النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ مُوبَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الكَرِّيْمِ
السَّلامُ
عناصر الموضوع
مفهوم السلام
١٧٢
السّلام في الاستعمال القرآني
١٧٣
الألفاظ ذات الصلة
١٧٤
١٧٥
مكانة السلام
١٨٢
السلام الإلهي
١٨٨
سلام الملائكة
١٩٣
السلام شعار المؤمن
١٩٧
السلام مع المخالفين
٢٠٠
أثر إفشاء السلام على المجتمع
المُجَلَّدَ الثَّامِنْ عَشِّر

حرف السين
مفهوم السلام
أولًا: المعنى اللغوي:
السلام: اسم مصدر من الفعل ((سلّم)) يقال: سلّم تسليماً مصدر، وسلامًا اسم مصدر.
وأصل مادة ((سلم)) تفيد معنى السلامة من كل شر، قال ابن فارس: ((السين واللام معظم
بابه من الصحة والعافية، والشاذ عنه قليل))(١).
وقال الراغب: ((السّلم والسلامة: التعري من الآفات الظاهرة والباطنة))(٢). وقريب منه
المعنى المحوري للمادة: («صحة جرم الشيء والتئام ظاهره في ذاته)) (٣).
و(السلام) من أسماء الله الحسنى، لسلامته سبحانه من كل نقص.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
المعنى اللغوي للكلمة الذي ترجع إليه كل معانيها هو السلامة من كل عيب حسي أو
معنوي.
ولا يختلف السلام في معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي ويمكننا أن نعرّفه فنقول:
السلام اسم من أسماء الله تعالى يدل على معنى التحية والسلامة من كل سوء وشر.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ٩٠.
(٢) المفردات ص ٤٢١.
(٣) المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم، محمد حسن جبل ١٠٦٣/٢.
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
١٧٢

السلام
السّلام في الاستعمال القرآني
وردت مادة (سلم) في القرآن الكريم (١٤٠) مرةً، يخص موضوع البحث (٥٠) مرةً (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١
﴿وَلَوْ أَرَكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَنَنَزَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ
وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ [الأنفال: ٤٣]
الفعل المضارع
٢
﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ
وَتُسَلِّمُواْ عَلَ أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]
﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُنًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَِّيَّةً مِنْ عِندِ
الفعل الأمر
٢
اللَّهِ ﴾ [النور: ٦١]
المصدر
٤٥
﴿وَنَادَوْاْ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦]
وجاء السّلام في الاستعمال القرآني على خمسة أوجه(٢):
الأول: هو الله تعالى: ومنه قوله تعالى: ﴿السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣].
الثاني: الخير: ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمٌ﴾ [الزخرف: ٨٩] يعني: وقل خيرًا.
الثالث: الثناء الحسن: ومنه قوله تعالى: ﴿سَلَمُ عَلَى نُوحٍ فِ الْعَلَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩].
الرابع: السلامة من الشر: ومنه قوله تعالى: ﴿أَهْبِطٌ بِسَلَمٍ مِّنَا﴾ [هود: ٤٨] يعني: بسلامة
من الشر والغرق.
الخامس: التحية التي يحيّي بها المسلمون بعضهم بعضًا، وهي تحية أهل الجنة: ومنه
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِمُواْ عَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ سُبَرَكَةٌ طَيِّبَةٌ﴾
[النور: ٦١].
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، ص٦٣١-٦٣٤.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٢٦٣- ٢٦٤، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٣٥٦-
٣٥٨.
www. modoee.com
١٧٣

حرف السين
الألفاظ ذات الصلة
التحية:
١
التحية لغة:
مصدر حيبى يحيى، وأصلها تحيية على وزن تفعلة، فأدغمت الياء في الياء، ، والتحية
تأتي بمعنى : البقاء، يقال: التحيات لله، الملك والبقاء لله، وتأتي بمعنى: السلام، والتحية
في كلام العرب ما يحيبى بعضهم بعضًا إذا تلاقوا(١).
التحية اصطلاحًا:
لا يختلف معناها الاصطلاحى عن معناه اللغوي.
الصلة بين التحية والسلام:
التحية تشترك مع السلام، وهي أعم، قال العسكري:((التحية أعم من السلام؛ يدخل في
التحية حياك الله، ولك البشرى، ولقيت الخير))(٢).
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٨٧/٢، المفردات، الراغب ص ٢٦٩، لسان العرب ٢١٧/١٤.
(٢) الفروق اللغوية ص ٥٩.
١٧٤
جَوَسُولَةُ التَّقِيَّة
القرآن الكريمِ

السلام
مكانة السلام
أولًا: السلام اسم من أسماء الله
الحسنى:
لقد ورد اسم الله السلام في قوله تعالى:
﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ
السَّلَمُ﴾[الحشر: ٢٣].
وورد في السنة أيضًا؛ فعن عبد الله بن
مسعود قال: كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله
علیه وسلم قلنا: السلام على الله قبل عباده،
السلام على جبريل، السلام على ميكائيل،
السلام على فلان وفلان، فلما انصرف النبي
صلى الله عليه وسلم أقبل علينا بوجهه
فقال: (إن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم
في الصلاة فليقل: التحيات لله)(١).
وعن ثوبان قال: كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته،
استغفر ثلاثًا وقال: (اللهم أنت السلام ومنك
السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام) (٢).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله
عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الاستئذان، باب السلام اسم من أسماء الله
تعالى، ٥١/٨، رقم ٦٢٣٠، ومسلم في
صحيحه، كتاب الصلاة، باب التشهد في
الصلاة، ٣٠١/١، رقم ٤٠٢.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد
ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد
الصلاة وبيان صفته، ١ / ٤١٤، رقم ٥٩١.
(السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه
فأفشوه بينكم) (٣).
وفي معنى اسم السلام يقول ابن بطال:
ومعناه السالم من النقائص والآفات الدالة
على حدوث من وجدت به، متضمن لمعنى
السلامة من ذلك كله (٤).
وقال الزجاج: ((السلام هو الذي سلم من
عذابه من لايستحقه))(٥).
وقيل: المسلم أولياءه.
وقيل: المسلم عليهم(٦).
وقيل: سلم الخلق من ظلمه، بمعنى أنه
لا يتصف بالظلم.
وقيل: مسلم عباده من الهلاك.
وقيل: مسلم المؤمنين من العذاب.
وقيل: المسلم على مصطفي عباده
بقوله: ﴿وَسَلَمُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَ﴾
[النمل: ٥٩].
وقيل: المسلم على المؤمنين في الجنة
لقوله ﴿سَلَمْ قَوْلاًمِّن رَّدٍ زَّحِيمٍ﴾[يس: ٥٨].
وقيل: لطول بقائه (٧).
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب
السلام اسم من أسماء الله، ص٥٥٢، رقم
٩٨٩.
قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٤/ ٢٥٠:
إسناده جيد.
(٤) شرح صحيح البخاري، ابن بطال ١٠ / ٤٠٩.
(٥) تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج ص ٣١.
(٦) شرح النووي على صحيح مسلم ١١٦/٤.
(٧) شرح سنن أبي داود، بدر الدين العيني
٤٢٢/٥ - ٤٢٣.
www. modoee.com
١٧٥

