النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الُّؤَال
عناصر الموضوع
مفهوم السؤال
٢١٤
السؤال في الاستعمال القرآني
٢١٥
الألفاظ ذات الصلة
٢١٦
٢١٨
أنواع السؤال في القرآن
٢٢٠
السؤال في الجانب العقدي
٢٢٨
السؤال عن الجانب التشريعي
٢٣٩
السؤال عن الجانب الإخباري
٢٤٦
السؤال عن المخلوقات الكونية
٢٤٨
مقاصد السؤال وآدابه
المُجَلَّدَ السَّابِعْ عَشَرِ
حرف السين
مفهوم السؤال
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: ((السين والهمزة واللام كلمة واحدة، يقال: سأل يسأل سؤالًا ومسألة،
وتساءل الرجال أي سأل بعضهم بعضًا، ومن أكثر منه يقال له: رجل سؤالة وسؤله كهمزة:
کثیر السؤال)»(١). ولهذا فالفقير يسمى سائلاً إذا كان مستدعًا لشيء، ولأنه من طبعه أن يسأل
كثيرًا (٢)، حتى يعطى وتقضى حاجته، ومن يكثر السؤال يصبح ملحًا، وجمع السائل الفقير:
السؤّال(٣). وبه فسّر قوله تعالى: ﴿وَأَمَّ اُلسَّائِلَ فَلَا نَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] وفسّره الحسن
بطالب العلم(٤). فالسائل هو الطالب.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرف العلماء السؤال بأنه استدعاء معرفة، أو ما يؤدي إلى المعرفة (٥)، أو ما يؤدّي إلى
المال، فاستدعاء المعرفة جوابه على اللّسان، واليد خليفة له بالكتابة أو الإشارة، واستدعاء
المال جوابه على اليد، واللّسان خليفة لها، إمّا بوعد أو برد (٦).
يقول الراغب الأصفهاني: والسؤال على ضربين:
الأول: طلب مقال، وجوابه المقال: وهذا مثاله: قوله تعالى: ﴿أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللَّهِ﴾
[الأحقاف: ٣١]. وقال: ﴿وَمَن لَّا يُحِبّ دَاعِىَ اَللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣٢].
والثاني: طلب نوال: وجوابه النوال: وعلى الثاني قوله: ﴿قَدْ أُجِبَتِ دَعْوَتُكُمَا
فَأَسْتَقِيمًا﴾ [يونس: ٨٩]. أي: أعطيتما ما سألتما (٧).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ص٥٠١.
وانظر: تاج العروس، الزبيدي، ١٥٨/٢٩.
(٢) العين، الفراهيدي، ٣٠١/٧.
(٣) تهذيب اللغة، الأزهري، ٤٨/١٣.
(٤) تاج العروس، الزبيدي، ٢٩/ ١٦٠.
(٥) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٤٣٧.
(٦) الكليات، الكفوي، ١/ ٥٠١.
(٧) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٢١٠.
٢١٤
جَوْسُوء
القرآن الكريم
السؤال
السؤال في الاستعمال القرآني
وردت مادة (سأل) في القرآن الكريم (١٢٩) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
﴿قُلُّمَا أُلْفِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَُهَا أَلَمْ يَأْتِّكُمْ نَذِيرٌ
٨
الفعل الماضي
٢١
[الملك: ٨]
الفعل المضارع
٧٨
﴿يَسْتَلُ أَانَ يَوْمُالْقِيْمَةِ
[القيامة: ٦]
فعل الأمر
١٦
﴿وَسْئَلِ اَلْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيَهَا﴾ [ يوسف: ٨٢]
اسم الفاعل
٧
[الذاريات: ١٩]
١٩
﴿وَإِّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌّ لِلِسَّآيِلِ وَالْحْرُومِ
اسم المفعول
٥
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا
[الإسراء: ٣٦]
٣٦
مصدر
٢
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَئِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤]
وجاء السؤال في القرآن الكريم على وجهين (٢):
الأول:بمعناه اللغوي، وهو استدعاء معرفة أو ما يؤدي إليها، أو استدعاء مال أو ما يؤدي
إليه، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَسْتَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٣].
[الحجر: ٩٢]
٩٢
الثاني: الحساب: ومنه قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
أي: لنحاسبتهم على ما كان منهم.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص٣٣٦ - ٣٣٨.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٢٦٨- ٢٦٩، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ١٦٠/٢.
www. modoee.com
٢١٥
حرف السين
الألفاظ ذات الصلة
الاستخبار:
١
الاستخبار لغةً:
يقول ابن فارس: ((الخاء والباء والرّاء أصلان، فالأوّل ؛ من الخبر وهو العلم، والثّاني
: من الخبراء، وهي الأرض اللّنة، وهو يدلّ على لينٍ ورخاوةٍ وغزرٍ. ويقال: استخبره أي
سأله عن الخبر وطلب أن يخبره. والخبير العالم، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ فَسْتَلْ بِهِ خَبِيرًا
[الفرقان: ٥٩].
الاستخبار اصطلاحًا:
أما اصطلاحًا فهو طلب خبر ما ليس عندك.
الصلة بين السّؤال والاستخبار:
يقول أبو الهلال العسكري: أن الاستخبار طلب الخبر فقط والسّؤال يكون طلب الخبر
الأمر والنّهي وهو أن يسال السّائل غيره أن يأمره بالشي أو ينهاه عنه والسّؤال والأمر سواء في
الصّيغة، وإنّما يختلفان في الرّتبة، فالسؤال من الأدنى في الرّتبة والأمر من الأرفع فيها (١).
يقول الراغب الأصفهاني: وكل استخبار سؤال، وليس كل سؤال استخبارًا(٢).
الاستفهام:
٢
الاستفهام لغةً:
هو مصدر من الاستفعال، وهو من الفهم، يقول ابن فارس: ((الفاء والهاء والميم علم
الشّيء))(٣). يقال ((استفهم أي سأله أن يفهمه، وقد استفهمني الشيء فأفهمته وفهمته
تفهيمًا)»(٤). والاستفهام طلب الإفهام وهو أخص من الاستخبار (٥).
الاستفهام اصطلاحًا:
هو (استعلام ما في ضمير المخاطب))(٦). أو هو ((طلب المتكلم من مخاطبة أن يحصل
(١) الفروق اللغوية ص ٣٧.
(٢) تفسير الراغب الأصفهاني ٤٦٦/٥.
(٣) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٤ /٤٥٧.
(٤) لسان العرب، ابن منظور، ٤٥٩/١٢.
(٥) تفسير الراغب الأصفهاني، ٤٦٦/٥.
(٦) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٤٩.
