النص المفهرس
صفحات 21-40
السعی
قال ابن جرير: ((والدليل على صحة
ما قلنا في ذلك، قيام الحجة بأن لا قول
في معنى هذه الآية إلا أحد الأقوال الثلاثة
التي ذكرناها، وأن لا مسجد عنى الله عز
وجل بقوله: ﴿وَسَعَى فِ خَابِهَا ﴾، إلا أحد
المسجدين، إما مسجد بيت المقدس، وإما
المسجد الحرام، وإذا كان ذلك كذلك،
وكان معلوماً أن مشركي قريش لم يسعوا قط
في تخریب المسجد الحرام، وإن كانوا قد
منعوا في بعض الأوقات رسول الله صلى
الله عليه وسلم وأصحابه من الصلاة فيه
صح وثبت أن الذين وصفهم الله عز وجل
بالسعي في خراب مساجده، غير الذين
وصفهم الله بعمارتها، إذ كان مشركو قريش
بنوا المسجد الحرام في الجاهلية، وبعمارته
کان افتخارهم، وإن کان بعض أفعالهم فیه،
كان منهم على غير الوجه الذي يرضاه الله
منهم.
وأخرى أن الآية التي قبل قوله: ﴿وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيَهَا أَسْمُهُ﴾
مضت بالخبر عن اليهود والنصارى وذم
أفعالهم، والتي بعدها نبهت بذم النصارى
والخبر عن افترائهم على ربهم، ولم يجر
لقريش ولا لمشركي العرب ذكر، ولا
للمسجد الحرام قبلها، فيوجه الخبر بقول
الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ
اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ إليهم وإلى المسجد
الحرام.
وإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى
بالآية أن يوجه تأويلها إلیه، وهو ما کان نظیر
قصة الآية قبلها والآية بعدها، إذ كان خبرها
لخبرهما نظيراً وشكلاً إلا أن تقوم حجة
يجب التسليم لها بخلاف ذلك، وإن اتفقت
قصصها فاشتبهت)»(١).
القول الثاني: إن المراد بهم المشركون
الذين حالوا بين رسول الله صلى الله عليه
وسلم يوم الحديبية، وبين أن يدخلوا مكة،
حتى نحر هديه بذي طوى، وهادنهم، فعن
ابن عباس أن قريشاً منعوا النبي صلى الله
عليه وسلم الصلاة عند الكعبة في المسجد
الحرام، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ
مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا أَسْمُهُ﴾(٢).
ورجح هذا القول الإمام ابن كثير فقال في
ترجيح هذا القول: ((شرع في ذم المشركين
الذين أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم
وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في
المسجد الحرام، وأما اعتماده على أن قريشاً
لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم
مما فعلوا؟ أخرجوا عنها رسول الله صلى
(١) جامع البيان ٢/ ٥٢٠.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٢٠/٢،
التفسير الوسيط، الواحدي ١/ ١٩٢،
تفسير القرآن، السمعاني ١٢٨/١، النكت
والعيون، الماوردي ١٧٣/١، تفسير الراغب
الأصفهاني ١/ ٢٩٧، تفسير القرآن العظيم،
ابن كثير ١/ ٢٦٩.
www. modoee.com
١٤٧
حرفالسین
الله عليه وسلم وأصحابه، واستحوذوا مصدودًا عنها، فأي خراب لها أعظم من
عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم، كما ذلك؟
قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ
وليس المراد من عمارتها زخرفتها
وإقامة صورتها فقط، إنما عمارتها بذكر الله
فيها وإقامة شرعه فيها، ورفعها عن الدنس
والشرك))(١).
يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ
أَوْلِيَآءٌَ إِنْ أَوْ لِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُنَّقُونَ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: ٣٤].
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن
يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم
بِالْكُفْرِّ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ وَفِ النَّارِ
هُمْ خَلِدُونَ ٢ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ
اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ
الصَّلَوةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّ اللَّهَ
فَعَسَىّ أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ
١٨﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨].
وقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
وَصَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ مَعْتُوفًا
أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَتٌ
لَّمْ تَعَلَّمُوهُمْ أَن تَطَّئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُم مَعَزَّةٌ
بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اَللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ، مَن يَشَدَّةٌ لَوْ
تَزَّيَُّواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
[الفتح: ٢٥].
٢٥
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اُللَّهِ مَنْ
ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ
وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىّ
أُوْلَيْكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ
[التوبة: ١٨].
فإذا كان من هو كذلك مطرودًا منها
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ
يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَيِفِينَ﴾ هذا خبر معناه
الطلب، أي: لا تمكنوا هؤلاء إذا قدرتم
عليهم من دخولها، إلا تحت الهدنة
والجزية، وهذا إنما كان تصديقاً وعملاً
بقوله تعالى: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا
الْمُشْرِكُونَ تَجَسُّ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ
بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
وقال بعضهم: ما كان ينبغي لهم أن
يدخلوا مساجد الله إلا خائفين، على حال
التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين،
أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها
ويمنعوا المؤمنين منها، والمعنى: ما كان إلا
الحق والواجب إلا ذلك، لولا ظلم الكفرة
وغيرهم.
وقيل: إن هذا بشارة من الله للمسلمين،
أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى
سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم،
حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم،
إلا خائفاً يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل،
(١) تفسير القرآن العظيم ١/ ٢٧٠.
١٤٨
صَوْنُو
القرآن الكريم
السعى
إن لم يسلم، وقد أنجز الله هذا الوعد، كما
تقدم من منع المشرکین من دخول المسجد
الحرام، وأوصى رسول الله صلى الله عليه
وسلم، أن لا يبقى بجزيرة العرب دینان، وأن
يجلى اليهود والنصارى منها، ولله الحمد
والمنة. وما ذاك إلا تشريف أكناف المسجد
الحرام، وتطهير البقعة التي بعث الله فيها
رسوله إلى الناس كافةً، بشيراً ونذيراً، صلى
الله عليه وسلم، وهذا هو الخزي لهم في
الدنيا، لأن الجزاء من جنس العمل، فكما
صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام،
صدوا عنه، وكما أجلوهم من مكة أجلوا
عنها، ولهم في الآخرة عذاب عظيم على
ما انتهكوا من حرمة البيت، وامتهنوه من
نصب الأصنام حوله، ودعاء غير الله عنده،
والطواف به عربياً وغير ذلك من أفاعيلهم
التي یکرهها الله ورسوله(١).
وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله
أن يذكر فيها اسمه، فلا أعظم إيماناً ممن
سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية
والمعنوية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ
مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ
وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا
اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَيْكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ
[التوبة: ١٨](٢).
١٨
(١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ١/ ١٩٢،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٢٧٠.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤٣/١.
