النص المفهرس

صفحات 21-32

السلام
[يونس: ١٠،٩].
ففي الآية الكريمة بيان لتحية أهل الجنة،
والتحية تحتمل أن تكون بين المؤمنين
وبعضهم البعض أو من الله لهم أو من
الملائكة؛ قال الألوسي: في تفسير الآية:
((والفاعل إما الله سبحانه؛ أي: تحية الله
تعالى إياهم ذلك، ويرشد إليه قوله عز
وجل: ﴿سَلَمُ قَوْلاً مِّن رَّبٍ رَّحِيمٍ﴾ [يس:
٥٨].
أو الملائكة عليهم السلام، ويرشد إليه
قوله سبحانه: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّنْ كُلِّ
بَابٍ سَلَمٌ﴾ [الرعد: ٢٣].
يجوز أن تكون الإضافة إلى الفاعل
بتقدير مضاف ، أي : تحية بعضهم بعض
آخر ذلك»(١)
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّتٍ
تَجْرِى مِن تَمْيِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ
◌َِّيِّئُهُمْ فِيَهَا سَلَمُ ﴾ [إبراهيم: ٢٣].
قال ابن جريج: ((الملائكة يسلمون عليهم
في الجنة))(٢).
وقوله تعالى ﴿يَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ، سَلَمُ
وَأَعَدَّ ◌َُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤].
قال الماتريدي: ((جائز أن تكون تحية
الملائكة عليهم سلام .... أوتحية بعضهم
(١) روح المعاني، الألوسي ٦/ ٧٢.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٣ / ٦٣٤.
على بعض سلام)) (٣).
وإذا كانت الآيات السابقة تحتمل أن
تكون التحية لهم من الله تعالى أو من
الملائكة أو من المؤمنين، فإن هناك آيات
نصت صراحةً على أن الملائكة يسلمون
على أهل الجنة؛ ومن ذلك قوله تعالى في
جزاء أولي الألباب: ﴿حَثَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ
صَلَحَ مِنْ ءَبَِّهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِيَّتِهِمَّ وَالْمَتِكَةُ
يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ ﴿ سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا
صَبِّرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْىَ الدَّارِ﴾[ الرعد: ٢٣- ٢٤].
فإن هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات
الحميدة لهم جنات إقامة هم ومن آمن
واستقام من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم.
وهذه تهنئة الدخول، تدخل الملائكة عليهم
بالتهنئة بدخول الجنة، قائلین: سلام عليكم.
قال ابن عاشور: ((وهذا من كرامتهم
والتنويه بهم، فإن تردد رسل الله عليهم
مظهر من مظاهر إكرامه، وذکر ﴿مِنكُلِّ بَابٍ﴾
کنایةً عن كثرة غشيان الملائكة إياهم بحيث
لا يخلو باب من أبواب بيوتهم لاتدخل منه
الملائكة. ذلك أن هذا الدخول لما كان
مجلبة مسره كان كثيراً في الأمكنة، ويفهم
منه أن ذلك كثير في الأمكنة فهو متكرر،
لأنهم ما دخلوا من کل باب إلا لأن کل باب
مشغول بطائفة منهم، فكأنه قیل: من کل باب
(٣) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٣٩٧/٨.
www. modoee.com
١٩١

حرف السين
في كل آن))(١).
ومن الأحاديث الواردة في تحية
الملائكة لهؤلاء المؤمنين الصالحين ما
ورد عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله
صلی الله عليه وسلم أنه قال:(هل تدرون
أول من يدخل الجنة من خلق الله؟) قالو:
الله ورسوله أعلم، قال: (أول من يدخل
الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون،
الذين تسد بهم الثغور ويتقى بهم المكاره،
ويموت أحدهم وحاجته في صدره، لا
يستطيع لها قضاء فیقول الله عز وجل لمن
پشاء من ملائكته: ائتوهم فحیوهم، فتقول
الملائكة: نحن سكان سمائك، وخيرتك
من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم
عليهم؟ قال: إنهم كانوا عباداً يعبدوني، لا
يشركون بي شيئاً، وتسد بهم الثغور، ويتقى
بهم المكاره، ويموت أحدهم، وحاجته في
صدره، لا يستطيع لها قضاء قال: فتأتيهم
الملائکة عند ذلك، فيدخلون علیھم من كل
باب): ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبْتُمْ فِعْمَ عُقْىَ الدَّارِ﴾
[الرعد: ٢٤])(٢).
الْجَنَّةِ زُمَرَاْ حَقََّ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبَوَبُهَا
وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا سَلَمُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ
فَأَدْخُلُوهَا خَلِينَ ﴾ [الزمر: ٧٣].
وهذا تكريم مضاعف؛ فالملائكة تتلقى
أولئك المتقين وهم يدخلون الجنة أفواجاً
وجماعات، حتى إذا جاءوها والأبواب معدة
مفتوحة لھم قبل وصولهم، عندئد قال لهم
خزنتها من الملائك : سلام عليكم تطهرتم
من دنس المعاصي ومن کل خبث، والسلام
يحتمل التحية ويحتمل السلامة والأمان،
والآية جمعت بين وصفهم بأنهم طيبون
وبين حلول السلام عليهم. وبهما معا تكمل
الفرحة والنعيم، فالملائكة تتوفاهم طيبين
بالسلام ويدخلون الجنة طیبین بالسلام.
ومن تحية الملائكة للعباد المتقين قوله
وَسِيقَ الَّذِينَ أَنَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَىَ
تعالى:
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٢/١٣.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ١٣٢/١١، وابن
حبان في صحيحه ٤٢٩/١٦، رقم ٧٤١٤.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
١٢٥/٦، رقم ٢٥٥٩.
١٩٢
جوية
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

السلام
السلام شعار المؤمن
إن السلام شعار المؤمن في کل حیاته،
فهو تحيته التي اختارها الله له، ولذلك فإن
من صفات غير المسلمين أنهم لا يحيون
بهذه التحية.
قال تعالى: ﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُواْ عَنِ النَّجْوَى
ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَجُوْنَ يَاَلْإِثْمِ
وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُ وَكَ حَيَّوْكَ بِمَا
لَمْ يُكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨].
وقد حملها جمع من المفسرين على
اليهود(١).
عن عبد الله بن عمرو أن اليهود كانوا
يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
سام عليكم، ثم يقولون في أنفسهم: ﴿لَوْلًا
يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] فنزلت هذه
الآية(٢).
وذهب كثير من المفسرين إلى أنها تشمل
اليهود والمنافقين (٣)، وهذا هو الأقرب.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢ /٤٦٩، أحكام
القرآن، الجصاص ٣١٤/٥، المحرر الوجيز،
ابن عطية ٢٧٦/٥، محاسن التأويل، القاسمي
١٦٨/٩.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ١١/ ١٦٠.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٢٢/٧:
إسناده جيد.
وبنحوه عند مسلم عن عائشة، كتاب السلام،
باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام،
٤/ ١٧٠٧، رقم ٢١٦٥.
(٣) انظر: معاني القرآن، الفراء ١٤٠/٣،
الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب
وآيات السورة تتحدث عن الطائفتين
وتبين موالاة المنافقين لليهود ﴿أَلَّرَ إِلَى الَّذِينَ
تَوَلَوْ قَوْمًا غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِم﴾ [المجادلة: ١٤].
وقد كان المنافقون إذا دخلوا على النبي
صلى الله عليه وسلم يخفتون لفظ ( السلام
عليكم ) لأنه شعار الإسلام ولما فيه من
جمع معنى السلامة، يعدلون عن ذلك،
ويقولون: أنعم صباحًا، وهي تحية العرب
في الجاهلية لأنهم لا يحبون أن يتركوا
عوائد الجاهلية (٤).
بل جعل الله هذه التحية أمارةٌ على
الإسلام، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ
وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ
مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا
[النساء: ٩٤].
وورد في سبب نزولها عن عبد الله
ابن عباس قال: كان رجل في غنيمة له
فلحقه المسلمون، فقال: السلام علیکم،
فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك
﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ
لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا﴾ (٥).
٧٣٦٢/١١، الكشاف، الزمخشري ٤ / ٤٩١،
زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ٢٤٥.
(٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٧٧/٥،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣١٣/٢٨.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
www. modoee.com
١٩٣

حرف السين
والمفسرون يحملون اللفظ هنا على مصدر مؤكد، والمصادر المؤكدة بمنزلة ذكر
الفعل ثانيًا، كأنك إذا قلت: سلّمت تسليماً
فقد قلت: سلّمت سلّمت»(٤).
