النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الشَّعَادَة عناصر الموضوع مفهوم السعادة ٤٤ السعادة في الاستعمال القرآني ٤٥ الألفاظ ذات الصلة ٤٦ أنواع السعادة ٤٨ ٦٠ أسباب السعادة ٧٤ بعض مظاهر السعادة الدنيوية ٨٢ مظاهر السعادة في الدار الآخرة المُجَلَّدَ الثَّامِنْ عَشِّر حرف السين مفهوم السعادة أولًا: المعنى اللغوي: أصل مادة (سعد) تدل على خير وسرور خلاف النحس، فالسعد: اليمن في الأمر(١). والسعادة: خلاف الشقاوة، يقال: يوم سعد ويوم نحس، وقد سعد يسعد سعدًا وسعادة فهو سعيد: نقيض شقي، وسَعُد بالضم فهو مسعود، والجمع سعداء(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: عرفها الراغب بأنها: معاونة الأمور الإلهية للإنسان على نيل الخير(٣). وقال ابن عاشور: «والسّعيد: ضدّ الشّقيّ، وهو المتلبّس بالسّعادة الّتي هي الأحوال الحسنة الخيّرة الملائمة للمتّصف بها)» (٤). والسعادة عند علماء التربية: ((حالة نفسية من مشاعر الراحة والطمأنينة والرضى عن النفس والقناعة بما كتب الله سبحانه وتعالى))(٥). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١ / ٥٥٧. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢١٣/٣. (٣) المفردات ص ٤١٠. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢/ ١٦٤. (٥) دليلك الشخصي إلى السعادة والنجاح، إبراهيم القعيد، ص ٣٧. جوبيع القرآن الكريمِ ٤٤ السعادة السعادة في الاستعمال القرآني وردت مادة (سعد) في القرآن الكريم مرتين (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتٍ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلََّ مَا شَآءَ رَبُّكٌ عَطَاءُ غَيْرَ بَجْذُونٍ ١٠٨ الفعل الماضي ١ [هود: ١٠٨] صيغة المبالغة ١ ﴿فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ (٥)﴾ [هود: ١٠٥] وجاءت السعادة في الاستعمال القرآني بمعنى معاونة الأمور الإلهية للإنسان على نيل الخير (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٣٥٠. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤١٠، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ١٩٨/٢. www. modoee.com ٤٥ حرف السين الألفاظ ذات الصلة ١ الرضا: الرضالغةً: ضد السخط، وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللّهمّ أعوذ برضاك من سخطك)(١): وأرضاه: أعطاه ما يرضى به(٢). الرضا اصطلاحًا: سرور القلب بمر القضاء (٣)، أو طيب النفس بما يصيبه ويفوته مع عدم التغير (٤). الصلة بين الرضا والسعادة وبمقارنة الرضا بالسعادة نجد أن الأول ضد السخط والثاني ضد الشقاوة وأن السخط بعض ألوان الشقاء. الفرح: ٢ الفرح لغة: يقال فرح يفرح فرحًا، فهو فرٌ على خلاف الحزن (٥). الفرح اصطلاحًا: ((انشراح الصّدر بلذّة عاجلة، وأكثر ما يكون ذلك في اللّذات البدنيّة الدّنيوية))(٦). الصلة بين الفرح والسعادة: نجد أن الفرح يبدو واضحًا تحققه في اللذة العاجلة المرتبطة بملذات الدنيا، ويؤكد ذلك الآيات القرآنية؛ كقوله تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالَّوَةِ الدُّنْيَا﴾، وبمقارنته بالسعادة نجد بينه وبين مفهوم السعادة نوعًا من التقارب الواضح، إلا أن الأوضح، هو أن السعادة أشمل وأعم، ففرح الإنسان بنعم الله ولذات الدنيا ومتاعها وانشراح صدره بذلك إنما هو داخل في المعونة الإلهية للإنسان على نيل الخير، والذي يشمل خير الدنيا والآخرة، إلا أن الفرح قد (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، رقم ٤٨٦. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٢٣/١٤. (٣) انظر: التعريفات، الجرجاني، ص ١٢٥. (٤) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٣٦٥. (٥) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ /٤٩٩. (٦) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٢٨. ٤٦ جَوَنُور القرآن الكريمِ السعادة يحدث عند الإنسان بلذة دنيوية بحتة، لا تقرب من سعادة الآخرة، بل ربما تباعد بينه وبينها قال تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالََّةِ الدُّنْيَا وَمَا ◌َلْقَوَةُ الدُّنْيَا فِ الْآَخِرَةِ إِلَّ مَتَحُ﴾ [الرعد: ٢٦]. السرور: ٣ السّرور لغة: يقال: سررت برؤية فلانٍ وسرّني لقاؤه، وقد سررته أسرّه ، أي: فرّحته، السّرور خلاف الحزن، تقول: سرّني فلانٌ مسرّةً، والسرور: ما ينكتم من الفرح (١). السرور اصطلاحًا: ((حالة نفسانية تعرض عند حصول اعتقاد وعلم أو ظن لحصول شيء لذيذ))(٢). الصلة بين السرور والسعادة: السرور هو ما انشرح واطمأن له القلب من الفرح بلذة عاجلة أو آجلة، ويمقارنته بالسعادة نجد بينه وبين مفهوم السعادة نوعًا من التقارب، إلا أن السعادة أشمل وأعم، فسرور الإنسان بنعم الله ولذات الدنيا ومتاعها وانشراح صدره بذلك إنما هو داخل في المعونة الإلهية للإنسان على نيل الخير، والذي يشمل خير الدنيا والآخرة، إلا أن السرور قد يحدث عند الإنسان بلذة دنيوية بحتة، لا تقرب من سعادة الآخرة، بل ربما تباعد بينه وبينها، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِى أَهْلِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ١٣]. وعليه فقد يكون الشخص مسرورًا لكنه شقي. (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤ /٣٦١. (٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٩٣. www. modoee.com ٤٧ حرف السين أنواع السعادة كل إنسان على وجه الأرض يسعى لتحقيق السعادة لنفسه، ورغم اختلاف الناس في مشاربهم ومذاهبهم وأعراقهم وألوانهم إلا أنهم يتفقون في غاية واحدة هي طلب السعادة، ويبذلون لتحقيقها الأموال والأعمار. والسعادة: هي ذاك الشعور الداخلي الذي يحسه الإنسان بين جنبيه، وتتمثل في سكينة النفس وطمأنينة القلب وراحة الضمير والبال؛ نتيجةً لاستقامة السلوك الظاهر والباطن، المدفوع بقوة الإيمان، لا تقتصر على تحقيق مطالب وملذات الجسد والدنيا، بل تمتد لتشمل التشوق إلى الحياة الأخروية الأبدية الدائمة المتمثلة في دار الخلود التي لا ينقطع نعيمها ولا يمتنع. ويشتمل هذا المبحث على النقاط الآتية: أولًا: السعادة الموهومة الزائلة: السعادة هي الحلم الذي ينشده كل إنسان على الأرض فأین نجدها؟ سؤال حیر الناس من قديم .... أين السعادة؟ طلبها الأكثرون في غير موضعها، فعادوا كما يعود طالب اللؤلؤ في الصحراء صفر اليدين، مجهود البدن، کسیر النفس! فقد جرّب الناس في شتى العصور ألوان المتع المادية، وصنوف الشهوات الحسية فما وجدوها وحدها تحقق السعادة أبدًا، وربما زادتهم مع كل جديد منها همَّا جدیدًا(١). لقد ظن قوم أن السعادة في النساء فأكثروا من منادمتهن بالحلال والحرام، وظن آخرون أنها في النعيم المادي والغنى ورخاء العيش، وظن غيرهم أنها في البنين فتفاخروا بهم وتباهوا، ورآها آخرون في المنصب والملك والجاه. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ اُلْنِسَآءِ وَالْبَنِينَ وَاَلْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْغَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَاْأَنْفَمِ وَالْحَرْثِّ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا وَاللهُ عِندَهُ، حُسْبُ الْمَعَابِ ﴾ [آل عمران: ١٤]. في هذه الآية الكريمة يجمع السياق القرآني أحب شهوات الأرض إلى نفس الإنسان، والتي يعتقد أنها سر سعادة الإنسان في هذه الحياة الدنيا ؛ لأنها خلاصة الرغائب الأرضية، إما بذاتها، وإما بما تستطيع أن توفرہ لأصحابها من لذائذ أخرى، ويخبر تعالى عمّا زين للناس في هذه الدنيا من أنواع الملاذ بصيغة الفعل المبني للمجهول، إشارة إلى أن تر کیبهم الفطري قد تضمن هذا المیل، فهو محبب ومزين، بل هو جزء من (١) انظر: الإيمان والحياة، يوسف القرضاوي، ص٧٦. ٤٨ جَوَبُو القرآن الكريمِ السعادة تكوين الإنسان الأصيل لا حاجة لإنكاره، فهو ضروري للحياة البشرية كي تتأصل وتنمو وتطرد (١). ١. السعادة في النساء. المرأة كائن عجيب هي ألطف الكائنات إذا اتقت ربها، وأحبت نبيها، وهي سكن الرجل وسر راحته واستقراره، وحلم حیاته، وهي شيطان بل أشد كيدًا إذا ما أطلقت العنان لنفسها! قال بعضهم: ((إن الشيطان يقول للمرأة أنت نصف جندي، وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطئ، وأنت موضع سري، وأنت رسولي في حاجتي)) (٢). قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النَّسَآَةِ﴾ بدأ بهن لکثرة تشوف النفوس إلیھن، لأنهن حبائل الشيطان وفتنة الرجل، عن أسامة بن زيدٍ رضي الله عنهما، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (ما تركت بعدي فتنةً أضرّ على الرّجال من النّساء)(٣). ويقال : في النساء فتنتان ، وفي الاولاد فتنة واحدة ؛ لأن النساء خلقن من الرجل، والرجل خلق فيه الشهوة، وجعلت سكنًا له فغير مأمون كل واحدٍ منهما على صاحبه، قال عمر حین نزلت الآية: «الآن یا رب حین (١) انظر: في ظلال القرآن ١/ ٣٧٣. (٢) إحياء علوم الدين، الغزالي ١٠٠/٣. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب ما تبقى من شؤم المرأة، رقم ٥٠٩٦. . زينتها لنا)) (٤) وقال غيره من المفسرين: بدأ سبحانه بأقوى دواعي الشهوة وهو حب النساء، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودينٍ أغلب لذي لبٍّ منكنّ)(٥). أما إذا كان القصد بالنساء الإعفاف وكثرة الاولاد، فهذا مطلوب مرغوب فيه، مندوب إليه بالأحاديث الشريفة المرغبة في الزواج والاستكثار منه، وخير هذه الأمة أكثرها نساءً. عن عبدالله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (الدّنيا متاعٌ وخير متاعها المرأة الصّالحة)(٦). وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حبّب إليّ من الدّنيا: النّساء، والطّيب، وجعلت قرّة عيني في الصّلاة)(٧). (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧٦٤/٣، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٤ /٢٠. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الغسل، باب ترك الحائض الصوم، رقم ٣٠٤. (٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب خير متاع الدنيا الزوجة الصالحة، رقم ١٤٦٧. (٧) أخرجه النسائي في سننه، كتاب عشرة النساء، باب حب النساء، رقم ٣٩٤٠. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٥٩٩/١، رقم ٣١٢٤. www. modoee.com ٤٩ حرف السين ١٢٥٣م فهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يقر إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِيَّ إِنَّ رَبِ غَفُورٌ رَّحِيمٌّ بحبه لنسائه، ويقرر أن خير المتاع والمسرّة [يوسف: ٥٣]. والسعادة تكمن في المرأة الصالحة. وإذا رجعنا إلى تاريخ البشرية القديم نجد أن أول جريمة قتل ارتكبت على الأرض بسبب النساء. قال تعالى: ﴿﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ [المائدة: ٢٧](١). ٢٧ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ حقا فهل السعادة المنشودة تحصل بمنادمة النساء والنظر إليهن والأنس بهن فقط، وأن اللذة بهن فوق كل اللذات والسعادات؟ إن كان كذلك ؛ فما الذي منع يوسف عليه السلام أن يحقق لنفسه أعظم اللذات والسعادات، وما الذي جعل امرأة العزيز تلوم نفسها وتعترف بصراحة وَمَآ أُبَرُِّ نَفْسِىَّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوْءِ (١) سبب هذا القربان أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكراً وأنثى، وكان آدم عليه السلام يزوج الذكر من هذا البطن بالأنثى من البطن الآخر، ولا تحل له أخته التي ولدت معه، فولدت مع قابيل أخت جميلة، ومع هابيل أخت ليست كذلك، فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل: أنا أحق بأختي، فأمره آدم فلم يأتمر، وزجره فلم ينزجر، فاتفقوا على القربان وأنه يتزوجها من تقبل قربانه. فتقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل، فقال قابيل لأخيه: لأقتلنك ثم قتله. انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٣٦/٢. جوية القرآن الكريمِ ما الذي دفع عابد بغداد حين تعرضت له إحدى الغانيات لتفتنه وتتراقص له بين الأشجار أن یصدها واعظًا لها حتی قلبها من بغي إلى ناسكة عابدة (٢). ولماذا امتنع الرجل الثاني في حديث الثلاثة الذين أغلق عليهم الغار بفعل صخرة انحدرت على بابه -عن مواقعة ابنة عمه(٣). لولا أن هناك سعادة أعظم، وسرورًا أكبر ينتظرا ما ظننت أن هؤلاء يفوتون على أنفسهم تلك السعادة المرجوة بمعاشرة النساء. ٢. السعادة في البنین. الأولاد زهرة الحياة الدنيا وزينتها، ومجال للتفاخر بهم، وللتباهي والتعالي على الناس. قال تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرُ فَقَالَ لِصَحِهِ. وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالَا وَأَعَزُّ نَفَرًّا ٣٤ ﴾ [الكهف: ٣٤] أي: أكثر خدمًا وحشمًا وولدًا، قال قتادة: تلك أمنية الفاجر كثرة المال وعزة النفر (٤). (٢) انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي ١ / ١٠١. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضي، رقم ٢٢١٥. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١١٣٠/٣. السعادة فکثیر من الناس یری أن سعادته وسروره وقرة عينه في الأبناء، ویحلم بتکثیر عددهم، ويطلبهم للاستئناس والفرح بهم، والقرآن الكريم يروي لنا قصة موسى الرضيع حين وجده آل فرعون. قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ أُمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّىِ وَلَكَ لَا نَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ. ﴾ [القصص: ٩]. وَلَدَأُوَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ )) وقال تعالى: ﴿فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُقِّهِ، كَنَّ نَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [القصص: ١٣]. وقد سجل القرآن الكريم اعتزاز العرب بالبنین و تفاخرهم بهم. قال تعالى: ﴿أَمَّ لَهُ أَلْبَتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ﴾ [الطور: ٣٩]. وقد عيروا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مقطوع لا ولد له. قال تعالى: ﴿إِنَّ شَائِشَكَ هُوَ الْأَبْرَ • [الكوثر: ٣]. وأشارت سورة المدثر إلى منّة الله العظيمة على الوليد بن المغيرة المخزومي بنعمة الولد ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ، مَا لَّا مَّمْدُودًا وَبَنِينَ ﴾ [المدثر: ١٢- ١٣]. فالبنون حلم جميل وشهوة محببة إلى النفس ، لذا نرى جميع الناس يسعون إليها، وتتعلق قلوبهم بها، ويظهر ذلك جليًّا فيمن حرم هذه النعمة، وعقم عن الإنجاب، فإنه أجل الحصول على ولد ، حتى أن الأنبياء الذين اختبرهم الله بعدم الإنجاب، رفعوا أیدیهم بالدعاء لله رب العالمين. قال تعالى: ﴿وَزَكَرِنَّ إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَدَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨٩]. وقال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ. زَكَرِيََّ ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءُ خَفِيًّا ﴿ قَالَ رَبِّ إِِّ وَهَنَ الْعَظِمُ مِنِى وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴿ وَإِ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ آَمْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِ مِنْ لَّدُنِكَ وَلِيَّانَ يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ وَأَجْعَلْهُ رَبٍ رَضِيًّا ٢) يَكَرِيََّ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلٍَ أَسْمُهُ يَحْىِ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٢-٧]. لو استقرأنا الواقع لوجدنا أن كثيرًا من الأولاد جرّوا على آبائهم الويلات وأذاقوهم أصناف العذابات، حتى كان حتف بعضهم علی ید ابنه طمعًا في ثروته!، وكم سمعنا من القصص العجيبة عن عقوق الأبناء وتعاسة الآباء. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا ٨٠ [الكهف: ٨٠] حيث كان قتل هذا الغلام أفضل لوالدیه من حیاته. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ يدفع أغلى الأثمان من الآلاف المؤلفة، من إِن مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِ كُمْ عَدُوَّا لَّكُمْ www. modoee.com حرف السين فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]. فالسعادة إذن لا تتحقق بالأبناء، ثم هل الذين حرموا من الأولاد محكوم عليهم بالشقاء المؤبد والتعاسة الدائمة؟ لا أظن ذلك (١). ٣. السعادة في المال. إن المال عصب الحياة حقيقة، والكل يشتهي اقتناءه على شتى أصنافه من ذهب أو فضة أو مجوهرات أو أوراق نقدية، ویری فیه مصدر عزّ وعلو مكانةٍ، ويحرص علی الاستزادة منه دون شبع، عن ابن عباس رضي الله تعالی عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى الثّالث)(٢). وقد ورد لفظ المال ومشتقاته في القرآن في ستة وثمانين موضعًا على اختلاف المفاهيم التي تشير إليها الآيات (٣). قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَاَلْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]. وقال تعالى: ﴿عُثُلِ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيٍ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴾ [القلم: ١٣ -١٤]. وقال سبحانه: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبَّا جَمًّا [الفجر: ٢٠]. ٢٠ (١) انظر: الإيمان والحياة، ص ٨٠، ٨١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب ما يتّقى من فتنة المال، رقم ٦٤٣٦. (٣) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن ص٦٨٢، ٦٨٣. وقال تعالى: ﴿أَعْلَمُوْ أَنَّمَا الْحَيَّوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌبَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرُ فِ الْأَمْوَّلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ [الحديد: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَّهُ زِينَةٌ وَأَمْوَلَا فِىِ الْخَيَّوَةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٨٨]. وقد حرص الناس على اقتناء الذهب والفضة وكنزهما، قال تعالى: ﴿وَلَوْلًا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴿ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبَوَبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَكُونَ ﴿ وَزُخْرُفَا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: ٣٣-٣٥]. وتشير آيات الزخرف الكريمة إلى افتتان الناس بالفضة والذهب، وتعلقهم بحب اقتنائهما، وقد قال المفسرون في تبیین معنی تلك الآيات: لولا أن يعتقد كثير من الناس الجهلة أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه، فيجتمعوا على الكفر لأجل المال فيصبحون أمة واحدة مجتمعة على الكفر، لجعل الله لبيوت الكافرين سقفًا وسلالم ودرجًا من فضة عليها يصعدون، وأبوابًا لبيوتهم وأغلاقًا وسررًا، كل ذلك مصنوع من الفضة والذهب، وما ذلك إلا من الدنيا الفانية الزائلة الحقيرة عند الله تعالى، أي يعجل لهم بحسناتهم التي يعملونها في ٥٢ القرآن الكريمِ السعادة الدنیا مآکل ومشارب ، لیوافوا الآخرة ولیس لهم عند الله تبارك وتعالى حسنة يجزيهم بها(١). وهذا المال الذي يميل إليه كثير من الناس، ويرون أن السعادة تتحقق بجمعه، وبه يحصلون على متع الحياة ولذاتها، قد يكون سببًا لشقاء الانسان في الحياة الدنيا؛ لأن في جمع المال والحفاظ عليه مشقة، فصاحبه لا يصبح إلا مهمومًا ولا يمسي إلا مغمومًا. فهل حقًا السعادة في المال والنعيم المادي؟ !! ومما يؤكد على أن السعادة ليست في المال : أن بعض الإحصاءات أشارت إلى أن كلَّا من شعوب إيسلندا وهولندا والدانمارك أكثر من ٩٢٪ من أفرادها يستشعرون السعادة رغم أن مستواها الاقتصادي يقل كثيرًا عن دول مثل أمريكا وألمانيا التي يسود أفرادها الاكتئاب والأمراض النفسية المختلفة، كما أن الثروة الطائلة لم تحقق لليابانيين والصينيين وكل أتباع بوذا وكنفوشيوس السعادة المرجوة، وأكدت التجارب والخبرات أن السعادة شعور خفي ينبعث من داخل الفرد نفسه ، وأنه ينبغي الفصل التام بين المال والسعادة (٢). (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤ /١٦٨٠. يونيو ٢٠٠٢، ج ٣، السنة ٧٥. قال تعالى: ﴿فَلَ تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَآ أَوْلَئِدُهُمَّ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥]. والعذاب هو المشقة والألم والهم والسقم(٣). وما قصة قارون عنا ببعيد حين حمد الذين تمنوا مكانه بالأمس الله على فضله عليهم ومنّه الذي تمثل بحرمانهم من الثروات والكنوز التي أودت بقارون إلى الخسف والهلاك. وقد ربّی النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على ما هو أعظم من حب المال والتعلق به إلى ما فيه راحة وسعادة أعظم؛ رباهم على القناعة وغرسها في نفوسهم (٤). ومثال ذلك ما حدث مع حكيم بن حزام ، فقد كان رضي الله عنه يحب المال ویکثر من طلبه، عن حكيم بن حزامٍ رضي اللّه عنه، قال: (سألت رسول اللّه صَلى الله عليه وسلم، فأعطاني ، ثمّ سألته، فأعطاني ، ثمّ قال لي: يا حكيم، إنّ هذا المال خضرٌ حلوٌ، فمن أخذه بسخاوة نفسٍ، بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفسٍ، لم يبارك له فيه، و کان کالذي یأکل ولا یشبع، واليد العليا خيرٌ من الید السّفلی، قال حکیمٌ: فقلت: یا رسول اللّه، والّذي بعثك بالحقّ لا أرزا أحدًا (٣) انظر: الإيمان والحياة، ص ٧٦ -٧٩. (٢) انظر: مجلة الأزهر، ربيع الأول ١٤٢٣ هـ (٤) انظر: تزكية النفس، محمد عبدالقادر أبو فارس، ص٢٧٠. www. modoee.com ٥٣ حرفالسین بعدك شيئًا حتّى أفارق الدّنيا، فكان أبو بكرٍ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَدِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَوْ مِنَ الذَّهَبِ وَاَلْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنَْمِ وَالْحَرْثِّ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيًّا وَاللّهُ عِندَهُ( حُسْبُّ الْمَعَابِ ٢﴾ [آل عمران: ١٤]. یدعو حكيمًا لیعطیه العطاء، فیأبی أن يقبل منه شيئًا، ثمّ إنّ عمر دعاه لیعطیه، فیابی أن يقبله، فقال: يا معشر المسلمين، إنّ أعرض علیه حقّه، الّذي قسم اللّه له من هذا الفيء، فيأبى أن يأخذه، فلم يرزا حكيمٌ أحدًا من النّاس بعد النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتّى توفّي رحمه اللّه)(١). والقناعة في الحقيقة طريق السعادة في الدنيا والآخرة ؛ ذلك لأن القناعة تعني العزة والكرامة وعدم سؤال الناس حتى ولو كان محتاجًا، وإذا كان ولابد فليسأل الله تبارك وتعالى ؛ فسؤاله عبادة وهو القادر وحده على سد الحاجة، عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلی الله علیه وسلم: (من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله فیوشك الله له برزق عاجل أو آجل)(٢). ٤. السعادة فى الخيل المسوّمة. لقد ذكر الله الخيل في كتابه الكريم في عدة مواضع منها ما جاء في سورة آل عمران في الآية موضع البحث ﴿زُيِّنَ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي، رقم ٣١٤٣. (٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الزكاة، باب في الاستعفاف، رقم ١٦٤٥. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ١٠٤٤، رقم ٦٠٤١. وجاء ذكرها في سورة كاملة في القرآن الكريم وهي سورة العاديات ، قال تعالى فَالْمُورِيَتِ قَدْحًاً ﴿وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا ! ٢) فَالْغِيرَةِ صُبْحًاً ( فَأَتَرْنَ إِ نَفْهاً )) فَوَسَطْنَ بِهِ، جَمْعًا ﴾ [العاديات: ١ - ٥]. يقسم الله سبحانه وتعالى بالعاديات ضبحًا، قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة ومقاتل وأبو العالية وغيرهم: هي الخيل العادية في سبيل الله تضبح، والضبح: صوت أجوافها إذا عدت(٣). ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى لا يقسم بشيء إلا لتشريفه ولإظهار مكانته. والخيل لها شأنها عند العرب منذ القدم، وكانت مصدر مفاخرة بينهم وكان الشعراء يتباهون بها باعتبارها مصدرًا من مصادر القوة لديهم، وهناك القصائد العديدة التي ألقيت في الخيل، أشهرها قول المتنبي (٤): فالخيل والليل والبيداء تعرفني والضرب والطعن والقرطاس والقلم (٣) الجامع لأحكام القرآن، ٢٠/ ١٥٤. (٤) ديوان المتنبي بشرح العكبري ٣٦٩/٢. ٥٤ القرآن الكريمِ السعادة وقول امرئ القيس في وصف فرسه(١): الْعَبْدٌ إِنَّهُ: أَوَّابُ ) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِّ الصَِّفِنَتُ اَلِيَادُ ، فَقَالَ إِّ أَحْيَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبٍ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ٦ رُدُّوهَا عَلَّ فَطَفِقَ مَسَْخَا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ٣٣﴾ [ص: ٣٠ -٣٣]. مکرِّ مفرِ مقبلٍ مدبرٍ معًا كجلمود صخرٍ حطّه السّيل من عل وورد في الحديث عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من فرسٍ عربيٍّ إلاّ يؤذن له عند كلّ سحرٍ بدعوتين : اللّهمّ خوّلتني من خوّلتني من بني آدم وجعلتني له فاجعلني أحبّ أهله وماله إليه أو من أحبّ ماله وأهله إليه)(٢). وعن جرير بن عبدالله رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يلوي ناصية فرسٍ بإصبعه، وهو يقول: (الخيل معقودٌ بنواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة)(٣). ومما يؤكد هذه المكانة العظيمة للخيل في نفوس مقتنيها، ما ذكره القرآن الكريم في قصة نبي الله سليمان عليه السلام ، وكيف شغله حبه للخيل وإعجابه بها عن ذكر الله أو صلاة العصر. قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ (١) ديوان امرئ القيس، ص ٥٢٠. (٢) أخرجه النسائي في سننه، كتاب الخيل، باب دعوة الخيل، رقم ٣٥٧٩. وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٥٣١/٢. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الخمس، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلم: (أحلت لكم الغنائم)، رقم ٣١١٩. ومعنى قوله تعالى على لسان سليمان عليه السلام: ﴿فَقَالَ إِنَّ أَحَْبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أي: آثرت حب الخير وأراد بالخير الخيل، وسميت كذلك ، لأنه معقود بنواصيها الخير، الأجر والمغنم، فهل حقًّا السعادة في اقتناء الخيول وامتطاء صهواتها مطلقًا؟! لو كان الأمر كذلك لما وجدنا سليمان عليه السلام يذبحها لأنها شغلته عن صلاة ما، ولما وجدنا حاتم الطائي يذبح فرسه لإطعام ضيفه وإكرامه، إذن هناك سعادة أعظم وأمورًا أكثر إسعادًا من الخيل! ٥. السعادة في الأنعام والحرث. تختلف أذواق الناس فيما يسعدهم ويدخل السرور إلى قلوبهم، فهناك من رأى سعادته في كنز الذهب والفضة والأوراق النقدية مثل الرأسماليين الكبار، وأهل الفروسية يرون سعادتهم فيما يقتنونه من خيل وركاب، والفلاحون وأهل الزراعة يرون سعادتهم فيما يمتلكونه من أنعام وحرث. وقد امتن سبحانه وتعالى على عباده بهذه النعمة العظيمة، بل أنزل سورة كاملة www. modoee.com حرف السين تتحدث عن هذا الفضل الكبير، شيعها سبعون ألفاً من الملائكة هي سورة الأنعام. وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأَ جَنَّتٍ قال تعالى: مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُ وشَتٍ وَالنَّخْلَ وَالزََّعَ مُخْلِفَا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَيِةٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا. أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ، وَلَا تُشَرِفُواْ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ا وَمِنَ اُلْأَنْعَمِ حَمُولَةٌ وَفَرْشَأْ كُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اَللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ ◌ُبِينٌ ﴾ [الأنعام: ١٤١- ١٤٢]. وفصلت الآيات في أنواع هذه الأنعام، قال تعالى: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ مِنَ الضَّأْنِ آثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ أَثْنَيْنِّ قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ آلْأُنثََّيْنِ أَمَّا أُشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْتَيَيْنِّ نَبِعُونِ بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ١٤٣ أُ وَ مِنَ الْإِبِلِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ أَثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣-١٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ تُشْقِيَكُم ◌ِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَرٍ أَنَا خَالِصًا سَآَبِغًا لِلشَّرِبِينَ ﴿ وَمِن ثَمَرَتِ اَلنَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَّأُ إِنَّفِى ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [النحل: ٦٦ -٦٧]. وتبرز سورة الكهف موقفًا لبعض أولئك الذين وجدوا سعادتهم في الزروع والجنات مما دفعه إلى التفاخر والتباهي والتعالي على