النص المفهرس

صفحات 21-36

السر
إن إسرار المكر والكيد لله ولرسله الكافرين والمنافقين برسل الله تعالى
وَقَدْ مَكْرَ
والمؤمنين، منها: قوله تعالى:
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعَآَ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ
كُلِّ نَفْسِنُ وَسَيَعْلَهُ الْكُفَّرُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾
[الرعد: ٤٢].
وللمؤمنين في كل وقت وحين هو من
أخلاق الكافرين والمنافقين، ولا يكون
المکر والکید إلا في سرِّ وخفية، وهو على
أنواع:
الأول: المكر والكيد بآيات الله بالطعن
فيها وتكذيبها والاحتيال في دفعها ، كما في
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ
ضَرَآءٍ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِيَءَايَائِنَاً قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ
مَكْرَأْ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ [يونس:
٢١].
وقد بيَّن الله تعالى أنه أسرع مکراً منهم،
فقد دبّر عقابهم قبل أن يدبروا كيدهم،
والمكر من الله تعالى: صفة مقابلة لا تطلق
عليه إلا في مقابل مكر وكيد الكافرين
والمنافقين.
ولما كان المکر والکید یکون في سرّ
وخفية، فقد بين الله تعالى إن الحفظة
یکتبون ما يمكر به المنافقون والكافرون؛
تحقيقاً للانتقام منهم، وتنبيهاً على أن ما
دبروا في إخفائه لم يخف على الحفظة
فضلاً أن يخفى على الله تعالى (١).
ثانيًا: المكر والكيد برسل الله تعالى
والمؤمنين:
دلت الكثير من الآيات على مكر وكيد
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٣٧/٢، مفاتيح
الغيب، الرازي ١٦ /٦٥، أنوار التنزيل،
البيضاوي ١٠٩/٣.
وقوله عز وجل: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا﴾
[نوح: ٢٢].
وقوله سبحانه: ﴿فَوَقَتُهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا
مَڪَرُواْ وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوَّهُ الْعَذَابِ﴾
[غافر: ٤٥].
وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَّرْنَا
مَكْرَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠].
﴿ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ
وقوله جل شأنه:
مُؤْمِنٌ كَبْدِ الْكَفِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨](٢).
وقد بيَّن الله عاقبة مكر وكيد الكافرين
والمنافقين وأنه تعالى عالم بجميع السرائر
والضمائر وسيجزي كل عامل بعمله،
وستكون العاقبة لأتباع الرسل في الدنيا
والآخرة، کما مکر الذین من قبلهم برسلهم،
وأرادوا إخراجهم من بلادهم، فمكر الله
بهم، وجعل العاقبة للمتقين: ﴿وَإِذْ يَتْكُرُ
بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُولٌ
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اَللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾
[الأنفال: ٣٠].
وبيَّن الله تعالى أنه يدمر من يمكر،
(٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٢/ ٦١٢، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٤٠٦.
www. modoee.com
٢٧

حرفالسین
وقومه برسل الله بقوله تعالى: ﴿ وَمَكَرُواْ
مَكْرًا وَمَكَّرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥)
فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا
دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٧) فَتِلْكَ بُيُوتُّهُمْ
خَارِيَةٌ بِمَا ظَلَمُواْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَبَةٌ لِّقَوْمٍ
يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٠- ٥٢].
ومثله قوله تعالى: ﴿قَدْ مَڪَرَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُلْيَنَهُم ◌ِّنَ
اُلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ
وَأَتَنْهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾
[النحل: ٢٦](١).
کما أوصى الله المؤمنين بما يدفع المكر
والكيد وهو : الصبر والتقوى ، وذلك في
قوله تعالى: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةٌ تَسُؤَّهُمْ
وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ لَا يَضُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا
يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠].
ثالثًا: المكر والكيد بين المسلمين
بعضهم لبعض، وهذا محرم ولا يجوز، ومنه
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَبُنَّ لَا نَقْصُصْ رُءُ يَاكَ عَلَى
إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَّكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلَّإِنسَنِ
عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [يوسف: ٥].
ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُ.
قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ
[يوسف: ٢٨].
عظِيم
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٤/١٩،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤ / ٩٨.
وكذلك الغدر بالمسلمين، يدخل في
المکر والکید، وهو محرم لما رواه ابن عمر
رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: (ينصب لكل غادر لواء عند
استه يوم القيامة، فيقال هذه غدرة فلان بن
فلان)(٢).
والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفيًا
لا يطلع عليه الناس، فيكشف الغدر والغادر
يوم القيامة علانية ويطلع عليه بصورة فيها
شيء من الإهانة، ويصير علماً منشوراً على
صاحبه بما فعل(٣).
رابعًا: الإسرار بالمودة للكافرين:
بَيَّن الله تعالى بأن من يسرّ من المسلمين
إلى المشركين بالمودة فقد جار عن قصد
السبيل التي جعلها الله طريقاً إلى الجنة
ومحجة إليها، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوْ لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلَّقُونَ
إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ
يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيََّكُمْ أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُمْ
خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِى سَبِيلِ وَأَبْتِغَةَ مَرْ ضَائِيَّ تُّسِرُونَ
إِلَيْهِم ◌ِلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَن
يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة:
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب ما يدعى الناس بآبائهم، رقم ٦١٧٧،
٤١/٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب تحريم الغدر، رقم ١٧٣٥،
١٣٥٩/٣.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٩/٣.
جَوَسُولَةُ التقنية
الْقُرآن الكَرِيْمِ
٢٨