ظاهره فیقولون: السلام بمعنی التسليم(١).
((أي: من خاطبكم بتحية الإسلام علامة
على أنه مسلم))(٢).
ومن الرسول للمؤمنين سلام، ومنهم
وحملها جماعة على معنى الاستسلام له في كل عصر ومصر سلام، أما سلامه
والانقياد، والجمع بينهما ممكن.
قال ابن عطية: «لأن سلامه بتحية الإسلام
مؤذن بطاعته وانقياده))(٣).
وهذا دليل واضح على أن السلام شعار
يتميز به المؤمن عن غيره، بل يعصم دمه
وماله، وما ذاك إلا لأنه دليل على المسالمة
الذي هي الإسلام.
والتسليم لأمر الله وحكمه علامة الانقياد
والاستسلام.
قال تعالى: ﴿فَلَّ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُوَأْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
قال الزجاج: ((أي يسلّمون فيما يأتي من
حكمك، لا يعارضونه بشيء، و﴿َسَلِيمًا ﴾
القرآن باب ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَهِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾،
٤٧/٦، رقم ٤٥٩١، ومسلم في صحيحه،
كتاب التفسير، رقم ٢٣١٩/٤٣٠٢٥.
(١) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي
طالب ١٤٣٣/٢، الوجيز، الواحدي ص
٢٨٢، معالم التنزيل، البغوي ٢٦٩/٢، أنوار
التنزيل، البيضاوي ٢/ ٩١.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٧/٥.
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢ / ٩٦.
على المؤمنين ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِشَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾
[الأنعام: ٥٤].
والآية حملها قوم على من جاء النهي
عن طردهم من ضعفاء المؤمنين قبل هذه
الآية (٥).
وحملها آخرون على المذنبين من
المؤمنين؛ لأن الكلام انتهى عن القوم
السابقين (٦).
والراجح أن لفظ الآية عام يشمل كل
مؤمن.
قال الرازي: ((والأقرب من هذه الأقاويل
أن تحمل هذه الآية على عمومها، فكل من
آمن بالله دخل تحت هذا التشریف»(٧).
وفي الآية أمر من الله لرسوله أن يبتدأهم
بالسلام أو یبلغهم سلام ربهم، وفيه التحية،
وفيه السلامة من أثر الذنوب؛ فمن أسرف
على نفسه وجهل قدر ربه ووقع في الذنب
(٤) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٧١/٢.
(٥) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١٤٢/٣،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/ ٤٥٣.
(٦) جامع البيان، الطبري ٢٧٢/٩.
(٧) مفاتيح الغيب، الرازي ٥/١٣.
فَضْو
جَوَسُولَةُ النَّفِيَ
القرآن الكريمِ
١٩٤

السلام
ثم تاب وأصلح فهو في دائرة السلامة زائريه، والسلام أفضل مدخل يدخل به
الإنسان إلى قلوب الناس وإلى بيوتهم.
والعفو من رب عفو رحیم.
ومن المؤمنين لرسولهم في كل وقت
سلام؛ قال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَيِكَتَهُ,
يُصَلُونَ عَلَى النَّبِىُّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ
عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
لقد بدأ الله بالصلاة على رسوله، وثنّت كما ورد المعنى بذلك عن عبد الله بن
(١).
.
الملائكة، ثم بعد ذلك جاء الأمر للمؤمنین
بالصلاة والتسليم على النبي الكريم، وقد
علّم النبي أصحابه كيف يصلون عليه،
وفي الصلاة والسلام على سيد الأنام فضل
عظیم وخير عمیم، فبها تفرج الهموم وتغفر
الذنوب، وترفع الدرجات وتزید الحسنات،
ويصلي الرب الجليل عشراً على من صلى
على نبيه صلاةً واحدةً. ومن ترك الصلاة
على النبي فهو من أبخل البخلاء.
والسلام شعار المسلم في كل وقت،
یحیی به أهل بيته ویحیی به إخوته، قال
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُنًا
غَيِّرَ بُيُوتِكُمْ حَقَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى
أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧].
والمعنى: يا من تحليتم بحلية الإيمان،
لیس لكم أن تدخلوا بيوتاً غیر بیوتکم التي
تسكنوها حتى تستأنسوا من الاستئناس،
بمعنى: الأنس ،أي الاطمئنان، فلا بد
لصاحب المنزل أن يأنس بدخولكم عليه
احتراماً لخصوصيته، ولكي يتهيأ للقاء
وقال تعالى ﴿﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُ يُوتًا فَسَلِّمُواْ
عَلَ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةً
طَيِّبَةٌ ﴾ [النور: ٦١].
