النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
3
◌َّجُود
عناصر الموضوع
مفهوم السجود
٢٥٦
السجود في الاستعمال القرآني
٢٥٧
الألفاظ ذات الصلة
٢٥٨
سجود ما في السموات والأرض لله
٢٦٠
الثناء على الساجدين لله
٢٦٧
بشارة الله للمؤمنين الساجدين
٢٦٩
أصناف الساجدين وطبيعة سجودهم
٢٨٠
ثمرات السجود
٢٨٤
جزاء من رفض السجود لله
المُجَلَّدَ السَّابِعْ عَشَرِ
٢٦٥

حرف السين
مفهوم السجود
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (سج د) على تطامن وذل. يقال سجد، إذا تطامن. وكل ما ذل فقد سجد(١).
ومنه سُجودُ الصلاة، وهو وضع الجَبْهة على الأَرْضِ ، والاسْمُ السِجْدَةُ بالكسر(٢).
وفلان ساجد المنخر: ذليلٌ خاضعٌ ، والساجدة: مؤنث ساجد، والسّجّاد: كثير السجود.
والسّجّادة: الطنفسة، والبساط الصغير الذي يصلى عليه، وأثر السجود في الجبهة ،
والمسجدة: السجادة(٣).
والمسجد: ((بيت الصلاة، وأيضًا موضع السجود من بدن الإنسان، والجمع: مساجد))(٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب: ((السُّجُودُ أصله: التّطامن والتّذلّل، وجعل ذلك عبارة عن التّذلّل لله وعبادته،
وهو عام في الإنسان، والحيوانات، والجمادات، وذلك ضربان:
سجود باختيار، وليس ذلك إلا للإنسان، وبه يستحقّ الثواب، نحو قوله: ﴿فَسْجُدُ واْللَّهِ
وَأَعْبُدُواْ ﴾ ﴾ [النجم: ٦٢]، أي: تذللوا له.
وسجود تسخير، وهو للإنسان، والحيوانات، والنّبات، وعلى ذلك قوله: ﴿وَإِلَّهِ يَسْجُدُ مَن
فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرَهَا وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِّ وَاَلْأَصَالِ ﴾﴾ [الرعد: ١٥]))(٥).
((ومنه سجود الصلاة: وهو وضع الجبهة على الأرض، ولا خضوع أعظم منه))(٦).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٣٣/٣.
(٢) الصحاح، الجوهري ٢/ ٤٨٣.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٠٥/٣، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٣٦٦، والمعجم
الوسيط، مجمع اللغة العربية ١ / ٤١٦.
(٤) المصباح المنير، الفيومي ص ٢٢٠.
(٥) المفردات ص ٣٩٦.
(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢/ ٣٤٢.
٢٥٦
القرآن الكريم

السجود
السجود في الاستعمال القرآني
وردت مادة (سجد) في القرآن الكريم (٩٢) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٨
* [الحجر: ٣٠]
فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
الفعل المضارع
١٥
وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١٣)﴾ [آل عمران: ١١٣]
فعل الأمر
١٢
فَسْبُدُ واْللَّهِ وَأَعْبُدُواْ ﴾ (٢)﴾ [النجم: ٦٢]
المصدر
٤
﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]
اسم فاعل
﴿وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩]
اسم مكان
٢٨
﴿ وَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]
وجاء السجود في القرآن على وجهين (٢):
الأول: السجود الشرعي، وهو وضع الجبهة على الأرض: ومنه قوله تعالى: ﴿أَلََّيَسْجُدُوا
لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبْهَ فيِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥].
الثاني: الركوع الشرعي: ومنه قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا﴾ [البقرة: ٥٨] أي:
ادخلوه ركعًا.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن، عبد الله جلغوم، مركز تفسير ص٦٠٧-٦٠٨.
(٢) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٣٤٨.
www. modoee.com
٢٥٧
١٢٠ ٠ ﴾ [الأعراف: ١٢٠]
وَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ {
٤
﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ مَانَآءَ الَلِ

