النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
3
عناصر الموضوع
مفهوم السرّ
٨
السر في الاستعمال القرآني
٩
الألفاظ ذات الصلة
١٠
استواء السر والعلن في علم الله
١٢
الإسرار المحمود وميادينه
١٧
أنواع الإسرار المذموم
٢٤
السر يوم القيامة
٣١
٣٥
المحاسبة على السر
٣٨
أثر إفشاء السر على الفرد والمجتمع
المُجَلَّدَ الثَّامِنْ عَشِّر

حرف السين
مفهوم السرّ
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (س رر) تدل على إخفاء الشيء. وما كان من خالصه ومستقره(١).
السُّ: مَا أَسْرَرْت. والسَّريرةُ: عمل السِّرّ من خَيْرِ أَو شَرّ (٢).
والإسرار خلاف الإعلان، وهو: اسم لما يكتمه الإنسان ويخفيه(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرف الراغب الأصفهاني السّر بقوله هو: ((الحديث المكتّم في النفس)» (٤)، وهو خلاف
الإعلان، ويستعمل في الأعيان والمعاني(٥).
ففي الأعيان جاء قوله تعالى: ﴿قَالَ يَبُشْرَى هَذَا غُلَمْ وَأَسَرُّوهُ بِضَعَةٌ وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا
يَعْمَلُونَ ﴾ [يوسف: ١٩].
وفي المعاني كقوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَُّ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ
فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرِّ مَكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧].
ويمكن تعريف السر بأنه: اسم لما يكتم ويخفى من الأعيان والمعاني من العقائد والنيات
والأقوال والأعمال وغيرها(٦).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٦٧/٣.
(٢) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٢ / ٢٠١.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٦٣/٤، المصباح المنير، الفيومي ٢٧٣/١، تاج العروس،
الزبيدي ١٢ / ٧.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٠٤، وانظر: الكشاف، الزمخشري ٧٣٦/٤.
(٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٠٤.
(٦) انظر: السرائر في ضوء القرآن الكريم زينب حسين أبو مور ص ١٠-١١.
٨
جوية
القرآن الكريمِ

السر
السر في الاستعمال القرآني
وردت مادة (سرر) في القرآن الكريم (٤٤) مرة، يخص موضوعنا منها (٣٢) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
﴿فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ
٥٢
١٠
[المائدة: ٥٢]
الفعل المضارع
٧
﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُ واْ بِهِّةٌ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
١٣
فعل الأمر
١
[الملك: ١٣]
المصدر
٢
ثُمَّ إِّ أَعْلَنَتُ لَمُمْ وَأَمْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاً﴾ [نوح: ٩]
الاسم
١٢
﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ [طه: ٧]
وجاء السّ في القرآن على وجهين (٢):
الأول: النكاح: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُ وهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي: نكاحًا.
الثّاني: ضد العلانية: ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ اَلْسِرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧].
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، محمد فؤاد عبد الباقي ص٣٤٨-٣٤٩.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٢٧٠، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢٠٨/٣.
www. modoee.com
٩
المثال
الفعل الماضي
﴿وَيَعْلَمُ مَا تُِّرُونَ وَمَا تَعْلِنُونَ﴾ [التغابن: ٤]

حرف السين
الألفاظ ذات الصلة
النجوى:
١
النجوى لغة هي:
إسرار الحديث إلى الغير، وما يتفرد به الجماعة والاثنان سرّاً كان أو ظاهراً، وتطلق على
القوم المتناجين، ويستوي فيه المفرد، والجمع (١).
النجوى اصطلاحًا هي:
المسارة بالحديث في خفاء، ولا يخرج معناها في اصطلاح القرآن الكريم عن معانيها
في اللغة(٢).
الصلة بين النجوى والسر:
النجوى تكون في الحديث وإخفاؤه عن الناس، والسر يشمل الكلام وغيره (٣).
الإخفاء:
٢
الإخفاء لغة:
الستر والكتمان، يقال: خفيت الشيء أخفيه: كتمته، وأخفيت الشيء: سترته وكتمته،
ويقابله الإبداء والإعلان، والإخفاء: تغييب الشيء، وأن لا يجعل علیه علامة يهتدى إليه من
جهتها، وهو من الأضداد (٤).
والإخفاء اصطلاحًا هو:
لا يختلف عن معناه اللغوي، الذي يدل على الستر وتغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه
علامة یهتدی إلیه من جهتها(٥).
الصلة بين الإخفاء والسر:
السرهو: اسم لما يكتمه الإنسان ويخفيه على جهة العزيمة، وأما الإخفاء فهو: السر الذي
(١) انظر: المصباح المنير، الفيومي ٢ / ٥٩٥.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٢٠١.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٦٣.
(٤) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٥٤/١، مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٠٢/٢، لسان العرب، ابن
منظور ٢٣٤/١٤، تاج العروس، الزبيدي ٣٧ / ٥٦٤.
(٥) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٨٩، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٤٢،
الكليات، الكفوي ص ٥١٤.
جَوَنُور
القرآن الكريم
١٠

السرع
لم يبلغ حد العزيمة(١).
الكتمان:
٣
الكتمان لغة:
الإخفاء والستر (٢)، يقال: كتمت الحديث كتمًا وكتمانًا، أي: سترته، قال الله تعالى: ﴿وَلَا
يَكْتُمُونَ اَللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢](٣).
الكتمان اصطلاحًا هو:
لا يختلف عن معناه اللغوي الدال على إخفاء الشيء حتى لا يرى ولا يعلم (٤).
الصلة بين الكتمان والسر:
فرّق أبو هلال العسكري بين السر والكتمان بقوله: إن السر أعم من الكتمان؛ لأن الكتمان
يختص بالمعاني غالبًا، كالإسرار والإخبار؛ ولأن الكتمان لا يستعمل إلا فيهما في الغالب (٥)،
لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
فقد نهى الله تعالى النساء عن كتمان ما في الأرحام، والسر يختص بالأعيان غالبًا؛ لأن
الأصل في السر تغطية الشيء بغطاء، ثم استعمل في غيرها تجوزًا (٦).
(١) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٦٣.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥٠٦/١٢، المصباح المنير، الفيومي ٥٢٥/٢.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٥٧/٥.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٤٠/٤، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي ١٠٤/٣، لباب
التأويل، الخازن ١/ ٩٧.
(٥) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٤٤٧.
(٦) انظر: المصدر السابق ص ٤٤٨.
www. modoee.com