وعلى أي حال، العبرة بعموم اللفظ لا
بخصوص السبب، فتشمل أهل الكتاب
والمشركين ومن على شاكلتهم، في كل
زمان ومكان، وينطبق علی ما وقع من تيطس
الروماني الذي دخل بيت المقدس بعد موت
المسيح بنحو سبعين سنة وخربها، وهدم
هيكل سليمان عليه السلام، وأحرق بعض
نسخ التوراة، وكان المسيح قد أنذر اليهود
بذلك، كما ينطبق على مشركي مكة الذين
منعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
من دخول مكة، وكذلك على الصليبيين
الذين أغاروا على بيت المقدس وغيره
من بلاد المسلمين، وصدهم عن المسجد
الأقصى وتخريبهم كثيراً من المساجد،
ويتكرر الأمر من اليهود في الوقت الحاضر
بتخريب كثير من مساجد فلسطين، وإحراق
المسجد الأقصى، ومحاولات هدمه
المتكررة (٣).
قال وهبة الزحيلي: ((إن تدمير المساجد
أو الصد عنها جرم عظیم، لا یرتکبه إلا من
فقد الإيمان، وعادى جوهر الدين، واتبع
الأهواء، وحارب الأخلاق والفضائل، ولم
يقدم على تلك الجريمة في الماضي أو في
العصر الحاضر، سواءً في ديار الإسلام أو
غيرها إلا الملحدون المارقون من الدين،
الذين يبتغون نشر الإلحاد وتقويض دعائم
الدين والإسلام)»(٤).
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١/ ٢٨٠.
(٤) انظر: المصدر السابق ٢٨١/١.
www. modoee.com
١٤٩
حرف السين
كتابة السعي والمحاسبة عليه
بدهي أن يكتب السعي ويحاسب
عليه؛ لأن ذلك سنة الله الجارية في الخلق
وسيكون هذا المبحث عن ذلك في النقاط
الآتية:
أولًا: كتابة السعي:
بين الله تعالى أنه يكتب سعي المؤمن
الذي يعمل الصالحات في قوله تعالى:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا
كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ، وَإِنَّا لَهُ, كَثِبُونَ ﴾
[الأنبياء: ٩٤].
والمعنى: فمن عمل بما أمره الله به من
العمل الصالح، وأطاعه في أمره ونهيه، وهو
مقر بوحدانية الله؛ مصدق بوعده ووعيده
متبرئ من الأنداد والآلهة، فإن الله يشکر
عمله الذي عمل له مطيعاً له، وهو به مؤمن،
فيئيبه في الآخرة ثوابه الذي وعد أهل طاعته
أن یثیهموه، ولا یکفر ذلك له فیجحده،
ويحرمه ثوابه على عمله الصالح ﴿وَإِنَّا لَهُ.
كَنِبُونَ﴾ يقول: ونحن نكتب أعماله
الصالحة كلها، فلا نترك منها شيئاً لنجزيه
على صغير ذلك و کبيره وقلیله و کثیره. وإنا
مثبتون له ذلك فى صحيفة أعماله، لا نترك
منه شيئاً جل أو قل، عظم أو حقر، والكتابة
تكون في اللوح المحفوظ، وفي الصحف
التي مع الحفظة أو في صحيفة عمله (١).
وهذا مثل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ
رَبُّهُمْ أَنِى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنَكُمْ مِن ذَكَرٍ أَوْ
أَنْفَ
﴾ [آل عمران: ١٩٥].
أي: كل ذلك محفوظ ليجازي به(٢).
وأكد ذلك بقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَثِبُونَ
مؤكدًا بحرف التأكيد للاهتمام به، والكتابة
كناية عن تحققه وعدم إضاعته؛ لأن الاعتناء
بإيقاع الشيء يستلزم الحفظ عن إهماله
وعن إنكاره، ومن وسائل ذلك کتابته لیذکر
ولو طالت المدة. وهذا لزوم عرفي (٣).
كما بين سبحانه أنه يكتب سعي وعمل
الكافر في مواضع متعددة من كتابه، كقوله
تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّنْ بَعْدٍ ضَرَآءَ
مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي ءَايَاِنَأَ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ
مَكْرًّا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾
[يونس: ٢١].
﴿أَمْ يَصْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ
وقوله تعالى:
سِرَّهُمْ وَجْوَنُهُمَّ بَ وَرُسُلْنَا لَدَيْهِمْ يَكْثُبُونَ ﴾
[الزخرف: ٨٠].
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٢٤/١٨، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٠٤/٣، مدارك
التنزيل، النسفي ٤٢٠/٢، مفاتيح الغيب،
الرازي ١٨٤/٢٢، التحرير والتنوير، ابن
عاشور ١٤٣/١٧، تيسير الكريم الرحمن،
السعدي ص ٥٣٠، تفسير المراغي ١٧/ ٧٠.
(٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ / ٦٠،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٣٩/١١.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧ / ١٤٤.
١٥٠
جَوَسُو
القرآن الكريمِ
السعی
وقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَبْنَا يَطِقُ عَلَيْكُمْ
بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[الجاثية: ٢٩].
﴿ وَجَعَلُواْ الْمَلَتِكَةَ
وقوله تعالى:
الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَشَأْ أَشَهِدُواْ
خَلْقَهُمْ سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْتَلُونَ
[الزخرف: ١٩].
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ اَلَّذِينَ
قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَتَكْتُبُ مَا قَالُواْ
وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقِّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ
عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [آل عمران: ١٨١].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ
كِرَامًا كَلِينَ ﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ )﴾
١٠
[الانفطار: ١٠- ١٢].
وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِنَبُ فَتَى
الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّافِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيِلَنَّنَا مَالِ
هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ
أَحْصَنَهَأْ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاٌ وَلَا يَظْلُِّ رَبُّكَ
أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿ وَكُلَّ إِنسَنْ أَلْزَمْنَهُ
طَيِرَهُ فِي عُنُقِهِ، وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيْمَةِ كِتَبًّا
يَلْقَنُهُ مَنْشُورًا ٣ آقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ
عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٣ -١٤].
إلى غير ذلك من الآيات(١).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٢٤/١٨، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٠٤/٣، مفاتيح
الغيب، الرازي ١٨٤/٢٢، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ١٤٣/١٧، أضواء البيان،
كما أخبر الله تعالى عن كتابة السعي
بخيره وشره للمسلم والكافر.
قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْقَ
وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمَّ وَّكُلَّ شَىْءٍ
أَحْصَيْنَهُ فِ إِمَامِمُّبِينٍ ﴾ [يس: ١٢](٢).
فما قدموا هو أفعالهم وآثارهم أفعال
الشاکرین فبشرهم حیث یؤاخذون بها
ويؤجرون عليها والثالث: ما ذكرنا أن الآثار
الأعمال وما قدموا النيات فإن النية قبل
العمل (٣).
﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِّ إِمَامٍ
و قوله:
تپینٍ ﴾ یحتمل وجوهًا:
أحدها: أن يكون ذلك بياناً لكون ما
قدموا وآثارهم أمرًا مكتوبًا عليهم لا يبدل،
فإن القلم جف بما هو كائن فلما قال: نكتب
ما قدموا بین أن قبل ذلك کتابة أخرى، فإن
الله کتب علیھم أنهم سيفعلون کذا وکذا، ثم
إذا فعلوه كتب عليهم أنهم فعلوه.