حرف السين
الألفاظ ذات الصلة
١
العبادة :
العبادة لغةً:
من الفعل عبد يعبد، عبادةً وعبوديةً، والمفعول: معبود، وعبد الله بمعنى وحّده وأطاعه،
وانقاد وخضع وذلّ له، والتزم شرائح دينه، وأدّى فرائضه(١).
العبادة اصطلاحًا:
قال المناوي: ((العبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه؛ تعظيمًا لربه، وقيل: هي
الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد
لبعض، ولذلك اختصّت بالرب، وهي أخص من العبودية التي تعني مطلق التذلل))(٢).
وقال الراغب: ((العبودية: إظهار التّذلل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التّذلل، ولا
يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى))(٣).
الصلة بين العبادة والسجود:
العبادة أعم من السجود، فالسجود نوع من أنواع العبادات التي شرعها الله تعالى.
الركوع :
٢
الركوع لغة :
يأتي بمعنى الخضوع والافتقار والانحناء (٤).
الركوع اصطلاحًا:
هو الانحناء لذي قدر ومكانة في نفس فاعله؛ تعظيمًا وإجلالًا؛ للدلالة على الخضوع
والاستسلام والطاعة تعبدًا.
الصلة بين الركوع والسجود:
إن كلا من الركوع والسجود يدل على الانحناء (٥)، غير أن السجود يكون بانحناء أشد،
ويجوز أن يفعل خارج الصلاة تعبدًا لله، وقد ورد ذكره في القرآن من فعل الكفار لآلهتهم،
(١) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ١٤٤٨/٢.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف ص ٢٣٤.
(٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣١٨.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٣٣/٨، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٣٧٠/١.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٧١٤/١، معالم التنزيل، البغوي ٢٦/١.
٢٥٨
جوية
القرآن الكريمِ

السجود
ولم يرد ذكر الركوع بذلك فيه، يقول الله تعالى: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾ [النمل: ٢٤].
وقد ورد ذكر جواز السجود لغير الله في القرآن على سبيل التقدير والاحترام، ولم يرد
ذكر الركوع بذلك فيه، يقول تعالى: ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُوالَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠].
الخشوع:
٣
الخشوع لغة:
خشع في اللغة: خضع وذل وخاف، والخشوع: الخضوع والسكون والتذلل والخوف.
الخشوع اصطلاحًا:
إقبال المرء بقلبه على الله في دعائه وصلاته؛ خوفًا وانقيادًا، مع خضوع الجوارح
والأعضاء(١).
الصلة بين الخشوع والسجود:
السجود عمل يقوم به المرء ظاهرًا على هيئة مخصوصة، بانحناء القامة والأعضاء ووضع
الجبهة والأنف على الأرض، بينما الخشوع يكون محله القلب، ويظهر أثره بهيئة مغايرة على
أعضاء الإنسان بسكونها، وعلى الصوت فيخفت، وعلى البصر فيخضع.
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٨٣، الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٤٨، التعريفات،
الجرجاني ص ٩٨.
www. modoee.com
٢٥٩

حرف السين
سجود ما في السموات والأرض لله
وردت (ما) و (من) في أربع آيات من
آيات السجود لتخص جميع مخلوقات
الله عزّ جلّ في السموات والأرض طوعًا
أوكرهًا، وهي: الآية/ ١٥ في سورة الرعد،
والآيتان/ ٤٨ و٤٩ في سورة النحل،
والآية/ ١٨ في سورة الحج، ولبيان تفسير
كل منهما، والفروق بينهما إذا وجدت، نسير
ببيانها كالآتي:
أولًا: تفسیر مجيء (ما): وقد وردت في
(آيتين) بموضعين اثنين متتابعين في سورة
النحل:
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللّهُ مِن
شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآبِلِ سُجَّدًا
لِلَّهِ وَهُمَّ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨].
يعني: ((يخبر الله عن عظمته وجلاله
وكبريائه بأن كل ما له ظلُّ يتفيأ ذات اليمين
وذات الشمال، بكرة وعشيًّا فإنه ساجد بظله
لله تعالى، و﴿سُجَّدًا﴾ حال من الظلال،
أي: كل شيءٍ له ظله))(١).
وقال مجاهد رحمه الله: ((إذا زالت
الشمس سجد كل شيءٍ لله عزّ وجلّ. وقال:
سجود كل شيءٍ فيؤه)).
وقال أبو غالب الشيباني: ((أمواج البحر
صلاته، ونزلهم منزلة من يعقل إذا أسند
(١) الكشاف، الزمخشري ص ٥٧٤.
جَوَسُو
القرآن الكريمِ
السجود إليهم».
((﴿عَنِ اَلْيَمِينِ﴾، أفرد
و قوله:
الله ﴿أَلْيَمِينِ﴾ للجنس، وجمع في
﴿وَالشَّمَآئِلِ﴾؛ لأن لفظ اليمين واحدٌ لكن
معناه معنى الجمع، أي: عن يمين ما خلق،
ثم رجع إلى معناه في الشمائل بالجمع))(٢).
والمعنى: ((أولم يروا إلى ما خلق الله
من الأجرام التي لها ظلال متفيئةٌ عن أيمانها
وشمائلها عن جانبي كل واحد وشقّيه،
منقادة غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من
التفيؤ، وهذا استعارة من يمين الإنسان
وشماله لجانبي الشىء)).
وفي قوله: «﴿دخژُونَ﴾، جمع بالواو هنا؛
لأن المصدر الدّخور، من أوصاف العقلاء،
أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب))(٣).
وَلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ
قال تعالى:
السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ مِنْ دَابَةٍ وَالْمَلَتِكَةُ وَهُمْ
لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩].
يقول الإمام الطبري رحمه الله في
تفسيرها: «فوالله يخضع ويخشع ويستسلم
لأمره ما في السموات والأرض من دابة
تدبّ عليها، والملائكة التي في السموات،
وهم لا يستكبرون عن التذلل له بالطاعة،
والذين لا يؤمنون بالآخرة تتفيأ ظلالهم عن
اليمين والشمائل سجدا لله وهم صاغرون.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٤/ ٢٤٣.
(٣) الكشاف، الزمخشري ص٥٧٤.
٢٦٠