صاحبه. * وَأُضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلَا رَّجُلَيْنِ قال تعالى: جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّنَيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَفْتَهَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ل كِلْنَا الْجَنَّنَيِنِ ءَالَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا نَهُوَّ وَكَانَ لَّهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَحِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَاْ ٣٣ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًّا (٦) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ. وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ، قَالَ مَآ أَعُنُّ أَنْ تَبِيَدَ هَذِهِهِ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآيِمَةٌ وَلَيْن آبَدًا ہ) رُّدِدتُ إِلَى رَبِ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا [الكهف: ٣٢-٣٦]. جاءت هذه الآيات الكريمة بعد ذكر المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين، وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم، فضرب لهم القرآن مثلًا برجلين، جعل لأحدهما جنتين، أي: بستانين من أعناب محفوفتين بالنخيل المحدقة، في جنباتهما، وفي خلالهما الزروع، وكل من الأشجار والزروع مثمر في غاية الجودة، حيث قال تعالى: ﴿كِلَّا اٌلْجَنَيْنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا﴾ ، أي : أخرجت ثمارها ولم تنقص منه شيئًا والأنهار متفرقة بين الأشجار (١). قيل له مال من الذهب كانز والفضة، وقيل : ثمار وهو هنا أظهر، قال صاحب هاتين الجنتين لصاحبه وهو يجادله (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢٤/٢١- ١٢٥. ٥٦ جوبي القرآن الكريم السعادة ويخاصمه ويفتخر عليه أنه أكثر خدمًا مدلهمة، لا ينتفع بشيء منها فقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَخْرُومُونَ (٧)﴾ [ القلم: ٢٧]. وحشمًا وولدًا، ودخل حديقته متمردًا متكبرًا كافرًا بأنعم الله، ومتجبرًا منكرًا المعاد، اغترارًا منه لما رأى فيها من الزروع والثمار ظانًا أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك، بل ويصر على أنه لو كان هناك معاد ورجعة إلى الله سيكون حظه أحسن من الدنيا لأن (١) . له عند الله كرامة؛ كما يزعم فهل حقًّا تكمن السعادة في اقتناء الأنعام وامتلاك الحدائق والبساتين، والجواب في قصة أصحاب الجنة الواردة في سورة القلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ بَوْنَهُمْ كُمَا بَوْنَاً أَصْحَبَ اَلْجَنَّهِ إِذ أَقْتَمُواْلَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (٣)﴾ [القلم: ١٧]. كبيرة أو رحمة عظيمة فقابلوها بالجحود والنكران. وأصحاب الجنة هؤلاء إخوة من الیمن ورثوا حديقةً عن أب تقي کان يؤدي حق الله في جنته، ولما أرادوا أن يجنوا ثمارها بعد أن نضجت وصلحت، قرّروا أن يمنعوا حق الفقراء فيها، ويقطفوها ليلاً دون أن يشعر بهم أحد ، ظانين أن السعادة والفرح في استئثارهم بثمر تلك الجنة، فلما وصلوها أنكروها بعد أن رأوها قد تحولت عن تلك النضارة والزهوة إلى سوداء أي: نحن لا حظ لنا ولا نصيب. ثم أقروا جميعًا بسوء صنيعهم وأدركوا أن الخير كل الخير في الرجوع إلى الله تعالى ، وشكره على ما أعطاهم وأنعم عليهم، واعترفوا بظلمهم لأنفسهم وطغيانهم، ورجوا الله أن يبدلهم خيرًا منها في الدنيا ليحسنوا من جديد، أو احتسبوا ثوابها في الدار الآخرة. بعد أن عاشوا أيام تعاسة وشقاء على فقدان تلك الجنة التي كانوا یرون فيها مصدر سعادة وهناء(٢). فلا سعادة إذن في حرث وزرع قد يثمر في هذه القصة مثل يضربه الله تعالى وقد لا يثمر وفي حدائق قد تزهر وقد تصبح لكفار قريش ولكل من أنعم الله عليهم بنعمة حطامًا، تنشغل بها النفوس وتتعلق بها القلوب وهي ترتقب و تنتظر. ها قد أوردنا كل ما يعتقده المعتقدون ويلهث وراءه اللاهثون ويتلذذ به المتلذذون بأنواع الشهوات المختلفة من نساء وبنين وأموال وخيل وأنعام وحرث وشهرة. هؤلاء التائهون اللاهثون وراء أوهام السعادة المزيفة من كفروا بالله، وأعرضوا عن طريق الإيمان لن يصلوا إلا للهلاك. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]. (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٢٩/٣- (٢) انظر: إرشاد العقل السليم ، أبو السعود ١١٣٠. ٣٧٨/٦، فتح القدير، الشوكاني، ٣١٤/٥. www. modoee.com ٥٧ حرف السين حقيقة لها، يغلفها الهم والغم والشقاء! أين السعادة إذن؟ وكيف نحصل عليها؟ ثانيًا: السعادة الأبدية الخالدة: وهي بيت القصيد في هذا البحث المتواضع والتي لأجلها رخص الشهداء أرواحهم وأموالهم، وجاهد المؤمنون شهواتهم وأهوائهم، وأفنى العلماء والعباد أعمارهم، إنها الجنة دار السعادة التي لا تنقطع، والسرور الذي لا يزول، فنعيم الجنة يفوق الوصف، ویقصر دونه الخيال، ليس لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا، ومهما تقدموا وتطوروا وترقوا في دنياهم فسيبقى ما يبلغونه أمرًا هينًا ولا يذكر بالنسبة لنعيم الآخرة، ولقد حاز ذكر الجنة ووصفها في القرآن الكريم على الكثير من الآيات والسور، وكذلك أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وذاك حتى تتعلق بها القلوب، وتسعى إلى سكناها النفوس، متسلیةً بها عن كل ملمات الحياة ومشاقها. قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمّ ◌َيْتَ نِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]. وما أخفاه الله عنا من نعيم الجنة شيء عظيم لا تدركه العقول، ولا تصل إلى كنهه الأفكار، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: شهدت من رسول اللّه صلى كل ما سبق هي سعادات موهومة لا الله عليه وسلم مجلسًا