٢١٦
جَوَسُوع
الْقُرآن الكَرِيمِ
السؤال
في ذهنه ما لم يكن حاصلاً عنده مما سأله عنه))(١). أو هو طلب حصول صورة الشيء في
الذهن تصديقًا أو تصورًا، فإن كانت تلك الصورة هي وقوع نسبة بين الشيئين، فحصولها هو
التصديق وإلا فهو تصور (٢).
الصلة بين السّؤال والاستفهام:
قال صاحب الفروق اللغوية: إن الاستفهام لا يكون إلّا لما يجهله المستفهم أو يشك فيه
؛ وذلك أن المستفهم طالب لأن يفهم ، ويجوز أن يكون السّائل يسأل عمّا يعلم لا يعلم ،
فالفرق بينهما ظاهر(٣).
(١) الكليات، الكفوي ص٩٧.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص٥٩.
(٣) الفروق اللغوية، العسكري، ص٣٧.
www. modoee.com
٢١٧
حرف السين
أنواع السؤال في القرآن
١. السؤال الاستفهامي.
والاستفهام طلب الفهم أو معرفة ما هو
خارج الذهن، بواسطة أدوات استفهامية.
﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴾
[الماعون: ١].
﴾ حرف
ـارَءَيْتَ
فقوله عز وجل:
يستعمل في موضع السؤال والاستفهام(١)؛
کقوله:
﴿هَلْ إِلَى مَرٍَّ مِّنِ سَبِيلٍ﴾
[الشورى: ٤٤].
والاستفهام يرد مجازًا على غير حقيقته،
بحيث إن المستفهم لا يرجو من سؤاله
حصول علم لم يكن قبل السؤال، والسؤال
في هذا الصنف من الله تعالى ولا ريب، وقد
أحصى علماء اللغة أغراضًا مجازية كثيرة
یمکن أن یستعمل الاستفهام لها، ومن تلك
الأغراض ما يلي (٢):
الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنُ مُّنْنَهُونَ ﴾
[المائدة: ٩١]. أي: انتهوا.
النهي، كقوله تعالى: ﴿أَخْشَوْنَهُمَّ
قَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾ [التوبة: ١٣]. أي:
لا تخشوهم. قال المرسي: ((إن الأمر
والنّهي والاستفهام كلها بمعنى السّؤال
والاستدعاء»(٣).
(١) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ١٠/ ٦٢٢.
(٢) الصاحبي في فقه اللغة، ابن فارس، ص٤٥.
(٣) المخصص، ابن سيده المرسي، ٢٣٤/٥.
النفي، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِى مَنْ
أَضَلَ اَللّهُ﴾ [الروم: ٢٩] أي: لا هادي
لمن أضلّ الله. ومنه قوله جلّ ثناؤه:
﴿أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَن فِ النَّارِ ﴾ [الزمر: ١٩]
أي: لست منقذهم.
الإنكار، كقوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ
تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠].
التقرير، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ
صَدْرَكَ ﴾ [الشرح: ١]. أي: لقد شرح
الله صدرك.
التهويل، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَذْرَنِكَ مَا
اْآَفَّةُ (ن)﴾ [الحاقة: ٣].
الاستبعاد، كقوله تعالى:
أَنَّ
الذِّكْرَى وَقَدْ جَآءُهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ
[الدخان: ١٣] وغير ذلك. ومن الأمثلة
الدالة عليه كذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ
قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ
[المائدة: ١١٦] هذا استفهام
لِلنَّاسِ ﴾
معناه التوبيخ لمن ادعى ذلك على
المسیح، ویکذبهم المسيح فیکون ذلك
توبيخاً لهم، وهو قوله: قال سبحانك
أي: برأتك من السوء، ﴿مَا يَكُونُ لِّ
أَنَّ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِ بِحَقِّ﴾ [المائدة: ١١٦].
أي: لست أستحق العبادة فأدعو الناس
إليها (٤).
٢. السؤال الإنكاري.
(٤) الوسيط، الواحدي ٢/ ٢٤٧.
٢١٨
جَوَبُورَة التقنية
القرآن الكريمِ
السؤال
وهو إنكار على المخاطب المستفهم عنه ومن أمثلته، قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ لَهُمُ
الشَّنَاؤُشُ﴾ [سبأ:٥٢] أي: التناول، وهو من
بعد الطلب(٥). ومثاله قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا
مَنَاسِكًا﴾ [البقرة: ١٢٨].
بالسؤال(١)، ومنه الأسئلة التي استخدمها
موسى عليه السلام للتعبير عن إنكاره لما
جرى أمام عينيه من تعدٍّ وظلم ظاهر، كما
جاء في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَخَرَقْنَهَا لِنُّغْرِقَ
أَهْلَهَا ﴾ [الكهف: ٧١].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَقَلْتَ نَفْسًا زَّكِيَّةٌ بِغَيْرِ
نَفْسِ﴾ [الكهف: ٧٤].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ
أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧].
إن أسئلة نبي الله موسى الإنكارية
المتكررة هي التي جعلت الخضر عليه
السلام لا يجد مناصًا من تبيين حكمة ما
فعل لموسى عليه السلام، وهذا يدل على
فاعلية السؤال وقوة تأثيره في القصة، إذ أثمر
معرفةً وفهمًا وتفسیرًا لأمور كانت أسبابها
غير معروفة وغير ظاهرة للعيان.
٣. السؤال الطلبي.
الطلب هو محاولة وجدان الشّيء(٢)
وأخذه، والسؤال الطلبي: هو سؤال
يتضمن معاني الطلب أمرًا أو نهيًا (٣)، ومنه
قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ فَسَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾
[الفرقان: ٥٩] أي: فاطلب بالله ما تطلب (٤).
(١) من بلاغة القرآن، البدوي، ص١٢٦.
(٢) العين، الفراهيدي، ٧/ ٤٣٠.
(٣) السؤال في ضوء القرآن الكريم، وردة مصطفى
کحیل، ص٢٤.
(٤) غرائب التفسير، الكرماني، ٢/ ٨٢٠.
٤. السؤال التقريري.
(هو حمل المخاطب على الإقرار
والاعتراف بأمرٍ قد استقر عنده))(٦).
ومن أمثلته في القرآن، قوله تعالى: ﴿وَمَا
تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى ﴾ [طه: ١٧].
فهذا السؤال هو سؤال تقريرٍ والحكمة
في هذا السّؤال تنبيهه وتوقيفه على أنّها
عصًا حتّى إذا قلبها حيّةً علم أنها معجزةٌ
عظیمٌ(٧). ویقال: ((قررت عنده الخبر حتّی
استقر ثبت بعد أن حققته له، وقرر المسألة
أو الرأي: صححه وحققه)»(٨).
٥. السؤال التوبيخي.
التوبيخ هو الملامة (٩) والتهديد
والتأنيب(١٠)، والسؤال التوبيخي هو توبيخ
المخاطب على فعل وقع، لماذا وقع، أو
(٥) غريب الحديث، الحربي، ٢/ ٨٨٤.
