النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
السَّعى
عناصر الموضوع
مفهوم السعي
١٢٨
السعي في الاستعمال القرآني
١٢٩
الألفاظ ذات الصلة
١٣٠
أنواع السعي
١٣١
كتابة السعى والمحاسبة عليه
١٥٠
أسباب السعي
١٥٦
١٦٢
جزاء السعي
المُجَلَّدَ الثَّامِنْ عَشِّر

حرف السين
مفهوم السعي
أولًا: المعنى اللغوي:
يأتي السعي في اللغة على معان هي:
الأول: المشي، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ [الصافات: ١٠٢] يعني: المشي (١).
الثاني: الإسراع في المشي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾
[القصص: ٢٠]. أي: يسرع في مشيه (٢).
الثالث: السعي: الجد، ومنه قال تعالى: ﴿ وَأَلَّذِينَ سَعَوْ فِيَّ ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ﴾ [سبأ:٥]. أي:
اجتهدوا في أن يظهروا لنا عجزاً فيما أنزلناه من الآيات(٣).
الرابع: العمل والتصرف والكسب في أي عمل كان، ومنه قوله تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ
بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥]. أي: تكسب (٤)، وأصل السعي التصرف في كل عمل وعليه قوله تعالى:
﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّ مَا سَعَى ﴾ [النجم : ٣٩]. أي: إلا ما عمل (٥).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
السعي اصطلاحًا هو: العمل والفعل، وهذا مروي عن كثير من المفسرين منهم عكرمة
ومجاهد، وزيد بن أسلم، وابن شهاب قال مالك: وإنما السعي في كتاب الله عز وجل العمل
والفعل(٦).
ويمكن صياغة تعريف للسعي في القرآن بأنه: العمل والفعل الجاد الذي يقوم على النية
والقصد سواءً أكان ذلك في الخير أو الشر.
(١) انظر: تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة ص ٢٧٤، الكشف والبيان، الثعلبي ٢٥٧/٢، التفسير الوسيط،
الواحدي ٣٧٦/١.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤١١.
(٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤١٢، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢٢٢/٣.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٨٦/١٤، تاج العروس، الزبيدي ٢٨٠/٣٨، المعجم الوسيط، مجمع
اللغة العربية ٤٣١/١.
(٥) انظر: المصباح المنير، الفيومي ١/ ٢٧٧.
(٦) انظر: معاني القرآن، الفراء ٣٨٩/٢، أحكام القرآن، الجهضمي ص ١٩٨.
١٢٨
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

السعى
السعي في الاستعمال القرآني
وردت مادة (سعى) في القرآن الكريم (٣٠) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٧
وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِ الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٢٠٥]
الفعل المضارع
١٢
﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص: ٢٠]
﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْءِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ
فعل الأمر
١
اللَّهِ ﴾ [الجمعة: ٩]
المصدر
١٠
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ أَلْسَّعْىَ﴾ [الصافات: ١٠٢]
وجاء السعي في القرآن الكريم على وجهين، وهما (٢):
الأول: المشي، أو الإسراع في المشي: قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن جَكَ يَسْعَى ﴾ [عبس: ٨].
يعني يمشي، أو يسرع.
الثاني: العمل: قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَالْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَتِكَ كَانَ
سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء: ١٩]. يعني: وعمل لها عملاً وهو مؤمن، كان عملهم مقبولًا.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٣٥١.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٢٥٨، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٣٤٩.
www. modoee.com
١٢٩

حرف السين
الألفاظ ذات الصلة
١
العمل:
العمل لغة:
المهنة والفعل، قال ابن فارس: (((عمل) العين والميم واللام أصل واحد صحيح، وهو
عام في كل فعل يفعل))(١).
العمل اصطلاحًا:
كل فعل كان بقصد وفكر سواءً كان من أفعال القلوب كالنية أم من أفعال الجوارح
کالصلاة (٢).
الصلة بين العمل والسعي:
العمل هو المعنى الرئيس في القرآن للسعي ويقوم على القصد والإرادة.
الشغل:
٢
الشغل لغة:
(شغل) الشين والغين واللام أصل واحد، يدل على خلاف الفراغ، تقول: شغلت فلانًا
فأنا شاغله، وهو مشغول، وجمع الشغل أشغال، وقد جاء عنهم: اشتغل فلان بالشيء، وهو
مشتغل(٣).
الشغل اصطلاحًا:
لا يختلف معنى الشغل في الاصطلاح عن معناه في اللغة.
وقال الراغب: الشّغل والشّغل: العارض الذي يذهل الإنسان، قال عز وجل: ﴿إنَّ
أَصْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِ شُغُلٍ فَكِهُونَ ﴾ [يس: ٥٥](٤).
الصلة بين الشغل والسعي:
يشتركان في العمل الذي ينشغل به الإنسان، فهو سعي وشغل، وقد يكون الشغل بغير
عمل، وقد يراد بالسعي غير العمل.
(١) مقاييس اللغة ١٤٥/٤.
وانظر: لسان العرب، ابن منظور ١١/ ٤٧٥، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٤ /١٠١.
(٢) انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعجي ص ٣٢٢.
(٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٩٥/٣.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٥٧.
١٣٠
جوية
القرآن الكريمِ