حرف السين
استواء السر والعلن في علم الله
يستوي في علم الله تعالى السر والعلانية،
والصغير والكبير، والغيب والشهادة، قال
تعالى: ﴿اَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا
تَفِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادٌ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ.
بِمِقْدَارٍ ، عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْكَبِيرُ
الْمُتَعَالِ نْ سَوَآءُ مِنكُ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن
جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَّيْلِ وَسَارِبٌ
◌ِالتَّهَارِ﴾ [الرعد: ٨-١٠].
وهذه الآية أبلغ آية في استواء علم الله
بالسر والجهر، سواء من أسر القول ومن
جهر به، و من هو مستخف بالليل ، أي :
من هو مستتر باللیل، واللیل أستر من النهار،
ومن هو سارب بالنهار ، أي : من هو ظاهر
بالنهار في طريقه، متصرف في حوائجه(١).
وتعد صفة العلم إحدى الصفات الذاتية
لله جل ذكره؛ لأن الله هو العليم الذي أحاط
علمه بالعالم العلوي، والسفلي، ولا يخلو
عن علمه مكان، ولا زمان ويعلم الغيب،
والشهادة، والظواهر، والبواطن، والجلي،
والخفي، قال الله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٣١].
والنصوص في ذكر إحاطة علم الله،
(١) انظر: غريب القرآن، ابن قتيبة ص ٢٢٥،
معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١٤١/٣،
جامع البيان، الطبري ٢٦١/١١، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٣٢٦/١٨.
القرآن الكريمِ
وتفصيل دقائق معلوماته كثيرة جداً ، لا
يمكن حصرها، وإحصاؤها، وأنه سبحانه
لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض، ولا في
السماء، ولا أصغر من ذلك، ولا أكبر، وأنه
لا یغفل، ولا ینسی، وأن عنده مفاتح الغيب
لا يعلمها إلا هو، قال الله تعالى: ﴿وَعِندَهُ
مَفَاتِعُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ
وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا
حَبَّةٍ فِ ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَاِسِ إِلَّا فِ
كِتَبِ سُِّينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وقد جعل الله تعالى العلم بالسر دليلاً
على أولهيته سبحانه، كما في قوله تعالى:
﴿وَهُوَ اَللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَفِي الْأَرْضِّ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ
وَجَهْرَّكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣].
قال أبو جعفر الطبري: ((يقول تعالى
ذكره: إن الذي له الألوهة التي لا تنبغي لغيره،
المستحق عليكم إخلاص الحمد له بآلائه
عندكم، أيها الناس، الذي يعدل به كفاركم
من سواه، هو الله الذي هو في السماوات
وفي الأرض يعلم سركم وجهركم، فلا
يخفى عليه شيء، والذي يستحق عليكم
الحمد، ويجب علیکم إخلاص العبادة له،
هو هذا الذي صفته، لا من لا يقدر لكم على
ضر ولا نفع، ولا یعمل شيئاً، ولا یدفع عن
نفسه سوءاً أريد به))(٢).
کما قد جعل الله تعالى العلم بالسر دليلاً
(٢) جامع البيان، الطبري ١١/ ٢٦١.
١٢

السرع
على أن القرآن من عنده سبحانه وتعالى:
﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ أَلتِرَّ فِ السَّمَوَّتِ
وَاْأَرْضِّ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:
٦].
وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُّوا
عَلَى أَدْبَرِهِ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ اَلْهُدَىّ
الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُْ ٥ ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّكَ اَللّهُ
ولما كان السر يغلب على الأعمال سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ اَلْأَمْرِّ وَاللَّهُ يَعْلَؤُ
إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥، ٢٦](٣).
المذمومة، فقد بيَّن الله تعالی أنه يعلم السر
والجهر للمؤمنين والكافرين والمنافقين
وجميع المخلوقين، وأنه يعلم الضمائر
والسرائر كما يعلم الظواهر، وسيجزي كل
عامل بعمله يوم القيامة، إن خيراً فخير وإن
شراً فشر، كما في قوله تعالى: ﴿يَعْلُمَافِی
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونٌّ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ٤].
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧](١).
كما أن الله تعالى يعلم إسرار من يسر
بمودة الكفار: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ
عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ
كَفَرُواْ بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمّ
أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُمْ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِى سَبِيلِ
وَأَبْغَاءَ مَنْ ضَائِىّ ◌ُّسِرُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُبِمَآ
أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنْتُمْ وَمَن يَفْعَلَّهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَّةَ
السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١](٢).
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٩٥/٢٠،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨٤/٤.
السراج المنير، الشربيني ٢/ ٢٢٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٤١٧، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ١١٥.
كما أن الله يعلم السر مهما تخفى
به صاحبه واستخدم من وسائل التخفي
والكتمان في ذلك ، كما في قوله: ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ
يَلْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ
ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَّ إِنَّهُ عَلِيمٌ
◌ِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥](٤)، بل قد بيَّن تعالى
أنه يعلم ما هو أخفى من السر: ﴿وَإِنِ تَجْهَرْ
بِالْقَولِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا
هُوَّلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٧ - ٨].
والسر في هذه الآية فيه ستة تأويلات:
أحدها: أن (السر) ما حدَّث به العبد غيره
في السر، (وأخفى) من السر، مما أضمره في
نفسه، ولم یحدّث به غيره، قاله ابن عباس.
الثاني: أن السر ما أضمره العبد في نفسه،
وأخفى منه مالم يكن ولا أضمره أحد في
نفسه ، قاله قتادة وسعيد بن جبير.
الثالث: يعلم أسرار عباده، وأخفى سر
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ١٨٢، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ١٤/٥، النكت
والعيون، الماوردي ٣٠٣/٥، مفاتيح الغيب،
الرازي ٣/ ٥٦٣.
(٤) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢/ ٤٥٧.
www. modoee.com
١٣