السرع
١]؛ لأن المودة هي عماد عقيدة الولاء
والبراء للباري سبحانه، ومكانها القلب
الذي هو موئل العاطفة، ومنبت الإحساس
والمشاعر، وهي معنى خفي لا يطلع عليه
إلا الخالق عالم الغيب والشهادة، ولذلك
كان عطاء لله تعالى للعبد على قدر إخلاصه
في هذه المحبة لله ولرسوله ولدينه ولعباده
المؤمنين ، فلابد أن تجرد هذه المحبة لله
وتصفى وتنقى من أي شائبة بشرك أو غبار
رياء، أو تكدير نفاق (١).
والإسرار في الآية على وجهين:
أحدهما: تعلمونهم سراً أن بینکم وبینھم
مودة.
الثاني: تعلمونهم سرًّا بأحوال النبي
صلى الله عليه وسلم بسبب المودة التي
بینکم وبینھم، وقد فسر بأن معناه: یظهرون،
وهذا صحيح؛ فإن الإسرار إلى الغير يقتضي
إظهار ذلك لمن يفضى إليه بالسر، وإن
كان يقتضي إخفاءه عن غيره، فإن قولهم:
أسررت إلى فلان يقتضي من وجه الإظهار،
ومن وجه الإخفاء(٢).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣١٠/٢٣، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ١٥٥/٥، النكت
والعيون، الماوردي ٥١٧/٥، الكشاف،
الزمخشري ٤ / ٥١٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣١٠/٢٣، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ١٥٥/٥، المفردات،
الراغب الأصفهاني ص ٤٠٤، النكت
والعيون، الماوردي ٥١٧/٥، الكشاف،
وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية وما
بعدها من أول هذه السورة نزلت في شأن
حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، وكان
قد كتب إلى قريش بمكة يطلعهم على أمر
کان رسول الله صلی الله عليه وسلم قد
أخفاه عنهم، وبذلك جاءت الآثار والرواية
عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم وغيرهم(٣).
فقد روى علي بن أبى طالب رضي الله
عنه قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه
وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا
حتی تأتوا روضة خاخ- وهو مکان بين مكة
والمدينة- فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه
منها فأتونی به فخرجنا حتى أتينا الروضة،
فإذا نحن بالظعينة فقلنا لها: أخرجي
الکتاب. فقالت: ما معي . ویروی أنها نزلت
في حاطب بن أبي بلتعة، وكان كتب إلى أهل
مکة یتنصح لهم، فکتب إليهم أن رسول الله
یرید أن یغزوكم فخذوا حذركم فأطلع الله
نبیه علی ذلك، وكان كتب إليهم كتاباً ووجه
به مع امرأة يقال إنها كانت مولاة بني هاشم،
فوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم علي
والزبير خلفها فلحقاها فسألاها عن الكتاب
فأنكرت، ففتشا ما معها فلم يجدا شيئاً، فقال
علي رضوان الله علیه: إن رسول الله صلى
الزمخشري ٤ / ٥١٢.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣١٠/٢٣، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ١٥٥/٥.
www. modoee.com
٢٩

حرف السين
الله عليه وسلم لم يكذبنا فأقسم علي عليها في ذكر ذلك بالتعريض مع العاقد له، وهو
المرأة أو الولي؛ وهو في المرأة آكد.
لتخرجن الكتاب أو ليضربتها بالسيف،
فقالت لهما: وليا وجوهكما وأخرجت
الكتاب من قرن من قرون شعرها، فجاء
بالکتاب إلى النبي عليه السلام فعرضه على
حاطب فاعترف به ، وقال : إن لي بمكة أهلاً
ومالاً فأردت أن أتقرب منهم، ولن يرد الله
بأسه عنهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ الآية
إلى آخر القصة (١).
لكن الآية عامة في كل من يسر مودة
الكافرين؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا
بخصوص السبب(٢).
خامسًا: الإسرار بمواعدة النساء
بالزواج:
حرم الله تعالى النكاح في العدة،
وأوجب التربص على الزوجة مدتها،
وقد علم سبحانه أن الخلق لا يستطيعون
الصبر عن ذكر النكاح والتكلم فيه، فأذن
في التصريح بذلك مع جميع الخلق، وأذن
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب غزوة الفتح، رقم ٤٢٧٤،
١٤٥/٥، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل
الصحابة رضي الله عنهم، باب من فضائل
أهل بدر رضي الله عنهم وقصة حاطب بن
أبي بلتعة، رقم ٢٤٩٤، ٤ /١٩٤١.
(٢) انظر: البحر المحيط في أصول الفقه، بدر
الدين الزركشي ٤ /٢٦٩، شرح الكوكب
المنير، ابن النجار الحنبلي ١٧٧/٣.
قال الإمام ابن عطية: ((أجمعت الأمة
على أن الكلام مع المعتدة بما هو رفث
من ذكر جماع، أو تحريض عليه فإنه لا
يجوز، وقال أيضاً : أجمعت الأمة على
كراهة المواعدة في العدة للمرأة في
نفسها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا
عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْتَنْتُمْ فِىّ
أَنفُسِكُمَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لَّا
تُوَاعِدُ وهُنَّ سِرًّا إِلََّ أَن تَقُولُواْ قَوْلًا مَّعْرُوفَاً
وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ
أَجَلَةٌ، وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ
فَأَحْذَرُوهُ وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ [البقرة:
٢٣٥]»(٣).
والتعريض هو: القول المفهم المقصود
الشيء، وليس بنص فيه، أي: الإشارة بالكلام
إلى ما ليس فيه ذكر النكاح، والتعريض
المباح في العدة بخطبة معتدة الوفاة في
أثناء العدة: أن يقول لها الرجل مثلاً: إنك
لجمیلة، ومن يجد مثلك، ورب راغب فيك،
ولعل الله أن يسوق إليك خيراً، أو يقول:
رب رجل يرغب فيك، وما جرى مجرى
هذه الألفاظ. والتصريح هو: التنصيص عليه
والإفصاح بذكره. والتعريض مأخوذ من
عرض الشيء وهو ناحيته، كأنه يحوم على
(٣) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ١٥٨/٢.
٣٠
القرآن الكريمِ