(٦) السؤال في ضوء القرآن الكريم، كحيل،
ص٢١.
(٧) معالم التنزيل، البغوي، ٢٥٨/٣.
وانظر: إيجاز البيان عن معاني القرآن،
النيسابوري، ٢/ ٥٤٦.
(٨) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية
٧٢٥/٠٢.
(٩) العين، الفراهيدي، ٣١٥/٤.
الصحاح، الجوهري، ٤٣٤/١.
(١٠)
www. modoee.com
٢١٩
حرف السین
على ترك فعل ما كان ينبغى ألا يقع(١) .
يقول قطرب: السّؤال ضربان: سؤال
استعلام وسؤال توبيخ، فقوله تعالى:
٣٩
، فَقَّمَيِذٍ لَّا يُستَلُّ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ
[الرحمن: ٣٩]. يعني: استعلامًا. وقوله:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْتَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
[الحجر: ٩٢] يعني: توبيخًا وتقريعًا(٢).
ومن التوبيخ لأعداء الله قوله سبحانه:
أَلَّ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ () وَلَدَ اللَّهُ
وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿ أَصْطَفَى اَلْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ
[الصافات: ١٥١- ١٥٣].
١٥٣
(١) من بلاغة القرآن، البدوي، ص١٢٦.
(٢) معالم التنزيل، البغوي، ٣/ ٦٧.
وانظر: إيجاز البيان عن معاني القرآن،
النيسابوري، ١ / ٤٧٥.
السؤال في الجانب العقدي
هناك أسئلة كثيرة وردت في الخطاب
القرآني حول القضايا الاعتقادية، والتي
صدق وجزم بها المؤمن بدون ريب أو
شك؛ لأنها من الأشياء التي يجب الاعتقاد
بها ضرورة، ویمکن أن ندرجھا حول أصول
الإيمان ؛ لأنها واجبات فرضت فرض عين
على كل مسلم ومسلمة. ومن هذه الأسئلة
ما کان حول الخالق سبحانه، وما یکون یوم
القيامة ومتى تقوم الساعة، وما هو مصير
العباد في ذلك، ناهيك عن السؤال الذي
أحيل به الجواب إلى الله عز وجل، وهو
سؤال الروح.
١. السؤال عن الخالق.
يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ
عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
إِذَا دَعَانٍّ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ
يَرْشُدُونَ (٥)﴾ [البقرة: ١٨٦].
أخرج ابن أبي حاتم أنه جاء رجلٌ إلى
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال:
يا رسول اللّه أقريبٌ ربّنا فنناجيه، أم بعيدٌ
فننادیه؟ فسكت رسول اللّه صلى الله عليه
وسلم، فأنزل اللّه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى
عَنِى فَإِ قَرِيبٌ﴾(٣)، إذا دعوني، استجبت
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التفسير،
باب ومن سورة البقرة، رقم ٢٩٧٣.
قال الترمذي: حسن صحيح.
٢٢٠
مُوسُوبَةُ النفسي
القرآن الكريم
السؤال
لهم (١).
والفاء في قوله: ﴿فَإِنِّ قَرِيبُ﴾، جواب ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب
إذا، وفیه حذف تقدیرہ: فقل لهم إنّ قريبٌ؛
لأنّه لا يترتّب على الشّرط القرب، إنّما
يترتّب الإخبار عن القرب(٢).
فالله عز وجل قريب من كل شيء، عالم
بكل شيء، يصدقه قوله سبحانه وتعالى:
﴿وَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ
[الواقعة: ٨٥] وهو قرب العلم والإحاطة
وارتفاع الجهات، لا قرب الذات(٣).
قال أبو حيان: ((والقرب المنسوب إلى
الله يستحيل أن یکون مکانًّا، وإنما قصد منه
سماع الدعاء، والإسراع في الإجابة)) (٤).
وفي هذا إرشاد لنناجيه ولا ننادي علیه
برفع الصوت، فهو قريب لا يحتاج لكي
ینادی علیه، کما أنه قریب من عابده، و(أقرب
ما یکون العبد من ربه وهو ساجد)(٥).
وفي الحديث القدسي: (أنا عند ظنّ
عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني
وصححه الألباني في صحيح الترمذي
٢٥٩٠.
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم، ٣١٤/١.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، ٢٠٥/٢.
(٣) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي،
٤٨/٢.
(٤) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، ٢٠٥/٢.
وانظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ١٢٥/١،
تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٤٨/٢.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب ما يقال في الركوع والسجود، رقم ٢١٥.
في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في
إليّ شبرًا اقتربت منه ذراعًا، وإن اقترب إليّ
ذراعًا اقتربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته
هرولةٌ)(٦). فهذا قربه من عابده(٧).
وقد ورد أن اليهود سألوا نبي الله صلى
الله علیه وسلم، قالوا: كيف يسمع ربك
دعاءنا، وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء
مسيرة خمسمائة عام، وأن غلظ كل سماء
مسيرة خمسمائة عام؟! فنزل قوله: ﴿ وَإِذَا
سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبُ﴾، هذا لما
لم يعرفوا الصانع، ألا تراهم جعلوا له الولد،
وجعلوا له شركاء، فخرج سؤالهم ، مخرج
سؤال المتعنت، لا المسترشد))(٨).
عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: (ليسألنّكم
النّاس عن كلّ شيءٍ حتى يقولوا: الله خلق
كلّ شيءٍ فمن خلقه؟) قال يزيد: فحدّثني
نجبة بن صبيغِ السّلميّ: آنّه رأى ركبًا أتوا
أبا هريرة، فسألوه عن ذلك فقال: الله أكبر
(٦) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات،
باب في حسن الظن بالله عز وجل، رقم
٣٦٠٣.
قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١٣٥٢/٢، رقم ٨١٣٧.
(٧) التفسير القيم، ابن القيم، ص٢٥٦.
(٨) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٣٠٨/٢.
www. modoee.com
٢٢١
حرف السين
ما حدّثني خليلي بشيءٍ ، إلّا وقد رأيته وأنا فإنك بعثت في نسيم الساعة، واسمك نبي
آخر الزمان.
أنتظره، قال جعفرٌ: بلغني أنّ النّبيّ صلى الله
عليه وسلم قال: (إذا سألكم النّاس عن هذا
فقولوا: الله كان قبل كلّ شيءٍ، والله خلق
كلّ شيءٍ والله كائنٌ بعد كلّ شيءٍ)(١).
٢. السؤال عن يوم القيامة.
قال عز وجل: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّنَ
مُؤْسَهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَمَهَاآَ ، إِلَى رَبِكَ مُنَهَنَهَا
﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤].