وثانيها: أن يكون ذلك مؤكدًا لمعنى
قوله: ﴿وَنَكْتُبُ﴾؛ لأن من يكتب شيئًا
في أوراق ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم
يكتب فقال: نكتب ونحفظ ذلك في إمام
مبين، وهذا كقوله تعالى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ
رَِ فِ كِتَبِّ لَّا يَضِلُّ رَبِ وَلَا يَنسَى
٥٢
[طه: ٥٢].
الشنقيطي ٥٠٨/٣.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢١/٧.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥٨/٢٦.
www. modoee.com
١٥١
حفالسین
وثالثها: أن يكون ذلك تعميمًا بعد ثانيًا: المحاسبة على السعي:
التخصيص كأنه تعالى يكتب ما قدموا
وآثارهم وليست الكتابة مقتصرةً علیه، بل
كل شيء محصى في إمام مبين، وهذا يفيد
أن شيئًا من الأقوال والأفعال لا يعزب عن
علم الله ولا يفوته، وهذا كقوله تعالى:
﴿ وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ ) وَكُلُّ صَغِيرٍ
وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٢ -٥٣].
يعني: ليس ما في الزبر منحصرًا فيما
فعلوه، بل كل شيء فعلوه مكتوب.
وقوله: ﴿أَحْصَيْنَهُ﴾ أبلغ من کتبناه، لأن
من کتب شيئًا مفرقًا يحتاج إلى جمع عدده
فقال: هو محصى فيه وسمي الكتاب إماماً
لأن الملائكة يتبعونه فما كتب فيه من أجل
ورزق وإحياء وإماتة اتبعوه.
وقيل هو اللوح المحفوظ، وإمام جاء
جمعًا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ
أُنَاسٍِ ◌ِإِمَتِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، أي: بأئمتهم
وحينئذ، فإمام إذا كان فردًا فهو ككتاب
وحجاب، وإذا كان جمعًا فهو كجبال
وحبال.
والمبين هو المظهر للأمور لكونه مظهرًا
للملائكة ما يفعلون وللناس ما يفعل بهم،
وهو الفارق يفرق بين أحوال الخلق فيجعل
فريقًا في الجنة وفريقًا في السعير (١).
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥٩/٢٦،
المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٩٩،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢٦/٥،
جوبيه
القرآن الكريمِ
إن كتابة السعي تمثل مرحلةً تمهيديةً
للحساب علیه.
وقد عامل الله سبحانه وتعالى البشر بما
أمرهم أن يتعاملوا به من توثيق المعاملات
بينهم ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم ◌ِدَيْنٍ
إِلَىْ أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ
كَاتِبُ بِلْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
من أجل أن يعلموا أن السعي في الخير
والشر مسجل ومقيد بكل صغيرة وكبيرة
ليوم الحساب.
قال تعالى: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلّإِنسَنِ إِلََّ مَا
سَعَى ◌ْ وَأَنَّ سَعْيَهُ: سَوْفَ يُرَى
[النجم: ٣٩- ٤٠].
أي: أن عمل كل عامل سوف يراه يوم
القيامة، من ورد القيامة بالجزاء الذي يجازى
عليه، خيراً كان أو شراً، لا يؤاخذ بعقوبة
ذنب غير عامله، ولا يثاب على صالح عمله
عامل غيره(٢).
﴿وَأَنَّ سَعْبَهُ سَوْفَیُرَى﴾ قيل: معناه يراه
الخلق يوم القيامة، والأظهر أنه صاحبه (٣)؛
لقوله: ﴿يَوْمَيِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانَالْيُرَوْاْ
اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٦/ ١٨٠.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٥٤٧، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٧٦/٥.
(٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١٧٢/٥،
التفسير الوسيط، الواحدي ٤/ ٢٠٤، مفاتيح
الغيب، الرازي ٢٠/ ٣١١.
١٥٢
السعى
أَعْمَلَهُمْ ل فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ
شَرًّا يَرَهُ،٥﴾ [الزلزلة: ٦-٨].
وقد أخبر تعالى بأن الحساب سيكون
بموجب الكتابة للأعمال.
قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَنْ أَلْزَّمْنَهُ طَيْرَهُ.
فِى عُنُقِهِ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبَا يَلْقَنهُ
مَنْشُورًا (٢ آقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ
حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤].
وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُّ فَى
اَلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيَِّنَنَا مَالِ
هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ
أَحْصَنَهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ
﴾ [الكهف: ٤٩].
أَحَدًا !
وقوله تعالى: ﴿مَّايَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِرَقِيبُ
عِيدٌ )) [ق: ١٨](١).
العمل الصالح وتقریره هو أنه تعالی لو قال:
ليس للإنسان إلا ما يسعى، تقول النفس
إني أصلي غداً كذا ركعة وأتصدق بكذا
درهماً، ثم يجعل مثبتاً في صحيفتي الآن
لأنه أمر یسعی وله فيه ما یسعی فیه، فقال:
ليس له إلا ما قد سعى وحصل وفرغ منه،
وأما تسویلات الشيطان وعداته فلا اعتماد
عليها ثم قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ سَعْيَهُسَوْفَيُرى
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٦/ ٢٩١.
٤١ # [النجم: ٤٠-
ثُمَّ يُجْزِئُ الْجَزَآءُ الْأَوْقَ
٤١](٢) .
كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَىَ اللهُ
عَمَلُُ وَرَسُولُهُ، وَالْمُؤْمِنُونَّ وَسَتُّرَدُّونَ إِلَى عَلِ
الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَّتْشُكُم بِمَا كُنْتُمُ تَعْمَلُونَ ()﴾
[التوبة: ١٠٥].
أي: فيخبركم به ويجزيكم عليه أتم
الجزاء إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وهكذاً
قال هاهنا: ﴿ثُمَّ يُجْزَنُهُ الْجَزَآءَ الْأَوْنَ﴾ أي :
الأوفر (٣).
إن المقصود من كتابة السعي لكل إنسان
هو الحساب يوم القيامة فكل سعي يعمله
الإنسان من خير أو شر فهو مكتوب مسجل
له أو علیه، ویعطی له کتابه يوم القيامة بکل
ما عمله من خير أو شر، وذلك لإقامة الحجة
عليه؛ لأن الله تعالى عليم بكل شيء، ولا
إلا ما سعى بصيغة الماضي دون يحتاج إلى كتابة تعالى الله علواً كبيراً، و
المستقبل لزيادة الحث على السعي في حتى ما يهم به الإنسان من خير فإنه يكتب
له.
ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٢٧٧، لباب
التأويل، الخازن ٢١٤/٤، الجواهر الحسان،
الثعالبي ٣٣١/٥.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٥٤٧، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ١٧٢/٥، التفسير
الوسيط، الواحدي ٢٠٤/٤، مفاتيح الغيب،
الرازي ٣١١/٢٠، التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي ٣٢٠/٢، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٧/ ٤٣٢.
www. modoee.com
١٥٣
حرف السین
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أعماله ملازمًا له، ينشر عليه في يوم القيامة،
ويقال له: أقرأ كتابك وأنت حسيب نفسك،
بعد أن تقف على كل أعمالك التي عملتها
في الدنيا، وهذا هو العدل التام، والإنصاف
الكامل.