السعی
أنواع السعي
أقسم الله تعالى على أن سعي الناس
أنواع مختلفة، وذلك في قوله: ﴿وَأَيْلِ إِذَا يَفْشَى
٢) وَالتَّارِ إِذَا عَلَّ وَمَا خَلَقَ الذُّكَرَ وَالْأُمْوَ إِنَّ
سَعِيْكٌ لَشَقَّ﴾ [الليل: ١- ٤].
أي : إن عملكم لمختلف أيها الناس؛
لأن منكم الكافر بربه، والعاصي له في أمره
ونهيه، والمؤمن به، والمطيع له في أمره
ونهيه، ومنكم من سعيه في طلب دنياه،
ومنكم من سعيه في شهوات نفسه واتباع
هواه، ومنكم من سعيه في طلب جاهه
ومناه، وآخر في طلب عقباه(١).
أولًا: السعي الممدوح:
١. السعي في الطاعات.
إن السعي في الطاعات التي يتقرب بها
المسلم إلى الله تعالى من السعي الممدوح
الذي يكسب به الساعي رضى الله تعالى،
و ثناء الناس.
وقد أمر الله تعالى بالسعي إلى الطاعات
في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
تُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ
اَللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُتُمْ تَعْلَمُونَ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٦٧/٢٤،
النكت والعيون، الماوردي ٢٨٧/٦، التفسير
الوسيط، الواحدي ٥٠٢/٤ تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٨/ ٤٠٣، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ٣٨٠/٣٠.
﴾ [الجمعة: ٩].
وفي الآية أمر من الله تعالى للمؤمنين
بالسعي إلى صلاة الجمعة عند قعود الإمام
على المنبر للخطبة، وأصل السعي في هذا
الموضع العمل، والسعي لذكر الله تعالى
يتضمن جميع الطاعات، وهذا أولى لأنه
أوفق لعموم اللفظ (٢).
ومثله السعي في الحج في جميع
المشاعر وبين الصفا والمروة كما في قوله
﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَابِرِ اللّهِ
تعالی:
فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن
يَقَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ
عَلِيمٌ ()﴾ [البقرة: ١٥٨](٣).
كما أخبر سبحانه وتعالى أن من يسعى
إلى عمل الآخرة أن سعيهم مشكور.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى
لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأَوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم
تَشْكُورًا ﴾ [الإسراء: ١٩].
﴿فَمَن يَعْمَلِ مِنَ
وقوله تعالى:
الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ،
(٢) انظر: معاني القرآن، الأخفش ٥٤٢/٢، جامع
البيان، الطبري ٣٨٠/٢٣، مفاتيح الغيب،
الرازي ١٣٩/٤، اللباب في علوم الكتاب،
ابن عادل ٣/ ٧٥.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٨٠/٢٣،
معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٦١/١،
النكت والعيون، الماوردي ٨/٦، التفسير
الوسيط، الواحدي ٢٤١/١، تفسير الراغب
الأصفهاني ١/ ٣٥٥.
www. modoee.com
١٣١

حرف السين
وَإِنَّا لَهُ كَثِبُونَ ﴾ [الأنبياء: ٩٤].
وهذه الآيات مشتملة على الأعمال التي
بواسطتها يحصل الفوز بسعادة الآخرة وهي
تشمل جميع الطاعات(١).
كذلك يدل على هذا المعنى الآيات
التي ذكر فيها عمل الصالحات، ومنها
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ (٣٧)﴾ [البقرة: ٢٧٧].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
الصَّنَلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُوْلَّكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا
﴾ [النساء: ١٢٤].
(١٢٤)
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ
يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ
يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَمْ تَجْرًا كَبِيرًا ﴾﴾
[الإسراء: ٩].
وروى البخاري عن أبي هريرة رضي
الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه
وسلم: (الساعي على الأرملة والمسكين،
كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل
الصائم النهار) (٢)، وروى مسلم عن أبي
(١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ١٠١/٣،
مفاتيح الغيب، الرازي ٣٢٣/٢٠، مدارك
التنزيل، النسفي ٢/ ٢٥٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النفقات،
باب فضل النفقة على الأهل، رقم ٥٣٥٣،
جَوُو
القرآن الكريمِ
هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (الساعي على الأرملة
والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله
-وأحسبه قال- وكالقائم لا يفتر، وكالصائم
لا يفطر)(٣).
والمراد بالساعي في الحديث: الكاسب
لهما، العامل لمؤنتهما، والأرملة من لازوج
لها سواء كانت تزوجت أم لا ، وقيل هي
التي فارقت زوجها، وسميت أرملة لما
يحصل لها من الإرمال وهو الفقر وذهاب
الزاد بفقد الزوج ، يقال : أرمل الرجل إذا
فني زاده، والمسکین الذي لا شيء له(٤).
و کذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (كافل
الیتیم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة)،
وفي رواية (وأنا وكافل اليتيم في الجنة
هكذا) وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج
بينهما شيئًا(٥).
وأما كافل اليتيم فهو: القائم بأموره من
٧ / ٦٢.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد
والرقائق، باب الإحسان إلى الأرملة
والمسكين واليتيم، رقم ٢٩٨٢، ٢٢٨٦/٤.
(٤) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٠٣/٩،
النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير
٣٨٥/٢.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب اللعان، رقم ٥٣٠٤، ٥٣/٧، ومسلم في
صحيحه، كتاب الزهد والرقائق باب الإحسان
إلى الأرملة والمسكين واليتيم، رقم ٢٩٨٣،
٢٢٨٧/٤، عن سهل بن سعد.
١٣٢

السعی
نفقة وكسوة وتأديب وتربية وغير ذلك وهذه أرسلهم عيسى إلى أهل انطاكية فجاءهم
فقال: تسألون أجراً فقالوا: لا ، فقال لقومه
الفضيلة تحصل لمن كفله من مال نفسه أو
من مال اليتيم بولاية شرعية (١).
﴿يَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ ﴿ أَنَّبِعُواْ
مَنْ لَّا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ تُهْتَدُونَ ﴾﴾ حتى
٢. السعي في نصرة الحق وأهله.
بلغ ﴿فَاسْمَعُونِ ﴾ قال: فرجموه بالحجارة
إن السعي في نصرة الحق وأهله من
السعي الممدوح فاعله.
فجعل يقول: رب اهد قومي فإنهم لا
يعلمون ﴿يِمَاغَفَرَلیریی﴾ حتى بلغ ﴿إِن
كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً﴾ قال: فما نو
قتلهم إياه حتى أخذتهم (صَيْحَةٌ وَحِدَةٌ فَإِذَا
هُمْ خَلِمِدُونَ﴾ (٤).
قال تعالى عن العبد الصالح الذي نصر
الحق ودافع عن المرسلين: ﴿وَجَآءَ مِنْ
أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ
الْمُرْسَلِينَ ﴾ [يس: ٢٠](٢).
فقد جاء هذا الرجل من أقصى المدينة،
وفي ذلك بلاغة باهرة؛ لأن ذلك يدل على
أنه تحمل المشقة والبعد من أجل نصرة
الحق وأهله، والمدينة هي أنطاكية، وهي
كانت كبيرةً شاسعةً، قائلا لهم: ﴿قَالَ
يَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ﴾، أي: اتبعوا
هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا
لكم السبيل(٣)، حتى وإن ضحى الساعي
في نصرة الحق بنفسه فقد جاء قتادة في
قوله: ﴿وَجَّةَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾
قال: بلغني أنه رجل کان یعبد الله في غار
واسمه حبيب فسمع بهؤلاء النفرالذين
(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم
١٨/ ١١٢، شرح صحيح البخارى، ابن بطال
٢١٨/٩.
(٢) انظر: تفسير المراغي ١٥٣/٢٢، مدارك
التنزيل، النسفي ٣/ ١٠٠.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/ ٢٦٢.
وكذلك ذكر القرآن الكريم مؤمن آل
فرعون حين نصر الحق.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ
ءَالٍ فِرْعَوْنَ بَكْتُمُ إِيمَنَهُ: أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا
أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اَللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِلْبَيِّنَتِ مِن
زَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وَإِنِ
يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ
إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّبٌ ))
[غافر: ٢٨].
فقد كتم هذا الرجل الإيمان من أجل
الدعوة والدفاع عنها، وفي مرحلة الضعف
خوفا على النفس، مما أباحه الشرع، وقد
ذكر الله تعالى في معرض المدح رجلاً مؤمناً
من آل فرعون كان يكتم إيمانه(٥)، وأظهر
الرجل إيمانه حين رأى أن ذلك من مصلحة
(٤) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١٤/٥،
الدر المنثور، السيوطي ٧/ ٥١.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٧٥/٢١.
www. modoee.com
١٣٣