وقال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّنَ
مُنْسَنِهَا قُلْ إِنََّا عِلْمُهَا ◌ِنْدَ رَبِّ لَا يُحِيَهَا لِوَقِيَاً
إِلَّا هُوْ تَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا
بَغْنَةٌ يَسْتَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا
عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
[الأعراف: ١٨٧].
قال ابن عادل الحنبلي: ((لما سمع
المشركون أخبار القيامة، ووصفها
بالأوصاف الهائلة مثل: ﴿الطَّامَةُ الْكُبْرَى﴾،
و﴿الصََّنَّةُ﴾، ﴿اَلْقَارِعَةُ﴾، سألوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاءً،
متی تکون الساعة؟»(٢).
والمعنى: في أي شيء هم من سؤال
الساعة، ألم يعلموا أنك أنت من علاماتها،
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من
وجدها، رقم ٢١٦.
(٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي،
١٤٩/٢٠.
وَيَسْئَلُونَكَ كَانّكَ حَفِىّ
وأما قوله تعالى:
عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٨٧]
حفي عن الشيء إذا سأل، وحفي بالشيء،
عني به، وحفى بالشيء أيضًا حفاوة فرح
به. قال الزجاج: ((كأنك حفيٍّ، أي فرحٌ
بسؤالهم»(٣).
وفي الآية دلالة على أن المقصد من
سؤال الكفار عن الساعة للتمويه والتلبيس
على ضعفة الإيمان من الناس؛ لأنهم عرفوا
أن وقت الساعة ليس بيد النبي صلى الله
عليه وسلم، فإن سألوه عنها ومتى وقتها
وطلبوا الاستعجال بها، عرفوا أن الرسول
صلى الله عليه وسلم ليس بيده الجواب
عنها فيستغلوا ذلك في التحريض ضد النبي
صلى الله عليه وسلم و دينه.
كما دل إخفاء الساعة عن الخلق بما فيهم
الملائكة المقربون والأنبياء المرسلون ؛ لأن
ذلك أدعى إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية،
ومثله كإخفاء الأجل والصلاة الوسطى
وليلة القدر ، فالله عز وجل كتم وقت قيام
الساعة عن الخلق ليسرع المكلفون إلى
التوبة والطاعة فى جميع الأوقات ؛ فإنه لو
علم وقت قيامها لتقاصر الخلق عنها وأخروا
(٣) غرائب التفسير، الكرماني، ١/ ٤٣٠.
جوسُوحَرَ النَّفْسَبي
القرآن الكريمِ
٢٢٢
السؤال
الطاعة(١).
هناك ثلاثة آراء في السائلين عن الساعة،
فالرأي الأول: منهم من قال إن السائلين
هم قريش ، قال أبو جعفر: عني بذلك
قوم رسول الله صلی الله عليه وسلم من
قريش(٢). فسؤالهم ينبئ عن شكهم من
قیامها، قال عز وجل: ﴿ بَلِ آَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِی
اُلْآَخِرَةَّ بَلْ هُمْ فِ شَكٍ مِنْهَا بَلَّ هُم مِّنْهَا عَمُونَ
[النمل: ٦٦].
وقصدهم من طرح تلك النوعية من
الأسئلة : التمويه والتلبيس على ضعاف
الإیمان، ونسوا أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (بعثت أنا والسّاعة كهاتين)(٣).
يقول الشاطبي: ((إن الله تعالى قال بعد
سؤالهم عن الساعة أيان مرساها:
أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا ﴾ [النازعات: ٤٣]، أي:
إِنّ السّؤال عن هذا سؤالٌ عمّا لا يعني؛ إذ
یکفي من علمها آنّہ لا بدّ منھا، ولذلك لمّا
سئل صلى الله عليه وسلم عن السّاعة ، قال
السّائل: (ما أعددت لها؟)(٤)؛ إعراضًا عن
صریح سؤاله إلى ما يتعلّق بها ممّا فيه فائدةٌ،
(١) روح البيان، إسماعيل حقي، ٢٩٢/٣.
(٢) جامع البيان، الطبري، ١٣/ ٢٩١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: ((بعثت
أنا والساعة كهاتين))، رقم ٦٥٠٤.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب ما جاء في قول الرّجل ويلك، رقم
٦١٦٧.
ولم يجبه عمّا سأل)»(٥).
الرأي الثاني: السائلون هم اليهود (٦):
قال ابن عباس: أتی قوم من اليهود إلى النبي
صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: أخبرنا متى
الساعة إن كنت نبيًّا؟ أي: متى قيامها؟(٧).
وهذه الطائفة يمكن أن يكونوا من
المؤمنين بالبعث، لكنهم لم يؤمنوا بالنبي
الکریم محمد صلی الله عليه وسلم.
والرأي الثالث: السائلون هم من
المؤمنين بالبعث والنشور والساعة ، وكان
سؤالهم سؤال استهداء، كأنه لما قيل لهم:
﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَرَتْ ﴾ [الانفطار: ١].
و﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ ﴾ [الانشقاق: ١].
قالوا: متى تكون الساعة؟ فنزلت هذه
الآية(٨).
هل في الآيتين تكرار لنفس الجواب؟
قال الخازن: عبر عن الجواب في
السؤال الأول بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ
[الأعراف: ١٨٧] وعن الجواب في
في
السؤال الثاني بقوله تعالى: ﴿عِلْمُهَا عِندَاللّهِ﴾
[الأحزاب: ٦٣] فهل من فرق بين الصورتين
في الجوابين؟
قلت: فيه فرق لطيف، وهو أنه لما كان
(٥) الموافقات، الشاطبي، ١/ ٤٥.
(٦) النكت والعيون، الماوردي، ٢٨٤/٢.
(٧) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب،
٤ /٠٢٦٦٠
(٨) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٤١٥/١٠.
www. modoee.com
٢٢٣
حرف السين
السؤال الأول واقعاً عن وقت قيام الساعة وحده القادر على محاسبتهم على القطمير
والنقير، ولا يماري في ذلك إلا كل متكبر
عبر عن الجواب فيه بقوله تعالى علم وقت
قيامها عند ربي. أي: يعلم جليّة أمرها، ومتى
يكون على التّحديد (١).
لا يؤمن بيوم الحساب، على الأغلب أنها:
ولهذا ما يؤيده قوله تعالى: ﴿يُّ الْإِسَنُ يَوْمَيَلْم
فهو سبحانه قد استأثر به ولم يطلع عليه بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣].
ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا.
ولما كان السؤال الثاني واقعاً عن أحوالها
وشدائدها وثقلها ؛ عبر عن الجواب فيه
بقوله سبحانه وتعالى عند الله ؛ لأنه أعظم
الأسماء(٢) مهابة وجلالة وعظمة وهيبة.
٣. السؤال عن مصير العباد في
الآخرة.