حرف السين
نفسه عن خلقه، قاله ابن زید.
لأن ما ظهر و کان فغیر سر، وأن ما لم یکن
الرابع: أن السر ما أسره الناس، وأخفى: وهو غير كائن فلا شيء، وأن ما لم يكن وهو
الوسوسة، قاله مجاهد.
الخامس: أن السر ما أسره من علمه
وعمله السالف، وأخفى: وما يعلمه من
عمله المستأنف، وهذا معنى قول الكلبي.
السادس: السر: العزيمة، وما هو أخفى
هو: الهم الذي دون العزيمة.
والصحيح من هذه المعاني هو القول
الأول، أي: أنه تعالى يعلم السر، وأخفى
من السر، في الأحوال التي يجهر فيها القائل
بالقول لإسماع مخاطبه، أي : فهو لا يحتاج
إلى الجهر؛ لأنه يعلم السر وأخفى، وهذا
أسلوب متبع عند البلغاء شائع في كلامهم
بأساليب كثيرة (١).
وقد رجح الإمام ابن جرير الطبري هذا
القول بقوله: ((والصواب من القول في ذلك،
قول من قال: معناه: يعلم السر وأخفى من
السر؛ لأن ذلك هو الظاهر من الكلام.
ثم أمر الله تعالى المشركين بأن يسروا
القول أو يجهروا، وأن ذلك عنده سواء؛ لأن
الله عليم بذات الصدور، وأنه يعلم تفاصيل
والصواب من القول في معنى أخفى من
السر أن يقال: هو ما علم الله مما أخفى عن
خلقه، قال تعالى: ﴿وَأَسِرُ وا قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ بٌِّ
العباد، ولم يعلموه مما هو كائن ولم يكن؛ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( أَلَا يَعْلَمُّ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٧٢/١٨، معالم
التنزيل، البغوي ٢١٧/٤، النكت والعيون،
الماوردي ٣٩٤/٣، تفسير القرآن، السمعاني
٣٢١/٣، الكشاف، الزمخشري ٥٢/٣،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٣٧، مفاتيح
الغيب، الرازي ٥٧/٢٨، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ١٨٩/١٦.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/ ٢٧٤.
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٦٥/٤، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٢٢١.
(٤) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ٢٩٣، مفاتيح
الغيب، الرازي ١٦ / ١٠٩.
١٤
القرآن الكريمِ
كائن فهو أخفى من السر؛ لأن ذلك لا يعلمه
إلا الله، ثم من أعلمه ذلك من عباده»(٢).
ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَرْ
يَعْلَمُوا أَنَ اَللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَهُمْ
وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: ٧٨]؛
لأن السر: ما حدَّث به الرجل نفسه أو غيره
في مکان خال، والنجوى: ما تكلموا به فیما
(٣)
بینھم(٣).
وفي الآية تهديد ووعيد للمنافقين الذي
يسرون الكفر ويعلنون الإيمان مع علمهم
بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم، كما يعلم
الظاهر، وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على
الظاهر؛ لأن الله علام الغيوب، والذي
تقتضي ذاته تعالى العلم بجميع الأشياء،
فكيف يمكن إخفاء السر والنجوى منه (٤)

السر
اَللَّطِيفُ الْخَيرُ﴾ [الملك: ١٣ - ١٤](١).
ثم قال تعالى مخبراً عن إحاطة علمه
بخلقه واطلاعه عليهم وسماعه كلامهم،
ورؤيته مكانهم حيث كانوا وأين كانوا:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ
مَا يَكُونُ مِن ◌َّجْوَىْ ثَلَاثَةٍ إِلَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا
خَسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَ مِن ذَلِكَ وَلَاّ
أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَ يُكَبِّتُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ
اَلْقِيَّمَةِ إِنَّاللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧].
أي: مطلع علیھم یسمع كلامهم وسرهم
ونجواهم ورسله أيضاً ، مع ذلك تكتب
ما يتناجون به مع علم الله به وسمعه لهم،
كما قال تعالى:
أَلَمْ يَعْلَمُوا أ
اُللَّهَ
يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَدُهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّهُ
اَلْغُيُوبِ﴾ [التوبة: ٧٨].
وقال سبحانه: ﴿أَمْ يَصْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ
سِرَّهُمْ وَغَتْوَدُهُمَّ بَلَ وَرُسُلْنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾
[الزخرف: ٨٠].
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره الآية:
((ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن
المراد بهذه الآية معية علمه تعالى ولا شك
في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضاً مع علمه
بهم محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥١١/٢٣،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٤٠/٥،
الكشاف، الزمخشري ٥٧٩/٤، مفاتيح
الغيب، الرازي ٥٨٩/٣٠، أنوار التنزيل،
البيضاوي ٥/ ٢٣٠.
سبحانه وتعالى مطلع على خلقه لا يغيب
عنه من أمورهم شيء، ثم ينبئهم بما عملوا
يوم القيامة ؛ لأن الله بكل شيء عليم)) (٢).
وقد أخبر الله تعالى أنه يعلم السر
والنجوى، وأن هناك من رسله من يكتب
ذلك؛ ليعلموا أن علم الله بما يسرون علم
یترتب عليه أثر فيهم، وهو مؤاخذتهم بما
يسرون؛ لأن كتابة الأعمال تؤذن بأنها
ستحسب لهم يوم الجزاء، والرسل: هم
الحفظة من الملائكة ؛لأنهم مرسلون لتقصي
أعمال الناس، ولذلك قال: ﴿بَ وَرُسُلْنَا لَدَتِهِمْ
يَكْتُبُونَ﴾، كقوله تعالى: ﴿مَّايَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا
لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِيدٌ﴾ [ق: ١٨] أي: رقيب(٣).
کما هدد الله وتوعد من ینکر علمه بالسر
والعلن، كما في قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ
اللَّهَ يَعْلَهُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَّ إِنَّهُهُ لَا يُحِبُّ
الْمُسْتَكْبِينَ﴾ [النحل:
﴿فَلَا يَحْزُّنِكَ قَوْلُهُمُ إِنَّا نَعْلَمُ مَا
وقوله:
يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦].
ولا جرم معناه: حق وواجب، ولا بد
ولا محالة، أي: حقًّا أن الله يعلم سرهم
وعلانیتهم فيجازيهم، وهو وعید.
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِنَ﴾ يجوز
أن يريد المستكبرين عن التوحيد يعني:
المشركين، ويجوز أن يعم كل مستكبر،
(٢) تفسير القرآن العظيم ٧٣/٨.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٣/٢٥.
www. modoee.com
١٥