السرع
النكاح، ویمشي حوله ولا ینزل به(١).
وقد اختلف العلماء في السر المراد في وقيل: المراد به هنا هو الزنى، وهو اختيار
هذه الآية على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه الزنا، قاله: جابر بن زيد، وأبو
مجلز: لاحق بن حميد، والحسن بن أبي
الحسن، والضحاك، وإبراهيم النخعي، وهو
اختيار الإمام الطبري (٢).
الثاني: الجماع، وهو قول الشافعي،
ویکنی به عن الجماع حلاله وحرامه؛ لكونه
یکون في سر، وقد يعبر به عن العقد؛ لأنه
سبب فيه(٣).
الثالث: التصريح بالنكاح: ذهب إلى
ذلك جمهور العلماء، أي: لا تتعدوا معهن
وعداً صريحاً على التزوج بهن (٤).
والمراد بالسر في الأصل: هو الوطء،
ويقصد به هنا عقد الزواج في العدة سرًّا،
(١) انظر: غريب القرآن، ابن قتيبة ص ٩٠، معاني
القرآن، النحاس ٢٢٨/١، أحكام القرآن، ابن
العربي ٢٨٥/١.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠٥/٥، النكت
والعيون، الماوردي ١/ ٣٠٤، أحكام القرآن،
ابن العربي ٢٨٨/١، المحرر الوجيز، ابن
عطية ١/ ٣١٥.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨٣/١،
أحكام القرآن، ابن العربي ٢٨٧/١، البحر
المحيط، أبو حيان ٢/ ٥٢٢، تفسير المراغي
٢/ ١٩٤.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠٥/٥، النكت
والعيون، الماوردي ١/ ٣٠٤، أحكام القرآن،
ابن العربي ٢٨٨/١، المحرر الوجيز، ابن
عطية ١ / ٣١٥.
فأطلق على العقد الذي هو سبب الوطء،
الإمام الطبري، أو هو التعريض بالقول لها:
إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غيري،
قال الإمام ابن كثير: وقد يحتمل أن تكون
الآية عامة في جميع ذلك (٥).
قال سيد قطب في ظلال هذه الآية:
((والعلة في النهي عن المواعدة؛ لأن
المواعدة على هذه الحال مدرجة للفتنة،
ومظنة للقيل والقال، بخلاف التعريض
فإنه يكون على ملأ من الناس، فلا عار فيه
ولا عيب، ولا يكون وسيلة إلى ما لا تحمد
عقباه؛ لأن المرأة في عدتها ما تزال معلقة
بذكرى لم تمت، وبمشاعر أسرة الميت،
ومرتبطة کذلك بما قد یکون في رحمها
من حمل لم يتبين، أو حمل تبين، والعدة
معلقة بوضعه .. وكل هذه الاعتبارات تمنع
الحديث عن حياة زوجية جديدة؛ لأن هذا
الحديث لم يحن موعده؛ ولأنه يجرح
مشاعر، ویخدش ذکریات.
ومع رعاية هذه الاعتبارات فقد أبيح
التعريض - لا التصريح- بخطبة النساء.
أبيحت الإشارة البعيدة التي تلمح منها
المرأة أن هذا الرجل يريدها زوجة بعد
انقضاء عدتها» (٦).
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٨٣.
(٦) انظر: في ظلال القرآن ٢٥٥/١.
www. modoee.com
٣١

حرف السين
السر يوم القيامة
تنكشف أسرار الناس يوم القيامة فلا
يخفى منه على الله شيء، وهذا ما سنبينه في
النقاط الآتية:
أولًا: انكشاف السرائر:
في يوم القيامة تنكشف السرائر، ویعرض
الناس على عالم السر والنجوى، الذي لا
يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء،
بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر،
وفي ذلك اليوم يعرض العباد على الله
لحسابهم، فلا يخفى على الله تعالى من
أعيانهم وأعمالهم وأحوالهم وأمورهم
شيء، فهو يعلم السر وأخفى، ويدل على
هذا المعنى آيات كثيرة ، منها قوله تعالى:
﴿يَوْمَيِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَّةٌ﴾ [الحاقة:
١٨].
وقوله عز وجل: ﴿يَوْمَ هُمْ بَرِزُونٌ لَا يَخْفَ
عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِمَنِ الْمُلَّكُ اَلْيَوْمٌ لِلَّهِ الْوَحِدِ
اَلْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].
وقولِه جل شأنه: ﴿رَبَّنَآَ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى
وَمَا نُعْلِنٌ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَىْءٍ فِي الْأَرْضِ
وَلَا فِ السَّمَآءِ ﴾ [إبراهيم: ٣٨].
﴿يَعْلَمُ خَبِنَةَ
وكذلك قوله سبحانه:
اَلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩](١).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٨٤/٢٣، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٩/٨، التفسير
وفي هذا المقام قال سيد قطب في
ظلال قوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ تُعْرَضُونَ لَا
[الحاقة: ١٨] فالكل
تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةَ
مكشوف. مكشوف الجسد، مكشوف
النفس، مكشوف الضمير، مكشوف العمل،
مكشوف المصير. وتسقط جميع الأستار
التي كانت تحجب الأسرار، وتتعرى
النفوس تعري الأجساد، وتبرز الغیوب بروز
الشهود .. ويتجرد الإنسان من حيطته ومن
مكره ومن تدبيره ومن شعوره، ويفتضح
منه ما كان حريصاً على أن يستره حتی عن
نفسه! وما أقسى الفضيحة على الملأ. وما
أخزاها على عيون الجموع! أما عين الله
فكل خافية مكشوفة لها في كل آن، ولكن
لعل الإنسان لا یشعر بهذا حق الشعور، وهو
مخدوع بستور الأرض. فها هو ذا يشعر به
كاملاً وهو مجرد في يوم القيامة. وكل شيء
بارز في الكون كله. الأرض مدكوكة مسوّاة
لا تحجب شیئاً وراء نتوء ولا بروز، والسماء
متشققة واهية لا تحجب وراءها شيئاً،
والأجسام معرّاة لا يسترها شيء، والنفوس
کذلك مکشوفة ليس من دونها ستر وليس
فيها سرا ألا إنه لأمر عصيب، أعصب
من دك الأرض والجبال، وأشد من تشقق
السماء! وقوف الإنسان عريان الجسد،
عريان النفس، عريان المشاعر، عريان
المنير، الزحيلي ٨٩/٢٩.
٣٢
جَوَنُوا
القرآن الكريم