يقول الله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ
يَتَسَآءَ لُونَ ﴿ قَالَ قَآيِلٌ مِّنْهُمْ إِ كَانَ لِ قَرِينٌ
﴾ [الصافات: ٥٠-٥١].
٥١
وقال تعالى: ﴿إِلَّ أَمْحَبَالِيَِّينِ ، فِ جَنَّتٍ
يَتَّسَكَ لُونَ ﴾ [المدثر: ٣٩-٤٠].
وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَىْ رِجَالًا كُنَّاً
نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ ﴾ [ص: ٦٢].
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ
وقال تعالى:
يَسَلَّلُونَ (٥) قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ
﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَنَا عَذَابَ السَّمُومِ
(٣) إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ, هُوَ أَلْبَرُّ
الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الطور: ٢٥-٢٨].
لا شك إن مصیر العباد بيده سبحانه، فهو
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥١٨/٣.
(٢) لباب التأويل، الخازن، ٢٧٩/٢.
وفي ذلك اليوم فإن ملك الملوك سوف
يخبر كل إنسان بجميع أنواع الأعمال التي
قام بها في القديم ، وفي الحديث سواء
كانت صغيرة أم كبيرة، ومصداق ذلك في
قوله تعالى: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرَأُ وَلَا
يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
يقول السعدي: ((فإليه ينتهي العلم
والحكم، والرحمة وسائر الكمالات))(٣).
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوَقُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيِّرَ
مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩].
ويقول الله عز وجل عن أهل الجنة (٤)
بأنهم سوف يتساءلون تساؤل راحة وتنعم
عن الفضائل والمعارف، وعما جرى لهم
وعليهم في الدنيا، فالتعبير عنه بصيغة
الماضي للتأكيد والدلالة على تحقق الوقوع
حتمًا (٥).
فالآية تدل على أن هناك أوقات سمر
واجتماع بين المؤمنين من أهل الجنة الذي
خلت بالهم من كل المشاغل، فيتخلله
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٨٢١.
(٤) تفسير يحيى بن سلام، ٢/ ٨٣١.
(٥) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٧/ ١٩٢.
وانظر: البحر المديد، ابن عجيبة، ٤ /٥٩٨.
٢٢٤
فَضْو
مَوَسُولَة البطة
القرآن الكريم
السؤال
شراب، وفي وقت الشراب يحلو الحديث يسأل أصحاب اليمين بعضهم بعضًا عن
والتساؤل، ومن أسئلتهم أنهم يتذكرون شأن المجرمين، وتكون جملة ما سلككم
في سقر بيانًا لجملة يتساءلون»(٢).
أحوالهم في الدنيا، ويكون هذا من تمام
النعمة عليهم، ويقول أحدهم: إنه كان
وَأَقْبَلَ
وقال تعالى في سورة الطور:
بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَلَّلُونَ ﴾ [الطور: ٢٥].
لي قرين وصاحب سوء ملازم لي في
في المقابل نجد أن الله عز وجل يخبرنا
عن أهل النار الطغاة المستكبرين الذين كانوا
يعدون أنفسهم من الأشراف والرؤساء،
يتساءلون فيما بينهم لماذا لا نرى رجالًا
كنا نعدهم من الأشرار، قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ
مَا لَنَا لَا نَرَىْ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ )
[ص: ٦٢].
الدنيا، وكان هذا الصاحب كافر بالبعث،
بل منكر له، فهو ينكر على المؤمن إيمانه
بالله ، ویوبخه على تصدیقه بوعد الله وما
أعد للمؤمنين في الجنة. يقول المراغي:
«والحديث ذو شجون، فهم يتحادثون في
شتى الفضائل والمعارف وفيما سلف لهم
من شئون الدنیا، وما أحلى تذکر ما فات
حين رفاهية الحال، وفراغ البال، واطمئنان
النفس، وخلوّها من المخاوف العاجلة
والآجلة))(١).
وتأكد هذا الموقف من خلال قوله
تعالى: ﴿إِلَّ أَعْحَبَ آلْبِينِ ٦ ◌ِ جَنَّتٍ يَتَّسَاءَ لُونَ
[المدثر: ٣٩-٤٠].
فمن تمام نعيم أهل الجنة الذين يجلسون
في الغرفات آمنون مکرمون أنهم يتساءلون
فيما بينهم عن المجرمين الذين حبسوا في
سقر، بسبب تكذيبهم لدعوة الله، ورفضوا
الاستجابة لأمر الله عز وجل.
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣٢٥/٢٩.
لحظة التذكر هذه تدل على حالة
أسف وتوبيخ لأنفسهم ولذواتهم، إذ لم
يجدوا المستضعفين والمخالفين والفقراء
والمؤمنين بالله عز وجل معهم في جهنم.
يقول ابن الجوزي: قال الفراء: ((وهذا
استفهام بمعنى التعجّب والتوبيخ، والمعنى
أنهم يوبّخون أنفسهم على ما صنعوا
بالمؤمنين)) (٣). وصدق الله العظيم حين
قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَقِّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ )
[ص: ٦٤].
قال الرازي معلقًا على الموقفين: ((واعلم
يقول ابن عاشور: ((ومعنى يتساءلون أنّه تعالى ذكر من أحوال أهل النّار أنواعًا
فالأوّل: مرجعهم ومآبهم، فقال: ﴿هَذَا
يجوز أن يكون على ظاهر صيغة التّفاعل
للدّلالة على صدور الفعل من جانبين، أي:
(٢) تفسير المراغي، ٥٩/٢٣.
(٣) زاد المسير، ابن الجوزي، ٥٨١/٣.
www. modoee.com
٢٢٥
حرف السين
وَإِنَّ لِلَّغِينَ لَشَرَّ مَثَابٍ
ج
٥٥
وهذا في مقابلة قوله: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ
مَثَابٍ ﴾ [ص: ٤٩]. فبيّن تعالى أنّ حال
الطّاغين مضادٌّ لحال المتّقين))(١).
فالمؤمنون لهم جنات عدن مفتحة لهم
الأبواب، قال تعالى: ﴿أُوْلَكَ لَمُمْ جَنَّتُ عَدْنٍ
تَجْرِى مِن تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرُ مُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن
ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنِ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ
مُتَّكِينَ فِيَهَا عَلَى الْأَرَابِّ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ
مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف: ٣١].
والكافرون الطغاة الظلمة لهم نار جهنم
يصلونها، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ
نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَاْ وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ
بِمَآءِ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ بِئْسَ الشَّرَابُ
وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف: ٢٩].
وعليه فإنه لا بد من تصنيف الناس يوم
القيامة ، كل حسب عمله وحسب إيمانه
وتقواه، فهو سبحانه يعطينا سؤالًا استفهاميًّا
استنكاريًّا فيقول تعالى: ﴿أَفَتَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ
كَالْتُجْرِمِينَ ﴾ [القلم: ٣٥].