حرف السين
وكلها معان صحيحة يجوز إطلاقها
عليه سبحانه ولا تعارض بينها، فهو سبحانه
السلام في ذاته وصفاته وأفعاله، «بل هو
السلام الحق من كل وجه وبكل اعتبار؛
فعلم أن استحقاقه تعالى لهذا الاسم أكمل
من استحقاق كل ما يطلق عليه .. فهو السلام
من الصاحبة والولد والسلام من الشريك،
وإذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت
کل صفة سلاماً مما يضادها؛ فحياته سلام
من الموت، وكذلك قیومیته وقدرته))(١).
ثانيًا: من أسماء الجنة دار السلام:
أعد الله الجنة دارًا للمؤمنين خالدين
فيها أبدًا، وغرس كرامتهم فيها بيده سبحانه؛
فكانت دار سلام وأمن لا فيها أذى ولا
نصب، ومن أسمائها دار السلام.
قال تعالى: ﴿لَّمْ دَارُ السَّلَمِ عِنْدَ رَيْهِمْ وَهُوَ
وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧].
وفي الآية وعد حسن من الله للقوم الذين
يذكرون بأن لهم دار السلام، ودار السلام
هي الجنة إجماعًا، وفي تقديم ﴿لَمْ﴾
دلالة على اختصاصهم بالجنة، والسلام له
معنيان: «أحدهما: ان السلام اسم من أسماء
الله عز وجل، فأضاف الدار إليه هي ملكه
وخلقه، والثاني أنه المصدر بمعنى السلامة،
كما تقول : السلام عليك»(٢).
(١) انظر بدائع الفوائد، ابن القيم ٢/ ١٣٥.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٤٤/٢.
والظاهر رجحان المعنى الثاني؛ ((فإنه
لو كانت الإضافة إلى مالكها لأضيفت إلى
اسم من اسمائه غير السلام وكان يقال:
دار الرحمن أو دار الله .... وأيضًا فلأن
المعهود في القرآن إضافتها إلى صفتها أو
إلى أهلها؛ أماالأول فنحو دار القرار، دار
الخلد .... وأما الثاني فنحو: دار المتقين
ولم تعهد إضافتها إلى اسم من أسماء الله
في القرآن، فالأولى حمل الإضافة على
المعهود في القرآن»(٣).
وسميت الجنة دار السلام لسلامتها
من كل آفة، وقيل: لأن من دخلها سلم من
البلايا والرزايا أجمع، وقيل: لأنها سلمت
من دخول أعداء الله، کیلا یتنغص أولياء الله
فيها کما ینغص مجاورتهم في الدنيا وقيل:
سمیت بذلك لأن کل حاله من حالات أهلها
مقرونه بالسلام»(٤).
وهذه دعوة من الله العلي الأعلى لعباده
على لسان رسله وملائكته كي ينيبوا إلى
ربهم ويفعلون ما يوصلهم إلى دار السلامة
والكرامة، وفي الحديث عن أبي الدرداء أن
رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: (ما
طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان
يناديان، يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين:
يا أيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قل
(٣) بدائع الفوائد، ابن القيم ٢/ ١٣٤.
(٤) الكشف والبيان، الثعلبي ٤ / ١٩٠.
١٧٦
فَضْو
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّ
القرآن الكريم

السلام
و کفی خيرً مما کثر وألھی. وأنزل الله في
ذلك قرآناً في سورة يونس ﴿وَاللَّهُيَدْعُواْ إِلَى
دَارِ السَّلَمِ وَيُّهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْنَقِيمٍ﴾
[يونس: ٢٥](١).
وتتعدد مواطن السلامة في الجنة،
فالدخول في الجنة بسلام.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِ جَنَّتٍ
أَدْخُلُوهَا بِسَلٍَ ◌َامِنِينَ﴾
وَعُيُونٍ )
[الحجر: ٤٥، ٤٦].
وقال تعالى: ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ
بَعِيدٍ ٦ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ
مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ
أَدْ خُلُوهَا بِسَلٍَّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق: ٣١ - ٣٤].
وفي الآيتين حذف فعل القول، وهو في
القرآن کثیر، وتقدير المعنی: ویقال لهم:
أدخلوها بسلام، والقائل: الله تعالى أو
ملائکته الکرام، ومعنى بسلام، بسلامة من
النار، أو بسلامة تصحبكم من كل آفة، أو
بتحیة من الله)»(٢).
ولفظ السلام يشمل كذلك السلامة
من الغل والخصام والنزاع بدلیل ما بعدها
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلّ إِخْوَنَا عَلَى
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه، ٨/ ١٢١ رقم
٣٣٢٩، والبيهقي في شعب الإيمان، ٩٠/٥،
رقم ٣١٣٩، والطبري في التفسير ١٥٤/١٢.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
١/ ٤٤٣،٨٠٤.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١٦١/٣،
زاد المسير، ابن الجوزي ٥٣٥/٢.
سُرُرٍ مُنَقَبِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧].
والسلامة في الجنة من كل ما ينغص،
وفي الحديث: (ينادي مناد : إن لكم أن
تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا
فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا
أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا)(٣).
والتحية في الجنة هي : السلام.
قال تعالى: ﴿دَعْوَنَّهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ
وَتَِّيَّئُهُمْ فِيهَا سَلَمْ﴾ [يونس: ١٠].
وقال تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَمْنِهَا
اٌلْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَمِيِّئُهُمْ فِيهَا
سَلَمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣].
وقال تعالى: ﴿َّحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمْ﴾
[الأحزاب: ٤٤].
إن التحية بالسلام نوع من الإکرام، وفيها
السلامة من كل شر.
قال ابن القيم: ((ولما كانت الجنة دار
السلامة من كل عيب وشر وآفة، بل قد
سلمت من كل ما ينغص العيش والحياة،
كانت تحية أهلها فیها سلام، والرب یحییھم
فيها بالسلام والملائكة يدخلون عليهم من
کل باب سلام عليكم بما صبرتم)) (٤).
وإذا كانت الآيات السابقة قد أفادت أن
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة
وصفه نعيمها وأهلّها، باب في دوام نعيم أهل
الجنة، رقم ٢٨٣٧.
(٤) بدائع الفوائد، ابن القيم ١٤٥/٢.
www. modoee.com
١٧٧