(قال الله عز وجل: إذا هم عبدي بحسنة
ولم يعملها کتبتها له حسنةً فإن عملها كتبتها
عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف ، وإذا هم
بسیئة ولم یعملها لم أكتبها عليه فإن عملها
كتبتها سيئةً واحدةً)(١).
فهذا الحديث صريح في أن كل شيء
يعمله الإنسان فهو مكتوب عند الحفظة
سواءً كان خيراً أو شراً، حتى الهم إذا هم
بالحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة (٢).
وحساب الله تعالى على الأعمال هو:
أن تقابل السيئات بالحسنات، وتقابل
الحسنات بالنعم، فإن الإنسان عليه حقوق
لله تعالى في مقابل النعم. وبعض الناس
يستكثر أعماله فيقول: عملت أعمالاً كثيرةً
من صلوات وصدقات وأذكار وقراءة قرآن
وجهاد وحج وعمرة وصوم وطواف، ولم
أقترف سیئات أبدًا.
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم:
وَكُلّ إِنسَنْ أَلْزَمْنَهُ طَيِرَهُ، فِ عُنُقِهِ، وَتُخْرِجُ
لَهُ, يَوْمَ الْقِيْمَةِ كِتَبًا يَلْقَتُهُ مَنشُورًا ( ٣ أَقْرَأْ
كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَيْكَ حَسِبًا
[الإسراء: ١٣ - ١٤].
ويخبر سبحانه وتعالى في هذه الآية
الکریمة أنه ما من إنسان إلا وسيجد کتاب
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب إذا هم العبد، ١١٧/١، رقم ١٢٨.
(٢) انظر: تفسير المراغي ٦٦/٢٧.
وقال تعالى: ﴿فَأَنَّا مَنْ أُوِىَ كِنَبَهُ بِنِهِ،
فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَهُواْ كِنَبِيَهْ { إِنِّ ◌َنَنْتُ أَنِّ مُلٍَ
حِسَابِيَّةِ ، فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ) فِ جَنَّةٍ
عَالِيَةٍ ﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ { كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ
هَنِيَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَامِ لَْلِيَةِ (١) وَأَمَّا مَنْ
أُوِيَ كِنَبَهُ بِشِمَالِهِ، فَيَقُولُ يَتْنَنِى لَمْ أُوْتَ كِنَِيَهْ
٢٥
وَلَوْ أَدْرِ مَا حِسَابَهْ ل ◌َلَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ
٢٧
مَآ أَغْنَى عَنِى مَالِيَّةٌ { هَكَ عَنِى سُلْطَيِيَةْ
[الحاقة: ١٩-٢٩].
وهذا وصف من الله جل وعلا، وتقسيم
كذلك لحال الناس بالنسبة لإيتائهم كتبهم:
قسم يأخذه بيمينه، ثم يعبر عن سروره
وغبطته، وما يصير إليه حاله من النعيم
العظيم، والفوز الكبير.
وقسم آخر يأخذه بشماله، ثم يعبر عن
حسرته وندامته وتمنيه أنه لم يكلف بقراءة
كتاب ولم يوقف لحساب، أو تمنيه كذلك
لأن تكون موتته التي ماتها هي القاضية
فلا يبعث ولا يحاسب، ثم يتذكر بعض
الأسباب التى كانت تحول بينه وبين السعادة
في الآخرة، والتي منها اغتراره بالمال
والسلطان، وهما آفة الكثير ممن يقع عليهم
جَوْنُوحَةُ التقييم
القرآن الكريمِ
١٥٤
السعی
شدة الحساب ووقوع العذاب.
وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِنَبُ فَتَرَى
الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيَِّنَنَا مَالِ
هَذَا أَلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ
أَخْصَنَهَأْ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ
﴾ [الكهف: ٤٩].
أَحَدًا !
وهذا تصوير بديع لحالة وقوف الناس
علی کتبهم خائفین وجلین، وکأنهم قد
اطلعوا على ما فيها من تسجيل كامل
لجرائمهم التي كانوا يتفننون في ارتكابها،
ومع هذا الخوف الشديد، والرهبة الكاملة
فهم لا يخفون انزعاجهم من دقة هذا
الكتاب، الذي لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً
إلا أحصاها، ووضحها تمام الوضوح،
ولكن هذا صنع من يريد العدل سبحانه
وتعالى بعباده، فليس هناك خوف من الظلم،
فليطمئن كل مخلوق إلى أنه سوف لا يقع
عليه إلا ما قدم لنفسه.
قال الإمام ابن كثير في معنى الآية:
((﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ﴾ أي: كتاب الأعمال
الذي فيه الجليل والحقير، والفتيل
والقطمير، والصغير والكبير.
وَفَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ أي: من
أعمالهم السيئة، وأفعالهم القبيحة، لأن
هذا الكتاب لم يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا
أحصاها))(١).
(١) تفسير القرآن العظيم ٧/ ٤٣٢.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ
يِإِمَمِّ فَمَنْ أُوِيَ ككِتَبَهُ بِيَمِنِهِ، فَأُوْلَئِكَ
يَقْرَهُونَ كِتَبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا
[الإسراء: ٧١].
يخبر سبحانه وتعالى أنه في يوم القيامة،
في موقف فصل القضاء، يدعو كل أمة
بإمامهم، أي : کتاب الأعمال ثم يعطون کتب
أعمالهم، على ما سبق وصفه، إما بالیمین أو
بالشمال، وأخبر سبحانه أنه لا يقع على أي
مخلوق ظلم أو نقص من عمل، حتى وإن
کان شيئًا تافها لا يسترعي الانتباه، كالفتيل
ومثقال الذرة وما إلى ذلك(٢).
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِيَ
كِتَبَهُ بِيَمِينِ ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا
٢) وَقَلِبُ إِلَ أَهْلِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوْقِيَ كِنَهُ.
وَرَآَةَ ظَهْرِهِ ، فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا
١٢
[الانشقاق: ٧- ١٢].
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٤٧/٢٢،
التفسير الوسيط، الواحدي ٤ / ٢٠٤، مفاتيح
الغيب، الرازي ٣١١/٢٠، تفسير القرآن
العظیم، ابن كثير ٧/ ٤٣٢.
www. modoee.com
١٥٥
حرف السين
أسباب السعي
إن هناك أسباب للسعي الممدوح،
والسعي المذموم، وهذه الأسباب تعتبر
الطرق الموصلة لكلا السعيين، ويمكن
بيانها في النقاط الآتية:
أولًا: أسباب السعي الممدوح:
١. الإيمان.
اعتبر القرآن الكريم الأيمان أهم
الأسباب الموصلة للسعي الممدوح
الموصل إلى الجنة بإذن الله تبارك وتعالى،
ولكنه دائماً يأتي مقروناً بالعمل الصالح،
لذلك لا تكاد تجد موضع فيه ذكر للأيمان
وأنه سبب لدخول الجنة إلا وهو مقرون
بالعمل الصالح، وباب الأعمال الصالحة
واسع وكبير، وطرق كسب الثواب عظيمة
ومتعددة لا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى.