حرف السين
ويدخل هؤلاء تحت عمومه (١).
وقد وردت آيات تبين أن الله تعالى
يستوي عنده السر والعلن بألفاظ أخرى
بمعنى السر:
أولًا: بلفظ الكتمان ،كما في قوله
تعالى: ﴿قَالَ يَقَدَمُ أَنْبِتْهُمْ بِأَسْمَاءِهِمَّ فَلَمََّ
أَنْبَهُمْ بِأَسْمَيِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِّ أَعْلَمُ غَيْبَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ
تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَأَدَّارَهْ تُمْ
فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّاكُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢].
﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَلَغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا
تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ [المائدة: ٩٩].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ
اَلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ [الأنبياء:
١١٠].
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ
تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيَِّ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَحُ لَّكُمْ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور: ٢٩].
وغيرها من الآيات.
ثانيًا: بلفظ الإخفاء: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ
وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ أَوْ
تُخْفُّوهُ يُحَاسِبِّكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ
وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ /١٨٩، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ١٩٤/٣، الكشاف،
الزمخشري ٦٠١/٢، المحرر الوجيز، ابن
عطية ٣/ ٣٨٦.
[البقرة: ٢٨٤].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَأْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَآ
أَعْلَنتُمْ﴾ [الممتحنة: ١].
وكذلك قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُ مَّنْ أَسَرَّ
الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَيْلِ
وَسَارِبٌّ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠](٢).
فالله سبحانه في کبریائه، وفي علوه،
محيط بكل صغيرة وكبيرة في الوجود ..
یتساوی لدیه في ذلك بعید الأمور وقریبها،
خفيها وظاهرها، إذ لا قرب ولا بعد عند من
احتوى الوجود كله، ولا خفاء ولا ظهور
لدى من ملك الأمر جميعه ؛ لأنه: ﴿هُوَ
الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالَِّهِرُ وَالْبَالِثُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلـ
[الحديد: ٣](٣).
ثالثًا: بلفظ الإكنان: ففي التنزيل العزيز:
﴿أَوْ أَكْتَنْتُمْ فِيَ أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥]
أي: أخفیتم.
ويترتب على أن الله بكل شيء عليم،
وأنه يستوي في علمه السر والجهر: أن تظهر
صفة المراقبة لله تعالى لدى العبد في السر
والعلن، وذلك أن العبد إذا استشعر عظمة
علم الله وسعته، وشموله لكل ما خلق الله
سبحانه، وأنه يعلم السر والجهر، فإنه یعیش
دائماً يراقب الله الذي يعلم السر وأخفى،
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٦٦/١٦،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٨٩/٩.
(٣) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب ٧/ ٧٩.
١٦
جوسين
القرآن الكريمِ

السر
ويعمل على إصلاح سريرته وعلانيته
في كل وقت وحين، كما يدفعه ذلك لأن
يجتنب الكبائر والصغائر ويتقي الله في
خلوته ووحدته، كما يفعل ذلك في حضرته
وشهوده(١).
(١) انظر: بحث: مفهوم الأسماء والصفات سعد
نداء منشور في مجلة الجامعة الإسلامية
بالمدينة المنورة ، العدد ٤٦، العام ١٤٠٠-
١٤٠١ هـ ص ٦١.
الإسرار المحمود وميادينه
للإسرار المحمود ميادين نبينها فيما
يأتي:
أولًا: الإسرار بالدعوة:
تعتبر الدعوة السرية أحد أطوار الدعوة
الإسلامية ومبتدأها، في كل وقت وحين،
وهي سنة المرسلين والأنبياء جميعاً،
وكذلك الدعاة المصلحين، وقد جسد ذلك
نبي الله نوح عليه السلام عندما قال: ﴿قَالَ
رَبِّ إِّ دَعَوْتُ قَوْبِى لَيْلًا وَنَّهَارًا ، فَمْ يَزِدْ هُرْ دُ عَلِّنَ إلَّا
فِرَارًا وَإِنِ كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ
أَصَنِعَهُمْ فِّ مَاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ
وَأَسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا ، ثُمَّ إِ دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا
٥) ثُمَّ إِّ أَعْلَنْتُ لَمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِشْرَارًا فَ
٩
فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح:
٥ - ١٠].
فقد ذكر أولًا أنه دعاهم بالليل والنهار،
ثم ذكر أنه دعاهم جهاراً، ثم دعاهم في
السر والعلن، أفراداً وجماعات، والحاصل:
أنه دعاهم ليلاً ونهاراً في السر، ثم دعاهم
جهارًا(٢).
قال الإمام ابن عطية: ((الجهار دعاؤهم
في المحافل ومواضع اجتماعهم، والإسرار
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٣١/٢٣، تفسير
القرآن، السمعاني ٦/ ٥٥، أنوار التنزيل،
البيضاوي ٢٤٨/٥، مدارك التنزيل، النسفي
٥٤٣/٣.
www. modoee.com
١٧

حرف السين
دعاء كل واحد على حدته، فقد اتبع نوح زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً
هو والمسلمون في دار الأرقم حتى نزل
صلى الله عليه وسلم كل الأساليب فجهر
بالدعوة تارة، ثم زاوج بين الإعلان والإسرار
تارة أخرى))(١).
قوله تعالى: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ
اٌلْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤].
ويتضح من خلال الآيات أن نوحًا عليه
السلام لم يترك سبيلاً للدعوة إلا فعلها،
فاستعمل طرقاً ثلاثة:
١. بدأهم بالمناصحة فى السر، فعاملوه
بما ذكر في الآية من سد الآذان،
والاستغشاء بالثياب، والإصرار على
الكفر، والاستعظام عن سماع الدعوة.
٢. جاهرهم بالدعوة، وأعلنهم بها على
وجه ظاهر لا خفاء فيه.
٣. جمع بین الإعلان والإسرار بحسب
الأحوال والظروف(٢).
وما من نبي من الأنبياء إلا وجمع في
دعوته بين السرية والجهرية، ومنهم سيد
الخلق النبي محمد صلى الله عليه وسلم
فقد بدأ دعوته بالسرية: فقد اتخذ صلی الله
عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم لتكون
مقرّاً للدعوة السرية للدين الجديد، وقد
استمرت هذه الدعوة ثلاث سنوات، وما
(١) انظر: المحرر الوجيز ٣٧٣/٥.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٦٣١، تفسير
القرآن، السمعاني ٦/ ٥٥، مدارك التنزيل،
النسفي ٥٤٣/٣، أنوار التنزيل، البيضاوي
٢٤٨/٥، مفاتيح الغيب، الرازي ٣٠/ ٦٥١،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٧/٢٩،
تفسير المراغي ٨٢/٢٩.
فجهر النبي صلى الله عليه وسلم هو
وأصحابه بالدعوة وبلغوها لجميع الناس (٣).
ولم تكن سرية الدعوة في أول أمرها
خوفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم
على نفسه، ولكنها إلهام من الله لتعليم
الدعاة من بعده، وإرشادهم إلى مشروعية
الأخذ بالحيطة والأسباب الظاهرة، وما
يقرره التفكير والعقل السليم من الوسائل
التي ينبغي أن تتخذ من أجل الوصول إلى
غايات الدعوة وأهدافها. على أن لا يتغلب
كل ذلك على الاعتماد والاتكال على الله
وحده، وعلى أن لا يذهب الإنسان في
التمسك بهذه الأسباب مذهباً يعطيها معنى
التأثير والفعالية في تصوره وتفكيره، فهذا
یخدش أصل الإيمان بالله تعالى، فضلاً عن
أنه يتنافى مع طبيعة الدعوة إلى الإسلام.
ومن هنا تدرك، أن أسلوب دعوته صلى
الله عليه وسلم في هذه الفترة، کان من قبیل
السياسة الشرعية بوصف کونه إماماً، ولیس
من أعماله التبليغية عن الله تعالى بوصف
کونہ نبيًّا.
(٣) انظر: سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي
الشامي، ص ١٦.
١٨
القرآن الكريم