والمقصود بأنفسكم هنا أهل هذه البيوت
عباس
والتعبير بالأنفس عن أصحاب البيوت
تنزيل لهم منزلة النفس، وهذا يبين شدة
الاتصال وقوة الارتباط بين المسلمين
وبعضهم البعض، فالمسلّم على أخيه إنما
يسلم على نفسه بتحية من عند الله مباركةً
طيبةً ويالها من منزلة عظيمة للسلام في دين
السلام.
ويحتمل أن يكون المعنى إذا دخلتم
بيوتاً ليس فيها غيركم فسلموا على أنفسكم.
استجلابًا للسلامة والبركة واستشعاراً
للأنس. وهذا الشعار الإيماني العظيم
لا يكون من طرف واحد، بل يشترك فيه
البادىء بالسلام ومن توجه إليه السلام، فإنه
ينبغي عليه أن يرد بخير من التحية أو مثلها
اتباعًا للأمر القرآني ﴿وَإِذَا حُِّّيْتُمْ بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ
بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦].
قال القرطبي: ((والصحيح أن التحية ها
(١) انظر: شعب الإيمان، البيهقي ٢٢٧/١١.
www. modoee.com
١٩٥

حرف السين
هنا السلام))(١).
أصحابه ان يقولوا عند زيارة القبور: (السلام
فأرشدت الآية أولًا إلى الأكمل وهو الرد على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين،
ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين،
وإنا إن شاء الله بكم للاحقون)(٣). لتكون
التحية والسلامة واصلةً للجميع فيسلموا
ویغنموا.
بأحسن من السلام، فإن لم یکن فلا أقل من
رد السلام بلا نقصان، وهذا تعليم وتوجيه
رباني لحسن الأدب وحسن الرد.
وللسلام في الإسلام منزلة عظيمة، وقد
رغبت فيه الآيات القرآنية، ووردت في
شأنه الأحاديث النبوية، التي تبین فضله،
حتى أفرد له المحدثون فصولاً وأبواباً في
کتبهم المسندة تجمع أحکامه وآدابه، وورد
في فضله عن عبد الله بن عمرو رضي الله
عنهما أنّ رجلاً سأل رسول الله صلّى الله
عليه وسلّم: أيّ الإسلام خير؟ قال: (تطعم
الطّعام، وتقرأ السّلام على من عرفت ومن لم
تعرف)(٢).
والإسلام لا بطلب من أتباعه أن يسلم
بعضهم على بعض وحسب، وإنما يطلب
منهم في نصوص صريحة أن يفشوا السلام
ويكثر حتى يصير سمةً بارزةً وشعاراً
للمجتمع المسلم، ولا يقتصر على الأحياء
وإنما يشمل السلام الأموات أيضاً فتعمهم
السلامة وتغشاهم الرحمة، وقد علم النبي
(١) الجامع لأحكام القرآن ٢٩٨/٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب إفشاء السلام من الإسلام، ١٥/١، رقم
٢٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان تفاضلّ الإسلام وأي أموره أفضل،
٦٥/١، رقم ٣٩.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب ما يقال عند القبور والدعاء لأهلها،
٦٦٩/٢، رقم٩٧٤.
مُؤَ الَر النفسية
جوسين
القرآن الكريمِ
١٩٦

السلام
السلام مع المخالفين
إن السلام شعار المسلم، فهو في سلام
مع نفسه، ومع كل من حوله، فهو في سلام
مع الحيوانات لا يؤذيها ومع النباتات لا
يقتلعها عبثًا، ومن أوجه السلام: السلام مع
المخالفين، نتحدث عنها في النقاط الآتية:
أولًا: السلام مع المخالفين في الدين:
ورد في القرآن موقفان فيهما السلام على
المشركين، وكلاهما من قصص الأنبياء
السابقين، وورد أمر من الله لنبيه بقول
السلام لغير المؤمنين؛ أما الموقف الأول
فهو بین نبي الله إبراهيم وأبيه آزر(١).
وذلك في المحاورة التي انتهت بقول
إبراهيم: ﴿قَالَ سَلَمُ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ
رَبِّ إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧].