حرف السين
الدعوة، ومواجهة خطر فرعون، قال تعالى:
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِ أَقْتُلْ مُوسَى وَلَيَدْعُ
رَبٌَّ إِّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ في
® [غافر: ٢٦].
اَلْأَرْضِ اَلْفَسَادَ
فأخذت الرجل غضبة لله عز وجل وقام
بواجبه بالجهاد بالكلمة عند سلطان جائر
والتي هي أفضل الجهاد، كما قال صلى الله
علیه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند
سلطان جائر)(١).
ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون،
وهي قوله تعالى: ﴿أَنَقْتُلُونَ رَجُلًّا أَنْ يَقُولَ
رَبَِّ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨] أي: لأجل أن يقول
ربي الله(٢).
إسرائيلياً أو قبطياً من آل فرعون ؟ والتحقيق
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الملاحم،
باب الأوامر والنواهي، رقم ٤٣٤٤، ١٢٤/٤،
والترمذي في سننه، كتاب الفتن، باب ما جاء
أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر،
رقم ٢١٧٤، ٤٧١/٤، والنسائي في سننه،
كتاب البيعة، فضل من تكلم بالحق عند إمام
جائر، رقم ٧،٤٢٠٩/ ١٦١.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من
هذا الوجه.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٤٤٠/١.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١٥٢/٥،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٠٦/١٥،
التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
١٢٢٦/١٢، أضواء البيان، الشنقيطي
٣٨٤/٦.
أن الرجل المؤمن المذكور في هذه الآية هو
من جماعة فرعون، كما هو ظاهر قوله تعالى:
﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ عَالِ فِرْعَوْنَ﴾ (٣)،
دون أن يذكر القرآن اسمه، وإنما أشار إلى
خاصته، وذوي قرابته، فهو إنسان ذو شأن
في المجتمع الفرعوني، ومع هذا لم يكشف
القرآن عن اسمه.
ويكون السعي في نصرة الحق وأهله
بكل الوسائل الممكنة بالقول والبيان كما
في هذه الآيات السابقات، أومن خلال
الجهاد الشرعي المضبوط بضوابطه الفقهية
المعروفة عند الفقهاء.
قال تعالى: ﴿كَمَّا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ
واختلف المفسرون أيضًا: هل كان ◌ِاَلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ
٥ يُجَدِلُونَكَ فِ الْحَقِّ بَعْدَ مَا نَبَيَّنَ كَأَنَّمَا
يُسَاقُونَ إِلَى أَلْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ { وَإِذْ
يَعِدُ كُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّيِفَنَّيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ
أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُـ
وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِنَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ
الْكَفِرِينَ ، لِيُحِقَّ الْحَقِّ وَبُطِلَ الْبَطِلَ وَلَوْكَرِ.
الْمُجْرِمُونَ ﴾ [الأنفال: ٥-٨].
٣. السعي في طلب العلم.
إن السعي في طلب العلم من أفضل
الأعمال التي توازي الجهاد في سبيل الله
(٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١٥٢/٥،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٠٦/١٥،
أضواء البيان، الشنقيطي ٣٨٤/٦.
١٣٤
القرآن الكريم

السعی
مَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ
تعالى:
كَافَّةُ فَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآَيِقَةٌ
لِيَنَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ
إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة:١٢٢].
أي: فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة
جماعة ويبقى مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم جماعة، ليتفقهوا في الدين، يعني:
فرقة القاعدين يتعلمون القرآن والسنن
والفرائض والأحكام، فإذا رجعت السرايا
أخبروهم بما أنزل الله بعدهم على نبيه من
القرآن(١).
وقد عاتب الله تعالى نبيه الكريم في
الإعراض عن الذين يسعون في طلب
٨
العلم، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَكَ يَسْعَ لُ
[عبس: ٨] أي: لطلب العلم، ويخشى الله
فأنت عنه تتلهى، وتتشاغل ... وهذا كله من
قبیل العتاب للنبي صلی الله عليه وسلم (٢).
وقد بین الله تعالی أنه اصطفی من عباده
من يحمل الكتاب وهم: علماء الأمة من
الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، أو
الأمة بأسرهم، فإن الله اصطفاهم على
سائر الأمم فمنهم ظالم لنفسه بالتقصير في
العمل به، ومنهم مقتصد یعمل به في غالب
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤٠٣/٢.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٩/ ٢١٥، فتح القدير، الشوكاني ٤٦٣/٥،
تفسير المراغي ٤١/٣٠، التفسير الوسيط،
طنطاوي ٢٨٤/١٥.
الأوقات، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله
بضم التعليم والإرشاد إلى العمل، وقيل
الظالم الجاهل والمقتصد المتعلم والسابق
العالم، وقيل الظالم المجرم والمقتصد
الذي خلط الصالح بالسيء والسابق الذي
ترجحت حسناته بحيث صارت سيئاته
مكفرة.
﴿ِثُمَّ أَوْرَقْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ
قال تعالى:
أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ.
وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَاِبِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ
اللَّهِّ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
٣٢
[فاطر: ٣٢] (٣).
وروى الترمذي من حديث أبي الدرداء
رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: (من سلك طريقا
يلتمس فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى
الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً
لطالب العلم ، وإن العالم ليستغفر له من
في السموات ومن في الأرض والحيتان في
جوف الماء ، وإن فضل العالم على العابد
كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب،
وإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم
يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم
فمن أخذ به أخذ بحظ وافر) (٤).
(٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٥٩/٤.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب العلم، باب
الحث على طلب العلم، ٣٦٤١، ٣١٧/٣،
والترمذي في سننه، أبواب العلم عن رسول
www. modoee.com
١٣٥