حرف السين
التحية في الجنة تكون بالسلام، فقد ورد في
القرآن أن السلام في الجنة غير التحية، قال
تعالى في ثواب عباد الرحمن: ﴿أُوْلَكِكَ
يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا
◌َِّيَّةً وَسَلَمَا ﴾ [الفرقان: ٧٥].
فعطف التحية على السلام، وفي الفرق
بينهما يقول الزمخشري: ((والتحية دعاء
بالتعمیر، والسلام دعاء بالسلامة»(١).
وقال العسكري: ((والتحية أعم من
السلام، والسلام مخصوص ويدخل في
التحية: حياك الله، ولك البشرى، ولقيت
کل خير))(٢).
وقال مقاتل: المراد بالتحية: سلام بعض
على بعض، أو سلام الملائكة عليهم،
والمراد بالسلام أن الله سلمهم مما يخافون
وسلم إليهم أمرهم، وقيل: التحية من
الملائكة أو من أهل الجنة والسلام من الله
تعالى عليهم، وقيل: التحية من الله تعالى
لهم بالهدايا والتحف، والسلام بالقول(٣).
ومن أوجه السلام في الجنة أن القول
فيها سلام؛ قال تعالى: ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوًا إِلَّا
سَمَاٌ وَلَمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَ بُكْرَةُ وَعَشِيًا ﴾ [مريم:
٦٢].
(١) الكشاف ٢٩٧/٣.
(٢) الوجوه والنظائر، العسكري ص ٢٥٨.
(٣) انظر: أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة من
غرائب آي التنزيل، زين الدين الرازي ص
٣٦٧.
وقال ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَا وَلَا تَأْثِيمًا (٥) إِلَّا
قيلاً سَلَمَا سَلَمَا ﴾﴾ [الواقعة: ٢٥ -٢٦].
ومن جملة النعيم الذي يحظى به أهل
الجنة أنهم يسمعون الكلام الطيب، واستثناء
السلام من اللغو في الآية الأولى ومن اللغو
والتأثيم في الآية الثانية إنما هو من قبيل
الاستثناء المنقطع الذي ليس من جنس
المستثنى منه.
والمعنى: أن أهل الجنة لا يسمعون أي
كلام من اللغو أو الهذر الذي لا فائدة منه.
قال تعالى ((﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَا وَلَاَ كِذَّابًا﴾
[النبأ: ٣٥].
وقال ﴿لَا تَسْمَعُ فِبِهَا لَغِيَّةً﴾ [الغاشية: ١١].
و﴿لَغِيَّةً﴾ نكرة في سياق النفي أفادت
العموم، فلا لغو في الجنة بحال. بل يسمعون
الكلام الطيب الذي يسلمون به.
قال الزجاج: (((وسلامًا) اسم جامع
للخير متضمن للسلامة، فالمعنى: أن أهل
الجنة لا يسمعون إلا ما يسلمهم)) (٤).
ويرى الزمخشري أن الاستثناء في الآية
متصل، وتقدیر المعنی عنده، أي: إن كان
تسليم بعضهم على بعض، وتسليم الملائكة
عليهم لغوًا، فلا يسمعون لغواً إلا ذلك(٥)،
فهو يعدها من قبيل تأكيد المدح بما يشبه
الذم.
(٤) الكشاف ٣/ ٢٧.
(٥) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٣٧/٣.
١٧٨
جوبيبو
القرآن الكريمِ

السلام
وفي قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِهَا لَغْوَا وَلَا
تَأْتِيمًا ® إِلَّا قِيلًا سَلَمَا سَلَمًا﴾ [الواقعة: ٢٥-
٢٦].
يقول ابن القيم: ((وهذا فيه نفي لسماع
اللغو والتأثيم، وإثبات لضده وهو السلام
المنافي لهما: فالمقصود به نفي شيء
وإثبات ضده))(١).
والتسليم من الله تعالى على عباده في
الجنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ
فِي شُغُلٍ فَكِهُونَ ) هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَلٍ
عَلَى الْأَرَآئِكِ مُتَّكِّقُونَ ٦ لَهُمْ فِيَهَا فَكِهَةٌ
وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ٢ سَلَمْ قَوْلاً مِّن رَّبٍ زَحِيمٍ﴾
[يس: ٥٨:٥٥].
والمعنى ((ولهم فيها ما يدعون، وذلك
هو سلام من الله عليهم، بمعنى تسليم من
الله»(٢).
والظاهر من سياق الكلام أنه سلام من
الله بدون واسطة ملك. وقد روی من حديث
جابر عن رسول الله صلی الله عليه وسلم:
(بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم
نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب قد أشرف
عليهم من فوقهم فقال : السلام علیکم یا
أهل الجنة ، وذلك قول الله ﴿سَلَمْ قَوْلًاً
مِّن رَّبٍ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. قال: فينظر إليهم،
وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من
(١) بدائع الفوائد ٦٩/٣.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٩ / ٤٦٧.
النعيم، ماداموا ينظرون إليه، حتى يحتجب
عنهم، ويبقى نوره وبر كته في ديارهم)(٣).
وعن عمر بن عبد العزيز، قال: (( إذا فرغ
الله من أهل الجنة والنار، أقبل في ظلل من
الغمام والملائكة، قال: فيسلم على أهل
الجنة فيردون عليه السلام». قال القرظي:
((وهذا في القرآن ﴿سَلَمْ قَوْلاً مِّن رَّبٍ زَّحِيمٍ﴾
(٤). وسلام الملائكة ثابت في أكثر من آية
وسيأتي.
ومن أوجه السلام على أهل الجنة ما
يسلم به عليهم أهل الأعراف، وذلك في
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّا
بِسِيمَنِعُمْ وَنَادَوْ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَمْ عَلَيْكُمْ لَقْـ
يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ [الأعراف: ٤٦].
والأعراف مشتق من العرف؛ لأن كل
مرتفع من الأرض عند العرب أعراف(٥).
وقد اختلف فيهم على أقوال متعددة؛
قال صديق خان: ((وفي هذه الأقوال ما يدل
على أن أصحاب الأعراف دون أهل الجنة
في الدرجات وإن كانوا يدخلون الجنة
(٣) أخرجه ابن ماجه في سننه، المقدمة، باب فيما
أنكرت الجهمية، ٦٥/١، رقم ٢١٨٤.
قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٢٦/١ :
هذا إسناد ضعيف، لضعف الفضل بن عيسى
ابن إيان الرقاشي.
(٤) تفسير القرآن، ابن وهب ٥٨٤/٦، جامع
البيان، الطبري ١٩ /٤٦٨، الرد على الجهمية،
الدارمي ص رقم ١٤٦.
(٥) مجاز القرآن، أبو عبيدة ٢١٥/١.
www. modoee.com
١٧٩