وقد جاء هذا السلام في نهاية حوار
إبراهيم معه، فحملها جمع من المفسرين
على أنها تحية مفارقة ومتاركة، وعلى هذا
القول فإنه يجوز تحية الكافر بها، وهو
مذهب سفيان بن عيينه.
قال القرطبي: الأظهر من الآية ما قاله
(١) يوجد خلاف بين المفسرين هل كان آزر
أباه أم عمه؟ والذي عليه جمهورهم أنه أبوه
حقيقة. والله أعلم.
وانظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣١/١٣،
روح المعاني، الألوسي ١٨٣/٤، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٧/ ٣١٠.
سفيان بن عيينة (٢).
وقال السيوطي: استدل بها من أجاز
ابتداء الكافر بالسلام(٣).
وذهب جماعة إلى أن لفظ السلام من
إبراهيم عليه السلام بمعنى السلامة، قال
الطبري: أمنة مني لك(٤).
وقيل: على الإضمار والتقدير: سلام
عليك إذا أسلمت (٥).
والآية الثانية أمر من الله تعالى لنبيه
موسى وهارون عليهما السلام بالذهاب
إلى فرعون لدعوته بالقول اللين ويطلبوا منه
أن يرسل معهما بني إسرائيل فقال سبحانه:
فَأَنِيَاءُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيّ
إِسْرَِّيَ وَلَا تُعَذِّبْهُمَّ قَدْ جِتْنَكَ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكَ
وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْمُدَى﴾ [طه: ٤٧].
والسلام هنا بمعنى المسالمة والأمن،
قال الزجاج:«لیس یعني به التحية، وإنما
معناه أن من اتبع الهدى سلم من عذاب الله
وسخطه، والدليل على أنه ليس بسلام أنه
ليس ابتداء لقاء وخطاب»(٦).
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/ ١١٢.
(٣) الإكليل في استنباط التنزيل، السيوطي ص
٠١٧٤
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٠٧/١٨.
(٥) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٢٤٠/٧.
(٦) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٥٨/٣.
وقال بهذا القول جمع من المفسرين،
انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي
طالب ٤٦٤٧/٧، معالم التنزيل، البغوي
٢٧٦/٥، زاد المسير، ابن الجوزي ١٦٠/٣.
www. modoee.com
١٩٧

حرف السين
ويحتمل أن يكون السلام هنا بمعنى السيء، ولكن تألفهم واصفح عنهم فعلًا
وقولًا))(٣).
التحية، قال أبو حيان: «فالسلام بمعنى
التحية رغباً به عنه، وجرياً على العادة في
التسليم عند الفراغ من القول))(١).
وهذا الوجه يقويه أن النبي محمدًا
صلى الله عليه وسلم كان يبدأ كتبه للملوك
والأمراء بهذه الصيغة، فقد كتب هرقل عظيم
الروم: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد
بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم،
السلام على من اتبع الهدى أما بعد ... )(٢).
والآية الثالثة في السلام على المخالفين
في الدين ما ورد خطابًا لنبينا محمد صلى
الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿ وَقِيلِهِ.
يَرَّبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ (٨) فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ
وَقُلْ سَلَمُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨- ٨٩].
المعنى أن الله تعالى عنده علم الساعة
وعلم قوله صلى الله عليه وسلم شاكياً قومه
إن هؤلاء الذین أرسلت إليهم لا يؤمنون، ثم
يلتفت الخطاب إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم آمرًا إياه أن يصفح عنهم وأن
يقول قولًا فيه المسالمة والمتاركة لهم.
قال ابن كثير: ((﴿وَقُّلْ سَلَمْ﴾ أي : لا
تجاوبهم بمثل ما يخاطبونك به من الكلام
(١) البحر المحيط، أبو حيان ٣٣٩/٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الاستئذان، باب كيف يكتب الكتاب إلى أهل
الكتاب، ٥٨/٨، رقم ٦٢٦٠، عن عبد الله بن
عباس.
وحملها بعضهم على معنی التسليم، قال
الرازي: ((احتج قوم بهذه الآية على أنه يجوز
السلام على الكافر)» (٤).
وفي المسألة خلاف بين أهل العلم؛
فجمهور الفقهاء على عدم الجواز لحديث
أبي هريرة مرفوعًا: (لا تبدءو اليهود
والنصارى بالسلام)(٥).