قال تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ
وَسَعَ لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ
سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ﴾ [الإسراء: ١٩].
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ.
وَإِنَّا لَهُ، كَثِبُونَ ﴾ [الأنبياء: ٩٤].
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَ بِأَنْمَنِ بُشْرَائِكُمُ الْيَوْمَ جَنَّتٌ
تَبْرِى مِن تَمْنِهَا الْأَثْهَرُ خَلِينَ فِيَهَاَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ (١٣)﴾ [الحديد: ١٢].
٢. التقوى.
إن التقوى سبب لكثير من أنواع السعي
الممدوح.
قال تعالى: ﴿﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ
مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَآءِ
وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْفَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ
النَّاسُِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿ وَالَّذِينَ
إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ
فَأَسْتَغْفَرُواْلِذُّنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا
اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
(٢) أُوْلَبِكَ ◌َآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّيِّهِمْ وَجَنَّتٌ
◌َجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَنِعْمَ
﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦].
١٣٦)
أَجْرُ الْعَمِلِينَ
وقال سبحانه وتعالى: ﴿الّّ ن ذَلِكَ
الْكِتَّبُ لَا رَيْبٌ فِهِ هُدَى لِلْلَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
بَلْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِمَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُرْ
يُوقُنَ ا أُوْلَكَ عَلَى هُدًى مِن نَّبِهِمَّ وَأُوْلَكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: ١-٥].
وقوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ
اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ
فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١].
١٥٦
جوبيـ
القرآن الكريمِ
السعى
٣. طاعة الله تبارك وتعالى ورسوله مَاذَا تَرَىّ قَالَ بَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَتَجِلُقٌّ إِن
شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ ﴾ [الصافات: ١٠٢].
صلی الله عليه وسلم.
﴿وَمَن
قال تبارك وتعالى:
وَالرَّسُولَ فَأُوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ
النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَ
وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: ٦٩].
وقال عز وجل: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَابِرُونَ ﴾
[النور: ٥٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, يُدْيِظْهُ
جَتَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ
عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٧].
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة
رضي الله عنه أن رسول الله صلی الله علیه
وسلم قال: (کل أمتي يدخلون الجنة إلا من
أبى) قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟ قال:
(من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد
أبی)(١).
كما أن امتثال قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوَاْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ
فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَّ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ
﴾ [الجمعة: ٩].
٩
إِنْ كُمْ تَعْلَمُونَ لـ
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ
قَالَ يَبْنَىَّ إِّ أَرَىْ فِ الْمَنَاءِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء
بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم
٩،٧٢٨٠ / ٠٩٢
٤. الجهاد في سبيل الله.
اللهَ
يُطِيع
إن الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال
من أعظم الأعمال ومن الأسباب التي تجعل
المجاهد يعمل السعي الممدوح لما في
ذلك من الفضل العظيم.
قال تبارك وتعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ اُشْتَرَى
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ
لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ
وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى التَّوْرَكَةِ
وَاُلْإِنِجِيلِ وَالْقُرْءَانِّ وَمَنْ أَوْقَ بِعَهْدِهِ،
مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْحِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِّ
[التوبة: ١١١].
وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (
وقال تعالى: ﴿بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْهَلْ أَوْلٌُّ عَلَى
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِه
◌ِزَوْ نُجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَكِيم ◌ُ
وَتُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِأَقْوَلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْ لَكُ
إِنْ كُ نَعْلَمُونَ ) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبِكُمْ وَيُّدِْذْكُرْ جَنَّتِ
◌َّرِى مِن تَِّهَا الْأَنْهَرُ وَمَسَلَكِنَ طَتِبَةً فِى جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ
الْقَوْزُ الْعَظِيمُ ، وَأُغْرَى تُعِبُّونَهَا نَصْرٌّ يِّنَ اَللَّهِ وَفَنْحٌ
قَرِيبُّ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الصف: ١٠ - ١٣].
ولما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي
العمل أفضل؟ فقال: (إيمان بالله ورسوله).
قيل: ثم ماذا؟ قال: (الجهاد في سبيل الله)
قيل: ثم ماذا؟ قال: (حج مبرور)(٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
www. modoee.com
١٥٧
حرفالسین
٥. التوبة.
إن التوبة تدفع المسلم لمزيد من السعي
الممدوح من أجل المحافظة على التوبة
والحذر من العودة إلى المعاصي والسيئات.
قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ
صَالِحًا فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا
[مريم: ٦٠].
٦٠
وقال تعالى: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ وَءَامَنَ
وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى ﴾﴾ [طه: ٨٢].
وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ
عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ
حَسَنَتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن تَابَ
وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا
[الفرقان: ٧٠-٧١].
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ
صَلِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ
[القصص: ٦٧].
٦٧
فالتوبة تجب ما قبلها و کما قال صلى الله
علیه وسلم: (التائب من الذنب کمن لا ذنب
له)(١).
وقال تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ
وَعَمِلَ صَِحًا فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ
باب من قال إن الإيمان هو العمل، رقم٢٦،
١٤/١.
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد باب
ذكر التوبة، رقم ٤٢٥٠، ١٤١٩/٢، من
حديث ابن مسعود.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٠٥٧٨/١،٣٠٠٨
شَيْئًا ٠﴾ [مريم: ٦٠].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ
إِلَى اللَّهِ تَوْبَةٌ نَُّوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ
سَبْخَائِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِىٍ مِن
تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِنَّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَهُ، نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَبِأَيْمَنِمْ
يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَأَغْفِرْ لَنَّاً إِنَّكَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾﴾ [التحريم:٨].
٦. الاستقامة على دين الله.
وقال تعالى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ
تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْفَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
(١٢)﴾ [هود: ١١٢].
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ
الْمَلَتِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُوا
وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾
[فصلت: ٣٠].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ
ثُمَّ أُسْتَقَمُواْ فَلَاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
(٢) أَوْلَبْكَ أَصْحَبُ اَلْجَنَّةِ خَلِينَ فِيهَا جَزَاءُ بِمَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣-١٤].
إن الاستقامة هي أن يجمع العبد بين فعل
الطاعات واجتناب المعاصي؛ لأن التكليف
يشتمل على أمر بطاعة تبعث على الرغبة
ونهي عن معصية يدعو إلى الرهبة (٢).
(٢) النكت والعيون، الماوردي ١٨٠/٥.
جَوَبُواحَرَ النَّفْسِيْ
القرآن الكريمِ
١٥٨
السعى
٧. طلب العلم.
في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ( ... ومن سلك طريقاً يلتمس
فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة،
و ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون
كتاب الله ويتدارسونه إلا نزلت عليهم
السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة
وذكرهم الله فیمن عنده، ومن بطأ به عمله لم
يسرع به نسبه)(١).