حرف السین
برحمة الله تعالى، وفيها ما يدل على أنهم ثالثًا: السلام صفة شرع الله ودینه:
أفضل من أهل الجنة وأعلى منهم منزلةً
وليس في الباب ما يقطع به من نص جلي
وبرهان نير)»(١).
وإن كانت دلالة لفظ الأعراف توحي
أنهم في منزلة عالية يعرفون أهل الجنة
ببياض وجوههم ويعرفون أهل النار بسواد
وجوههم، وهم يطمعون في موضع الحال
من ضمير الجماعة في ﴿يَدْخُلُوهَا﴾ ويكون
المعنی لم يدخلوها في حال طمع بها، بل
في حال يأس وخوف(٢).
قال القاسمي: «ولا یبعد عندي أن یکون
﴿لَمْ يَدْ خُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ حالًا من ﴿أَصْحَبَ
الْجَنَّةِ﴾ أي: نادوهم بالسلام وهم في
الموقف على طمع دخول الجنة يبشرونهم
بالأمان والفوز من العذاب إشارةً إلى سبق
أهل الأعراف على غيرهم في دخول الجنة
وعلو منازلهم على سواهم))(٣).
ومما سبق يتضح لنا أن الجنة دار
السلام؛ يسلم فيها الرب جل في علاه على
أهل الجنة، وتسلم عليهم الملائكة، ويسلم
عليهم أصحاب الأعراف، والسلام تحيتهم
فيما بينهم، وهو تحیتهم عند الدخول، وفي
داخلها، وهو كلامهم فيما بينهم، فهم في
سلام دائم.
(١) فتح البيان، القنوجي ٤/ ٣٦٥.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٠٥/٢.
(٣) محاسن التأويل ٦٢/٥.
إن مادة (الإسلام) ومادة (السلام)
ترجعان إلى أصل لغوي واحد هو السلامة
والخلوص من كل ما يسوء، وما وحدة
الأصل هذه إلا إشارة إلى وشائج قوية وصلة
وثيقة بين الإسلام والسلام حتى صارت
الجملة مثلًا سائرًا: (الإسلام دين السلام).
قال تعالى: ﴿قَدْ جَآءُ كُم مِّنَ
اُللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ مُبِينٌ ﴿ يَهْدِى ◌ِهِ
اَللَّهُ مَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَّمِ
وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى
النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].
فالنور هو القرآن، أو هو النبي محمد
صلى الله عليه وسلم لعطفه على الكتاب،
وهو سبب الهداية لمن اتبع رضوان الله
فيهتدي إلى طريق الجنة، قال الطبري: ((سبل
السلام سبيل الله الذي شرعه لعباده ودعاهم
إليه، وبعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا
يقبل من أحد عملًا إلا به، لا اليهودية ولا
النصرانية ولا المجوسية)) (٤).
وإذا كان لفظ السبل جاء مجموعًا هنا فهو
بمثابة شعب الإيمان الذي يجمعها جامع
واحد، فكل هذه السبل للخير، كجداول
الماء التي تخرج من النهر، أو كالشجرة التي
يخرج منها أطايب الثمار فتؤتي أكلها كل
(٤) جامع البيان ٢٦٥/٨.
١٨٠
القرآن الكريمِ

السلام
حین بإذن ربها.
والتعبير القرآني ﴿سُبُلَ السَّلَّمِ﴾
يعتبر من الأوصاف الربانية العظيمة الدقيقة
لهذا الدين الخالد، يقول سيد قطب: ((وما
أدق هذا التعبیر وأصدقه، إنه (السلام) هو ما
يسكبه هذا الدين في الحياة كلها .... سلام
الفرد. وسلام الجماعة. وسلام العالم. سلام
الضمير، وسلام العقل، وسلام الجوارح،
وسلام البيت والأسرة، وسلام المجتمع
والأمة، وسلام البشر والإنسانية. السلام مع
الحياة والسلام مع الكون. والسلام مع الله
رب الكون والحياة. السلام الذي لا تجده
البشرية ولم تجده يومًا. إلا في هذا الدين
وإلا في منهجه ونظامه وشريعته، ومجتمعه
الذي يقوم على عقيدته وشريعته))(١).
ومن الألفاظ المقاربة التي جاءت بمعنى
الإسلام قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أُدْخُلُواْ فِى الْسِلْمِ كَافَّةٌ ﴾ [البقرة:
٢٠٨].
وللراغب تأويل لطيف لارتباط معنى
(١) في ظلال القرآن ٢/ ٨٦٢.
(٢) مجاز القرآن، أبو عبيدة ٧١/١، معاني
القرآني، الأخفش ١/ ١٨٠، جامع البيان،
الطبري ٣/ ٥٩٥، تأويلات أهل السنة،
الماتريدي ٢/ ١٠٢، معالم التنزيل، البغوي
١/ ٢٤٠، محاسن التأويل، القاسمي ٨٥/٢.
السلم هنا بالطاعة فيقول : ((عني بالسلم
سلم العبد لله عز وجل، وذلك أن الإنسان
في كفره و کفران نعمة الله کالمحارب له،
وبهذا يسمى الكافر: المحارب، في نحو
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
[المائدة: ٣٣].
وسلم العبد لله على ثلاث أضرب ....
الإسلام الذي سلم به من الله أن يراق
دمه ... ، واثنان بعد الإيمان أحدهما : أن
يسلم من سخطه بارتسام أوامره وزواجره ...
والثاني : أن يكون سليماً من الشيطان
وأوليائه وسليماً فيما يجري من قضائه،
وبه يحصل دار السلام وهذا غاية ما ينتهي
إليه العبد .... وهذا السلم هو المعنى بقوله
تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل
عمران: ١٩] (٣).
وهذا ربط جيد بين معاني لفظة السلام
بمشتقاتها، فالمسلم مستسلم لربه، منقاد
له بمحبة وإخبات، مسالم لكل ما حوله
فإن السلم هنا معناه : الإسلام عند ومن حوله، سالم من شر الشيطان وشركه،
جمهور المفسرين(٢).
ومصیره إلى دار السلام بسلام، وفي معنى
السلام والاستسلام والانقياد تدخل كل
مفردات ومشتقات مادة (الإسلام) بصيغها
المختلفة.
(٣) تفسير الراغب ١/ ٤٣٢.
www. modoee.com
١٨١