حرف السین
وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: الجنة سالمًا، فأبان أن العلم ساعد السعادة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن وأس السيادة والمرقاة إلى النجاة في الآخرة
سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له
به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت
من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه
بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم
الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله
فیمن عنده، ومن بطأ به عمله، لم يسرع به
نسبه)(١).
ومعنى الحديث: من سلك طريقاً: حسية
أو معنوية، ونكره ليتناول أنواع الطريق
الموصلة إلى تحصيل أنواع العلوم الدينية،
والمعنى سهل الله له بسبب العلم طريقاً من
طرق الجنة ، وذلك لأن العلم إنما يحصل
بتعب ونصب، فمن تحمل المشقة في
طلبه سهلت له سبل الجنة سيما إن حصل
المطلوب.
قال ابن جماعة: ((والأظهر أن المراد
أن يجازيه يوم القيامة بأن يسلك به طريقاً
لا صعوبة له فيه ولا هول إلى أن يدخله
الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في
فضل الفقه على العبادة، رقم ٢٦٨٢، ٤٨/٥،
وابن ماجه في سننه، كتاب الإيمان وفضائل
الصحابة والعلم، باب فضل العلماء والحث
على طلب العلم، رقم ٨١/١،٢٢٣.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
١٠٧٩/٢،٢١١٧.
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم،
باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى
الذكر، رقم ٢٦٩٩، ٢٠٧٤/٤.
والمقوم لأخلاق النفوس الباطنة والظاهرة
فهو نعم الدليل والمرشد إلى سواء السبيل،
وتقديم الطرفين (فيه - له) للاختصاص؛
لأن تسهيل طريق الجنة خاص بالله وغيره
في مقابلته كالعدم ؛ لأنه في حقه غير مفيد،
وكذا بالنسبة لسببه فإن غير هذا السبب
من أسباب التسهيل كالعدم ؛ لأنه أقوى
الأسباب المسهلة وفيه حجة باهرة على
شرف العلم وأهله في الدنيا والآخرة لكن
الكلام في العلم النافع لأنه الذي يترتب عليه
الجزاء المذكور كما تقرر)»(٢).
وهناك أحاديث نبوية صحيحة عديدة
فيها تنويه بالعلم وحثّ عليه وتنويه بالعلماء
وفضلهم ومسؤولياتهم، يصح أن يساق في
هذا المقام، من ذلك حديث رواه البخاري
ومسلم عن معاوية رضي الله عنه أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (من يرد الله به
خيراً يفقهه في الدّين)(٣).
العلم مما تعترضه
وسلوك طريق
(٢) انظر: فتح الباري، ابن حجر ١٧٤/١، فيض
القدير، المناوي ٦/ ١٥٤، دليل الفالحين،
البكري ١٧٥/٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين،
رقم ٧١، ٢٥/١، ومسلم في صحيحه،
كتاب الكسوف، باب النهي عن المسألة، رقم
٠٧١٩/٢،١٠٣٧
١٣٦
القرآن الكريمِ

السعی
المشقات والسفر والبعد عن الأوطان.
وقد قال الله تعالى عن نبيه موسى:
﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَنَهُ ءَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينًا
قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيِّنَاً
مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا)
إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنَسَنِيهُ إِلَّا
الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكُرُهُ, وَاتَّخَذَ سَپیلَهُ، فِي الْبَحْرِ ◌َبًا
٦٣
قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَّ فَأَرْتَدًا عَلَى ءَاثَارِهِمَا
فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ
قَصَصًا (٦٤
٦٥
رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا
قَالَ لَهُ، مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا
عُلِّمْتَ رُشِدًا ﴿ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
قَالَ
٢) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَوْ تُحِطْ بِهِ خَبًْ
٦٧
سَتَجِدُنِيِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًاً
﴾ [الكهف: ٦٢-٦٩].
يخبر تعالى عن قول موسى عليه السلام
لذلك الرجل العالم، وهو الخضر، الذي
خصه الله بعلم لم يطلع عليه موسی، كما أنه
أعطى موسى من العلم ما لم يعطه الخضر
قال له موسی : هل أتبعك ؟ سؤال تلطف لا
على وجه الإلزام والإجبار، وهكذا ينبغي أن
یکون سؤال المتعلم من العالم(١).
٤. السعي في عمارة المساجد.
إن السعي في عمارة المساجد من السعي
المحمود الذي يقوم به المؤمنون
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ آَنْ يَعْمُرُوا
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٣/٥،
أضواء البيان، الشنقيطي ٣٤١/٨.
مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِ
أُوْلَكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ وَفِ النَّارِ هُمْ
خَلِدُونَ ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ
ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ
وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىّ
أُوْلَيْكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾
[التوبة: ١٧-١٨].
إن عمارة المسجد هي: لزومه، والإقامة
فيه، وعبادة الله فيه، وبناؤه وترميمه، وهي
نوعان: حسية، ومعنوية:
فالحسية: بالتشييد والبناء والترميم
والتنظيف والفرش والتنوير بالمصابيح
والدخول إليها والقعود فيها.
والمعنوية: بالصلاة وذكر الله،
والاعتكاف، والزيارة للعبادة فيها، وذلك
يشمل العمرة، ومن الذكر: درس العلم،
بل هو أجله وأعظمه وصيانتها مما لم تبن
له المساجد من أحاديث الدنيا، فضلا عن
فضول الحدیث(٢).
والمعنى في هذه الآية إنما يعمر مساجد
الله بالحق لهم والواجب، ولفظ هذه الآية
الخبر وفي ضمنها أمر المؤمنين بعمارة
المساجد، وقد قال بعض السلف: إذا رأيتم
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٤٦/٢،
تفسير القرآن، السمعاني ٢/ ٢٩٤، الكشاف،
الزمخشري ٢/ ٢٥٤، المفردات، الراغب
الأصفهاني ص ٥٨٦.
www. modoee.com
١٣٧