٨
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَكَ يَسْعَى
[عبس: ٨].
ثانيًا: أسباب السعي المذموم:
١. الكفر والشرك بالله تعالى.
الشرك بالله: بأن يجعل لله شريكاً في
الربوبية، أو الألوهية، أو الصّفات. فمن
اعتقد أنّ مع الله خالقاً مشاركاً، أو منفرداً، أو
اعتقد أن مع الله إلهاً يستحق أن يعبد، أو عبد
مع الله غيره فصرف شيئاً من أنواع العبادة
إليه، أو اعتقد أنّ لأحدٍ من العلم والقدرة
والعظمة ونحوها مثل ما لله عزّ وجلّ؛ فقد
أشرك بالله شركاً أكبر، واستحقّ الخلود في
النار.
قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّهُ, مَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ
فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارُ وَمَا
لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ﴾ [المائدة: ٧٢].
والكفر بالله عزّ وجلّ، أو بملائكته،
أوكتبه، أو رسله، أو اليوم الآخر، أو قضاء
الله وقدره: فمن أنكر شيئاً من ذلك تكذيباً،
أو جحداً، أو شكّ فيه؛ فهو كافر مخلّد في
النار.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ
وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ
بِبَعْضِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا
﴿ أُوْلَبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ
عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].
وهؤلاء هم الذين وصف الله سعيهم بأنه
ضلال.
قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَّةِ
الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحِْنُونَ صُنْعًا
١٠٤
[الكهف: ١٠٤].
٢. الصد عن سبيل الله تعالى.
إن الصد عن سبيل الله تعالى يعتبر من
السعي المذموم فاعله.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْاْ فِّ ءَايَئِنَا
مُعَجِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ
٥١
[الحج: ٥١].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْ فِىّ ءَايَتِّنَا
مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ
٥﴾ [سبأ: ٥].
وقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى ءَايَتِنَا
(١) سبق تخريجه.
www. modoee.com
١٥٩
حرف السين
مُعَجِزِينَ أُوْلَيْكَ فِ الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ
[سبأ: ٣٨].
(٣٨)
٣. النفاق.
وهو أن یکون كافراً بقلبه، ویظهر للناس
أنه مسلم، إما بقوله، أو بفعله.
﴿إِنَّ الْمُفِقِينَ فِ الدَّرْكِ
قال تعالى:
اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِّدَ لَهُمْ نَصِيرًّا
١٤٥ ٩
[النساء: ١٤٥].
وهذا الصنف أعظم مما قبله؛ ولذلك
كانت عقوبة أصحابه أشدّ، فهم في الدرك
الأسفل من النار؛ وذلك لأن كفرهم جامع
بین الکفر والخداع، والاستهزاء بالله وآياته
ورسوله، و کذلك قوله تعالى: ﴿ وَمِنَالنَّاسِ
مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ
اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ قَلْوَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ( وَإِذَا
تَوَلَى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُّهْلِكَ
الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ
٢٠٥
[البقرة: ٢٠٤ -٢٠٥].
٤. الفساد في الأرض.
إن الفساد في الأرض بكل صوره
وأشكاله من السعي المذموم قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِىِ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ قَلْوَهُوَ أَلَُّّ
اَلْخِصَامِ ﴿ وَإِذَا تَوَلَى سَعَى فِىِ الْأَرْضِ
لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَاَلنَّسْلُ وَاَللَّهُ لَا
يُحِبُّ الْفَسَادَ(
﴾ [البقرة: ٢٠٤ -٢٠٥].
٢٠٥
وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الُْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
غُلَّتْ أَيْدِهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ
كَيْفَ يَسَلَّهُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن
رَّيِّكَ مُفْيَنًا وَكُفْرَا وَأَلْغَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوّةَ وَالْبَعْضَآءَ
إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرَّبِ أَظْفَأَهَا
اللَّهَّ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ
﴾ [المائدة: ٦٤].
٦٤
اٌلْمُفْسِدِينَ
٤. الحرابة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَُّواْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ
اُللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَن
يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَبْدِ يهِمْ
وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِّ
ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنْيَاً وَلَهُمْ فِي
اَلْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ
مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [المائدة: ٣٣ -٣٤].
٥. الظلم.
ومن أظلم الظلم السعي في خراب
المساجد.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ
اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا أَسْمُهُ, وَسَعَى فِى خَرَابِهَا
أُوْلَِّكَ مَا كَانَّلَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَيِفِنَ
لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ
عَظِيمٌ
[البقرة: ١١٤].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلُ مِمَّنِ ذُكِرَ بِتَابَتِ
رَيِّدِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى
١٦٠
جوبيـ
القرآن الكريمِ
السعی
قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِىّ ءَاذَانِمْ وَقْرَاً وَإِن
تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوَأْ إِذَا أَبَدًا
[الكهف: ٥٧].
٦. فعل الكبائر والمعاصي.
كعقوق الوالدين: وعقوقهما أن يقطع
ما يجب لهما من برِّ وصلةٍ، أو يسيء إليهما
بالقول أو الفعل.
قال تعالى:
﴿﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّ تَعْبُدُواْ
إِلَّ إِيَّهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ
اُلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا نَقُل ◌َُّمَا
أُنِّ وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا
(٢) وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل
زَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَا رَبَّانِ صَغِيرًا ﴾ [الإسراء:
٢٣-٢٤].
وقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَ لِدَيْكَ إِلَىَّ
اَلْمَصِيرُ ﴾ [لقمان: ١٤].
وقطيعة الرّحم: وهي أن يقاطع الرجل
قرابته فیمنع ما یجب لهم من حقوقٍ بدنيةٍ،
أو ماليةٍ، فعن النبيّ صلى الله عليه وسلم
قال: (لا یدخل الجنّة قاطع)(١).
قال سفيان: يعني قاطع رحم، وقال صلى
الله عليه وسلم: (خلق اللّه الخَلق فلمّا فرغ
منه قامت الرحم فأخذت بحقو الرّحمن
فقال له : مه ، قالت: هذا مقام العائذ بك
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب إثم القاطع، رقم ٥٩٨٤، ٥/٨، من
حديث أبي هريرة.
من القطيعة ، قال : ألا ترضين أن أصل من
وصلك وأقطع من قطعك؟! قالت : بلى
يا ربّ ، قال : فذاك ثمّ ، قال رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم : اقرءوا إن شئتم:
﴿فَهَلَ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ أَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ
فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ ﴾ [محمد: ٢٢ -
٢٣])(٢).
وأكل الرّبا: قال تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَواْ أَضْعَفَّا مُضَعَفَةٌ
وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿ وَأَنَّقُواْ
النَّارَ الَِّيَ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ ﴿ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ
[آل
وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
عمران: ١٣٠ - ١٣٢].
وقد توعّد الله تعالى من عاد إلى الرّبا
بعد أن بلغته موعظة الله، وتحذيره توعّده
بالخلود في النار، فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى
يَتَخَبَّطُّهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَِّّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا
الْبَيْعُ مِثْلُ الْرّبَوَأُ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّيَوْ فَمَنْ
جَ مُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَانْتَهَى قَهُ, مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ:
إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ تَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ
فِيَهَا خَلِدُونَ (٣٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥].