السر
الدعوة الإسلامية، فى كل عصر أن يستعملوا
المرونة في كيفية الدعوة -من حيث السرية
والكتمان أو من حيث الجهر والإعلان،
أو اللين والقوة- حسبما يقتضيه الظرف
وحال العصر الذي يعيشون فيه، وهي مرونة
حددتها الشريعة الإسلامية، اعتماداً على
واقع سيرته صلى الله عليه وسلم، على
أن يكون النظر في كل ذلك إلى مصلحة
المسلمين ومصلحة الدعوة الإسلامية (١).
ثانيًا: إسرار الإنفاق:
دعت الآيات القرآنية الكريمة إلى
الإنفاق في سائر الحالات: في السر
والجهر، وفي الليل والنهار، وفي السراء
والضراء، وفاضلت أحياناً بين نفقة السر
والعلن، وبينت فضل الصدقة في كل
الأحوال، ذلك أن الله سبحانه وتعالی وجِّه
عباده إلى الإنفاق والمبادرة فيه سرّاً وعلانية
بالليل والنهار ، في السراء والضراء ، في
الفرض والنفل.
فالإنفاق سرّاً حتى لا يقع الإنسان فريسة
المباهاة؛ والإنفاق علناً كي يعطي غيره من
القادرین أسوة حسنة، ولیبادروا إلى ذلك
لخلاص أنفسهم من قبل أن يأتي يوم (هو
(١) انظر: فقه السيرة النبوية، محّمد سعيد البوطي
ص ٦٩، الدعوة الإسلامية في عهدها المكي
مناهجها وغاياتها، رؤوف شلبي ص ٣٠١.
وبناء على ذلك : فإنه يجوز لأصحاب يوم القيامة ) لا بيع فيه ولا خلال ، أي : من
قبل أن يأتي اليوم الذي لا تنفع فيه فدية،
ولا تجدي فیه صداقة، فلا یشفع خلیل ولا
يصفح عن عقابه لمخالته لصديقه، بل هناك
العدل والقسط (٢)، فقد قال تعالى: ﴿قُل
لِعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا
رَزَقْتَهُمْ سِرًّا وَعَلَائِيَّةٌ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ
فِيهِ وَلَا خِلَلُ﴾ [إبراهيم: ٣١].
ويستحب إعلان الواجب، وإخفاء
المتطوع به، إلا في محل الاقتداء لأهل
(٣)
الإخلاص(٣).
والمراد بالسر في الآيات: ما خفي،
وبالعلانية ما ظهر، وهو قول جمهور
المفسرين، الثاني: أن السر في التطوع،
والعلانية في الفرض(٤).
والإنفاق في سبيل الله تعالى من أفضل
الأعمال، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَلَهُم بِلَيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً
فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلَاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]؛ فقد
جاء في سبب نزول الآية أنها نزلت في علف
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٤ /٤٣٨، أنوار التنزيل، البيضاوي ١٩٩/٣،
تفسير المراغي ١٥٤/١٣، تفسير الشعراوي
٧٥٣١/١٢.
(٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٩٩/٣.
(٤) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١٣٧/٣،
التفسير الوسيط، الواحدي ٣٢/٣، البحر
المحيط، أبو حيان ٦/ ٤٣٧.
www. modoee.com
١٩

حرف السين
الخيل وارتباطها في سبيل الله، فكان أبو تَبُّورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
هريرة رضي الله عنه إذا مر بفرس سمين قرأ
هذه الآية(١).
ولكن الآية عامة في الذين ينفقون
في سبيل الله تعالى، وفي الذين يعممون
الأوقات والأحوال بالصدقات، فكلما
نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها
ولم يؤخروها ولم يعلقوها بوقت ولا حال،
وهذا هو أحسن الوجوه في معنى الآية(٢).
ثم ذكر الله أن الإنفاق في السراء
والضراء، أي في الشدة والرخاء، والمنشط
والمكره، والصحة والمرض، والليل
والنهار، وفي السر والعلانية ، وفي جميع
الأحوال والأوقات صفة من صفات أهل
الجنة، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
يُنفِقُونَ أَقْوَلَهُم بِأَلَيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً
وَعَلَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَيِّهِمْ وَلَا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:
٢٧٤].
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ
كِتَبَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا
رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةٌ يَرْجُونَ تِجَرَةً لَّن
(١) انظر: أسباب نزول القرآن، الواحدي ص
٩٠، العجاب في بيان الأسباب، ابن حجر
العسقلاني ٦٣٤/١.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٤٧/١،
التفسير الوسيط، الواحدي ١/ ٣٩٢، تفسير
القرآن، السمعاني ١/ ٢٧٨.
أي: يرجون ثوابًا عند الله لا بد من
حصوله(٣).
وفي الآية إشارة إلى أن صدقة السر أفضل
من صدقة العلانية؛ وذلك لأنه قدم الليل
على النهار، والسر على العلانية في الذكر،
كما فضل الله صدقة السر على صدقة الجهر
في قوله: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىٌّ
وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَّ
وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّنِ سَيْئَاتِكُمُ وَاللّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١] (٤).
قد جعل الله ذلك من صفات أولي
الألباب.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ أَبْتِغَاءَ وَجْهِ
رَبِهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْتَهُمْ بِرَّ
وَعَلَئِيَةٌ وَيَدْرَهُونَ بِاْ لأَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَْ عُقْبَ
الدَّارِ (٣ جَثَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَآِهِمْ
وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرَِّّتِمَّ وَالْمَلَتِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ
بَابٍ ٣ سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبْتُمْ فَنِعْمَ عُقّْىَ الدَّارِ﴾
[الرعد: ٢٢ - ٢٤].
کما جعل سبحانه الإنفاق سرًّا وجھرًّا
من صفات الكمال البشري ، كما في قوله:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى
شَىْءٍ وَمَن زَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنَّا فَهُوَ يُنفِقُ
مِنْهُ سِرَّ وَجَهْرًاٌ هَلْ يَسْتَوُنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِبَلْ
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٦٥/١٩،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٥/٢٢.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ٧١.
٢٠
جوبيبو
القرآن الكريمِ