وصف فيه الجنّة حتّی انتھی ثمّ قال صلی الله عليه وسلم في آخر حديثه: (فيها ما لا عينٌّ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشرٍ ثمّ قرأ هذه الآية: ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ (٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَآءُ ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧](١). ١٧ بِمَا كَانُواْيَعْمَلُونَ وفي وصف طعام أهل الجنة قال تعالى: ﴿وَفَكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَُّونَ ﴿ وَدِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ [الواقعة: ٢٠-٢١]. وقال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُّبُ﴾ [الزخرف: ٧١]. قال المفسرون في شرح الآيات: أي: يطوف عليهم الغلمان بما يتخيرون من الثمار، وفي الآية دليل على جواز أكل الفاكهة على صفة التخير لها(٢). قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَانَتْ لَمُمْ جَنَّتُ اَلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ١٠٧ [الكهف: ١٠٧]. وقال تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا اَلْمَوْنَ إِلَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَىِّ وَوَقَنَّهُمْ عَذَابَ اَْحِيمِ﴾ [الدخان: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿بُشْرَنِكُمُ الْيَوْمَ جَنَّتُ تَبْرِىمِن تَمْنِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيَأْ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعیمها وأهلها، رقم ٢٨٢٥. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم ١٨٢٣/٤. ٥٨ جَوَسُو القرآن الكريمِ السعادة [الحديد: ١٢]. الجنة خالدة لا تفنى ولا تبيد، وأهلها فيها خالدون، لا يرحلون عنها ولا يظعنون ولا يبيدون، ولا يموتون والآية الكريمة في سورة الدخان تؤكد على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدًا(١). کما ثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: (یؤتى بالموت کھیئة کبش أملح فینادي منادٍ يا : أهل الجنّة فيشرئبّون وينظرون فيقول : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم هذا الموت وكلّهم قد رآه، ثمّ ينادي: يا أهل النّار فيشرئبّون وينظرون فيقول : هل تعرفون هذا فيقولون :نعم هذا الموت و کلّهم قد رآه فيذبح، ثمّ يقول : يا أهل الجنّة خلودٌ فلا موت ويا أهل النّار خلودٌ فلا موتٍ)(٢). وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ينادي منادٍ إنّ لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدًا، وإنّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإنّ لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدًا، وإنّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا)(٣). (١) انظر: المصدر السابق، ١٦٩٨/٤. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب ﴿وَأَنِذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾، رقم ٤٧٣٠. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في دوام نعيم أهل الجنة، رقم ٢٨٣٧. إن مقتضى النصوص أن الجنة تخلق خلقًا غير قابل للفناء ، وكذلك أهلها ، ففي الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من يدخل الجنّة ينعم لا پبأس ، لا تبلی ثیابه ولا یغنی شبابه)(٤). وقد أنكر أهل السنة والجماعة قول الجهم بن صفوان -إمام المعطلة -بفناء الجنة والنار، قال شارح الطحاوية: ((فأما أبدية الجنة، وأنها لا تفنى ولا تبید، فهذا مما يعلم بالضرورة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر به. ، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى قال تعالى: اَلْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْشُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَاءٍ غَيْرَ مَجْذُونٍ ١٠٨ [هود: ١٠٨]))(٥). (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة، باب في دوام نعيم الجنة، رقم ٢٨٣٦. (٥) شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز ٦٤١/٢، انظر: حادي الأرواح، ابن القيم، ص٢٤٤ - ٢٤٥. www. modoee.com ٥٩ حرف السين أسباب السعادة غفل كثير من الناس عن الأسباب الحقيقية التي تبعث السعادة في النفوس، والتي يمكن إجمالها في الالتزام بكتاب الله عز وجل وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم الذي بين لنا أن التمسك بهما طريق السعادة الحقيقية. وقبل الحديث عن الأسباب التي تحقق السعادة في الدنيا والآخرة لابد من الإشارة إلى أنه لا توجد سعادة مطلقة في هذه الدنيا وإنما هي نسبية، وهي ومضات خاطفة في حياة الناس؛ في مواقف وأوضاع خاصة، وتبعًا لأسباب وأخلاق وقيم إنسانية يمكن الوقوف عليها من خلال المطالب الستة التالية. أولًا: الإيمان: الإيمان معناه: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره)(١). هذا ما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام حين سأله عن الإيمان في حديث عمر رضي الله عنه. وهو أعظم نعم الله سبحانه على عباده، (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، رقم ٢. والتي تستحق من صاحبها أن يواظب على شكرها ليلاً ونهارًا قائلاً ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِى هَدَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَّهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَمَنَا اللَّهُ [الأعراف: ٤٣]. قال تعالى: ﴿يَمُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَىَ إِسْلَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَكُمْ لِلْإِيَمَنِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ [الحجرات: ١٧]. إن الإنسان الذي يؤمن بالله تعالی إيمانًا صافيًا من الشوائب