السر
التاريخ، عريان العمل ما ظهر منه وما استتر،
أمام تلك الحشود الهائلة من خلق الله، من
الإنس والجن والملائكة، وتحت جلال الله
وعرشه المرفوع فوق الجميع ..
وإن طبيعة الإنسان لمعقدة شديدة
التعقيد ففي نفسه منحنيات شتی ودروب،
تتخفى فيها نفسه وتتدسس بمشاعرها
ونزواتها وهفواتها وخواطرها وأسرارها
وخصوصیاتها، وإن الإنسان لیصنع أشد مما
تصنعه القوقعة الرخوة الهلامية حين تتعرض
لوخزة إبرة، فتنطوي سريعاً، وتنكمش داخل
القوقعة، وتغلق على نفسها تمامًا.
إن الإنسان ليصنع أشد من هذا حين
يحس أن عيناً تدسست عليه فكشفت منه
شيئاً مما يخفيه، وأن لمحة أصابت منه درباً
خفیا أو منحنی سریًّا! ویشعر بقدر عنيف من
الألم الواخز حين يطلع عليه أحد في خلوة
من خلواته الشعورية ..
فکیف بهذا المخلوق وهو عریان. عریان
حقًّا. عريان الجسد والقلب والشعور والنية
والضمير. عريان من كل ساتر. عريان ...
کیف به وهو كذلك تحت عرش الجبار،
وأمام الحشد الزاخر بلا ستار؟! ألا إنه
لأمر، أمر من كل أمر ! ! ! وبعدئذ يعرض
مشهد الناجين والمعذبين، كأنه حاضر تراه
العيون (١).
(١) انظر: في ظلال القرآن ٣٦٨٠/٦.
وانكشاف السرائر يوم القيامة لا يقتصر
على الأعمال فقط، بل تنكشف عقائد
المنافقين الذين كانوا يسرون الكفر،
ويظهرون الإسلام، ويبدى لهم يوم القيامة
ما كانوا يخفون من قبل، على أحد المعاني
لقوله عز وجل: ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن
قَبْلٌ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
٥)﴾ [الأنعام: ٢٨](٢).
ثانيًا: إسرار الندامة:
أخبر الله تعالى أن الكافرين يسرون
الندامة يوم القيامة، والندامة: الحسرة لوقوع
شيء أو فوت شيء، وذلك في قوله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِ الْأَرْضِ لَأَفْتَدَتْ
بِهِ، وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوَأْ الْعَذَابِّ وَقُضِىَ
بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٤].
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ
أَسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ
وَاَلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ تَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ
أَنْدَادَاً وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَمٍ الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا
اُلْأَعْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلََّّمَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ
﴾ [سبأ: ٣٣](٣)
(٢) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٢/ ٥٠، اللباب
في علوم الكتاب، ابن عادل ٩٧/٨، المنار،
محمد رشيد رضا ٤٠٨/٦، التفسير المنير،
الزحيلي ١/ ٩٣.
(٣) انظر: معاني القرآن، النحاس ٣٠٠/٣،
النكت والعيون، الماوردي ٤٣٨/٢، مفاتيح
الغيب، الرازي ٢٠٨/٢٥، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ٢٠٩/٢٢.
www. modoee.com
٣٣