حرف السین
الرجل يعمر المسجد فحسنوا به (١)، ﴿إِنَّمَا
يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾، وعمارتها رمّ ما استرم
منها، وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح
وصيانتها مما لم تبن له المساجد من
أحاديث الدنيا ؛ لأنها بنيت للعبادة والذكر،
ومن الذكر درس العلم(٢).
ثم بين سبحانه أن المؤمنين الصادقين هم
الجديرون بعمارة مساجد الله، فقال: ﴿إِنَّمَا
يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ
اَلَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ
يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: ليس المشركون أهلًا
لعمارة مساجد الله وإنما الذين هم أهل
لذلك المؤمنون الصادقون الذين آمنوا بالله
إيماناً حقًّا، وآمنوا باليوم الآخر وما فيه من
ثواب وعقاب، وآمنوا بما فرضه الله عليهم
من فرائض فأدوها بالكيفية التي أرشدهم
إليها نبيهم صلى الله عليه وسلم فهم في
صلاتهم خاشعون وللزكاة معطون بسخاء
وإخلاص.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اَللَّهِ مَنْ
ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ
وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىّ
أُوْلَكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٥٥/٢،
المحرر الوجيز، ابن عطية ١٥/٣، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٨/ ٩٠.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٥/٤.
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
[التوبة: ١٨](٣).
٥. السعي في النصيحة.
إن النصيحة ذات أهمية عظيمة عند ذوي
الألباب والفهوم؛ لأنها إرشاد إلى الصواب
وتوجيه نحو العمل الصالح والأخلاق
الفاضلة والسيرة الحسنة وهداية إلى ما يعود
نفعه وفائدته على المنصوح بالسعادة والعز
والنصيحة ، تبصير بالمضار حتى لا يقع فيها
من لا يعرفها.
ولذلك ينبغي أن يكون الناصح ذا رأي
ثاقب وعقل راجح قد جرب الأمور وعركته
الأيام والليالي ، وذاق حلوها ومرها وانتفع
بما رآه فيها من عسر ويسر وفرح وسرور،
وخلص قلبه من هم قاطع وغم شاغل
ليسلم رأيه وتخلص نصيحته من الشوائب
المكدرة(٤).
والسعي في النصيحة من الأعمال التي
قام بها الأبياء عليهم السلام.
قال تعالى إخبارًا عن نوح عليه السلام:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ
اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُ، إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ
يَوْمٍ عَظِيمٍ ) قَالَ الْعَلَأُ مِن قَوْمِهِ: إِنَّا لَغَرَكَ
٢ قَالَ بَقَوْمِ لَيْسَ بِىِ ضَلَلَةٌ
فِ ضَلَلِ مُبِينٍ
وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ آ أَبَلِّغُّكُمْ
(٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٢٨/٦.
(٤) انظر: موارد الظمآن لدروس الزمان،
عبدالعزيز السلمان ٤٦٧/٣.
١٣٨

السعى
رِسَلَتِ رَبِى وَأَنصَحْ
اللَّهِ مَا لَا
وَأَعْلَمُ مِنْ
:[الأعراف: ٥٩ - ٦٢].
نَعْلَمُونَ
وقال عن هود عليه السلام: ﴿﴿ وَإِلَى
عَادٍ أَخَاهُمْ هُودَّا قَالَ يَنْقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهُ مَا لَكُمْ مِّنْ
إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَقَلَا نَنَّقُونَ ﴾ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ مِن قَوْمِلِهِ إِنَّا لَغَرَئِكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا
◌َظُنُّكَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴿ قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ
بِ سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
أُبَلِغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَأَنَاْ لَكُنْ نَامِعُ أَمِينُ
٦٧
[الأعراف: ٦٥-٦٨].
٦٨
وقال عن صالح عليه السلام: ﴿فَعَقَرُواْ
النَّاقَةَ وَعَنَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَيِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ
أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَّا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
٧٧
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ
VA
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَنَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ
رِسَالَةَ رَبِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحُّونَ
التّصِحِينَ ﴾ [الأعراف: ٧٧ -٧٩].
وَقَالَ
وقال عن شعيب عليه السلام:
الْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَيْنِ أَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ
فَأَخَذَتَهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ
إِذَا تَّخَسِرُونَ ))
فِي دَارِهِمْ جَثِيْنَ ا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا
كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَاَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ
فَتَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ
هُمُ الْخَسِينَ )
يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْنُكُمْ رِسَلَتِ رَّ وَنَصَحْتُ
لَكُمّ نَكَيْفَ ءَاسَى عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ ﴾
[الأعراف: ٩٠ - ٩٣].
فإذا علمت أن شراً سينزل بمؤمن غافل
عنه فواجب عليك أن تنبهه وتحذره ليأخذ
حذره من الكائدين ، وأسرع بأخباره كما
حذر رجل موسى عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِيَنَّةِ
يَسْعَى قَالَ يَمُوسَىَ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ
لِيَقْتُلُوكَ فَأَخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ
٢٠
[القصص: ٢٠].
فهذا الرجل هو مؤمن آل فرعون
والمشهور إن هذا الرجل المؤمن كان
(قبطيًّا) من آل فرعون، وجاء من أقصى
المدينة ومعنى ﴿يَسْعَى﴾ يعدو أي: من
أطرافها البعيدة، ﴿قَالَ يَمُوسَىَّ إِنَّ الْمَلَأَ
يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِقْتُلُوكَ ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: يتشاورون في قتلك.
الثاني: يأمر بعضهم بعضًا بقتلك.
ومنه قوله: ﴿وَأَتَمِرُواْ بَتْنَكُم بِعْرُوفٍ﴾
[الطلاق: ٦] أي: ليأمر بعضكم بعضًا، والملأ
أشراف القوم، والمنظور إليهم.
﴿إِنِّ لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠]
أي: من الناصحين لك في الأمر بالخروج،
والنصح للإنسان هو الإشارة علیه بما يصلح
أمره، وقد كان السلف يطلب هذا بعضهم
من بعض(١).
وتختلف النصيحة عن السعي بالنميمة؛
(١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١٣٨/٤،
النكت والعيون، الماوردي ٤ /٢٤٤، تفسير
القرآن، السمعاني ١٣٠/٤، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٢٤١/٢.
www. modoee.com
١٣٩