وإجابة الاستفهام معروفة أنهم لا
يستوون ؛ فليس المسلمون كالمجرمين.
فالسؤال ينكر بشكل بليغ كيف يطالب هؤلاء
مساواة المسلم مع المجرم، و کیف يستوي
عند هؤلاء من أسلم نفسه لله واتبع منهجه
وآمن بربه وبشرعه مع من خرج على منهج
(١) مفاتيح الغيب، الرازي، ٤٠٣/٢٦
جوسين
فَضْو
القرآن الكريمِ
[ص:٥٥]. الله ورفض اتباعه وعصى وأبى، وأفسد في
الأرض ... لا يستوون.
أورد عمر سليمان الأشقر توجيهًا
منھجیًا لمن توهم أن في النصوص تعارض
في موضوع مساءلة الكفار يوم القيامة،
قال رحمه الله: «فإن قيل: قررتم فيما سبق
أن الكفار يسألون ويجادلون ويتكلمون
ويعتذرون، فيكف تفعلون بالنصوص الدالة
على خلاف ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْئَلُ
[القصص: ٧٨]
عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
مضاد لقوله: ﴿وَلَيُسْتَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَمَّا
كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣].
وقوله تعالى: ﴿وَلَتُتَكُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٣] يتناقض مع قوله
تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ يَتْنَهُمْ
[المؤمنون: ١٠١]
يَوْمَيِذٍ وَلَا يَتَسََّلُونَ )
ونحو ذلك من النصوص)»(٢).
قال القرطبي رحمه الله: ((فنقول: ليس
بین هذه النصوص وتلك تعارض، وقد وفق
أهل العلم بينهما بوجوه عدة:
الأول: أن الكفار لا يسألون سؤال شفاء
وراحة، وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ،
لم عملتم كذا وكذا؟ وكذا يقال في تكلیمهم
واعتذارهم، أي لا یکلمهم الله بما يحبونه،
بل يكلمهم بما لا يحبون بطريقة فيها تقريع
(٢) القيامة الكبرى، عمر سليمان الأشقر،
ص ٢٠٠.
٢٢٦
السؤال
وتوبيخ.
الثاني: أنهم لا يسألون سؤال استفهام،
لأنه تعالى عالم بكل أعمالهم، وإنما يسألون
سؤال تقرير، فيقال لهم: لم فعلتم كذا؟ قال
الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم، لأن
الله حفظها عليهم وكتبتها عليهم الملائكة.
الثالث: أنهم يسألون في يوم القيامة في
موطن دون موطن، قال القرطبي: ((القيامة
مواطن، فموطن یکون فيه سؤال وكلام،
وموطن لا يكون ذلك»(١).
قال الإمام أحمد في أجوبته القرآنيّة:
((أوّل ما تبعث الخلائق على مقدار ستّين
سنةً، لا ينطقون، ولا يؤذن لهم في الاعتذار
فیعتذرون، ثمّ يؤذن لهم في الكلام فيتكلّمون،
فذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَاْ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا
فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا﴾ [السجدة: ١٢] الآية،
فإذا أذن لهم في الكلام تكلّموا واختصموا؛
فذلك قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِعِندَ
[الزمر: ٣١] عند
رَبِّكُمْ تَخْنَصِمُونَ ﴾
الحساب وإعطاء المظالم، ثمّ يقال لهم بعد
ذلك ﴿لَا تَخْصِمُوْ لَدَنَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ
(٥)﴾ [ق: ٢٨] يعني في الدّنيا، فإنّ العذاب
مع هذا القول كائنٌ))(٢).
(١) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة،
القرطبي، ٣٢٩/١.
(٢) لوامع الأنوار البهية، السفاريني، ٢/ ١٧٤.
٤. السؤال عن الروح.
قال تعالى: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحَ قُلِ
الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِىِ وَمَّا أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا
قَلِيلًا ﴾ [الإسراء٨٥].
إن الله عز وجل أخبرنا عن الروح بعد
أن سئل عنها رسوله الكريم محمد صلى
الله عليه وسلم ولم يعطنا عن كيفيتها
علمًا، يقول أبو الحسن الأشعري: ((إن الله
لم يخبر عنها ما هي، لا أنها جوهر ولا أنها
عرض))(٣). ويقول فهد الرومي: ((صرف
الجواب عن ماهيتها؛ لأنه ليس من شئون
العقل ولا من مدار كه»(٤).
أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن
عبد الله وهو ابن مسعود(٥)، قال: (بينما
أنا أمشي مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم في
حرثٍ، وهو متكئٌّ على عسیبٍ، إذ مرّ بنفٍ
من اليهود، فقال بعضهم لبعضٍ: سلوه عن
الرّوح، فقالوا: ما رابكم إليه، لا يستقبلكم
بشيءٍ تكرهونه، فقالوا: سلوه، فقام إليه
بعضهم فسأله عن الرّوح، قال: فأسكت النّبيّ
صلی الله عليه وسلم، فلم يردّ عليه شيئًا،
فعلمت أنّه يوحى إليه، قال: فقمت مكاني،
فلمّا نزل الوحي قال: (﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ
(٣) مقالات الإسلاميين، الأشعري، ص٣٣٤.
(٤) اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، فهد
الرومي، ٢/ ٧١٣.
(٥) فتح الباري، ابن حجر، ٤٠١/٨.
وانظر: أحكام القرآن، ابن العربي، ٢١٤/٣.
www. modoee.com
٢٢٧
حرف السين
الرُّوحُ قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ وَمَا أُوتِشُرِ مِنَ الْعِلْمِ
إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: ٨٥])(١).
قال ابن وهبٍ عن مالكٍ: لم يأته في ذلك
جوابٌ، وقد قال بكر بن مضر في رواية ابن
وهب عنه: إنّ اليهود قالوا: سلوه عن الرّوح،
فإن أخبر کم فلیس بنبيٍّ، وإن لم يخبر کم فهو
نبيٌّ، فسألوه فنزلت الآية(٢).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة
والجنة والنار، باب سؤال اليهود النّبيّ صلى
الله علیه وسلم عن الرّوح، رقم ٢٧٩٤.
(٢) أحكام القرآن، ابن العربي، ٢١٥/٣.
السؤال عن الجانب التشريعي
القرآن الكريم كلام الله، لا يأتيه الباطل
من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من
حكيم حميد، ولهذا فإن آياته في غاية الدقة
والإحكام وتشريعاته واضحة بينة فصلها
الخبير العليم، من أجل إسعاد البشرية، فكان
القرآن العظيم هو المصدر الأول للتشريع،
ولأجل هذا ذكر القرآن عددًا من التساؤلات
حول الجانب التشريعي كالإنفاق والرزق
والمال والخراج والإرث، ثم ذكر القرآن
الكريم تساؤلات عن اليتامى والخمر
والميسر والمحيض والحلال والحرام وعن
القتال في الأشهر الحرم وتقسيم الغنائم.