حرف السين
وإسرار الندامة يوم القيامة على معنیین:
الأول: الإخفاء والكتمان، أي: أخفى
الرؤساء في الكفر الندامة من الذين
أضلوهم، وستروها عنهم، وهذا قول عامة
المفسرين، وهو المشهور في اللغة والشائع
في الاستعمال؛ لأن السر من الأضداد - كما
سبق - ولا موجب للعدول عن المشهور
والشائع في الاستعمال إلا بدليل؛ ولأن
(السر) يستعمل غالباً في الكتمان، وذلك
ما ینصرف إليه الذهن بادىء الرأي، وهو
أنسب بالمقام.
يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَمَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
٢٧
يَنْوَيِلَقَ لَيْتَفِى لَوْ أَشَّخِذْ فُلَانَا خَلِيلًا (٨) لَّقَدْ أَضَلَِّىِ
عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْجَاءَ فِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ
لِلْإِنسَنِّ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩].
وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَقَالُواْ لَوْكُنَّا نَسْمَعُ
أَوْ نَعْقِلُ مَاكُنَا فِ أَسْخَبِ السَّعِيرِ ، فَأَعْتَرَفُواْ بِذَئِهِمْ
فَسُحْقًا لِأَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠، ١١].
وقد حكى جماعة من المفسرين عن
المبرّد وجهاً ثالثًا في معنى إسرار الندامة: أنه
بدت بالندامة أسرة وجوههم، وهي تكاسير
الجبهة، واحدها سرار(٢).
ومن خلال النظر في أقوال المفسرين
الثاني: الإظهار والإعلان، أي : أظهروا
الندامة وأعلنوها على ما فاتهم من الكفر يمكن القول بأن الإسرار يوم القيامة يحتمل
المعاني الثلاثة: ففي مواطن يكتمون الندامة،
وفي أخرى يظهروها، مع بدو الندامة في
أسرة وجوههم في جميع الأحوال.
والعصيان، ويدل على هذا المعنى أن
الآخرة ليست دار تجلد وتصبر؛ کي یظهروا
خلاف ما يبطنون ، وقد ذهب إلى هذا
المعنى جماعة من المفسرين؛ لأن الإسرار
من الأضداد، يقال: أسررت الشيء، أخفیته،
وأسررته، أعلنته، فيكون المعنى في قوله
تعالى: ﴿وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْ اَلْعَذَابَ ﴾
[يونس: ٥٤] أي: أظهروها (١).
ومما يؤيد هذا المعنى أن الندامة تظهر
يوم القيامة جهراً في مواضع أخرى، كما
في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٩١/١٨، معاني
القرآن، النحاس ٢٩٩/٣، التفسير الوسيط،
الواحدي ٢/ ٥٥٠، تفسير القرآن، السمعاني
٣٨٩/٢.
(٢) انظر: معاني القرآن، النحاس ٣٠٠/٣،
النكت والعيون، الماوردي ٤٣٨/٢، مفاتيح
الغيب، الرازي ٢٠٨/٢٥، اللباب في علوم
الكتاب، ابن عادل ٧١/١٦، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ٣٥٢/٨، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ٢٠٩/٢٢.
٣٤
القرآن الكريم

السر
المحاسبة على السر
لما كان الله تعالى له ملك السماوات
والأرض وما فيهن وما بينهن، وكان
المطلع على ما فیهن، بحيث لا تخفى عليه
الظواهر، ولا السرائر والضمائر، وإن دقت
وخفيت، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن تُخْفُوا
مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِى
السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩].
وكذلك قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرِّوَأَخْفَى﴾
[طه: ٧].
وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ هُم بَرِزُونٌّ لَا يَخْفَى
عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَّ لِلَّهِ الْوَحِدِ
اَلْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].
والآيات في ذلك كثيرة جدًّا.
أخبر الله سبحانه وتعالى في الآيات
السابقة بأنه سيحاسب عباده على ما فعلوه
وما أخفوه في صدورهم، كما في قوله
تعالى: ﴿يَومُ بُلَى السَّرَآبِرُ﴾ [الطارق: ٩].
وفي الآية إشارة إلى أن ابتلاء السرائر
يوم القيامة يتحقق بظهورها بعد الخفاء
والاستتار ليتم تمحيصها واختبارها.
وهذا المعنى يتضح في قوله تعالى:
﴿لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضُِّ وَإِن تُبْدُواْ
مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُّوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاَللَّهُ عَلَى
كُلِّشَىْءٍ قَدِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤](١).
ولما نزلت هذه الآية اشتد ذلك
على الصحابة رضي الله عنهم وخافوا
منها، ومن محاسبة الله لهم على جليل
الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم
وإيقانهم (٢)، وذلك لما رواه أبو هريرة
رضي الله عنه قال: «لما نزلت على رسول
الله صلى الله عليه وسلم ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ
وَمَا فِىِ اٌلْأَرْضُِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ
تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اَللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ
وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآَةُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾
[البقرة: ٢٨٤].
قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله
صلی الله عليه وسلم ثم برکوا على الركب،
فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما
نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة،
وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتريدون
أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم
سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا
غفرانك ربنا وإليك المصير)، قالوا: سمعنا
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١١٤/٦، مفاتيح
الغيب، الرازي ١٠٤/٧، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ٤٢١/٣، البحر المحيط، أبو
حيان ٢/ ٧٥٠، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
١ / ٥٦٥.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٥٦٥.
www. modoee.com
٣٥

حرف السين
وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما
اقترأها القوم، ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله
في إثرها: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن
رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتَكَتِهِ، وَكُهِ،
وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاْ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾
[البقرة: ٢٨٥].
فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل
الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَاً لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا
تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قال: نعم: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا
كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة:
٢٨٦].
قال: نعم: ﴿رَبَنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةً لَنَا
بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قال: نعم: ﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا
وَأَرْحَمْنَأْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
اَلْكَفِرِينَ ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: نعم))(١).
وبموجب هذه الحديث اختلف
المفسرون والفقهاء هل هذه الآية منسوخة،
أو محكمة على قولين هما:
القول الأول: ذهب الإمام علي وابن
عمر وابن مسعود وكعب الأحبار والشعبي
والنخعي ومحمد بن كعب القرظي وعكرمة
وسعيد بن جبير وقتادة وآخرون من الصحابة
رضي الله عنهم إلى أن هذه الآية منسوخة؛
لأنها تثبت الحساب على الوساوس
وخواطر النفوس، فرجع معنى هذه الآية
إلى كونه تعالى عالماً بكل ما في الضمائر
والسرائر (٢)، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىَ أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة:
٢٣٥] (٣) .
القول الثاني: ذهب ابن عباس وعكرمة
والشعبي ومجاهد وعائشة رضي الله عنهم:
إلى أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، وأن
الله تعالى يحاسب خلقه على ما عملوا
من عمل وعلى ما لم يعملوه مما ثبت في
نفوسهم فأضمروه ونووه وأرادوه، فيغفر
للمؤمنين ويأخذ به أهل الكفر والنفاق،
ورجح هذا القول الإمام الطبري وذهب إلى
أن الآية محكمة غير منسوخة (٤)
.
ويكون القول الراجح هو: أن الآية
محكمة غير منسوخة، وأن المراد من قوله
(١) أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب
قوله تعالى: ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ
تُخْفُوهُ﴾، رقم ٤٥٤٥، ٣٣/٦، ومسلم
في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان قوله
تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾،
رقم ١،١٢٥ / ١١٥.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٠٤/٧،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٢١/٣،
البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ٧٥٠.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١ / ٥٦٧.
(٤) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٦٠/١،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٨٩/١
جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِيْ
القرآن الكريم
٣٦