حرف السین
لأن النميمة نقل للحديث من قوم الى قوم
على وجه الإفساد بينهم وهي من الكبائر،
أما نقل الكلام بقصد النصيحة فواجب،
كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَآءُ
رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَى إِنَّ
اُلْمَلَأَّ بَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ فَأَخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ
التَّصِحِينَ ﴾ [القصص: ٢٠](١).
ثانيًا: السعي المذموم:
إن السعي المذموم في القرآن الكريم
لکل صور وأمثلة، منها:
١. السعي في الصد عن سبيل الله
تعالى.
إن الصد عن سبيل الله تعالى قد يكون
بالانصراف والامتناع عنه.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى
مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ
يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ﴾ [النساء: ٦١].
وقد يكون بالصرف والمنع عن سبيل
الله نحو قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَّهُمُ الشَّيْطَانُ
أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾
[النمل: ٢٤].
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ
اَللَّهِ أَضَلَ أَعْمَلَهُمْ ﴾ [محمد: ١] إلى غير
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص
٨٢٥، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي
١٢٦/٥.
ذلك من الآيات (٢).
وقد بين الله تعالى أن الكافرين
والمنافقين يسعون مجتهدين في الصد عن
سبيل الله تعالى بكل أنواع الصد، سواءً أكان
بالإعراض عن القرآن، وعدم الالتفات إليه،
أو كان ذلك بمنع وصرف من يريد اتباع
الرسول، والإقرار بالقرآن الذي أنزله الله
تعالى كما يدل عليه قوله بعد: ﴿الَّذِىّ أُنزِلَ
إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦](٣).
وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْاْ فِّ
ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ﴾، إشارة إلى سعى هؤلاء
المشركين، وأنه سعي للباطل والضلال،
حيث يسعون لإعجاز آيات الله، وغلبتها
وصرفها عن طريقها.
وفي تعدية الفعل بحرف الجر ((في))
الذي يفيد الظرفية، إشارة إلى أنهم يدخلون
فی آيات الله ويلبسون الحق بالباطل، إذ
يحرفون الكلم عن مواضعه، ويلقون فيه
بالهذر من القول، والسخف من الكلام(٤).
ويكون المعنى: والذين جهدوا في
إبطال آياتنا، ورد دعوة الدين، والتكذيب
بها، وثبطوا الناس عن متابعة النبي صلى
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص
٤٧٧، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي
٣٩٠/٣.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٨/٢٢،
أضواء البيان، الشنقيطي ٢٦٤/٦.
(٤) انظر: التفسير القرآني للقرآن، يونس الخطيب
١٠٥٩/٩.
١٤٠
صَوَسُوبَةُ التَّقتي
جوببيو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

السعی
الله عليه وسلم، ظناً منهم أنهم يعجزوننا
ويتفلتون من أمرنا وبعثنا لهم وأننا لا نقدر
عليهم، فهم أهل النار الحارة الموجعة،
الشديد عذابها ونكالها، المقيمون فيها على
الدوام.
وقد بین الله تعالى أن هؤلاء هم أصحاب
الجحيم، قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيّ
مَا يَزِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ ﴾
[الحج: ٥١].
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْ فِيَّ ءَايَتِنَا
وقال سبحانه:
مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزِ أَلِيمٌ
﴾ [سبأ:٥] (١).
كما حكى القرآن ذلك عنهم في قوله
تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ
(٣٨
أُوْلَيْكَ فِ الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ
[سبأ: ٣٨].
كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا
كَانُواْ يُفْسِدُونَ ﴾ [النحل: ٨٨](٢).
واختلف أهل التفسير في معنى قوله:
﴿مُعَجِزِينَ﴾، قال الماوردي في تفسير
قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى ءَايَتِنَا ﴾ فيه
وجهان:
أحدهما: أنه تکذیبھم بالقرآن، قالہ یحیی
ابن سلام.
(١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٤٤٧/٢.
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٤٤/١٧.
الثاني: أنه عنادهم في الدين، قاله
الحسن.
(معجزین) قراءة ابن كثير وأبي عمرو،
وقرأ الباقون (معاجزين) فمن قرأ معجزين
ففي تأويله أربعة أوجه:
أحدها: مثبطين لمن أراد اتباع النبي
صلى الله عليه وسلم، وهو قول السدي.
الثاني: مثبطين في اتباع النبي صلى الله
علیه وسلم، وهو قول مجاهد.
والثالث: مكذبين، حكاه ابن شجرة.
الرابع: معجزين لمن آمن بإظهار تعجيزه
في إيمانه.
ومن قرأ (معاجزين) ففي تأويله أربعة
أوجه:
أحدها: مشاققین، قاله ابن عباس.
والثاني: متسارعين حكاه ابن شجرة.
والثالث: معاندین، قاله قطرب.
والرابع: معاجزين يظنون أنهم يعجزون
الله هرباً، قاله السدي(٣).
ثم أخبر عن هؤلاء أنهم أصحاب
النار بقوله:
﴿أُوْلَكَ أَصْحَبُ اٌلْجَحِيمِ﴾
[الحج: ٥١].
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْ فِي ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ
أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ﴾﴾
[سبأ: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ
(٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٣/٤.
www. modoee.com
١٤١

حرف السین
عَن سَبِيلِ الَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا فِيهِ وَالْبَادِّ وَمَن يُرِّدٍ فِيهِ بِإِلْحَامِ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ
كَانُواْ يُفْسِدُونَ (٨)﴾ [النحل:٨٨].
فالعذاب من الرجز الأليم المذكور
في ((سبأ)» هو عذاب الجحيم المذكور في
الحج(١).
ثم توعدهم الله تعالى بالويل: ﴿رَوَيْلٌ
لِلْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ٥ الَّذِينَ
يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ
وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجَاْ
[إبراهيم: ٢-
أُوْلَئِكَ فِي ضَلَلٍ بَعِيدٍ
٣](٢) .
وأخبر تعالى أن أهل الكتاب يصدون
عن سبيل الله، فقال تعالى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ
◌َيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
وَأَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم
﴾ [التوبة: ٣٤].
٣٤
بِعَذَابٍ أَلِيمِ (
وكذلك قال تعالى عن المشركين: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَْسْجِدِ
الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْنَهُ لِلنَّاسِ سَوَآءُ الْعَكِفُ
(١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٢٧٦/٣،
جامع البيان، الطبري ٦٦١/١٨، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٣٣/٣، تفسير
المراغي ١٢٦/١٧.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١٦/١٤،
التفسير الوسيط، الواحدي ٢٣/٣، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٣٣/٣، تفسير
المراغي ١٢٦/١٧.
مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: ٢٥].
وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ
خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِم بَطَرًّا وَرِشَآءَ النَّاسِ
وَيَصُدُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ
مُحِيطٌ ﴾ [الأنفال: ٤٧](٣).
يقول تعالى بعد أمره المؤمنين
بالإخلاص في القتال في سبيله، وكثرة
ذكره، ناهياً لهم عن التشبه بالمشركين في
خروجهم من ديارهم، ﴿بَطَرًا﴾ أي: دفعاً
للحق، ﴿وَرِشَآءَ النَّاسِ﴾ وهو المفاخرة
والتكبر عليهم، كما قال أبو جهل: لما قيل
له: إن العير قدنجا فارجعوا، فقال: لا والله
لا نرجع، حتى نرد ماء بدر، وننحر الجزر،
ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان،
وتتحدث العرب بمكاننا فيها يومنا أبداً،
فانعکس ذلك علیه أجمع، لأنهم لما وردوا
ماء بدر وردوا به الحمام، وركموا في أطواء
بدر مهانين أذلاء، صغرةً أشقياء في عذاب
وَاَللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ
سرمدي أبدي، ولهذا قال:
مُحِيطٌ﴾ أي: عالم بما جاءوا به وله، ولهذا
جازاهم عليه شر الجزاء لهم (٤).
٢. السعي بالإفساد في الأرض.
إن السعي بالفساد من سجايا اليهود قولًا
(٣) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ١٠٣/٣.
(٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٩٩/٢، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٦٣.
١٤٢
جوية
القرآن الكريمِ