حرف السين
السلام الإلهي
إن من معاني اسم الله (السلام) أنه
تبارك وتعالى هو المسلّم على أوليائه سلام
بر وإكرام ولطف وثناء حسن منه تعالی،
وأمان منه لهم في كل أمورهم وأحوالهم،
وفي القرآن الكريم سلام من الله تعالى على
أنبيائه إجمالًا وعلى بعضهم تخصيصًا.
أولًا: سلام الله على أنبيائه ورسله:
فمن الأول قوله تعالى: ﴿قُلِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ
وَسَلَمّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَيُّ ◌َاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا
يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩].
والآية خطاب لسيدنا محمد صلى
الله عليه وسلم بعد أن قص عليه إهلاك
الأمم المكذبة أمره أن يحمده على هلاك
الظالمين، أو هي استفتاح الاعتبار بالحمد
لله والسلام.
وقوله: ﴿وَسَلَمُ عَلَى عِبَادِهِالَّذِينَ أَصْطَفَى﴾
يعني أمنةً ثابتةً من الله لعباده المصطفين،
وجملة ﴿وَسَلَمُ عَلَى عِبَادِهِ﴾ من الله تحتمل
وجهين: ((تحتمل أن تكون داخلة في حيز
القول فتكون معطوفةً على الجملة الخبرية
وهي الحمد لله، ويكون الأمر بالقول
متناولاً للجملتين معًا.
وعلى هذا فيكون الوقف على الجملة
الأخيرة ويكون محلها النصب محكية
بالقول، ويحتمل أن تكون جملةً مستقلةً
معطوفة على جملة الطلب، وعلى هذا فلا
محل لها من الإعراب، وهذا التقدير أرجح
وعليه يكون السلام من الله عليهم)»(١).
والمصطفون هم الأنبياء كما ورد عن
عبدالرحمن بن زيد(٢).
وورد عن عبد الله بن عباس والسدي
والثوري أنهم الصحابه الكرام رضوان الله
(٣)
عليهم(٣).
قال ابن كثير: ((ولا منافاة؛ فإنهم إذا
كانوا من عباد الله الذين اصطفى فالأنبياء
بطريق الأولى والأحرى)). وقال ابن جزي:
«واللفظ يعم الملائكة والأنبياء والصحابة
والصالحين))(٤).
وفي ختام سورة الصافات جاء قوله
تعالى: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴿ وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
١٨٠
[الصافات: ١٨٢:١٨٠].
الْعَلَمِينَ.
(١) طريق الهجرتين، ابن القيم ص ٣٤٩.
وفي كتاب بدائع الفوائد ١٧٢/٢ له قال:
((الآية تتضمن الأمرين جميعاً .... فإن الرسول
هو المبلغ عن الله كلامه .... والكلام كلام
الرب تبارك وتعالى، فهو الذي حمد نفسه
وسلم على عباده وأمر رسوله بتبليغ ذلك.
فهو سلام من الله ابتداءً ومن المبلغ بلاغاً
ومن العباد اقتداءً وطاعة)).
(٢) واختاره الطبري في تفسيره ٩٨/١٨.
(٣) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٢١٨/٧،
معالم التنزيل، البغوي ١٧١/٦، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٢٢٠/١٣.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠١/٦،
التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١٠٥/٢.
١٨٢
جَوَنُور
القرآن الكريم

السلام
وفي السورة عرض لافتراءات المشركين
على الملائكة وعلى الذات الإلهية ورد
عليها، ثم تأتي الآية الكريمة في الختام
وفيها الرد الإجمالي على كل مكذب، ففيها
أولًا تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق،
وسلامة رسله الکرام من كل افتراء وكيد ثم
تختتم بالثناء الجمیل على الله جل في علاه،
وقد اقترن السلام على المرسلين بالتسبيح
والحمد، وفي الآية السابقة اقترن السلام
على المرسلين بالحمد.
وفي الآية تعليم للأمة أن تصلي على
على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما
بعثني)(٢).
(١) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٥٩٦/٨.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف، ٢١٦/٢،
رقم ٣١١٨، والبيهقي في شعب الإيمان،
٢٧٧/١، رقم ١٣٠، عن أبي هريرة.
قال ابن حجر في المطالب العالية ٨١٣/١٣:
وفي آي القرآن تفصيل للسلام على
بعض صفوة الله من خلقه صلوات الله
علیهم أجمعين وهم:
١. السلام على نوح عليه السلام.
وذلك في موطنين، أولهما في قوله
تعالى: ﴿قِلَ يَنُحُ أَهْبِطْ بِسَلٍَ مِّنَّا وَبَكَتٍ
عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّن مَّعَكَ﴾ [هود: ٤٨].
وجاءت الآية في ختام قصة نوح بعد
إغراق قومه المكذبين في الطوفان ونجاته
هو ومن معه من المؤمنين، فجاء النداء
الإلهي بالانتشار في الأرض مصاحبًا
وجاء التسبيح في الآية الأولى والحمد
في الثانية، إذا التسبيح مقدمة الحمد، ففيه
التنزيه وفي الحمد الثناء، وهو بعد التسبيح،
فسبحان الله وبحمده؛ قال الماتريدي ((في
هذه الأحرف الثلاثة جميع ما بينه الله تعالی
من الحق على الخلق من التوحيد والثناء
الحسن والحمد لنعمه، وجميع ما عليهم
من الثناء الحسن والحمد له، وما ألزمهم من
الثناء الحسن على جميع المرسلين))(١).
للسلامة والأمن والتحية من الله له ولمن
معه، وهم في أحوج حال إلى السلامة
أثناء نزولهم إلى الأرض ليهنا لهم العيش،
وفي حاجة إلى البركة بعد نزولهم ليحدث
التكاثر في ذريته وفي من معه من الكائنات.
فالسلامة من الله النجاة من آثار الطوفان
لنوح ولمن معه ولمن کانوا في صلبه، وإن
لكل مؤمن نصيبًا من هذه السلامة، نحن
ذرية من كان مع نوح، قال القرطبي: ((دخل
جميع المرسلين، وفي الحديث: (صلوا في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم
القيامة»(٣).
وفي استفتاح الزمرة الطيبة من صفوة
خلق في سورة الصافات جاء السلام على
نوح عليه السلام من الرب الجليل فقال
سنده حسن.
(٣) جامع البيان، الطبري ٤٣٨/١٢
www. modoee.com
١٨٣