السرع
في الحديث: «نسخها الله» ، أي : أزال ما
أخافهم، وأن آية: ﴿لَا يُكَلِفُ اَللّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَاً﴾ ليست ناسخة، ولكنها موضحة،
ويؤيد ذلك الحديث الذي رواه أبو هريرة
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لي عن أمتي
ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل) (١)،
ويدل على منع القول بالنسخ الأدلة التالية:
يُـ
١. إن قوله تعالى:
أريدِ
ـبْكـ
اللَّـ
خبر، والأخبار لا تنسخ عند جمهور
الأصوليين (٢).
٢. إن کسب القلب وعمله مما دل الکتاب
والسنة والإجماع والقياس على ثبوته
والجزاء عليه، ظهر أثره على الجوارح
أم لم يظهر، كقوله تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمْ
اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيِّ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَّا
كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
٣. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ
كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء:
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العتق،
باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق
ونحوه، ولا عتاقة إلا لوجه الله، رقم ٢٥٢٨،
١٤٥/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب
الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس
والخواطر بالقلب، إذا لم تستقر، رقم ١٢٧،
١١٦/١.
(٢) انظر: البحر المحيط في أصول الفقه، بدر
الدين الزركشي ٢٤٧/٥، المسودة في أصول
الفقه، آل تيمية ص ١٩٦، شرح الكوكب
المنير، ابن النجار الحنبلي ٦٦/٣.
٣٦].
٤. إن الوساوس العارضة وحديث النفس
الذي لا يصل إلى درجة القصد الثابت
والعزم الراسخ لا يدخل في مفهوم
الآية، كما قال المحققون.
٥. إن تكليف ما ليس في الوسع ينافي
الحكمة الإلهية.
وأما قول الصحابة والتابعين رضي الله
عنهم بالنسخ فهو مما يتفق مع علو مرتبة
هؤلاء وكمالهم، حتى إنهم ليجدون أن
وسوسة النفس مما تخضع للحساب، وهم
يريدون التطهر من كل آثار الإثم، لذا قيل:
حسنات الأبرار سيئات المقربين، فتحرجهم
من باب كمال التزكية وتمام الطهارة واعتقاد
النقص في أنفسهم (٣).
واختبار سرائر الصدور يظهر ما كان في
القلوب من خير وشر على صفحات الوجوه
، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَةٌ وُجُودٌ
فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ
فَذُ وقُواْ اُلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران:
١٠٦ ](٤).
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٢٨/٣.
، مفاتيح
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ١١٤، مـ
الغيب، الرازي ٧/ ١٠٤، البحر المحيط، أبو
حيان ٢/ ٧٥٠، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
١ / ٥٦٥.
www. modoee.com
٣٧

حرف السين
أثر إفشاء السر على الفرد والمجتمع
إن المحافظة على الأسرار من أعظم
الأمانات في العلاقات؛ ليس على المستوى
الفردي فحسب؛ بل على مستوى الدول
والحكومات، وكم من أسرار كشفت
للخصوم والأعداء؛ فسببت الذل والهوان
لأفراد وشعوب وأمم!
ومن هنا فرعاية الإسلام للمحافظة
على الأسرار يستهدف من ورائها تكوين
المجتمع الإسلامي، ووضع التشريعات
الضابطة لحماية العلاقات وتنميتها أمر لازم
لدوام الحياة الاجتماعية وتقدمها من الناحية
المادية والمعنوية.
ولو أهملت المبادئ الأخلاقية
والاجتماعية، وسمح للخيانة، وفشو
الأسرار بالانتشار؛ لزالت المعاني الإنسانية
العظيمة، كالأمانة، وكتمان الأسرار من حياة
الناس، وتحولت الحياة الاجتماعية إلى
جحيم لا يطاق (١).
وينبغي التنبيه في هذا المقام إلى أن
المحافظة على الأسرار مشروطة بأن لا
تؤثر في حق الله تعالى أو حق المسلمين،
وإلا عدّ ذلك من الخيانة لحق الله تعالی، أو
(١) انظر: مقال: المحافظة على الأسرار،
عبداللطيف الحسين، منشور في مجلة البيان،
تصدر عن المنتدى الإسلامي، العدد ١٩٧،
السنة ١٩، ص ٢٨.
حق المسلمين، وليس حفظ الأسرار هنا من
الأمانة (٢).
وقد عالج القرآن الكريم إفشاء الأسرار
وبيَّن أثر ذلك في المجتمعات والدول
والأفراد من جميع الجوانب ،سواء العامة أو
الخاصة في الأمور السياسية والعسكرية أو
الاجتماعية والفردية كما يأتي:
أولًا: عالج القرآن الكريم إفشاء الأسرار
وبيَّن أثر ذلك في المجتمعات والدول
والأفراد في الأمور السياسية والعسكرية:
وذلك حین نھی الله المؤمنین أن يخونوا
أماناتهم فيما بينهم، أو فيما أسر الرسول
إليهم من السر، وهم يعلمون أن الخيانة
ليست من شأن الكرام، بل هي من شأن
اللئام، في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].
ومن هنا يكون إفشاء السر خيانة صغرى
أو كبرى كما يأتي:
١. كشف السر خيانة صغرى: فقد ورد في
سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ
أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].
ذهب جمهور المفسرين إلى أنها نزلت
في أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري
(٢) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها،
عبدالرحمن حبنكة الميداني ٣٦١/٢.
جَوَسُولَةُ النَّفِيَة
الْقُرآن الكَرِيمِ
٣٨