السرع
أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥].
فكما لا يستوي العبد الذي لا يملك شيئاً ثالثًا: الإسرار بالدعاء:
ولا يقدر عليه، والرجل الحر الذي قد رزقه
الله رزقاً حسناً فهو ينفق منه سرًّا وجهراً؟
فكذلك لا يستوي الكافر العامل بمعاصي
الله المخالف أمره، والمؤمن العامل
بطاعته (١).
ويلاحظ من خلال الآيات السابقة أنها
تشير وتحث على الإنفاق الجماعي الذي
يستفاد من خطاب الجمع في قوله تعالى:
﴿ قُل لِعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلَوةَ
وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةٌ﴾ [إبراهيم:
٣١]. وغيرها من الآيات.
قال سيد قطب في ظلال هذه الآية:
(( الذين ينفقون أموالهم)) .. هكذا بوجه
عام يشمل جميع أنواع الأموال .. ((بالليل
والنهار. سرًّا وعلانية)) .. لتشمل جميع
الأوقات وجميع الحالات .. ((فلهم أجرهم
عند ربهم)) .. هكذا إطلاقاً. من مضاعفة
المال ، وبركة العمر ، وجزاء الآخرة ،
ورضوان الله. ((ولا خوف عليهم ولا هم
يحزنون)) .. لا خوف من أي مخوف، ولا
حزن من أي محزن .. في الدنيا وفي الآخرة
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤/ ٣٠٧، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٢١٣/٣، أنوار
التنزيل، البيضاوي ٢٣٤/٣، البحر المحيط،
أبو حيان ٦/ ٥٦٩.
سواء (٢).
أمر الله تعالى بالإسرار بالدعاء في قوله:
﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ لَّا يُحِبُّ
اَلْمُعْتَدِينَ ﴿ وَلَا نُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ
إِصْلَحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاْ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ
قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥-
٥٦].
كما بيَّن الله تعالى حال الداعين بقوله
تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَّحِيَكُمْ مِنْ ظُلُمَتِ الّرِّ وَاَلْبَحْرِ
تَدْعُونَهُ تَضَرُّهًا وَخُفْيَةٌ لَّيِنْ أَنْجَنَنَا مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ
مِنَ الشَّكِينَ﴾ [الأنعام: ٦٣].
لأن الإسرار بالدعاء أبعد من الرياء وأدل
على الإخلاص؛ لأن الدعاء حقيقته النداء
لطلب مهم، واستعمل مجازاً في العبادة
لاشتمالها على الدعاء والطلب بالقول أو
بلسان الحال، كما في الركوع والسجود،
مع مقارنتها للأقوال، وهو إطلاق كثير في
القرآن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(الدعاء هو العبادة)(٣).
(٢) انظر: في ظلال القرآن ٣١٦/١.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب
الدعاء، رقم ١٤٧٩، ٧٦/٢، والترمذي في
سننه، أبواب من قال في القرآن برأيه، باب
ومن سورة المؤمن، رقم ٣٢٤٧، ٢١١/٥،
وابن ماجه في سننه، كتاب الدعاء، باب فضل
الدعاء، رقم ١٢٥٨/٢،٣٨٢٨.
قال الترمذي: حسن صحيح.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
www. modoee.com
٢١

حرف السين
وقد راعى نبي الله زكريا عليه السلام
أدب الدعاء، وهو إخفاؤه ؛ لكونه أبعد عن
الرياء، وأدخل في الإخلاص حين وصف
الله فعله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءُ خَفِيًّا﴾
[مريم: ٣](١).
وتدل هذه الآيات على وجوه أهمها:
الأول: أن هذه الآية تدل على أنه تعالى
أمر بالدعاء مقروناً بالإخفاء، وظاهر الأمر
للوجوب، فإن لم يحصل الوجوب، فلا أقل
من کونه ندبًا.
الثاني: أنه تعالى أثنى على زكريا عليه
السلام فقال: ﴿إِذْ نَادَىْ رَبَّهُ نِدَاءُ خَفِيًّا﴾
[مريم: ٣].
أي: أخفاه عن العباد وأخلصه لله
خفية مندوب، وأن ذلك إسرار محمودٌ.
الثالث: ما رواه أبو موسى الأشعري
رضي الله عنه، أنهم كانوا في غزاة فأشرفوا
على واد فجعلوا يكبرون ويهللون رافعي
أصواتهم ، فقال صلى الله عليه وسلم:
(ارفقوا على أنفسكم إنکم لا تدعون أصم
ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً وإنه
(٢) (٣)
لمعكم) (٢) (٣).
١،٣٤٠٧/ ٦٤١.
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٧/ ٨٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي،
باب غزوة خيبر، رقم ٤٢٠٥، ١٣٣/٥.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ٢٧٢.
ويطلق التضرع على الجهر بالدعاء؛
لأن الجهر من هيئة التضرع؛ لأنه تذلل
جهري، كما في قوله تعالى: ﴿أَدْعُوا
رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
وَلَا نُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا
وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاْ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ
[الأعراف: ٥٥، ٥٦]؛
مِّنَ الْمُحْسِنِينَ
لأنه أنسب بمقابلته بالخفية، فيكون أسلوبه
وفقاً لأسلوب نظيره في قوله: ﴿وَأَدْعُوهُ خَوْفًا
وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦].
والتضرع لفظة تقتضي الجهر؛ لأن
التضرع إنما يكون بإشارات جوارح وهيئات
أعضاء تقترن بالطلب.
والخفية: الدعاء في السر، وهو مأمورٌ به
وانقطع به إليه، فالآية تشير إلى أن الدعاء مقصودٌ بذاته، أي : ادعوه مخفين دعاءكم،
حتى أوهم كلام بعضهم أن الإعلان بالدعاء
منهي عنه أو غير مثوب عليه، وخفية يريد في
النفس خاصة.
والشريعة مقررة أن السر فيما لم يعترض
من أعمال البر أعظم أجراً من الجهر، بل
يندب الإسرار في جميع نوافل القربات
من: الصلاة، والصوم، وقيام الليل، والعمل
الصالح.
وتأول بعض العلماء التضرع والخفية في
الآية في معنى السر جميعاً، فكأن التضرع
فعل للقلب، ذکر هذا المعنى الحسن بن أبي
الحسن البصري، وقال: لقد أدركنا أقواماً
جَوْنُو ◌َرَ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
٢٢