حرف السين
تعالى: ﴿وَرَكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِرِينَ (٦) سَلَمُ عَلَى نُوچ
فِيِ الْعَلَمِينَ﴾[الصافات: ٧٨ - ٧٩].
ففي الآيات ثناء على نوح وإبقاء
لذلك الذكر الطيب في كل عصر ومصر،
فجملة ﴿سَلَمُّ عَلَى نُوچ فِ الْعَلَمِينَ﴾ في محل
نصب مفعول (تركنا) على الحكاية، كما
تقول قرأت من القرآن ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبٍ
اَلْسَلَّمِينَ﴾(١).
فجميع العالمين يسلمون على نوح
ويدعون له ويذكرونه بالخير، ويصلون
علیه، ولم يأت ذكر ﴿فيالعَلمِينَ ﴾مع نبي في
السورة سواه، وذلك لأنه الأب الثاني للبشر،
وأول رسول أرسل إلى الأرض، وهو من
أولي العزم الذين صبروا على أذى قومهم
وظل يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عامًا
فاستحق أن يظل الثناء عليه باقياً في الأرض
لا ينقطع.
ويرى الطبرى أن السلام على نوح أمنةً
من الله له لنوح في العالمين أن يذكره
أحد بسوء. وعلى هذا يكون قوله (سلام)
مستأنفًا، مسلّم الله عليه ليقتدي بذلك
البشر (٢).
٢. السلام على إبراهيم عليه السلام.
وجاء السلام عليه في قوله تعالى: ﴿سَلَمَّ
(١) معاني القرآن، الفراء ٣٨٨/٢، الهداية إلى
بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٩/ ٦١١١،
الكشاف، الزمخشري ٤٨/٤.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩ / ٥٦٢.
جوبيه
القرآن الكريمِ
كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ.
١٠٩
عَلَى إِنْزَهِيمَ
مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٩- ١١١].
والسلام على إبراهيم عليه السلام ثابت
وحاصل وممتد، فهو الخليل أبو الأنبياء،
وهو الأمة الإمام المقتدى به، الذي تتشرف
كل الأمم بالانتساب إليه. ومن جملة
السلامة له ما حصل له من معجزة أثناء إلقائه
في النار حیث نجاه الله تعالى، قال سبحانه:
﴿قُلْنَا يَلْنَارُ كُنِ بَرْدًا وَسَلَمَا عَلَىَ إِزَهِيمَ﴾
[الأنبياء: ٦٩].
فكان السلام حافظاً له أن يؤذيه حرها
أو بردها، قال ابن عباس: لو لم يتبع بردها
سلاماً لمات إبراهيم من شدة بردها(٣).
٣. السلام على موسى وهارون عليهما
السلام.
وثالث سلام في سورة الصافات على
موسى وهارون.
قال تعالى: ﴿سَلٌَ عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ
) إِنَّا كَذَلِكَ تَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (
(١٢٠
(١٢١
إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٢٠ -
١٢٢].
وموسى عليه السلام من أولي العزم
الذين جاهدوا في الله وتحملوا أذى قومهم،
وقد قام بدین الله خير قيام هو ووزيرههارون
النبي ، فنصرهما الله وآتاهما التوراة، وترك
لهما في الآخرين الذكر الطيب والصلاة
(٣) جامع البيان، الطبري ٣٠٦/١٦.
١٨٤

السلام
عليهما.
٤.السلام على إلیاس عليه السلام.
إن إلياس عليه السلام من الأنبياء الذين
أبقى الله لهم ثناءً ودعاءً، و(إل ياسين) على
وزن إسماعیل، وهو إلیاس علی الصحیح أو
إلياس وآله الذين آمنو معه واتبعوه(١).
وفي التسليم على هؤلاء الأنبياء الكرام
تنويه بفضلهم، وإشعار بحسن الثناء عليهم.
وفي تنكير (سلام) دلالة على التعظيم،
وفي تقديم السلام على الاسم لفتة؛ ذلك
((أن في الدنيا قدموا اسم الدعاء المحبوب
الذي تشتهيه النفوس وتطلبه ويلذ السمع
لفظه فيبدأ السمع بذكر الاسم المحبوب
المطلوب ويبدأ القلب بتصوره فيفتح له
القلب والسمع فیبقی السامع کالمنتظر لمن
يحصل هذا وعلى من يحل فيأتي باسمه
فيقول عليك أو لك فيحصل له من السرور
والفرح))(٢).
٥. السلام على يحيى عليه السلام.
ومن السلام على الأنبياء ما ورد في قصة
يحيى عليه السلام في قوله تعالى: ﴿وَسَلَمُ
عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾
[مريم: ١٥].
وهذه المواطن هي أشد مواطن على
المرء فيحتاج فيها إلى الأمان والسلامة،
(١) انظر: معاني القرآن، الفراء ٣٩١/٢، مجاز
القرآن، أبو عبيدة ٢/ ١٧٢.
(٢) بدائع الفوائد، ابن القيم ٢/ ١٧٤ .
فيسلم بها نزغة الشيطان المتحتمة لكل
مولود ومن فتنة الشيطان عند الموت، ومن
کرب وهول المطلع يوم القيامة.
قال سفيان بن عيينة: ((أوحش ما يكون
ابن آدم في ثلاثة مواطن: في يوم ولد فيخرج
إلی دار همٍّ، وليلة يبيت مع الموتى فيجاور
جيراناً لم ير مثلهم، ويوم يبعث فيشهد
مشهدًا لم ير مثله قط، قال الله تعالی لیحیی
ابن زكريا في هذه الثلاثة مواطن: ﴿وَسَلَمّ
عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾
[مريم: ١٥](٣).
والسلام هنا بمعنى الأمان عند الطبري
وغيره، قال ابن عطية: ((والأظهر عندي
أنها التحية المتعارفة، فهي أشرف وأنبه
من الأمان»، ووفق الشنقيطي بين القولين
فقال: ((ومرجع القولين إلى شيء واحد؛
لأن معنى السلام: التحية والأمان والسلامة
مما يكره، وقول من قال هو الأمان، يعني أن
ذلك الأمان من الله، والتحية من الله معناها
الأمان والسلامة مما يكره» (٤).
٦. السلام على عيسى عليه السلام.
وقد جاء السلام في حق عيسى عليه
السلام في قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ
وُلِدِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٤٨٢.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٨١/١٥،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٨/٤، أضواء
البيان، الشنقيطي ٣٨١/٣.
www. modoee.com
١٨٥