السعی
وفعلًا.
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
غُلَتْ أَيَدِهِمْ وَلُّعِنُواْبِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ
كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثْرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن
زَّئِكَ مُغْيَنًا وَكُفْرَأْ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَعْضَآَّةَ
إِلَى يَوْمِ الْقِيَّةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرّبِ أَطْفَأَهَا
الَّ وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ
* [المائدة: ٦٤]
٦٤
الْمُفْسِدِينَ
قال أبو جعفر الطبري: ((يقول تعالى
ذكره : ... ويعمل هؤلاء اليهود والنصارى
بمعصية الله، فيكفرون بآياته ويكذبون
رسله، ويخالفون أمره ونهيه، وذلك سعيهم
فيها بالفساد والله لا يحب المفسدين))،
یقول: والله لا يحب من كان عاملاً بمعاصيه
في أرضه))(١)، أي: من سجيتهم أنهم دائماً
يسعون في الإفساد في الأرض، والله لا
یحب من هذه صفته(٢).
وصفة السعى بالفساد من صفات الملوك
الجبابرة، قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا
دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةٌ
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ [النمل: ٣٤].
أَدْبَرْ يَسْعَى
وقال تعالى عن فرعون:
(١) جامع البيان ١٠/ ٤٦١.
وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
١٣٣/٣.
(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١٨٩/٢،
تفسير الراغب الأصفهاني ٣٩٦/٥، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٤/٣، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٢٤٨/٦.
[النازعات: ٢٢].
فبعد أن رأى فرعون الآية الكبرى، وهي
المعجزة الكبرى الدالة على صدق نبوته،
وهي انقلاب العصا حيةً أو اليد، ومع ذلك
كذب وخالف، كما قال تعالى: ﴿فَكَذَّبَ
وَعَصَى { ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ﴾﴾ أي: فكذب
فرعون بموسى وبما جاء به وبالحق، وعصى
الله عز وجل فلم یطعه، وتولى وأعرض عن
الإيمان، وأخذ يسعى بالفساد في الأرض،
ويجتهد في مكايدة موسى ومعارضة ما جاء
به والعمل على إبطال أمره (٣).
وكذلك يسعى المنافقون في الفساد
في الأرض، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن
يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ
عَ مَا فِي قَلْبِهِقَلْوَهُوَ أَلَهُّ الْخِصَامِ (٢٠) وَإِذَا
تَوَلَى سَعَى فِى الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ
الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ
٢٠٥
[البقرة: ٢٠٤-٢٠٥].
فالمنافق إذا تولى وأعرض وأدبر أو
تولى إذا أصبح واليًا سلطانًا جارٍ، ﴿وَإِذَا
تَوَلَّى سَعَى فِى الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُّهْلِكَ
اُلْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ
٢٢٠٥
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٢٠٢، تفسير
القرآن، السمعاني ١٥٠/٦، مدارك التنزيل،
النسفي ٥٩٨/٣، التحرير والتنوير، ابن
عاشور ٢١٨/٢٢ التفسير القرآني للقرآن،
يونس الخطيب ١٤٣٩/١٦.
www. modoee.com
١٤٣

حرف السين
[البقرة: ٢٠٥](١).
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول الآية
أقوالًا:
((نزلت في الأخنس بن شريق، واسمه أبي،
والأخنس لقب، وذلك أنه جاء إلى النبي
صلى الله عليه وسلم فأظهر الإسلام، وقال:
الله يعلم أني صادق، ثم هرب بعد ذلك،
فمر بقوم من المسلمین، فأحرق لهم زرعاً،
وقتل حمرًا، فنزلت فيه هذه الآيات ، وما
ثبت قط أن الأخنس أسلم.
وقال ابن عباس: نزلت في قوم من
المنافقين تكلموا في الذين قتلوا في غزوة
الرجيع عاصم بن ثابت وخبيب وابن الدثنة
وغیرهم قالوا: ويح هؤلاء القوم لا هم قعدوا
في بیوتھم ولا أدوا رسالة صاحبهم، فنزلت
هذه الآيات في صفات المنافقين.
ثم ذكر المستشهدين في غزوة الرجيع
في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ
أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ الآية، وقال قتادة
ومجاهد وجماعة من العلماء: نزلت هذه
الآيات في کل مبطن کفر أو نفاق أو كذب أو
إضرار وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك، فهي
عامة))(٢).
(١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٣١٠/١،
تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٤٢٨.
(٢) المحرر الوجيز ٢٧٩/١.
وانظر: جامع البيان، الطبري ٢٣٢/٤،
جوسين
القرآن الكريم
وقوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ
وَالنَّسْلَ
قال المفسرون إن : المراد الأخنس في
قال القاضي ابن عطية: ((قال السدي: إحراقه الزرع وقتله الحمر، وقال مجاهد:
المراد أن الظالم يفسد في الأرض فيمسك
الله المطر فيهلك الحرث والنسل، وقيل:
المراد أن المفسد يقتل الناس فينقطع عمار
الزرع والمنسلون، وقال الزجاج: يحتمل أن
يراد بالحرث : النساء وبالنسل نسلهن)) (٣).
قال القاضي أبو محمد بن عطية:
((والظاهر أن الآية عبارة عن مبالغة في
الإفساد، إذ كل فساد في أمور الدنيا، فعلى
.
هذين الفصلين يدور)) (٤)
أي: أن المنافق أعوج المقال سيء
الفعال، كلامه كذب، واعتقاده فاسد،
وأفعاله قبيحة، وليس له همة إلا الفساد
في الأرض وإهلاك الحرث، وهو محل
نماء الزروع والثمار والنسل، وهو نتاج
الحیوانات اللذين لا قوام للناس إلا بهما،
﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي : لا يحب من
هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك(٥).
التفسير الوسيط، الواحدي ١/ ٣١٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٨٥.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٢٠٢، تفسير
القرآن، السمعاني ٦/ ١٥٠، مدارك التنزيل،
النسفي ٥٩٨/٣، التحرير والتنوير، ابن
عاشور ٢١٨/٢٢.
(٤) انظر: المحرر الوجيز ٢٧٩/١.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٢٠/١.
١٤٤