٧. العمل من أجل الدنيا.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب ﴿وَتُقَطِّمُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾، رقم
٠١٣٤/٦،٤٨٣٠
www. modoee.com
١٦١
حرف السين
أن السعي من أجل الدنيا دون اعتبار
قصد الآخرة من السعي المذموم، وعلى
العكس من ذلك العمل من أجل الآخرة،
فمن كان عمله للدنيا فقط نال منها ما قدره
الله له، ولم يكن له في الآخرة نصيب، ومن
قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها مع
ما قسم له في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿مَن
كَانَ يُرِيدُ حَرّثَ الْآَخِرَوْ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْئِ، وَمَنْ
كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى
اُلْأَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ﴾ [الشورى: ٢٠].
وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ
عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآَةُ لِمَنْ تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ.
جَهَتَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا ﴿ وَمَنْ
أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا .
[الإسراء: ١٨ - ١٩].
ولهذا قال هاهنا ﴿وَسَنَجْرِى الشَّكِرِينَ﴾
أي سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا
والآخرة بحسب شكرهم وعملهم(١).
جزاء السعي
إن السعي بنوعيه الممدوح والمذموم
لكل منهما جزاء في الدنيا والآخرة، وهذا
الجزاء يدفع بالمسلم للسعي الممدوح حتى
ينال الجزاء المترتب عليه، ويجتنب السعي
المذموم حتى لا يناله الجزاء على ذلك
أيضاً، كما أن معرفة الجزاء يدفع المسلم
للإقدام على السعي الممدوح، واجتناب
السعي المذموم، وفي هذا المبحث سيتم
بيان هذين النوعين من الجزاء كما يأتي:
أولًا: جزاء السعي الممدوح في الدنيا
والآخرة:
١. جزاء السعي الممدوح في الدنيا.
إن للسعي الممدوح جزاءٌ عاجلٌ في الدنيا
قبل الثواب في الآخرة، وليس جزاء العمل
الصالح مقتصرًا على الجزاء الأخروي فقط
كما يظن ذلك كثير من الناس، بل إن الله
تعالى يجازي من يعمل صالحاً جزاءً دنيوياً
عاجلا کما دلت على ذلك النصوص، ومنها
حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ
الله لا يظلم مؤمناً حسنةً، يعطى بها في الدّنيا
ویجزى بها في الآخرة) (٢).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة
والجنة والنار، باب جزاء المؤمن بحسناته في
الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩٧/٨.
فَضْو
جَوَسُولَةُ التَّقِين
القرآن الكريم
١٦٢
السعى
فمن ذلك ما يأتي:
المودّة في قلوب المؤمنين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا
الصَّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وَنَّا (٦)﴾
[مريم: ٩٦].
وفي الحديث عن أبي هريرة عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحب الله
تعالى العبد، نادى جبريل: إن الله تعالى
یحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي
في أهل السماء: إنّ الله يحبّ فلانًا فأحبّوه
فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في
الأرض)(١).
# الثناء الحسن من الله تعالى.
فينثي الله عليه ثناءً حسنًا جزاءً على
السعي الممدوح في الدنیا، کما قال تعالی:
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ
﴾ [البينة: ٧].
خَيْرُ الْبَرِيَّةِ؟
فقد أثنى الله تعالى عليهم بأنهم خيرية
البرية، والبرية كل من خلق الله على
(٢)
العموم(٢).
ويكفي العمل الصّالح فضلًا، ويكفي
أهله شرفًا أنّ الله تعالى زّاهم وأثنى عليهم،
الدنيا، رقم ٤،٢٨٠٨/ ٢١٦٢.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم ٣٢٠٩،
٤/ ٠١١١
(٢) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٤/ ٥٤٠،
تفسير القرآن، السمعاني ٢٦٣/٣.
فيا له من فضلٍ وشرفٍ لمخلوقٍ يزكّيه
الخالق سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيِّرُ الْبَرِيَّةِ
[البينة: ٧]. فجعلهم سبحانه خير الخليقة.
وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًّاً مِّنَ الْخُلَطَِّ
يَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَِّحَتِ وَقَلِلٌ مَّاهُمْ ﴾ [ص:٢٤].
فالعمل الصالح سبب لسعادة القلب
وفرحه، وذهاب همه وغمه؛ ولذا كان
النبي صلى الله عليه وسلم يرتاح بالصلاة،
وجعلت قرة عينه فیها، و کان إذا حزبه أمر
صلى، والمؤمن يجد لذةً وسعادةً عقب
كل عمل صالح يعمله، وهذه السعادة التي
لا تشترى بمال، ولا تنال بجاه، وهي من
الجزاء العاجل على العمل الصالح: ﴿مَنْ
عَمِلَ صَلِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَتُحْبِيَتَّهُ، حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ [النحل: ٩٧] فمن
الّذي لا يريد الحياة الطّيّة الهانئة؟! والحياة
الطّية تشمل وجوه الرّاحة من أيّ جهةٍ
كانت.
* التمكين في الأرض.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ مَامَنُواْ مِنْكُمْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ
كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ
لَّمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُمُ مِنْ بَعْدِ
خَوْفِهِمْ أَمْنَا﴾ [النور: ٥٥].
وعد الله الذين آمنوا بالله ورسوله منكم
www. modoee.com
١٦٣
حرف السين
أيها الناس، وعملوا الصالحات وأطاعوا
الله ورسوله فيما أمراه ونهياه ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ
فيِ الْأَرْضِ﴾ أي : ليورثنهم الله أرض
المشركين من العرب والعجم، فيجعلهم
ملوكها وساستها ﴿كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ
مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: كما فعل من قبلهم ذلك
ببني إسرائيل، إذ أهلك الجبابرة بالشأم،
وجعلهم ملوكها وسكانها ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ هُمْ
دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ﴾ يقول: وليوطئن
لهم دينهم، يعني: ملتهم التي ارتضاها لهم،
﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم﴾ بمعنى: وليغيرن حالهم عما
هي عليه من الخوف إلى الأمن، قال أبي
ابن كعب: «لما قدم رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأصحابه المدينة آوتهم الأنصار
ومنهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا
لا يبيتون إلا مع السلاح، ولا يصبحون
إلا فيه، فقالوا: أترون أنا نعیش حتی نبیت
آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله، فنزلت هذه
الآية))، وقد حقّق الله تعالى ذلك للمسلمين
الأولين لما آمنوا وعملوا الصالحات،
ففتحوا مشارق الأرض ومغاربها، ومنحهم
التمكين والعزّة والقوة(١).
تفریج الكروب.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اَللّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَحًا﴾
[الطلاق: ٢].
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠٨/١٩،
التفسير الوسيط، الواحدي ٣٢٦/٣، مفاتيح
الغيب، الرازي ٢٤/ ٤١٣.