حرف السين
٣٣].
وسلام یحیی من الله علیه، أما عیسی فقد
أنطقه الله في المهد بالسلام عليه في نفس
المواطن، وجاء سلام عيسى معرفًا بالألف
واللام، قيل: لأنه لما جری ذکر (سلام) قبل
هذا الموضع بغير ألف ولام كان الأحسن أن
یرد ثانية بالألف واللام(١).
فيكون المعنى: السلام الذي سبق على
يحيى متوجه إليه أيضًا، وقيل: إن الأول من
الله، والقليل منه كثير ، والثاني من عيسى
والکثیر منه لا يبلغ معشار سلام الله (٢).
ثانيًا: سلام الله على أهل الجنة:
وليس السلام الإلهي قاصرًا على الدنيا
وأحوالها ولا على الأنبياء وحسب، وإنما
يعم السلام جميع أهل الجنة وهم فيها،
فالتحية في الجنة من الله بالسلام، قال
﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِ شُغُلٍ
تعالی:
فَكِّهُونَ هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَلٍ عَلَى الْأَرَآبَكِ
◌َّمْ فِيهَا فَكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ
5
مُتَّكِئُونَ
(٢) سَلَمْ قَوْلاً مِّن رَّبِّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨:٥٥].
ولفظ (سلام) جعله بعضهم مرتبطاً بما
قبله.
قال الفراء: ((ذلك لهم سلام قولًا،
أي: لهم ما يدعوه مسلم خالص، أي: هو
خالص، يجعله خبرًا لقوله لهم ما يدعون،
(١) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٢٩/٣.
(٢) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٤ /٤٨٣.
خالص، ورفع علی الاستئناف، يريد ذلك
لهم سلام»(٣).
والأقرب الذي عليه الجمهور أن السلام
خبر؛ فيكون المعنى أن السلام من الله
عليهم، وهو التحية، والسلام ((يجمع جميع
النعم)» (٤).
وبذلك يشمل التحية والسلام، قال ابن
سعدي: ((وإذا سلم عليهم الرب الرحيم،
حصلت لهم السلامة التامة من جميع
الوجوه وحصلت لهم التحية لا تحية أعلى
منها ولا نعيم مثلها، فما ظنك التحية ملك
الملوك الرب العظيم الرؤوف الرحيم لأهل
دار كرامته)) (٥).
وإذا كان السلام عند جماعة من
المفسرين يحتمل أن يكون من الرب الرحيم
مباشرة ويحتمل أن يكون من الملائكة فإن
الأقرب والأولى بنظم الآية أن يكون من
الله تعالى؛ فـ (من) هنا ابتدائية، فالسلام من
السلام وهذا غاية الإكرام.
ومن سلام الله على عباده المؤمنين في
الجنة قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبٍ
آلْيَمِينِ ﴾ فَسَلَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ أَلْيَمِينِ﴾
[الواقعة: ٩١:٩٠].
وهذه السلامة تصحبهم في احتضارهم،
وهم في الجنة، وقيل: المعنى: مسلم لك
(٣) معاني القرآن، الفراء ٣٨١/٢.
(٤) نظم الدرر، البقاعي ١٤٩/١٦.
(٥) تيسير الكريم الرحمن ص ٦٩٧.
١٨٦
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

السلام
إنك من أصحاب اليمين (١).
ونلاحظ أن السلام هنا تعدی باللام ولم
يتعد بـ(على) كما في غيره من المواضع،
وفي تأويل ذلك يقول أبو السعود:((إخبار
من جهته تعالی بتسلیم بعضهم على بعض،
کما یفصح عنه اللام لا حكاية إفشاء سلام
بعضهم على بعض، وإلا قیل علیك»(٢).
ويقول ابن القيم: ((﴿فَسَلَمٌ لَّكَ﴾، أي:
ثبت لك السلام وحصل لك، وعلى هذا
فالخطاب لکل من هو من هذا الضرب، فهو
خطاب للجنس، أي: فسلام لك يا من هو
من أصحاب اليمين، کما تقول: هنيئًا لك يا
من هو منهم)) (٣)
.
وهذا السلام الأقرب أنه بمعنى السلامة
وإن كانت اللفظة تشمل کل إكرام وتبعد عن
كل سوء وشر .. ويدخل في السلام الإلهي
على أهل الجنة ما سبق من قوله تعالى:
﴿وَتَهِيَّنُهُمْ فِيهَا سَلَمٌ﴾ [يونس: ١٠٥].
﴿غَيِّئُهُمْ فِيَهَا سَلَمُ ﴾ [إبراهيم:
و قوله:
٢٣].
وقوله: ﴿َحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ، سَلَمْ﴾
[الأحزاب: ٤٤].
وقوله: ﴿أَدْخُلُهَا بِسَلَمٍ﴾ [ق: ٣٤].
(١) معاني القرآن، الفراء ١٣١/٣. وهو اختيار
البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة
الواقعة، ١٤٦/٦.
(٢) إرشاد العقل السليم، ٢٠٢/٨.
(٣) بدائع الفوائد ٢/ ١٤٧.
وقوله: ﴿وَيُّلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَمًا﴾
[الفرقان: ٧٥].
فکل هذا سلام إلهي سواءً كان من الرب
الرحيم مباشرةً أو بواسطة الملائكة، فإنهم
مبلغون عن الرب ذي الجلال والإكرام
والفيض والإنعام على عباده سكان دار
السلام.
www. modoee.com
١٨٧

حرف السين
سلام الملائكة
تتعدد مواقف الملائكة مع المؤمنين،
فالملائكة یثبتون المؤمنین، ویدعون لهم،
ويستغفرون لهم، ويحفظونهم من الأمر إلى
غير ذلك. ومن المواقف الطيبة المباركة
للملائكة مع المؤمنين: السلام عليهم
وتتعدد مواطن ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: سلام الملائكة على الأنبياء:
وقد ورد في القرآن الكريم سلام
الملائكة على إبراهيم عليه السلام وذلك
في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَّمَتْ رُسُلْنَا إِنْزَهِيمَ
بِالْبُشْرَىْ قَالُوَأْسَلَمَا قَالَ سَلَمٌ﴾ [هود: ٦٩].
وقوله تعالى: ﴿وَنَبِئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَهِيمَ
٥١
إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ
وَجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥١ - ٥٢].
وقوله: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ
اَلْمُكْرَمِينَ ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَا قَالَ
سَلَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٥].
وخلاصة تفسير هذه الآيات: أن الملائكة
نزلوا على إبراهيم متلبسين أو مصاحبين
بالبشرى وهي ولادة يعقوب، وقيل: بإهلاك
قوم لوط (١).
ولا مانع من إرادة کلیهما وإن کان الأول
أقرب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٨٢/١٥،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٨٧/٣.
إِبْرَهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ
اَلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾
[العنكبوت: ٣١].
قال الشنقيطي: ((لأن فيها التصريح بأن
إخبارهم بإهلاك قوم لوط بعد مجيئهم
بالبشرى، لأنه مرتب عليه بأداة الشرط التي
هي لما))(٢).
وقد حيوه بالسلام، فقالوا: نسلم عليك
سلامًا، فرد تحيتهم بأحسن منها، فقال:
سلام عليكم. أو يكون التقدير: فأمري
سلام.
قال ابن القيم: ((فإن تحيتهم باسم
منصوب متضمن لجملة فعلية تقديره: سلمنا
عليك سلامًا، وتحية إبراهيم لهم باسم
مرفوع متضمن لجملة إسمية تقديره: سلام
دائم أو ثابت أو مستقر علیکم، ولا ريب أن
الجملة الاسمية تقتضي الثبوت واللزوم،
والفعلية تقتضي التجدد والحدوث، فكانت
تحية إبراهيم أكمل وأحسن)) (٣) (٤).
وللسهيلى في تأويل النصب من قولهم
والرفع من قول إبراهيم عليه السلام تأويل
لطيف حيث قال: ((وحصل من الفرق بين
الكلامين في حكاية هذا ورفعه ونصب
ذلك، إشارة لطيفة وفائدة شريفة؛ وهو أن
السلام من دين الإسلام، والإسلام ملة
(٢) الرسالة التبوكية ص ٦٦.
(٣) أضواء البيان ١٨٥٠/٢
(٤) الرسالة التبوكية ص ٦٦.
١٨٨
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