السر
رضي الله عنه، وذلك أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم حاصر يهود قريظة
إحدى وعشرين ليلة، ثم إنهم بعثوا إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أن
ابعث إلينا أبا لبابة نستشيره في أمرنا،
فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأتاهم، فقالوا: يا أبا لبابة، ما ترى أننزل
علی حکم محمد؟ فأشار أبو لبابة بيده
إلى حلقه - أنه الذبح فلا تفعلوا -، ثم
ندم بعد ذلك وقال: والله! ما زالت
قدماي حتى علمت أني قد خنت الله
ورسوله»(١)، فإن أبا لبابة رضي الله عنه
كان يعلم الحكم في يهود بني قريظة
بأنه الذبح! ولكنه أشار بيده إلى حلقه،
فكان ذلك منه خيانة الأمانة المجلس،
ويكون إفشاء السر في مثل هذه الحالة
خيانة صغرى لعدم الإفصاح بالسر (٢).
٢. كشف السر خيانة كبرى: لأن حفظ
أسرار المجالس أمانة كبرى يجب
رعايتها، وعدم إفشاء ما يدار فيها من
أمور وأخبار مهمة ربما يصل كشفها
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٨٠/١٣،
التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ٤٥٣، مفاتيح
الغيب، الرازي ١٥/ ٤٧٥، المحرر الوجيز،
ابن عطية ٢ / ٥١٧.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٨٠/١٣،
التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ٤٥٣، مفاتيح
الغيب، الرازي ١٥/ ٤٧٥، المحرر الوجيز،
ابن عطية ٢ / ٥١٧.
إلى الخيانة الكبرى، كما في قصة
حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه في
نقله لخبر رسول الله صلى الله عليه
وسلم بفتح مكة إلى زعمائها(٣)؛ إذ إن
حاطبًا ممن أخبره النبي صلى الله عليه
وسلم بوجهته إلى مكة، وهو ما جاء
في سبب نزول(٤) قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ
تُلَّقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءَ كُمْ مِّنَ
الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَ إِيَّاكُمَّ أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ
رَبِّكُمْ إِنْ كُمْ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِي سَبِيلِ وَآَبْغَآءَ
مَرْ ضَائِىّ تُِّرُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ
أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَئْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلَهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ
سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١].
٣. أن افشاء السر والإذاعة به من
أخلاق المنافقين الذين يكيدون
ویمکرون بالمؤمنين، كما ذهب إلى
ذلك جمهور المفسرين، أو من أخلاق
ضعفة المسلمين الذين يفشون الأسرار
من غير معرفة بالأضرار الناجمة عن
ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا
جَآءَ هُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي،
باب فضل من شهد بدراً، رقم ٣٩٨٣.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب ﴿لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾، رقم
٠١٤٥/٥،٤٢٧٤
وانظر: أسباب النزول، الواحدي ص ٣٤٦،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٤١.
www. modoee.com
٣٩

حرف السين
بِّ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَ أُوْلِى
اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِعُونَهُ مِنْهُمّ
وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَأَ تَّبَعْتُمُ
الشَّيْطَنَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣](١).
کانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول
الله صلى الله عليه وسلم من أمن
وسلامة أو خوف وخلل أذاعوا به ،
و کانت إذاعتهم مفسدة، ولو ردوا ذلك
الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم وإلى أولي الأمر منهم- وهم
كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين
کانوا یؤمرون منهم- لعلمه :لعلم تدبير
ما أخبروا به ، الذين يستنبطونه : الذين
يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم
ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها(٢).
ثانيًا: الأضرار الناجمة على الفرد
والمجتمع عن إفشاء الأسرار الاجتماعية،
وكيف عالج القرآن الكريم ذلك:
فقد جسد ذلك قوله تعالى:
وَإِذْ أَسْرٌ
النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبََّتْ بِهِ، وَأَظْهَرَهُ
اَللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ، وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا
بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَكَ هَذَا قَالَ نَبَأَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٦٨/٨، النكت
والعيون، الماوردي ٥١١/١، مفاتيح الغيب،
الرازي ١٠/ ١٥٣، البحر المحيط، أبو حيان
٧٢٦/٣، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٣٢٢/٢.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ١ / ٥٤١.
٢) إِن تَنُّ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَاً وَإِن
تَظَهَرًا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَنْهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ
اَلْمُؤْمِنَّ وَالْمَلَتِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيٌ ل عَسَى
رَبُُّ إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَجَا خَيْرًا مِّنْكُنَّ مُسْلِمَتِ
مُؤْمِنَتٍ قَئِتَتِ تَبِّبَتٍ عَبِدَانٍ سَحَةٍ ثَيِّبَتِ
وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٣ - ٥].
وبعض أزواجه هي: حفصة بنت عمر
بن الخطاب رضي الله عنه، وعدل عن ذکر
اسمها ترفعاً عن أن يكون القصد معرفة
الأعيان، وإنما المراد العلم بمغزى القصة
وما فيها مما يجتنب مثله أو يقتدى به،
وكذلك طي تعيين المنبئة بالحديث، وهي
عائشة رضي الله عنها.
وذكرت حفصة رضي الله عنها بعنوان
بعض أزواجه للإشارة إلى أن النبي صلى
الله عليه وسلم وضع سره في موضعه ؛ لأن
أولى الناس بمعرفة سر الرجل زوجه، وفي
ذلك تعريض بملامها على إفشاء سره؛ لأن
واجب المرأة أن تحفظ سرَّ زوجها إذا أمرها
بحفظه أو كان مثله مما يجب حفظه(٣).
قال جماعة المفسرين: إن النبي صلى
الله عليه وسلم لما رأى الغيرة والكراهية في
وجه حفصة، أراد أن یترضاها، فأسرَّ إليها
بشيئين:
أحدهما: تحريم مارية على نفسه أو ما
حرم على نفسه مما كان الله جل ثناؤه قد
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٥٢/٢٨.
٤٠
جوسيس
القرآن الكريمِ