السعى
٢٠٥) ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
ومن الفساد في الأرض محاربة الله وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ
ورسوله كقطع الطريق وقتل النفس ونقض
العهود والمواثيق.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَّوْاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ
يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ
وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِّ
ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِ
اُلْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ
مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [المائدة: ٣٣-٣٤].
والمحاربة هي المضادة والمخالفة،
وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطريق
وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض
يطلق على أنواع من الشر، (١) حتى قال كثير
من السلف، منهم سعيد بن المسيب: إن قطع
الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض.
وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَى سَعَى فِى
اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ
(١) الحرابة هي: قطع الطريق وإشهار السلاح
خارج المصر، وقال البعض تتحقق الحرابة
داخل المصر .. والمحارب وفسره الجمهور
في هذه الآية بالذي يقطع الطريق على الناس،
مسلماً كان أو كافرًا.
انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد رواس
قلعجي ص ١٧٧، القاموس الفقهي، سعدي
أبو جيب ص ٨٣، المحرر الوجيز، ابن عطية
٢/ ١٨٤، البحر المحيط، أبو حيان ٢٤٠/٤،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥٤/٦،
التحرير والتنوير، ابن عاشور٦/ ١٨٢.
ثم قال بعضهم: نزلت هذه الآية الكريمة
في المشرکین، کما روى ابن جرير عن
عكرمة والحسن البصري، قالا: ﴿إِنَّمَا
جَزَُّؤْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ نزلت
هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم
من قبل أن تقدروا علیه، لم یکن علیه سبیل،
وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من
الحد إن قتل، أو أفسد في الأرض، أو حارب
الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر
عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي
أصاب.
قال الإمام ابن كثير: ((والصحيح أن
هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن
ارتكب هذه الصفات.
کما رواه البخاري ومسلم من حديث
أبي قلابة واسمه عبدالله ابن زيد الجرمي
البصري عن أنس بن مالك أن نفرًا من عكل
ثمانية، قدموا على رسول الله صلى الله عليه
وسلم فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا
المدينة، وسقمت أجسامهم فشكوا إلى
رسول الله صلی الله عليه وسلم ذلك، فقال
(ألا تخرجون مع راعينا في إبله، فتصيبوا
من أبوالها وألبانها) فقالوا: بلى، فخرجوا
فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا، فقتلوا
الراعي، وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول
الله صلى الله عليه وسلم فبعث في آثارهم
www. modoee.com
١٤٥

حرف السين
فأدركوا فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت الحسي: هدمها وتخريبها، وتقذيرها،
أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، ثم نبذوا والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم
في الشمس حتى ماتوا(١) (٢).
وقال ابن عاشور: ((وفي الآية الكريمة
إشارة إلى بني إسرائيل، وإلى أنهم هم الوجه
البارز فى الإنسانية، الذي تظهر فيه تلك
المنكرات ظهوراً واضحاً، حتى لتكاد تكون
الأصل الذي يقاس عليه كل منكر يظهر في
الناس. فهم يحادون الله ورسوله، والمحادة
هي العدوان على حدود الله، والاستباحة
لحرماته» (٣).
٣. السعي في خراب المساجد.
إن السعي في خراب المساجد من أظلم
الظلم كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اُسْمُهُ، وَسَعَى
فِي خَرَابِهَاْ أُوْلَبِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَآ
إِلَّا خَآَيِفِينَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِی
اُلْأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة: ١١٤].
أي: لا أظلم ممن اجتهد وبذل وسعه
في خرابها الحسي والمعنوي، فالخراب
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب إذا حرق المشرك المسلم
هل يحرق، رقم ٣٠١٨، ٤ / ٦٢، ومسلم
في صحيحه، كتاب القسامة والمحاربين
والقصاص والديات، باب حكم المحاربين
والمرتدين، رقم ١٢٩٦/٣،١٦٧١.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ٢٤٣، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٨٥/٣.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦/ ١٨٠.
الله فيها، وهذا عام، لكل من اتصف بهذه
الصفة (٤).
وقد اختلف المفسرون فى المراد من
الذين منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها؟
على قولين:
القول الأول: إن المراد بالذين منعوا
مساجد الله وسعوا في خرابها بأنهم هم
النصارى قال مجاهد: هم النصارى كانوا
يطرحون في بيت المقدس الأذى ويمنعون
الناس أن يصلوا فيه وعن قتادة قال: هو
بختنصر وأصحابه، خرب بيت المقدس،
وأعانه على ذلك النصارى، وقال سعيد
عن قتادة: قال أولئك أعداء الله، النصارى
حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر
البابلي المجوسي على تخريب بيت
المقدس، حتى خربه وأمر أن تطرح فيه
الجيف(٥).
وهذا القول اختاره ابن جرير، واحتج بأن
قريشًا لم تسع في خراب الكعبة، وأما الروم
فسعوا في تخريب بيت المقدس.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢/ ٥٢٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٩/١.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٢٠/٢،
تفسير القرآن، السمعاني ١٢٨/١، النكت
والعيون، الماوردي ١/ ١٧٣، تفسير الراغب
الأصفهاني ١/ ٢٩٧، تفسير القرآن العظيم،
ابن كثير ١/ ٢٦٩.
جَوَسُولَةُ النَّفسِير
القرآن الكريمِ
١٤٦