السلام
إبراهيم عليه السلام، وقد أمرنا بالاتباع الكفار ظالمي أنفسهم وإخبارهم بدخولهم
جهنم خالدين فيها، في مقابل هذا تأتي بشارة
والاقتداء به، فحكي لنا قوله ولم یحك لنا
قول أضيافه، إذ لا فائدة في تعریف کیفیته،
وإنما الفائدة في تبيين قول إبراهيم وكيفية
تحيته، ليقع الاقتداء به))(١).
الملائكة في لحظة خروج الروح فالملائكة
تتوفى المؤمنين وهم طيبون، وكلمة (طيبين)
«كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة،
وذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا
ومن جملة تحية الملائكة للأنبياء ما ورد
في حق يحيى عليه السلام: ﴿وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ
وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥].
به، واجتنابهم عن کل ما نهوا عنه ويدخل فيه
كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة مبرئين
عن الأخلاق المذمومة)» (٣).
قال الرازي: «هذا السلام یمکن أن یکون
من الله تعالى وأن يكون من الملائكة وعلى
التقديرين فدلالة شرفه وفضله لا تختلف،
لأن الملائكة لا يسلمون إلا عن أمر الله
تعالى))(٢).
ثانيًا: السلام ساعة الموت:
تمر على المرء لحظات شدة يحتاج فيها
إلى البشارة، ومن أشد هذه الأوقات ساعة
الاحتضار، ومقاساة شدائد نزع الروح وما
في ذلك من کرب وألم وسكرات وغمرات،
في وسط هذه الشدائد تنزل الملائكة على
المؤمنين تبشرهم بالأمن والأمان.
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِى اَللَّهُ الْمُنَّقِينَ
٣١
الَّذِينَ نَنَوَقَّهُمُ الْمَتِكَةُ طَيِينَ يَقُولُونَ
سَلَمُ عَلَيْكُمْ أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[النحل: ٣١ - ٣٢].
وقد جاءت الآية بعد الحديث عن وفاة
(١) نتائج الفكر، السهيلى ص٣١٩.
(٢) مفاتيح الغيب ٥١٨/٢١.
وقولهم: (سلام عليكم) يحتمل أن
يكون بمعنى التحية ويحتمل معنى السلامة
والأمن، ولها مانع من إرادة كليهما؛ قال
محمد بن كعب القرظي: ((إذا استنقعت
نفس العبد المؤمن جاءه ملك فقال: السلام
عليك ولي الله، الله يقرأ عليك السلام،
ثم نزع بهذه الآية ﴿ الَّذِينَ نَنَوَقَّهُمُ الْمَلَبِكَةُ
طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢](٤).
وقوله: ﴿أَدْخُلُواْ أَلْجَنَّةَ﴾ بشارة لهم
بدخول الجنة.
ومن البشارات الطيبة للمؤمنين ساعة
الموت قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبٍ
٥) فَسَلَهُ لَّكَ مِنْ أَمْحَبِ الْيَمِينِ﴾
الْيَمِينِ
[الواقعة: ٩٠ - ٩١].
وهذا السلام من جملة مقول القول لهم،
وتقدير المعنى: وأما إن كان من أصحاب
(٣) المصدر السابق ٢٠/ ٢٠٢.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١٣/١٤.
www. modoee.com
١٨٩

حرف السين
الیمین فیقال: سلام لك من أصحاب الیمین،
أي: تقول له الملائكة(١).
وقد ورد عن السلف في تفسير الآية ما
يدل على هذا القول، فقال قتادة: سلام من
عند الله وسلمت عليه ملائكة الله(٢).
وقال الضحاك: عند قبض روحه في
الدنيا يسلم عليه ملك الموت(٣).
وهذا السلام جاء متعدياً بحرف اللام
الذي يفيد الاختصاص، فالسلام مختص
به، واصلٌ أثره إلیه، فیه الأمن والسلامة وفيه
التحية والبشارة.
ومما ورد في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَغَزَّلُ
عَلَيْهِمُ الْمَلَتِكَةُ أَلََّّ تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ
وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ تُوعَدُونَ
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةَ
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا
مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣٠ -٣١].
قال مجاهد: ذاك عند الموت (٤)
﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ
وقال تعالى:
ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي
الْآَخِرَةِ ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
قال ابن عباس في تفسيرها: إن المؤمن
إذا حضره الموت شهدته الملائكة، فسلموا
(١) التحرير والتنوير ٣٤٩/٢٧.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٦٢/٢٣
(٣) النكت والعيون، الماوردي ٤٦٧/٥
(٤) تفسير مجاهد ص ٥٨٦.
عليه وبشروه بالجنة، فإذا مات مشوا في
جنازته ... )) (٥).
ومن الأحاديث في ذلك ما ورد عن
البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال:(إن العبد المؤمن إذا كان
في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل
إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن
وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان
الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى
يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيئ ملك الموت
علیه السلام حتی یجلس عند رأسه فيقول:
أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله
ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة
من في السقاء فيأخذها)(٦).
ثالثًا: السلام في الجنة:
تتعدد وجوه النعيم والإكرام لأهل الجنة؟
ومن ذلك تسليم الملائكة عليهم؛ فان تحية
الملائکة لهم تکون بالسلام.
قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَنِهِمْ تَجْرِى مِن
تَحْنِمُ الْأَنْهَرُ فِي جَنَّتِ اٌلَّعِيِمِ ن دَعْوَنهُمْ
فِيَهَا سُبْحَنَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّنُهُمْ فِيهَا سَلَمٌ وَءَاخِرُ
دَعْوَنُهُمْ أَنِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣ / ٦٦٤، تفسير
ابن أبي حاتم ٧ /٢٢٤٥.
(٦) أخرجه مطولًا أحمد في مسنده، ٥٠٣/٣٠،
والبيهقي في شعب الإيمان ١/ ٦١٠.
١٩٠
جوبيع
القرآن الكريمِ