السر
أحله له من شربه العسل عند زينب بنت
جحش فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري
بذلك أحداً يبتغي بذلك مرضاة أزواجه،
وحلفه على ذلك.
والثاني: تبشيرها بأن الخلافة بعده في
أبي بكر وأبيها عمر رضي الله عنه (١).
وعلى ذلك يجب حفظ أسرار الزوجين:
الرجل والمرأة مؤتمنان على حفظ أسرار
كل منهما، ويجب عليهما أن يحرصا أشد
الحرص على عدم إفشائها، ولا شك أن
حفظ سر الزوجین من أخص خصائص کل
منهما تجاه الآخر، ومن أكثرها إسهامًا في
ديمومة الحياة الزوجية واستقرارها، ويدخل
في المحافظة على الأسرار: ستر العورات
في العلاقات الزوجية، کما في حديث أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه، يقول: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من
أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل
يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر
سرها) وفي رواية عنه أيضاً: (إنّ من أعظم
الأمانة عند الله يوم القيامة، الرجل يفضي
إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرّها)(٢).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان
والنذور، باب إذا حرم طعامه ، رقم ٦٦٩١،
١٥٨/٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته، ولم
ينو الطلاق، رقم ١٤٧٤، ٢ /١١٠٠.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح،
باب تحريم إفشاء سر المرأة، رقم ١٤٣٧،
وكذلك يعتبر نقل النميمة من شخص
إلى آخر من إفشاء السر، فمن قال لآخر:
فلان یقول فيك أو يفعل فيك(٣)، فإن ذلك
من إفشاء السر بالإضافة إلى كونه نميمة
والكل محرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ
يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا
اُكْتَسَبُواْ فَقَدِ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنَّا وَإِنْمَا تُبِينًا﴾
[الأحزاب: ٥٨](٤).
والمحافظة على الأسرار أمانة عظيمة
يجب الوفاء بها، وقد حثّنا الشرع عليها،
وحذّرنا من فشو الأسرار والتفريط فيها،
قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ
مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
وقال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ هُمْ لِأَمْتَئِمْ وَعَهْدِهِمْ
زَعُونَ﴾ [المعارج: ٣٢].
فعلى من أودع سرًّا أن يحافظ عليه ولا
يفشيه أبدًا، وإلا أصبح خائنًا، لأن إفشاء
السر صفة مشابهة للمنافق الذي إذا اؤتمن
على شيء خانه، كما في حديث عبد الله
بن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (أربعٌّ من كنّ فيه كان منافقًا
خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت
فيه خصلة من النّفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن
خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر،
٠١٠٦٠/٢
(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم
١١٣/٢.
(٤) انظر: سبل السلام، الصنعاني ٢ /٦٧٨.
www. modoee.com
٤١

حرف السين
وإذا خاصم فجر) (١).
وفي الجملة ينبغي المحافظة على
بالإضافة إلى أن حفظ الأسرار وكتمانها الأسرار الخاصة والعامة بكل الوسائل،
وخاصة الأسرار العامة التي تهم الدول
والمجتمعات ويؤدي إنشاؤها إلى دمار
الشعوب، وخاصة مع وجود وسائل التنصت
والتجسس المتطورة، والتي يجب الاحتراز
والحذر منها بكل الوسائل الممكنة.
من الأخلاق العظيمة التي تعلي من شيم
أصحابها وشمائل صفاتهم، فقد كان
الصحابة والصحابيات رضي الله عنهم
مضرب المثل في حفظ الأسرار التي
یؤتمنون عليها، فهذا حذيفة بن اليمان رضي
الله عنه أمين سرّ رسول الله صلى الله عليه
وسلم في المنافقين، وكان يقال له: صاحب
السّر الذي لا يعلمه أحدٌ غيره(٢).
بالإضافة إلى أن في حفظ الأسرار وكتمانه
عوناً على قضاء الحوائج ودفعاً للحسد
والمكر وغيرها من الآفات والمخاطر التي
تنتج عن إفشاء الأسرار والإعلان بها، وفي
ذلك تظهر الحكمة والغاية التي أوصى بها
النبي صلى الله عليه وسلم الناس بقوله:
(استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان، فإن
كل ذي نعمة محسود)(٣).
موضوعات ذات صلة:
الإخلاص، الإنفاق، الحساب، العلن،
الكتمان، النجوى، النفاق
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب علامات المنافق، واللفظ له، رقم ٣٤،
١٦/١، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان خصال المنافق، رقم ٧٨/١،٥٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
الصحابة، باب مناقب عمار وحذيفة رضي
الله عنهما، رقم ٢٥/٥،٣٧٤٢.
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، رقم
٣،٢٤٥٥/ ٥٥، والبيهقي في شعب الإيمان،
رقم ٣٤/٩،٦٢٢٨.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
رقم ١٤٥٣، ٣ /٤٣٩.
٤٢
جوية
الْقُرْآن الكَرِيمِ