وذهب آخرون إلى جواز ذلك ابتداءً،
وروی ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة وابن
محیریز، وذهب آخرون إلى جوازه ابتدائه
للضرورة أو لحاجة أو لحقٌّ وسبب، ويروي
ذلك عن علقمة وإبراهيم، وقال الأوزاعي:
إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن ترکت
فقد ترك الصالحون (٦).
ثانيًا: السلام مع الجاهلين:
يأتي لفظ: (جهل) في القرآن ويراد
السفاهة وسوء الخلق غالبًا، ومن الشواهد
اللغوية على ذلك ما ذكره الزمخشري في
مادة جهل: «فلان جهول، وقد جهل بالأمر،
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٤/٧.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧/ ٦٥٠.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام،
باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام،
١٧٠٧/٤، رقم ٢١٦٧.
(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١١٢/١١، إكمال المعلم بفوائد مسلم،
القاضي عياض ٧/ ٥٣.
١٩٨
جوسين
القرآن الكريمِ

السلام
وجهل حق فلان، وهو يجهل على قومه
يتسافه عليهم، قال (١):
ألا لا یجهلن أحد علینا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ولو كان المقصود بالجهل في الاستعمال
القرآني عدم العلم لأمرنا الله أن نعلمهم لا
أن نعرض عنهم.
وفي القرآن الکریم آيتان كريمتان تذكران
نماذج طيبة للمؤمنين الصادقين المتخلفين
بأحسن الأخلاق الذين يواجهون الجهال
السفهاء بالمسالمة والسلام.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ
عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمْ عَلَيْكُمْ
لَا نَبْتَغِى الْجَهِلِينَ﴾[القصص: ٥٥].
تتحدث الآيات عند طائفة من أهل
الکتاب آمنو بالإسلام وبما قرئ علیھم من
القرآن فأيقنوا أنه الحق من عند ربهم، فكان
جزاؤهم أن يؤتوا أجرهم مرتين بما صبروا،
فإذا سمعوا كلاما يؤذيهم أعرضوا عن اللغو
وقالوا لنا جزاء أعمالنا ولكم جزاء أعمالكم
سلام عليكم، لا نريد محاورة أهل الجهل
والسفاهة. قال مجاهد: ((كان ناس من أهل
الکتاب أسلموا، فكان المشرکون یؤذونهم،
فكانوا يصفحون عنهم، يقولون ﴿سَلَمّ عَلَيْكُمْ
لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥](٢).
(١) أساس البلاغة، الزمخشري ١/ ١٥٣.
والبيت لعمر وبن كلثوم في ديوانه ص ٧٨.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٨١/١٨، تفسیر
ويقال: إنها نزلت في نصارى قدموا على
رسول الله فآمنوا به وصدقوه، فلما قاموا من
عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش
فقالوا: سلام عليكم لا نجاهلكم(٣).
وجمهور المفسرين على أن السلام هنا
سلام مفارقة ومتاركة (٤)
.
وهذا من حسن الأدب وترك الجدال.
قال السخاوي: ((المراد بالجاهلين
السفهاء، وهذه صفة محمودة باقية إلى يوم
القيامة، وما زال الإغضاء عن السفهاء،
والترفع عن مقابلة ما قالوه بمثله من أخلاق
الفضلاء، وبذلك يقضي الورع والشرع،
والأدب والمروءه» (٥).
والآية الثانية وردت في مدح عباد
الرحمن؛ قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ
الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ
اُلْجَهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
تصف هذه الآية أقوامًا صالحين انتسبوا
إلى ربهم بأعظم وأشرف نسبة، وهي نسبة
العبادة، فهم أصحاب العبودية الخاصة
للرحمن، وأول أوصافهم أن يمشون مشیةً
القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٩٢، رقم
٠١٦٩٩٢
(٣) انظر: سيرة ابن إساحق ٢١٨/١، دلائل
النبوة، البيهقي ٣٠٦/٢.
(٤) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٢١٦/٥،
أحكام القرآن، ابن العربي ٥١٢/٣ أحكام
القرآن، الكيا الهراسي ٤/ ٣٣٥.
