النص المفهرس
صفحات 21-31
السحر وأعوانه من السحرة. ٢. طرق إبطال السحر كما ورد في القرآن الكريم. لقد ورد في القرآن الکریم عدة آیات تبین کیف یبطل السحر، وفيما يلي عرض لبعض تلك الآيات: قال تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِ يَمِنِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَّعُواْ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]. وقال تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِّكُونَ ﴾ [الشعراء: ٤٥] ففي هاتين الآيتين الكريمتين يبين الله تعالى أن المعجزات والآيات التي أيد بها رسله من أعظم ما يبطل السحر؛ لأن السحر عبارة عن كيد البشر وكذبهم، ممزوجاً بمكر و کید شیاطین الجن، ولا ثبات له أمام آیات الله العظيمة. وقد يقول قائل: كان ذلك مع معجزات الأنبياء وتحديداً مع موسى، فكيف نبطل السحر الآن؟ والجواب: أننا نبطله بإذن الله تعالى بمعجزة نبينا الخالدة وهي القرآن الكريم، عن طريق ما يعرف في الشرع بالرقية الشرعية، التي ترتكز أساساً على القرآن الكريم، وقد جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناساً من أصحاب النبي صلی الله عليه وسلم أتوا على حي من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك، إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه فضحك وقال: (وما أدراك أنها رقية، خذوها واضربوا لي بسهم)(١). فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الفاتحة -التي هي من القرآن وهو معجزة النبي صلى الله عليه وسلم الخالدة- رقية، والرقية نافعة من ذوات السموم ومن المس والسحر والعين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن سورة البقرة: (اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة). قال معاوية: بلغني أن البطلة: السحرة (٢). فالقرآن الكريم معجزة باقية، يبطل الله به سحر الساحرین وكيدهم، كما أبطل الله (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب الرقى بفاتحة الكتاب، ١٣١/٧، رقم ٥٧٣٦، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار، ١٧٢٧/٤، رقم ٢٢٠١. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، ٥٥٣/١، رقم ٨٠٤. www. modoee.com ٣٢٩ حرف السین تعالى سحر سحرة فرعون بالعصى معجزة موسى عليه السلام. ومما يبطل به السحر بإذن الله تعالى: التوكل على الله وعدم الخوف من كيد الساحرين. قال تعالى: ﴿قُلْنَا لَا تَّخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ﴾ [طه: ٦٨]. ٦٨) فالخوف باب من أبواب تسلط السحرة على الناس؛ لذلك قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْنَ النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦]. فالسحرة يستعينون بالخوف الذي في نفوس البشر للتأثير والسيطرة عليهم، ولكي نبطل على السحرة سحرهم لا بد أن نكون على ثقة تامة بالله تعالى، متمسكين به وحده، ولا نخاف أحداً سواه، ولا يتأتى لنا الأمان إلا بالتوحيد وصفاء العقيدة. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ أُولَكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ :[الأنعام: ٨٢]. ٨٢ کذلك مما یبطل به السحر الیقین بأن الله مبطل كيد الساحرين. قال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّعْرٌ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١]. قال موسی ذلك متیقنا بقدرة ربه تعالى، فاليقين الجازم بقدرة الله تعالى على إبطال السحر، من أعظم ما يبطل به السحر. ولا شك أن هناك طرقًا لإبطال السحر، والتحصن منه، وردت في السنة وفي آثار السلف منها: ١. تمر العجوة. فقد بوب البخاري رحمه الله فى صحيحه بابًا سماه: (باب الدواء بالعجوة للسحر)(١). ثم ساق تحته الحديث التالي: عن عامر بن سعد، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من تصبح بسبع تمرات عجوة، لم يضره ذلك اليوم سم، ولا سحر) وقال غيره: (سبع تمرات)(٢). ٢. حل عقد السحر حين العثور عليه. عن زيد بن أرقم، قال: ( سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فاشتکی لذلك أیاماً، فأتاه جبریل صلی الله علیه وسلم فقال: إن رجلاً من اليهود سحرك عقد لك عقداً، فأرسل إليه رسول الله علیا رضي الله عنه، فاستخرجها فجاء بها فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة، فقام النبي صلی الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال، فما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك اليهودي ولا رآه في وجهه قط)(٣). (١) صحيح البخاري، كتاب الطب، ٧/ ١٣٨. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب الدواء بالعجوة للسحر، رقم ٥٧٦٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الأشربة، باب فضل تمر المدينة، رقم ٢٠٤٧، واللفظ لمسلم. (٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ١٨٠/٥، ٣٣٠ جوبي القرآن الكريم السحر جزاء السّحرة إن الضرر والفساد المترتب على فعل السحر لا يكاد ينكره إلا مكابر، فكم فتك بالمجتمعات، وفکك من أسر، وفرق من شمل بعد الاجتماع، و کم أفسد من عقول، وأمرض من أبدان. والله تعالى لا يحب الفساد في الأرض، ولا يحب المفسدين، وقد وضع الله أحكامًا صارمة للقضاء على فساد السحرة، نجد تلك الأحكام مبثوثة في القرآن والسنة. وفي هذا المبحث سأتحدث عن جزاء السحرة كما ورد في القرآن الكريم. أولًا: جزاء السحرة في الدنيا: نفی الله عنهم الفلاح، وأثبت لهم اسم الفساد، ووصفهم بالمفترين، وهذا من أقبح الجزاء وأشنعه، وهم مستحقون له جزاء ما تعاطوه من سحر و کفر بالله تعالى. قال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى﴾ [طه: ٦٩]. وقال تعالى: ﴿ قَلَمَّا أَلْقَوْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ (١﴾ [يونس: ٨١]. وقال تعالى: ﴿قَالَ لَهُم ◌ُوسَى وَيْلَكُمْ (١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٨٠/٥. رقم ٥٠١٦. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم ٢٧٦١. لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ آَفْتَرَى (١)﴾ [طه: ٦١]. وفي هذه الآية أيضًا توعدهم الله تعالى بالهلاك والاستئصال في قوله: ﴿فَيُسْحِتَكُ﴾ أي یهلککم أو يستأصلكم(١). وأخبر الله تعالى أيضًا أنه سيبطل عمل الساحرين، وأنه سيجعلهم ينقلبون بالهزيمة والخسارة. ﴿ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ قال تعالى: فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَلَبُواْ صَغِرِينَ يَعْمَلُونَ (٨) ﴾ [الأعراف: ١١٨- ١١٩]. كما أن جزاء الساحر في الدنيا القتل، وهو مذهب الجمهور(٢). قال ابن قدامة: ((وحد الساحر القتل، روي ذلك عن عمر، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وحفصة، وجندب بن عبد الله، و جندب بن کعب وقیس بن سعد، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول أبي حنيفة ومالك ... عن بجالة قال: كنت كاتباً لجزء بن معاوية عم الأحتف بن قيس، إذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة: اقتلوا کل ساحر، فقتلنا ثلاث سواحر في يوم، وهذا اشتهر فلم ينكر، فكان إجماعاً، وقتلت حفصة جارية لها سحرتها، وقتل جندب بن کعب ساحراً کان یسحر بین (٢) انظر: تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبدالله ص ٣٣٤. www. modoee.com ٣٣١ حرف السين یدي الوليد بن عقبة»(١). ثانيًا: جزاء الساحر في الآخرة: أما عقوبة الساحر في الآخرة فهي مترتبة على عقوبته والحكم عليه في الدنيا. فإن حكمنا عليه في الدنيا بالكفر والردة، فعقوبته يوم القيامة النار خالدًا فيها. وإن لم نحکم عليه بالكفر والردة، فهو من المتوعدين بالعذاب إن مات ولم يتب -على خلاف في قبول توبته-، لكنه ليس من المخلدين في النار، ولو قتل في الدنيا حداً كان له ذلك كفارة يوم القيامة (٢). بعد هذه المقدمة عن جزاء الساحر والحكم عليه، يحسن بنا أن نتناول هذه القضية بنوع من التفصيل، وذلك من خلال مسألتين: المسالة الأولى: حكم الساحر. اختلف الفقهاء في حكم الساحر، هل يكفر بفعله السحر أم لا، على ثلاثة أقوال: (١) المغني، ابن قدامة ٩/ ٣٠،٣١. (٢) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين ١/ ٤٩٠. القول الأول: وهو مذهب الجمهور (أبو حنيفة(٣)، ومالك(٤)، ورواية عن أحمد، وهو المعتمد عند الحنابلة (٥)) أن الساحر كافر يجب قتله، ولا تقبل توبته. قال ابن تيمية رحمه الله: ((أكثر العلماء علی أن الساحر کافر، یجب قتله، وقد ثبت قتل الساحر عن عمر ابن الخطاب، وعثمان ابن عفان، وحفصة بنت عمر، وعبد الله ابن عمر، وجندب ابن عبد الله، وروي ذلك مرفوعا عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم»(٦). وقال أيضًا: ((وقد يستدل على أن المفسد متى لم ينقطع شره إلا بقتله، فإنه يقتل، بما رواه عرفجة الأشجعي رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أتاكم وأمركم جمع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه) (٧))(٨). وقال أبو حنيفة رحمه الله: ((الساحر جمع (٣) انظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢٤٠/٤، فتح القدير، ابن الهمام ٦/ ٩٩. (٤) انظر: التاج والإكليل لمختصر خليل، العبدري ٣٧١/٨، بداية المجتهد، ابن رشد ٤ / ٢٤٢. (٥) انظر: زاد المسير ١ / ٩٦. (٦) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٨٤/٢٩. (٧) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع، رقم ١٨٥٢، ١٤٧٩/٣. (٨) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٤٦/٢٨. ٣٣٢ جَوَُّور القرآن الكريم السحر مع كفره السعي في الأرض بالفساد))(١). وقال ابن قدامة رحمه الله: ((قال أصحابنا: ويكفر الساحر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته. وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكفر، فإن حنبلا روی عنه قال: قال عمي في العراف والكاهن والساحر: أرى أن يستتابوا من هذه الأفاعيل کلها، فإنه عندي في معنی المرتد، فإن تاب وراجع يعني يخلى سبيله، قلت له: يقتل؟ قال: لا، يحبس لعله يرجع، قلت له: لم لا تقتله؟ قال: إذا كان يصلي لعله يتوب ويرجع، وهذا يدل على أنه لم يكفره؛ لأنه لو كفره لقتله، وقوله في معنى المرتد، يعني في الاستتابة ... وقال: قال علي رضي الله عنه: الساحر كافر، ويحتمل أن المدبرة تابت فسقط عنها القتل والكفر بتوبتها، ويحتمل أنها سحرتها بمعنی أنها ذهبت إلى ساحر سحر لها)) (٢) مالك وأصحابه أن الساحر كافر بالله تعالى، قال مالك: هو كالزنديق إذا عمل السحر بنفسه قتل، ولم يستتب»(٣). (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٦٢٨/٣. (٢) المغني، ابن قدامة ٢٩/٩. (٣) التاج والإكليل المختصر خليل، العبدري ٣٧١/٨. القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد (٤) وإسحاق ابن راهويه(٥)، أن الساحر يجب قتله، ولم يقطعا بكفره. قال ابن قدامة: «وروي عن أحمد ما یدل على أنه لا یکفر، فإن حنبلاً روی عنه قال: قال عمي في العراف والكاهن والساحر: أرى أن يستتابا من هذه الأفاعيل كلها، فإنه عندي في معنى المرتد، فإن تاب وراجع یعني یخلی سبیله، قلت له: يقتل؟ قال: لا، يحبس لعله يرجع، قلت له: لم لا تقتله؟ قال: إذا كان يصلي لعله يتوب ويرجع، وهذا يدل على أنه لم يكفره؛ لأنه لو كفره لقتله))(٦). وقال الماوردي مبيناً مذهب إسحاق وأحمد: ((والثاني وهو مذهب أحمد ابن حبل (٧)، وإسحاق ابن راهويه، أن الساحر یجب قتله، ولم یقطعا بکفرہ»(٨). القول الثالث: مذهب الشافعي، وهو أن وقال أبو عبد الله المواق المالكي: ((قول ما يفعله الساحر من السحر أنواع، فلا يكفر الساحر ولا یجب به قتله، إلا أن یکون ما یسحر به كفراً، فيصير باعتقاد الكفر كافراً، يجب قتله، بالكفر لا بالسحر (٩). (٤) انظر: المغني، ابن قدامة ٣٢/٩. (٥) انظر: الحاوي الكبير، الماوردي ١٣ /١٦٥. (٦) المغني، ابن قدامة ٢٩/٩. (٧) الصواب أنها رواية عن أحمد. (٨) الحاوي الكبير ١٦٥/١٣. (٩) انظر: الأم، الشافعي ٢٩٣/١. www. modoee.com ٣٣٣ حرف السين قال النووي مبيناً مذهب الشافعي: ((عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع ... وأنه قد يكون كفراً، وقد لا يكون كفراً، بل معصية کبیرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن تضمن ما يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا، وإذا لم يكن فيه ما يقتضي الكفر، عزر واستتیب منه، ولا يقتل عندنا، فإن تاب قبلت توبته»(١). أدلة الجمهور القائلين بكفر الساحر: قال تعالى: ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَ وَمَا كَفَّرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ وَمَآ أَنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَاً إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَمَا هُم بِضَآرِينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِّ وَيَنَعَلَُّونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمَّ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ أُشْتَرَهُ مَا لَهُ، فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقَّ وَلَبِتْسَ مَا شَرَوْا بِهِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ [البقرة: ١٠٢]. يَعْلَمُونَ (١٠) ووجه الاستدلال في الآية: أنه نفى عن سليمان عليه السلام الكفر والتقوى، دل على كفر الساحر، كما قال الذي سببه تعلم السحر. أنه صرح بکفر الشیاطین الذین یعلمون (١) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ١٧٦ . جوسيق الوضوء القرآن الكريم الناس السحر. ذكر في الآية أن الملكين يحذران طالب السحر من تعلم السحر لأنه كفر، ويكفر متعلمه. أن الله تعالى نفى النصيب في الآخرة عن متخذي السحر، ونفي النصيب بالكلية لا يكون إلا للكفار. قال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى﴾ [طه: ٦٩]. وجه الاستدلال من الآية: أن الآية نفت على وجه العموم جميع أنواع الفلاح عن الساحر، وأكد ذلك بالتعميم، ولا ينفى الفلاح العام عن أحد إلا إذا كان كافراً ولا خیر فیه(٢). قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * [البقرة: ١٠٣] ١٠٣ ووجه الاستدلال من الآية: قول ابن كثير رحمه الله: ((وقد استدل بقوله أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ ﴾ ، من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف» (٣). وحينما ذكر السحر في مقابل الإيمان الجصاص (٤). (٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٣٩/٤. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٩/١. (٤) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٦٥/١. ٣٣٤ السحر أيضًا لا يقال للمؤمن المتقي: لو أنه آمن واتقى، وإنما يقال ذلك لمن كفر بالله، فدل ذلك على أن الساحر قد كفر بالله، كما قال حافظ حكمي(١). أدلة القول الثاني: قال عمر ابن الخطاب: ((اقتلوا كل ساحر)) (٢) وجه الاستدلال: أن عمر أمر بقتل الساحر، ولا يدل القتل على الكفر. أدلة القول الثالث: ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها باعت مدبرة لها سحرتها (٣). وجه الاستدلال: أن عائشة رضي الله عنها لم تحكم عليها بالكفر، مع إقرار الجارية بأنها قد سحرتها. ومن خلال النظر والتأمل في أدلة الأقوال السابقة، فإن أدلة القول الأول قوية وصريحة وواضحة، في تكفير الساحر. أما أدلة القول الثاني، فلا دلالة فيه على عدم كفر الساحر؛ لأن لفظ: اقتلوا، تفيد أن عقوبة الساحر القتل، ولا تنفي عدم كفره، فكفره ثابت في أدلة أخرى، بينتها في أدلة (١) انظر: معارج القبول بشرح سلم الوصول، حافظ حكمي ٢/ ٥٥٤. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٦٥٧، ٣٠٢/٢. (٣) أخرجه الحكام في المستدرك، كتاب الطيب، رقم ٧٥١٦. وصححه الألباني في الإرواء، رقم ١٧٥٧. القول الأول. وأما دليل القول الثالث، وهو حديث عائشة، فإنه قد خالفها فيه كثير من الصحابة، ويحتمل أن المدبرة قد تأبت فسقط عنها حكم القتل والكفر (٤). فأقوى الأقوال في هذه المسألة هو قول الجمهور، وهو القول بكفر الساحر، وذلك لقوة وصراحة ما استدلوا به من أدلة. وممن رجح هذا القول ابن قدامة (٥) وشيخ الاسلام ابن تيمية (٦). المسألة الثانية: عقوبة الساحر. بعد أن تحدثت عن حكم الساحر، وبينت بأنه كافر، أنتقل هنا إلى الحديث عن عقوبته. اختلف العلماء في عقوبة الساحر إلى قولين: القول الأول: وهو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم، ولم يعلم عن الصحابة سواه، وهو قول الإمام ابي حنيفة مالك ورواية عن أحمد، وهو المعتمد عند الحنابلة، أنه إذا ثبتت جريمة السحر بحق إنسان بإقرار أو بيّنة، وجب قتله مطلقاً من غير استتابة، إلا أن يأتي تائباً قبل أن يقدر عليه. نقل ابن قدامة عن جماعة من الصحابة قتل الساحر بدون استتابة (٧). (٤) انظر: المغني، ابن قدامة ٣٠/٩. (٥) انظر: المصدر السابق ٣٥/٩. (٦) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٨٤/٢٩. (٧) انظر: المغني، ابن قدامة ٩/ ٣٠. www. modoee.com ٣٣٥ حرف السين قال ابن عابدين: ((قال أبو حنيفة: الساحر بكلام يكون كفراً فإنه يجب قتله إذا لم يتب، إذا أقر بسحره أو ثبت بالبينة يقتل ولا إما إذا لم يبلغ سحره الكفر فلا يقتل (٤). يستتاب منه))(١). وقال القرطبي: ((ذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفراً يقتل ولا يستتاب ولا تقبل توبتاً، لأنه أمر يستسر به كالزنديق والزاني، ولأن الله تعالى سمى السحر كفرا بقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَقَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تگفُرْ ﴾«وهو قول أحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحاق والشافعي»(٢). القول الثاني: وهو مذهب الإمام الشافعي، ورواية عن أحمد، أن الساحر إذا عمل بسحره ما يبلغ الكفر وجب قتله كفراً، بعد الاستتابة، أما إذا لم يبلغ الكفر وقتل نفساً، قتل قصاصاً، وما سوى ذلك يعزر. قال الشافعي في الأم: ((والسحر اسم جامع لمعان مختلفة ، فيقال للساحر صف السحر الذي تسحر به ،فإن کان ما یسحر به کلام کفر صریح استتیب منه فإن تاب، وإلا قتل، وأخذ ماله فیئاً، وإن كان ما يسحر به كلاماً لا یکون کفراً وکان غیر معروف، ولم يضر به أحداً نهي عنه فإن عاد عزر))(٣). وكذلك قال ابن المنذر كما نقل عنه القرطبي، بأن الساحر إذا ثبت عنه أنه سحر (١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤/ ٢٤٠. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ٤٧. (٣) الأم، الشافعي ١/ ٢٩٣. أدلة قول الجمهور: استدل الجمهور بأدلة من الكتاب والسنة، منها: قال تعالى: ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَغَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَآ أَنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَقِّ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] وجه الاستدلال: نفي الكفر عن سليمان عليه السلام في معرض اتهامه بالسحر، دليل على أن السحر كفر. وحينما يحذر الملكان من أراد تعلم السحر، يعللان ذلك بأنه كفر ومن كفر بعد إسلامه فقد ارتد وعقوبة المرتد القتل؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (من بدل دينه اقتلوه)(٥). قال عمر ابن الخطاب: ((اقتلوا كل ساحر))(٦). ((عن يحيى بن أبي كثير، قال: إن غلاماً (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٨/٢. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب لا يعذب بعذاب الله، ٤ /٦١، رقم ٣٠١٧. (٦) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٦٥٧، ٣٠٢/٢. ٣٣٦ القرآن الكريم السحر لعمر بن عبد العزيز أخذ ساحرة فألقاها في الماء فطفت، فکتب إلیه عمر بن عبد العزيز: إن الله لم يأمرك أن تلقيها في الماء، فإن اعترفت فاقتلها))(١). ونقل ابن حزم قتل الساحر عن عمر بن الخطاب، وحفصة، وعبد الله ابن عمر، وعبيد الله ابنه، وعثمان، وقيس بن ربيعة (٢). قال ابن قدامة بعد أن ذكر من قال من الصحابة بوجوب قتل الساحر: ((وهذا اشتهر فلم ينكر، فكان إجماعاً)(٣). أدلة القول الثاني: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة) (٤). وجه الاستدلال: أن النفس معصومة ما مطلقًا. لم ترتكب أحد هذه الثلاثة الأمور. ما ورد في الصحيحين من أن لبيد ابن يعزر. الأعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقتله(٥). (١) انظر: المحلى بالآثار ١٢ / ٤١١. (٢) انظر: المصدر السابق. (٣) المغني، ابن قدامة ٣١/٩. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: (أنّ النّفس بالنّفس)، رقم ٦٨٧٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الأيمان، باب ما یباح به دم المسلم، رقم ١٦٧٦. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب روي عن عائشة رضي الله عنها أنها باعت مدبّرة لها سحرتها(٦). وجه الاستدلال: ((أنه لو وجب قتلها لما حل بيعها قاله ابن المنذر، وغيره))(٧). تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أن الساحر الذي بلغ بسحره الكفر يقتل مطلقًا، ويقتل أيضًا الساحر الذي لم يبلغ بسحره الكفر، لكن قتل بسحره نفسًا معصومة. إنما حصل الخلاف في الساحر الذي لم يبلغ بسحره الكفر، ولم يقتل نفساً معصومة، فالجمهور كما تقدم، يقولون بقتله مطلقاً، ولو لم يكفر بسحره ؛ للأدلة الواردة، ولأن السحر الحقيقي لا يتأتى إلا بالتقرب إلى الشياطين، وعبادة الكواكب، ونحو ذلك. وذلك عين الكفر، لذا كان حكمه القتل والشافعي ومن معه قالوا: لا يقتل، وإنما سبب الخلاف: من خلال ما تقدم یظهر أن سبب الخلاف بين الجمهور وبين الشافعي ومن معه هو: الطب، باب السحر، رقم ٥٧٦٣، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب السحر، رقم ٢١٨٩، عن عائشة رضي الله عنها. (٦) أخرجه الحكام في المستدرك، كتاب الطيب، رقم ٧٥١٦. وصححه الألباني في الإرواء، رقم ١٧٥٧ . (٧) أضواء البيان ٤/ ٥٥. www. modoee.com ٣٣٧ حرف السين هل السحر الحقيقي لا يتأتى إلا بالكفر، أم بقتل الساحر الذي سحره من نوع الشعوذة أن من السحر الحقيقي ما ليس بكفر؟ فالجمهور يرون أن السحر الحقيقي لا يتأتى إلا بالتقرب إلى الشياطين، وعبادة الكواكب ونحو ذلك، وذلك عين الكفر. والشافعي ومن معه يرون أن من السحر الحقيقي ما يتأتى بدون الشرك والكفر، ولذا فصلوا فيه. ومن خلال النظر في أدلة القولين: يظهر أن أدلة الجمهور أقوى دلالة في قتل الساحر الذي ثبت سحره، ولأن السحر الحقيقي لا يتحصل إلا بالتقرب إلى الشياطين، والشرك والكفر بالله العظيم، فيكون حد الساحر القتل مطلقًا. وأما إن كان سحره من باب السحر المجازي، الذي يتأتى بالأدوية وبالكلام وخفة الحركة ونحو ذلك، فليس بكفر، بل معصية، حق صاحبها التعزير إذا لم يقتل نفسًا. وأما قول المذهب الثاني: بأن السحر الحقيقي يتأتى بدون الشرك، ومحاولة ((بعضهم من الجمع بين الأدلة المذكورة بحمل السحر على الذي يقتضي الكفر في قول من قال بالقتل، وحمله على الذي لا يقتضي الكفر في قول من قال بعدم القتل لا يصح؛ لأن الآثار الواردة في قتله جاءت کساحر جندب الذي قتله، وليس ذلك مما يقتضي الكفر المخرج من ملة الإسلام، كما تقدم إيضاحه ؛ فالجمع غیر ممکن)»(١). أما ما استدل به أصحاب القول الثاني من حديث حرمة دم المرء المسلم إلا بإحدى ثلاث، فجماهير العلماء یرون بأن الساحر كافر، وعلى ذلك فهو حلال الدم، وعلى فرض أنه ليس بكافر، فإن هذا الدليل عام، وأدلة قتل الساحر خاصة، والخاص مقدم على العام. وأما الاستدلال بقصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يقتل لبيد، فقد أجيب عنه بما يلي: الرسول صلى الله عليه وسلم لم يترك قتل لبيد لكونه ليس بواجب، وإنما ترك قتله خشية أن تثار فتنة بين الناس، وهي أعظم من قتل رجل واحد، ولذلك قال النبي صلى الله علیه وسلم: (قد عافاني الله فكرهت أن أثیر على الناس شراً)(٢)، أو يكون في قتله تنفير عن الدخول في الإسلام(٣). (١) المصدر السابق. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب الديات، باب قول الله تعالى: (أن النّفس بالنّفس)، رقم ٦٨٧٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الأيمان، باب ما ییاح به دم المسلم، رقم ١٦٧٦. (٣) انظر: فتح الباري، ابن حجر ١٠/ ٢٣١. ٣٣٨ جوبي القرآن الكريم السحر وأما الاستدلال بفعل عائشة رضي الله عنها، حينما أعتقت جارية لها سحرتها. فيقال: لعل سحر تلك الأمة لم يكن فيه كفر، كأن يكون عن طريق الأدوية وما شابه ذلك، أو أنها لم تعمل بنفسها السحر وإنما عمل لها، أو أنها تابت فسقط عنها حكم القتل والکفر بتوبتها. موضوعات ذات صلة: الباطل، الشر، الشرك، فرعون، موسى عليه السلام www. modoee.com ٣٣٩