يقول ابن عاشور: وجميع الآيات الّتي
افتتحت بيسئلونك هي متضمّنةٌ لأحكامِ
وقع السّؤال عنها فيكون موقعها في القرآن
مع آياتٍ تناسبها نزلت في وقتها أو قرنت
بها(٣).
وتفصيل كل ذلك في المطالب التالية:
١. السؤال عن الإنفاق.
قال تعالى: ﴿ يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَّ قُلْ
مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَ لِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْبَ
وَاْسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلُ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ
اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٥﴾ [البقرة: ٢١٥].
وقال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٩٠/٢.
٢٢٨
جوبيع
القرآن الكريمِ
السؤال
قُلِ الْعَفْوُّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ
لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَ ﴾ [البقرة: ٢١٩].
يقول الطبري: ((يسألك أصحابك
يا محمد، أي شيء ينفقون من أموالهم
فيتصدقون به؟ وعلى من ينفقونه؟ فقل
لهم: أنفقوه وتصدقوا به واجعلوه لآبائكم
وأمهاتكم وأقربيكم، ولليتامى منكم،
والمساكين، وابن السبيل، فإنكم ما تأتوا من
خير وتصنعوه إليهم فإن الله به عليم، وهو
محصیہ لکم حتی یوفّیکم أجور کم علیه یوم
القيامة، ويثيبكم على ما أطعتموه بإحسانكم
عليه))(١).
فالصحابة سألوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم على من ينبغي أن يفضلوا؟
فأعلم الله عز وجل أن أول من تفضّل عليه
الوالدان والأقربون (٢).
وفي الآية دلالة على أن المنفق في سبيل
الله لا بد أن ييسر الله له من ينفق عليه وعلى
عياله.
قال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِىِ السَّرَّآءِ
وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْفَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ
[آل
النَّاسُِ وَاَللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ {
عمران: ١٣٤].
لأنه يقرض الله قرضًا حسنًا، ولن يضيع
الله مال من أقرضه، وصدق الله حین قال:
(١) جامع البيان، الطبري، ٢٩١/٤.
(٢) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج، ٢٨٧/١.
﴿وَمَا نُقَيِّمُواْ لِأَنْفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ
خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرَأْ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[المزمل: ٢٠].
كما أن على الناس أن يعلموا أن المال
في الحقيقة هو مال الله، ولكنه استخلفه
عباده لیری کیف یعملون.
وقد ذكر ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده
عن ابن عبّاسٍ: ((أنّ نفرًا من أصحاب النّبيّ
صلى الله عليه وسلم، حين أمروا بالنّفقة في
سبيل اللّه، أتوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم
فقالوا: يا نبيّ اللّه: إنّا لا ندري ما هذه النّفقة
الّتي أمرتنا بها في أموالنا فما ننفق منها؟
فأنزل اللّه في ذلك: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا
يُنفِقُونَ قُلِ اَلْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩] وكان قبل
ذلك ینفق ماله حتی ما یجد ما یتصدّق به،
ولا ما يأكل حتّى يتصدّق عليه))(٣).
وأورد الطبري بسنده عن السدي قال:
(يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاة، وإنما
هي النفقة ينفقها الرجل على أهله، والصدقة
يتصدق بها فنسختها الزكاة)) (٤).
٢. السؤال عن الإرث.
﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ
قال تعالى:
يُفْتِيكُمْ فِ اَلْكَلَلَةِ إِنِ أُمُاْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ
وَلَدٌ وَلَّهُ أُخْتٌّ فَلَهَا نِصْفُ مَاتَّرَكَّ وَهُوَ يَرِثُهَآ
إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَمَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا أَثْنَتَيْنِ فَهُمَا الثَّلْثَانِ
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم، ٣٨١/٢.
(٤) جامع البيان، الطبري، ٢٩٤/٤.
www. modoee.com
٢٢٩
حرف السین
مِمَّا تَرَكْ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةَ رِّجَالًا وَنِسَآءُ فَلِلذَّكَرِ
مِثْلُ حَظِّ الْأَنْنَيِنِّ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُواْ
وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ(١)﴾ [النساء: ١٧٦].
ورد في سبب نزولها ثلاثة أقوال:
أحدها: أن جابر بن عبد الله مرض،
فعاده رسول الله صلی الله عليه وسلم،
فقال: «کیف أصنع في مالي يا رسول الله،
كيف أقضي في مالي؟ فلم يجبني بشيءٍ،
حتّى نزلت آية الميراث)»(١).
والثاني: أن امرأة جاءت إلى النبي صلى
الله عليه وسلم بابنتين لها، فقالت: يا رسول
قتل أبو هاتين معك يوم أحد، وقد استفاء
عمهما مالهما، فنزلت، روي عن جابر بن
عبد الله أيضاً (٢).
والثالث: أن عبد الرحمن أخا حسان بن
ثابت مات، وترك امرأة ، وخمس بنات،
فأخذ ورثته ماله، ولم يعطوا امرأته ، ولا
بناته شيئا، فجاءت امرأته تشكو إلى النبي
صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، هذا
قول السدي.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب المرضى،
باب عيادة المغمى عليه، رقم ٥٦٥١.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الفرائض،
باب ما جاء في ميراث الصلب، ١٢٠/٣،
رقم ٢٨٩١، والترمذي في سننه، أبواب
الفرائض، باب ما جاء في ميراث البنات،
٤١٤/٤، رقم ٢٠٩٢.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وحسنه الألباني في الإرواء، ١٢٢/٦، رقم
١٦٧٧.
الإرث: ملك ما يتركه الميت لمن بعده
ممن هو أولى به في حكم الله(٣). أو هو
ترکة الماضي للباقي(٤) بدون کسب.
قال أبو حيان الأندلسي: روي عن
أبي بكرٍ رضي الله عنه أنّه قال في خطبته:
((ألا إنّ آية أوّل سورة النّساء أنزلها اللّه في
الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها الله في
الزّوج والزّوجة والأخوة من الأمّ، والآية
الّتي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي
الأرحام))(٥).
وأخرج البخاري في صحيحه بسنده
عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، قال: ((كان
المال للولد، وكانت الوصيّة للوالدين،
فنسخ اللّه من ذلك ما أحبّ، فجعل للذّكر
مثل حظّ الأنثيين، وجعل للأبوين لكلّ
واحدٍ منهما السّدس، وجعل للمرأة الثمن
والرّبع، وللزّوج الشّطر والرّبع))(٦).
٣. السؤال عن الیتامی.