(٥) جمال القراء، السخاوي ص ٤٤١.
www. modoee.com
١٩٩

حرفالسین
هيئةً سهلةً لا كبر فيها ولا خيلاء، فهم أهل
تواضع، ثم ذكر صفةً مناسبةً للتواضع وهي
الحلم، فهم لا يتسافهون مع السفهاء ولا
يجهلون مع الجاهلين، فإذا ما تعرض لهم
جاهل بالأذى خاطبوه بقول لا إثم فيه ولا
رد للاعتداء بل يقولون قولًا سلامًا، فسلامًا
هنا صفه لمصدر محذوف والمعنى: سدادًا
من القول(١).
وهذا خلق الأتقياء الذين لا تزيدهم شدة
الجهل إلا حلمًا، ولا يجزون السيئة بالسيئة،
بل يحلمون إذا جهل عليهم، ويصبرون
على ما يصيبهم من أذى السفهاء ويدرؤون
بالحسنة سيئة الجهال فاستحقوا بذلك عقبى
الدار؛ عن النعمان بن مقرن قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: وسب رجل
رجلًا عنده، فجعل الرجل المسبوب يقول:
عليك السلام، قال: قال رسول صلى الله
عليه وسلم (أما إن ملكاً بينكما يذب عنك
کلما یشتمك هذا، قال له: بل أنت وأنت
أحق به، وإذا قاله: عليك السلام قال: لا بل
لك أنت، أنت أحق به)(٢).
أثر إفشاء السلام على المجتمع
ليس السلام مجرد كلمة تنطق بها الألسنة
فقط، بل هو منهج تعامل واستفتاح بالمسالمة
وضمان حفظ الدم والمال والعرض، وفيه -
مع هذا - الدعاء بالسلامة في كل أمور الدين
والدنيا. وإن لإفشاء السلام آثارًا طيبةً على
المجتمع كله نوجزها فيما يأتي:
١. أنه مدخل المحبة بين أفراد
المجتمع المسلم.
فبالسلام تسود المحبة؛ وهذا نص
حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا
تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى
تحابوا، أولًا أدلكم على شيء إذا فعلتموه
تحابيتم؟ أفشوا السلام بينكم)(٣).
قال ابن عبد البر: ((وفي ذلك دليل على
فضل السلام، لما فيه من رفع التباغض
وتوريث الود، ولقد أحسن القائل: قد
یمکث الناس دهرًا ليس بينهم ود فیزرعه
التسليم واللطف» (٤).
وقال النووي: ((والسلام أول أسباب
التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وفي
(١) قاله مجاهد. جامع البيان، الطبري ١٧ / ٤٩٤.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ١٥٤/٣٩.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧٥/٨: رجاله
رجال الصحيح غير أبي خالد الوالبي وهو
ثقة.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون،
رقم ٩٣، ١/ ٥٣، عن أبي هريرة.
(٤) التمهيد ١٢٨/٦.
والبيت غير منسوب في ربيع الأبرار
للزمخشري ٢/ ٤٢٤، وبهجة المجالس لابن
عبد البر ١/ ٥٧.
٢٠٠
جَوَبُ
القرآن الكريمِ

السلام
إفشائه تمكن ألفة المسلمين بعضهم الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (أفشوا السلام كي تعلوا)(٣).
لبعض)»(١).
٢. أنه إشعار بالأمان في الأرض.
فالسلام مع كونه يورث المحبة، فإنه
كذلك يضفي على المجتمع إحساسًا
بالسلم والأمان، فالسلام يتضمن اسماً من
أسماء الجمال لله تعالى كما يتضمن الدعاء
بالسلامة من كل ما يضر، مع زيادة حصول
الخير بالرحمة وحصول دوامه وزيادته
بالبركة، وهذا إشعار بالمسالمة ودوام
الخيرية، ويصدق هذا قوله صلى الله عليه
وسلم: (أفشوا السلام تسلموا)(٢)، فإنشاء
السلام يورث المجتمع الأمن والسلام.
٣. إفشاء السلام سبب للرفعة
والعلو.
أكد القرآن الكريم أن التنازع سبب
لذهاب قوة المجتمعات.
قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا
تَشَزَّعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وفي المقابل فإن السلام باللسان مقدمة
لتصافح القلوب ليكونوا عباد الله إخوانًا،
فتقوى شوكتهم ويعلو أمرهم، عن أبي
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ٣٦/٢.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٩٤/٣، والبخاري
في الأدب المفرد، باب الغناء واللهو، رقم
٤٢١/١٧٨٧.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢٤٦/١،
رقم ١٠٨٧.