السرع
ما كان على الأرض عمل يقدرون أن يكون
سرًّا فیکون جهراً أبداً، ولقد كان المسلمون
يجتهدون في الدعاء فلا يسمع لهم صوت،
إن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم، وذلك
أن الله تعالى يقول: ﴿أَدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَُّعًا
وَخُفْيَةً﴾، وذكر عبدا صالحا رضي فعله
فقال: ﴿إِذْ نَادَىْ رَبَّهُ نِدَآءَ خَفِيًا﴾ [مريم:
٣] (١).
ولكن الصحيح جواز الدعاء جهراً؛ لأن أو فعل، فحفظوا نفوسهم من أن تمضي ما
النبي صلى الله عليه وسلم دعا علناً غير مرة،
وعلى المنبر بمسمع من الناس، وما رويت
أدعيته إلا لأنه جهر بها يسمعها من رواها،
فالصواب أن قوله: تضرعاً إذن بالدعاء
بالجهر والإخفاء، وأما ما ورد من النھي عن
الجهر فإنما هو عن الجهر الشديد الخارج
عن حد الخشوع (٢).
رابعًا: إسرار الغضب:
جعل الله سبحانه وتعالى إسرار الغضب
وكتمانه مع القدرة على إنفاذه من صفات
المتقين، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوّا
إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّنِ زَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤٩/١٠،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٤١٠.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤٩/١٠، النكت
والعيون، الماوردي ٢٣١/٢، معاني القرآن
وإعرابه، الزجاج ٢٥٩/٢، الوجيز، الواحدي
ص ٣٥٨، تفسير القرآن، السمعاني ١١٣/٢،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٢ / ٤١٠، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٨/ ١٧١.
السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ
يُنفِقُونَ فِ السَّرَّآءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَظِمِينَ
اَلْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ
اَلْسُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ
هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧].
والكاظمين الغيظ هم: الجارعون الغيظ
عند امتلاء نفوسهم منه، ولم يظهروه بقول
هي قادرة على إمضائه، باستمكانها ممن
غاظھا، وانتصارها ممن ظلمها.
وقد وصف الله تعالى أنبياءه بذلك فقال
عن يعقوب عليه السلام: ﴿وَقَوَلَّى عَنَّهُمْ
وَقَالَ يَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأَبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ
الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤]؛ لأنه لم
یشك إلی أحد، وإنما کان یکمد في نفسه،
ويمسك همه في صدره، وکان یکظمه أي
يرده إلى قلبه ولا يرسله بالشكوى والغضب.
وقوله تعالى في نبي الله يوسف عليه
السلام: ﴿قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ
أَخْ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِ نَفْسِهِ، وَلَمْ
يُبْدِهَا لَهُوَّ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌ مَّكَانَا وَاللّهُ
أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧].
فقد أسر في نفسه قذفهم له وتحمل
القذف ولم يظهر غضباً منها، أسر هذه الفعلة
وحفظها في نفسه، ولم يبد تأثره منها،
وهو يعلم براءته وبراءة أخيه ، وأعرض
www. modoee.com
٢٣

حرف السین
عن زجرهم وعقابهم مع أنها طعن فيه
و كذب عليه(١).
كما أن من یسر الغضب ویکتمه ويتحكم
بانفعالاته فهو الشديد الشدة المحمودة؛
لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول
صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الشديد
بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند
الغضب)(٢).
وروی سهل بن معاذ، عن أبي رضي الله
عنهم أن رسول صلی الله علیه وسلم قال:
(من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه،
دعاه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم
القيامة حتى بخيره الله من الحور العين ما
شاء)(٣).
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٦٥/٣،
التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ٦٢٤، تفسير
القرآن، السمعاني ٥٣/٣، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ٣٤/١٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب الحذر من الغضب، رقم ٦١١٤،
٢٨/٨، ومسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة والآداب، باب فضل من يملك نفسه
عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب، رقم
٢٠١٤/٤،٢٦٠٩.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب،
باب من كظم غيظاً، رقم ٤٧٧٧، ٢٤٨/٤،
والترمذي في سننه، أبواب البر والصلة عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب في
كظم الغيظ، رقم ٢٠٢١، ٣٧٢/٤، وابن
ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب الحلم، رقم
١٤٠٠/٢،٤١٨٦.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم
أنواع الإسرار المذموم
الإسرار المذموم أنواع نتناولها بالبيان
في ما يأتي:
أولًا: إسرار الكفر:
إن من أخلاق المنافقين إسرار الكفر
وإعلان الإيمان، وذلك أنهم إذا استقبلوا
المؤمنين دفعوا عن أنفسهم بقولهم: آمنا
استهزاء، وإبداء لخبثهم ومكرهم، وكشفاً
عن إفراطهم في ادعاء أنهم مثل المؤمنين
في الإيمان الحقيقي (٤).
وقد ذكر الله تعالى أن ذلك خلق راسخ
ومتجذر فيهم في آيات كثيرة ، منها: قوله
تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَ بِأَلْيَوْمِ
أُلْآَخِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨].
وقوله عز من قائل: ﴿ وَإِذَا لَقُواْلَّذِينَ
ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَ إِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا
مَعَكُمْ إِنَّمَا شَخْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: ١٤].
وقوله سبحانه: ﴿ وَ إِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
قَالُواْ ءَامَنَا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا
أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِیُمَاُوُم پِهِ،
عِندَ رَبِّكُمَّ أَفَلَا نَعْقِلُونَ (٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ
٠١١١٢/٢،٦٥٢٢
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٤٤/١٤،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠٢/١،
أنوار التنزيل البيضاوي ٨٩/١، فتح القدير،
الشوكاني ١٢٠/١، روح المعاني، الألوسي
١٥٨/١.
٢٤
القرآن الكريم