يقول الله تعالى: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ
وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌّ وَإِن
تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ
اَلْمُصْلِحَّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
(٣) تفسير ابن فورك، من أول سورة المؤمنون،
إلى آخر سورة السجدة، ص٦٩.
(٤) المصدر السابق ص ٢٣٢.
(٥) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، ٤/ ١٥٠.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا،
باب لا وصية لوارث، رقم ٢٧٤٧.
جَوَسُولَةُ النَّفي
القرآن الكريمِ
٢٣٠
السؤال
حَكِيمُ
[البقرة: ٢٢٠].
ورد في تفسیر عبد الرزاق عن قتادة قال:
لمّا نزلت: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ اَلْيَّنِيِ إِلَّا بِأَلَّتِى هِىَ
أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتََى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]
اعتزل النّاس اليتامى، فلم يخالطوهم في
مأكولٍ، ولا مشروب، ولا مالٍ، فشق ذلك
على النّاس، فسألواَ النّبيّ صلى الله عليه
وسلم، فأنزل اللّه: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّىّ
قُلْ إِصْلاَحُ لَهُمْ خَيْرٌّ وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾
[البقرة: ٢٢٠](١).
وفي الآية دلالة على أن المقصد الأسمى
من هذه الآية هو رعاية شأن اليتيم، والحرص
علی جلب المنافع له، فمن فعل ذلك فقد
تخلق بأخلاق الصالحين والأنبياء ، وأهم
موضوع في رعاية اليتيم مخالطته، وهو ما
دل عليه قوله تعالى:
خَالِطُّوهُ
وَإِن
لأن الناس خافوا من التعامل مع اليتامى
خوف أكل أموالهم أو ظلمهم، فأخبرهم أن
الإصلاح لشأنهم هو الحل، وذلك بكفالتهم
ورعاية مصالحهم رعاية شاملة، بدءًا من
الإصلاح الإنساني بمراعاة مشاعر اليتيم
وإكرامه کإنسان له كيان محترم، ناهيك عن
مراعاته كطفل فقد حنان الأبوة أو الأمومة.
ثم الإصلاح الاجتماعي في إيجاد ماوی
ومسكن له ، فنحميه من التشرد والنوم في
(١) جامع البيان، الطبري، ٣٤٩/٤.
الطرقات، وكذلك الإصلاح المالي في كل
جوانبه، فلا نأکل ماله ظلمًا، ومن فعل ذلك
فسوف یعاقبه الله بالنار تأکل بطنه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ
اَلْيَتَمَى ◌ُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾
[النساء: ١٠].
بل إن القرآن أوصانا بعدم الاقتراب من
ماله إلا في مجالات تنمیته وزيادته، فقال
تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَِّبِ إِلَّا بِأَلَتِ هِىَ
أَحْسَنُ حَّ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
لما نزل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ
اَلْيَتَمَى ◌ُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾،
أشفق المسلمون من خلطة اليتامى فعزلوا
لهم بيتًا، وعزلوا طعامهم وخدمهم وثيابهم،
فشق ذلك علیهم جميعًا، فسألوا عن ذلك
رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه
الآية: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَلَى﴾ الآية(٢).
إن السؤال عن اليتامى فيه إضمار ، لأنه
تعالى لم يبين في أي حكم(٣) لكنه يحتوي
على ما يعمل الناس في أموال اليتامى، من
المخالطة وأنواع المصالح (٤).
وإضماره -والله أعلم- أن يقال:
يسألونك عن مخالطة اليتامى، يبين ذلك
قوله: ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أن السؤال
(٢) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ١٢٠/٢ -
١٢١.
(٣) المصدر السابق ٢/ ١٢٠.
(٤) المصدر السابق ٢/ ١١٧.
www. modoee.com
٢٣١
حرف السين
كان عن المخالطة(١).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ
الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] أي: هو يعلم حين
تخلط مالك بماله فهل نيتك إصلاح مالك
أم ماله، ویعلم من یرید أن ينمي مال اليتيم
ویربیه أم يفسده.
وفي قصة موسى عليه السلام مع الخضر،
نجد أن الخضر عليه السلام يبذل قصارى
جهده لبناء جدار في قرية رفضت ضيافته،
ونحن نعلم كم في ذلك من مشقة وعنت،
لکنه یبین مقصده من أفعاله تلك بأنه فعل ما
فعل من أجل يتيمين، ومراعاة لمصالحهما.
يقول الله تعالى عنه: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ
لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ،كَزْ لَهُمَا
وَكَانَ أَبُوهُمَا صَلِحًا﴾ [الكهف: ٨٢].
٤ . السؤال عن الخمر والميسر.
قال تعالى: ﴿﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرِّ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيِرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ
وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا
يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الْآَيَّتِ
◌َعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَ ﴾ [البقرة: ٢١٩].
يسألونك يا محمد عن حكم الخمر
وحكم القمار، فقل لهما إنّ في تعاطيهما
ضررًا عظيمًا وإثمًا كبيرًا، ومنافع مادية
ضئيلة، لأنّ ضياع العقل وذهاب المال،
وتعريض البدن للمرض في الخمر وما يسببه
(١) المصدر السابق ١٢٠/٢.
القمار من خراب البيوت، ودمار الأسر،
وحدوث العداوة والبغضاء بين اللاعبين لا
يساوي ما فيهما من نفع قليل تافه (٢).
ولهذا من حِكَمٍ تسمية الخمر بهذا
الاسم : أنها تستر العقل وتخامره وتخالطه
وتغطیه(٣).
والسؤال فيه إضمار لأنه تعالى لم يبين
أي حكم، فكأنه قال: يسألونك عن شرب
الخمر والعمل بالقمار، فقال: ﴿قُلّ فِيهِمَآ
◌ِنمُطَبِيرٌ﴾، وهذا دل على أن السؤال كان
عن شرب الخمر والعمل بالميسر (٤).
فإذا تعارضت المصلحة والمفسدة
روعي أكبرهما، فعطلت المفسدة الکبری،
ولو بإهمال مصلحة لا توازي تلك
المفسدة (٥).
وفي الآية تأكيد على أن الخمر والميسر
إثم، لقوله تعالى: ﴿﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنٍ
الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ
وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾.
[البقرة: ٢١٩].
وقد حرم الله الإثم، أي: الذنب الذي
قَلَ إِنَّمَا حَرّم
يؤثم صاحبه، قال تعالى:
(٢) منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى
الإسلام، الرحيلي، ٧٨٩/٢.
(٣) مناظرة بين الإسلام والنصرانية، مجموعة من
العلماء، ص٤٢٥.
(٤) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٢/ ١٢٠.
(٥) منحة القريب المجيب في الرد على عباد
الصليب، عبد العزيز آل معمر، ٦٨٦/٢.
٢٣٢
جوبي
القرآن الكريم