يكون مطمئن القلب، هادئ النفس. فخضوع المؤمن لله تعالى يقوده إلى الراحة النفسية. والإيمان ليس فقط سببًا لجلب السعادة بل هو أيضًا سبب لدفع موانعها، ((وإذا كانت السعادة شجرة منبتها النفس البشرية، فإن الإيمان بالله وبالدار الآخرة هو ماؤها وغذاؤها، وهواؤها وضياؤها، إن الإيمان يفجر ينابيع السعادة التي لا يمكن أن تغيض، والتي تتمثل في السكينة والأمن والأمل والرضا والحب))(٢) ويظهر من خلال السياق القرآني ما ينعم به المؤمنون من خیر عمیم یمکن أن یلخص بما يلي: قال تعالى: ﴿اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُمِ مِّنَ الُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. یخبر سبحانه وتعالى: أنه یهدي من اتبع (٢) انظر: الإيمان والحياة، القرضاوي، ص٩٢. ٦٠ جوب لِلْقُرآن الكَرِيْمِ السعادة رضوانه سبل السلام، فيخرج المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير، فما أعظمها سعادةً أن ينقذ الله من آمن من التخبط والحيرة ويلهمهم الصراط المستنير، وقد أفرد سبحانه وتعالى لفظ ﴿النُّورِ﴾ لوحدة الحق، وجمع ﴿اَلظَّلُمَتِ﴾ لتعدد فنون الضلال، فالحق واحد والكفر أجناس(١). وهذا النور ليس قاصرًا على الدنيا بل يراه المؤمن نورًا حقيقيًا يوم القيامة قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُؤْرُهُم بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَيَتْمَتِ ◌ُشْرَائِكُمُ الْيَوْمَ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا اَلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَاً ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [الحديد: ١٢]. يقول سيد قطب: ((هؤلاء هم المؤمنون والمؤمنات نراهم، ولكننا نری بین أیدیھم وبأيمانهم إشعاعًا لطيفًا هادئًا، ذلك نورهم يشع منهم ويفيض بين أيديهم، فهذه الشخوص الإنسانية قد أشرقت وأضاءت وأشعت .... إنه النور الذي أخرجها الله إليه وبه من الظلمات، والذي أشرق في أرواحها فغلبت على طينتها، أم لعله النور الذي خلق الله منه هذا الكون وما فيه ومن فيه ظهر بحقيقته في هذه المجموعة التي حققت في (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٥٠/١. ذواتها حقيقتها)) (٢). وأما قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهُّ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنَّ الْقُلُوبُ ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَثَابٍ ٢٩ [الرعد: ٢٨-٢٩]. أي: تطیب وترکن وتسكن وترضى به مولىّ ونصيرًا. قال ابن عباس: ﴿طُوبَى﴾ فرج وقرة عين، وقال الضحاك غبطة لهم وقيل: خير لهم وقيل أصابوا خيرًا، وحسنى لهم (٣). ثانيًا: العمل الصالح: العمل الصالح وعلى رأسه أداء العبادات هو ثمرة من ثمرات الإيمان، لذا لا نكاد نرى آيةً تتحدث عن الإيمان إلا وقرنت ذلك بالعمل الصالح. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُوًّا (٢)﴾ [مريم: ٩٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ لَلَىُّ مِنْ تَِّهِمْ كُفَّرَ عَنْهُمْ سَيِئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَمْ ﴾ [محمد: ٢]. الصالحات في اللغة: جمع مؤنث سالم من اسم الفاعل صالح، والصلاح ضد (٢) في ظلال القرآن ٣٤٨٥/٦. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٩٨٣. www. modoee.com ٦١ حرف السين الفساد (١). وفي الاصطلاح: کل ما أمر الله بفعله من عبادة وخلق وعمل وتعامل، وفي أولها إقامة شريعة الله في الأرض، والحكم بين الناس بما شرع الله(٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: صدّقوا ﴿وَعَمِلُواْ الصَّْلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ أي: محبة في الناس في الدنيا، يحبهم الله ویحببهم إلى خلقه المؤمنین، قال ابن عباس: الود من المسلمین في الدنيا والرزق الحسن واللسان الصادق(٣). عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ الله إذا أحبّ عبداً دعا جبريل، فقال: إني أحبّ فلاناً فأحبّه، قال: فیحبّه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إنّ الله يحبّ فلاناً فأحبّوه، فيحبّه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل عليه السلام، فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إنّ الله يبغض فلانًا فأبغضوه، ثم توضع له البغضاء في الأرض) (٤). (١) لسان العرب، ابن منظور ٥١٦/٢. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٩٥٣. (٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ١٧٦/٣، تفسير القرآن العظيم ١١٧٩/٣. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ذکر الملائكة، رقم ٣٢٠٩. وكان هرم بن حيان يقول: ما أقبل عبد إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتی یرزقه مودتهم ورحمتهم. و کان عثمان ابن عفان رضي الله عنه يقول: (ما من عبد يعمل خيرًا أو شرًا إلا کساه الله عز وجل رداء عمله)(٥). قال القرطبي: «إذا كان محبوبًا في الدنيا فهو كذلك في الآخرة، فإن الله تعالى لا يحب إلا مؤمنًا تقيًا، ولا يرضى إلا خالصًا نقيًا، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه))(٦). وأما سيد قطب فيقول: ((وللتعبير بالود في هذا الجو نداوة رخية تمس القلوب، وروح رضي يلمس النفوس، وهو ود يشيع في الملأ الأعلى، ثم يفيض على الأرض والناس فيمتلئ به الكون كله ويفيض))(٧). وأفضل الأعمال على الإطلاق هي العبادات التي شرعها الله وجعل فيها الخير كل الخير، والسعادة كل السعادة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي فيما يروى عن رب العزة عز وجل: (من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببته (٥) الجامع لأحكام القرآن ١٨/١١. (٦) المصدر السابق ١١ / ١٩١. (٧) في ظلال القرآن ٢٣٢١/٤. ٦٢ جوبيه القرآن الكريم