قال المناوي: ((فإنكم إذا افشيتموه
تحاببتم، فاجتمعت کلمتکم فقهرتم عدوكم
وعلوتم عليه)»(٤).
٤. في السلام قهر وإغاظة للعدو.
إذ هو مظهر من مظاهر تآلف وتراحم
المجتمع، ويعكس قوة ترابطه وشيوع
الرحمة بين أفراده وذلك مما يغيظ أعداء
المسلمين الذين يسعون إلى أن نظل متفرقين
متنافرين، لذا فهم يحسدون المسلمين على
أي رابطة جامعة بينهم، وفي الحديث: (ما
حسدكم اليهود على شيء ما حسدوكم على
السلام والتأمين) (٥).
٥. إفشاء السلام دليل على الأخلاق
الحسنة في المجتمع.
وإفشاء السلام يعكس وجود أخلاق
طيبة بين أفراده؛ فالسلام يدل على وجود
(٣) أخرجه الطبراني كما قال الهيثمي في مجمع
الزوائد ٣٠/٨.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٢٤٦/١، رقم ١٠٨٨.
(٤) التيسير بشرح الجامع الصغير، المناوي
١٨٠/١.
(٥) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب فضل
السلام، ص ٣٤٢، رقم ٩٨٨، وابن ماجه في
سننه، كتاب إقامة الصلاة، باب الجهر بآمين
٢٧٨/١.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٤٠١/١، رقم ١٩٩٧.
www. modoee.com
٢٠١

حرف السين
خلق الكرم النفسي، وفي الحديث: (أبخل الرجل، لا يسلم عليه إلا للمعرفة)(٥).
الناس من بخل بالسلام)(١).
ويدل على خلق التواضع وخفض
الجناح للمؤمنين، وفي الصحيح عن عمار
ابن ياسر: (ثلاث من جمعهن فقد جمع
الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام
للعالم، والإنفاق من إقتار)(٢).
وهذا دلالة على انشغال كلٍ بأمر نفسه،
وعلى تفتت رابطة الإسلام الجامعة بين
القلوب والأرواح، وهذا نذير شؤم، وإيذان
بقرب حلول الساعة.
٧. في السلام تعاون على البر.
فالذي يلقى السلام مأجور، والذي يرد
السلام مأجور أيضًا، والباديء بالسلام يقوم
والعالَم بفتح اللام(٣). وهذا أمارة على
تحقق خلق التواضع ولين الجانب لجميع
المؤمنین.
بدعوة عملیة بین الناس للتذكير بسنّة عظيمة
الأجر وفي الحديث عن أبي أمامة مرفوعًا
قال أبو الزناد: ((جمع عمار في هذه (إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام)(٦).
الألفاظ الثلاث الخیر کله)) (٤).
٦. إفشاء السلام دليل على وجود
الخيرية في المجتمع.
لأن المجتمع الذي يفشو فيه السلام
مجتمع تحوطه الرحمة والبركة، ولذلك
فإن من علامات الساعة أن يكون السلام
على من يعرفه المرء فقط، قال رسول الله:
(إن من أشراط الساعة أن يسلم الرجل على
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم
١٠١٥، ص ٣٥١.
قال ابن حجر في فتح الباري ٩/ ٥٦٥: هذا
موقوف صحيح علىٍ أبي هريرة.
(٢) أخرجه البخاري معلقًا في كتاب الإيمان، باب
إفشاء السلام من الإسلام، ١/ ١٥.
وصححه ابن حجر في تغليق التعليق ٣٦/٢
موقوفًا.
(٣) إرشاد الساري، القسطلاني ١١٣/١.
(٤) شرح صحيح البخارى، ابن بطال ١/ ٨٤.
موضوعات ذات صلة:
الاقتصاد، الحرب، السلم، السياسة
(٥) أخرجه أحمد فى مسنده، ٦/ ٣٩٨ عن عبدالله
ابن مسعود.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
٢٤٨/٢، رقم ٦٤٨.
(٦) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب أبواب النوم،
باب في فضل من بدأ بالسلام، ٤ /٣٥١، رقم
٥١٩٧.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١/ ٤٠٣، رقم ٢٠١١.
جَوْسُوَرَ النَّفِيَّة
الْقُرآن الكَرِيمِ
٢٠٢