). في هذه الأيام: هل كل يوم منها كهذه الأيام كما هو المتبادر إلى الأذهان ؟ أو كل يوم كألف سنة، كما نص على ذلك مجاهد، والإمام أحمد بن حنبل، ويروى ذلك من رواية الضحاك عن ابن عباس؟ فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق؛ لأنه اليوم السابع، ومنه سمي السبت، وهو القطع(١). وكل هذا الأمر العظيم لحكمة يعلمها وهو القادر ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَّهُ,كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]؛ ولذا قال: ﴿أَوَلَوْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ يُخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْتِىَ الْمَوْقَ بَلَإِنَّهُ, عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ (٣)﴾ [الأحقاف: ٣٣] واليوم: من طلوع الشمس إلى غروبها، قيل: هذه الأيام من أيام الدنيا وقيل: من أيام الآخرة، وهذه الأيام الست أولها: الأحد، وآخرها: الجمعة، وهو سبحانه قادر على خلقها في لحظة واحدة، يقول لها كوني فتكون، ولكنه أراد أن يعلم عباده الرفق والتأني في الأمور، أو خلقها في ستة أيام لكون شيء عنده أجلاً، وفي آية أخرى : ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٣٥/٢. ثانيًا: الأوصاف الخارجية للسماء: وردت في القرآن الكريم أوصاف للسماء لكنها لا تتعلق بذاتها بل هي خارجة عنها وهي كالآتي: ١. للسماء بروج. والبروج: القصور، الواحد: برج، وبه فهو سبحانه خلقهما والأرض في ستة سمي بروج السماء لمنازلها المختصة بها. قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج: ١]. أيام مع كل ما فيهما، ﴿وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَآءِ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]. وقال تعالى: ﴿نَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِى السَّمَآءِ بُرُوجَا ﴾ [الفرقان: ٦١]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُمْ فِ بُرُوِج ◌ُشَيِّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] فيصح أن يراد بها بروج في الأرض، وأن يراد بها بروج النجم (٣). والمراد بها: السماء الدنيا ففيها منازل للشمس والقمر، وهي كواكب ينزلها الشمس والقمر، أي: وزينا السماء بالكواكب لمن نظر إليها وأبصرها، وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: هي قصور في السماء(٤)، لأن البروج والأبراج معروفة بعلوها وإحكامها. (٢) فتح القدير، الشوكاني ٢٩٧/٢. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١١٥. (٤) جامع البيان، الطبري ٩ / ٤٠٤. ٣٠٨ جَوَسُولَةُ النَّفْسِنّ الْقُرآن الكَرِيمِ