السرع
اَللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: لَهُمْ مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلٌ وَلَوْرُ واْلَعَادُ واْلِمَا ثُهُواْعَنْهُ
٧٦-٧٧].
وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].
وقوله جل شأنه: ﴿وَإِذَا جَآءُ وكُمْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا
وَقَدَدَّ خَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِدٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَُّ بِمَا كَانُواْ
يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٦١].
وقد أجمع أهل التفسير على أن هذه
الآيات نزلت في قوم من أهل النفاق بصفة
عامة، وذهب جمهور المفسرين إلى أن الآية
نزلت في يهود نافقوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا
بخصوص السبب، فالآية في عامة المنافقين
الذين يظهرون كلمة الإيمان ويسرون الكفر،
فنفى الله سبحانه وتعالى عنهم الإيمان،
وبيَّن أن هذه الصفة صفتهم(١).
فالمنافقون يصانعون المؤمنين في
الظاهر، وقلوبهم منطوية على الكفر، ولا
نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر، مع أن
الله تعالى عليم بما يسرون، وإن أظهروا
لخلقه خلاف ذلك، وتزینوا بما ليس فيهم،
فإن الله أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على
ذلك أتم الجزاء، ثم بين الله تعالى أنه سيظهر
ذلك يوم القيامة في قوله عز وجل: ﴿بَلْ بَدًا
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ٤٤٤، تفسير
القرآن، السمعاني ٢/ ٥٠، التفسير الوسيط،
الواحدي ٢٠٥/٢، مفاتيح الغيب، الرازي
٣٩٢/١٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٣٧/٦، أنوار التنزيل، البيضاوي ١٣٤/٢،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣١/٣.
أي: أن الله تعالى يوم القيامة يكشف
أسرار المنافقين الذين كانوا يسرون الكفر
ويظهرون الإسلام، وأخبر أنهم لو ردوا إلى
الحياة الدنيا لعادوا لما نهوا عنه؛ لأن المنافق
يخالف قوله فعله، وسره علانیته، ومدخله
مخرجه، ومشهده مغيبه (٢).
ثانيًا: إسرار العداوة والبغضاء:
إن إسرار العداوة والبغضاء لأهل الإيمان
من أعمال المنافقين، وبالرغم من إسرار
المنافقين العداوة والبغضاء وكتمانها في
قلوبهم عن المسلمين، إلا أنها تبدو من أفواه
المنافقين إلى إخوانهم من الكفار، وتظهر
عداوتهم بالشتيمة والوقيعة في المسلمين
وإطلاع المشركين على أسرارهم، وما
تخفي صدورهم من العداوة والخيانة أكبر:
أعظم مما أظهروا، فقد قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٌ مِّن دُونِكُمْ لَا
يَأَلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ
أَفْوَهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرٌ قَدْ بَيِّنَا لَكُمْ
اُلْآَيَتِّ إِن كُنتُمْتَعْقِلُونَ (١٨) هَأَنتُمْ أُوْلَاءِ تُحُّونَهُمْ
وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِنَبِ كُلِهِ، وَإِذَا لَقُوكُمْ
(٢) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٢٩/١،
تفسير القرآن، السمعاني ٢/ ٥٠، اللباب في
علوم الكتاب، ابن عادل ٨/ ٩٧، تفسير القرآن
العظیم، ابن كثير ١ / ٨٧، المنار، محمد رشيد
رضا ٦ / ٤٠٨.
www. modoee.com
٢٥

حرف السين
قَالُواْ ءَامَنَا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ
مِنَ الْغَيْظِّ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمْ يِذَاتٍ
الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٨ - ١١٩].
وبسبب ما يسرون من البغضاء للمؤمنين
نهى الله تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ
خواص ومقربين ودخلاء من غير أهل ملتهم
بطانة؛ لأنهم: ﴿لَا يَأْ لُونَكُمْ خَبَالًا﴾ والخبال:
الفساد والشر، أي: لا يقصرون ولا يتركون
جهداً في مضرتكم وفسادكم(١).
والمنافقون لا يقصرون بجهدهم
وطاقتهم بإطلاع الكافرين على سرائر
المؤمنين، وما يضمرونه لهم، وما يسعون به
في مخالفتهم، وما يضرهم بكل ممكن، وبما
يستطيعون من المكر والخديعة، ویودون ما
يعنت المؤمنين ويحرجهم ويشق عليهم (٢).
أما المؤمنون فلا يكفي إسرار العداوة
والبغضاء للكافرين والمنافقين، بل يجب
إبداء تلك العداوة والبغضاء وإعلانها
وإظهارها لهم أبداً حتى يؤمنوا بالله وحده،
ما لم تكن هناك مصلحة شرعية في عدم
إظهارها، فإذا آمنوا صارت تلك العداوة
موالاة، والبغضاء محبة، عملاً وتأسياً حيث
أظهروا البراءة من قومهم بسبب شركهم
وكفرهم بالله تعالى ، وذلك في قوله تعالى:
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىَ إِتَزَهِيمَ وَالَّذِينَ
مَعَدُهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِمْ إِنَّا بُرَءَوَّا مِنْكُمْ وَمِمَا تَعْبُدُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُرْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ
وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًّا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ
إِنْزِهِيَمَ لِأَبِيدِ لَأَ سْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللّهِ مِن
شَىْءٍ زَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾
[الممتحنة: ٤](٣).
ثالثًا: إسرار المكر والكيد:
المكر في اللغة هو: التدبير على العدو
في احتيال وخفية، واصطلاحًا هو: إخفاء
الكيد وطيه، والكيد: المكر والخبث،
وظاهر كلام أهل اللغة أن الكيد والمكر
مترادفان، وقد فرق بينهما بعض فقهاء اللغة،
بأن الكيد: المضرة، والمكر: إخفاء الكيد
وإيصال المضرة، وقيل: الكيد هو: الأخذ
علی خفاء من غير إظهار الماکر خلاف ما
يبطن، والمكر: الأخذ على خفاء مع إظهار
الماكر خلاف ما يبطن (٤).
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور
٢٨/ ١٤٤، أضواء البيان، الشنقيطي ٨/ ٨٥،
التفسير المنير، الزحيلي ١٢٨/٢٨.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/ ١٤٥، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٦١/١، التفسير
الوسيط، الواحدي ٤٨٣/١، تفسير القرآن،
السمعاني ٣٥١/١، التحرير والتنوير، ابن
عاشور ٤ / ٦٤.
(٣) انظر: الوجيز، الواحدي ص ٢٢٨، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ١٤٤/٢٨، أضواء
البيان، الشنقيطي ٨٥/٨، التفسير المنير،
الزحيلي ١٢٨/٢٨.
(٤) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٥٩،
لسان العرب، ابن منظور ١٨٣/٥، تاج
العروس، الزبيدي٩/ ١٢٢.
مَوَسُولَةُ التَّقِيَّة
القرآن الكريم
٢٦