وقال سبحانه: ﴿وَيَرْزُقَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ
وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: ٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ
أَمْيِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤].
وفي الحديث الشريف عن عبد الله بن
عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
قال: (انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى
آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت
صخرة من الجبل فسّت عليهم الغار،
فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن
تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم .... )(٢).
وفي هذا الحديث الشريف؛ أنّ السعي
والعمل الصالح مع الإخلاص: يفرّج
الكروب، وينجي من الشدائد والصعاب.
٥ النصر.
قال تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ
﴾ [محمد: ٧].
اللَّهَ يَنصُرَّكُمْ وَيَُّبِّتْ أَقْدَامَكُو (
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن
يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].
فمن ينصر دين الله في الأرض، ينصره
الله تعالى على أعدائه، وهذا ما حقّقه
المسلمون، إذ نصروا دين الله تعالى،
فنصرهم الله، مع قلّة عددهم و کثرة عدوهم.
* الإنفاق على الساعي.
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنِ شَىْءٍ فَهُوَ
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل
بصالح الأعمال، رقم ٢٧٤٣، ٢٠٩٩/٤.
جَوَسُولَة التَّفي
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
١٦٤
السعی
يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩].
مِنْ تَّيِّهِمْ كُفَّرَ عَنْهُمْ سَيِئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَمْ )
وعن أسماء رضي الله عنها قالت: قال [محمد:٢] أي: أصلح دينهم ودنياهم،
لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا وقلوبهم وأعمالهم، وأصلح ثوابهم،
بتنميته وتزكيته، وأصلح جميع أحوالهم.
فإصلاح البال يجمع إصلاح الأمور كلها؛
لأن تصرفات الإنسان تأتي على حسب
رأيه، والمعنى: أقام أنظارهم وعقولهم
فلا یفکرون إلا صالحاً، ولا يتدبرون إلا
ناجحاً(٣).
تو کي فیوکی علیك) أي: لا تدّخري ما
عندك، وتمنعي ما عندك، فينقطع الله عنك
الرزق. والإيكاء: شد رأس الوعاء بالوکاء،
وهو الرباط الذي يربط به، وفي رواية:
(أنفقي ولا تحصي، فيحصي الله عليك، ولا
توعي فيوعي الله عليك)(١).
وفي اصطناع المعروف.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلی الله عليه وسلم: (من نفّس
عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفّس الله
عنه کریةً من کرب يوم القيامة. ومن يسّر
على معسر يسّر الله عليه. ومن ستر مسلمًا
ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون
العبد ما كان العبد في عون أخيه)(٢).
صلاح أحوال العبد.
قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ لَلْقَىُّ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة
وفضلها والتحريض عليها قال الله تعالى:
﴿وَلَا تُؤْتُواْ أَلْسُّفَهَاَءَ أَمْوَلَكُمْ﴾، رقم ٢٥٩١،
١٥٨/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة
باب الحث على الإنفاق وكراهة الإحصاء،
رقم ٢،١٠٢٩/ ٧١٣.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر
والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل
الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، رقم
٢٠٧٤/٤،٢٦٩٩.
حفظ أهل العامل وذريته.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ
يَتِيمَيْنِ فِىِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَزْ لَّهُمَا وَكَانَ
أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآَ أَشُدَّهُمَا
وَيَسْتَخْرِحَا كَنَزَهُمَا رَحْمَةً مِن رَّيِّكَ﴾
[الكهف: ٨٢].
قال ابن عباس رضي الله عنه: ((حفظا
بصلاح أبيهما، وقيل: كان بينهما وبين الأب
الصالح سبعة آباء، قال محمد بن المنكدر:
إن الله يحفظ بصلاح العبد ولده وولد ولده،
وعترته وعشيرته وأهل دویرات حوله، فما
يزالون في حفظ الله ما دام فيهم)) (٤).
ولاية الله تعالى للعبد ونصرته وإجابة
دعائه.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥١/٢٢، النكت
والعيون، الماوردي ٥/ ٢٩٠، لباب التأويل،
الخازن ١٣٩/٤.
(٤) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ١٠١/٣،
معالم التنزيل، البغوي ٢١١/٣ .
www. modoee.com
١٦٥
حرف السين
﴿إِنَّ وَلِقِىَ اَللَّهُ الَّذِى
قال تعالى:
نَزَّلَ الْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَى الصَّلِمِينَ ﴾
[الأعراف: ١٩٦].
فهذه الآية دليل على أنّ من سنّته سبحانه
وتعالى أن ينصر الصّالحين من عباده ولا
یخذلهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَيَزِيدُهُم مِّنِ فَضْلِهِ﴾
[الشورى: ٢٦] أي: إذا دعوه استجاب
دعاءهم، وأعطاهم ما طلبوا وزادهم على
مطلوبهم.
٢. جزاء السعي الممدوح في
الآخرة.
غفران الذنوب.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى
لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم
مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء: ١٩ ] يعني: فمن فعل
ذلك ﴿كَانَ سَعْيُهُمْ﴾ يعني : عملهم
بطاعة الله ﴿مَشْكُورًا﴾ وشكر الله إياهم
على سعيهم ذلك حسن جزائه لهم على
أعمالهم الصالحة، وتجاوزه لهم عن سيئها
برحمته، ويضعف لهم الحسنات، ويمحو
عنهم السيئات، ويرفع لهم الدرجات(١).
قال القاضي ابن عطية: ((وذلك كله
(١) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٢٢٩/٣،
معالم التنزيل، البغوي ١٢٦/٣، زاد المسير،
ابن الجوزي ١٧/٣، تفسير القرآن العظيم،
ابن کثیر ٢/ ١١٣.
مرتبط متلازم ثم شرط في مريد الآخرة أن
يسعى لها سعيها، وهو ملازمة أعمال الخير
وأقواله على حكم الشرع وطرقه، فأولئك
يشكر الله سعيهم ولا يشكر الله عملاً ولا
سعياً إلا أثاب عليه وغفر بسببه))(٢).
دخول الجنة.
وقد أوضح تعالى هذا في آيات كثيرة؛
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصََّلِحَتِ
کقوله:
مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَكَ
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةً وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا
(١٢٤)
[النساء: ١٢٤].
وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِن ذَكَرٍ
أَوْ أَنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَنَّهُ، حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
[النحل: ٩٧].
٩٧
وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةٌ فَلَا يُجْزَىَ إِلَّا
مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْأُنَى
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ
فِيَهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [غافر: ٤٠] إلى غير
ذلك من الآيات (٣).
٤ أن نورهم يسعى بين أيديهم.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
(٢) انظر: المحرر الوجيز ٤٤٦/٣.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١١/٢٤،
معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٥٣/٣،
التفسير الوسيط، طنطاوي ٩/ ٩٢، الكشاف،
الزمخشري ٤ / ٦٩٧، تفسير القرآن العظيم،
ابن كثير ٣١٩/٨، أضواء البيان، الشنقيطي
٨١/٣.
جوسين
القرآن الكريم
١٦٦