السجود
وقال بعض نحاة البصرة: اجتزيء بذکر
الواحد من الدّواب عن ذكر الجميع، بتقدير:
وَاللَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَافِى الأَرْضِ
مِن دَابَةِ وَالْمَلِكَهُ﴾، کما یقال: ما أتاني من
رجلٍ. بمعنى: ما أتاني من الرجال.
وقال بعض نحوبي الكوفة: إنما قيل:
﴿مِن دَابَةٍ﴾؛ لأن (ما) وإن كانت قد تكون
على مذهب ((الذي)) - فإنها غير مؤقتة، فإذا
أبهمت غير مؤقتة أشبهت الجزاء، والجزاء
يدخل ((من)) فيما جاء من اسم بعده من
النكرة، فيقال: من ضربه من رجل فاضربوه.
ولا تسقط ((من)) من هذا الموضوع،
كراهية أن تكون حالًا لـ: (من) و (ما)
فجعلوه بــ: ((من)) ليدلّ على أنه تفسير
لـ: (ما) و(من)؛ لأنهما غير مؤقتتين، فكان
دخول ((من)) فيما بعدهما تفسيرًا لمعناها،
وكان دخول ((من)) أدلّ على ما لم يؤقّت من
(من) و (ما)، فلذلك لم تلقيا)) (١).
وذكر الإمام الزمخشري رحمه الله في
تفسير هذه الآية «عدة أقوال:
· يجوز أن يكون بيانًا لما في السموات
وما في الأرض جميعًا، على أن في
السموات خلقًا لله يدبون فيها كما
يدبّ الأناسيّ في الأرض.
ويجوز أن يكون بيانًا لما في الأرض
وحده، ويراد بما في السموات: الخلق
(١) جامع البيان، الطبري ١٤ /٢٤٥.
الذي يقال له الروح.
ويجوز أن يكون بيانًا لما في الأرض
وحده، ويراد بما في السموات
الملائكة، و کرر سبحانه وتعالی ذکرهم
على معنى: والملائكة خصوصًا من
بين الساجدين؛ لأنهم أطوع الخلق
وأعبدهم.
ويجوز أن يراد بما في السموات
ملائكتهنّ، وبقوله: ﴿وَالْمَلِكَةُ﴾،
ملائكة الأرض من الحفظة
وغيرهم»(٢).
ثانيًا: تفسیر مجيء (من): وقد وردت في
(آيتين) بموضعين اثنين:
قال تعالى: ﴿وَإِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِىِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا وَظِلَلُهُم بِالْغُدُوِّ وَاَلْأَصَالِ﴾
[الرعد: ١٥].
والمعنى: ((أن جميع المخلوقات مما
احتوت عليه السموات والأرض كلها
خاضعة لربها تسجد له، حتى ظلال هذه
المخلوقات تسجد أول النهار وآخره، كما
قال سبحانه: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِحْدِهِه
وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [الإسراء: ٤٤]))(٣).
((ومن هنا تقع على الملائكة عمومًا
وسجودهم طوعًا بلا خلاف، أما أهل
الأرض فالمؤمنون منهم داخلون في
(٢) الكشاف، الزمخشري ١٤ / ٥٧٤.
(٣) جامع البيان، الطبري ٤٩١/١٣ و ٤٩٢، وانظر
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٧٥.
www. modoee.com
٢٦١

حرف السين
سجودهم طوعًا، أما سجود الكفرة فهو
الكره، وذلك على نحوين من هذا المعنى.
فإن جعلنا السجود هنا الهيئة المعهودة؛
فالمراد من الكفرة من يضمه السيف إلى
الإسلام فيسجد كرهًا، وإما نفاقًا، وإما أن
الكره أول حاله فتستمر عليه الصفة وإن
صح إيمانه بعد.
وإن جعلنا السجود الخضوع والتذلل
فیدخل الكفار أجمعون في (من)؛ لأنه ليس
من كافر إلا ويلحقه من التذلل والاستكانة
بقدرة الله أنواع أكثر من أن تحصى بحسب
رزایاه واعتباراته.
وقال النحاس والزجاج رحمهما الله:
«إن الکره یکون في عصاة المسلمين وأهل
الكسل منهم»(١).
ويقول الفيروز آبادي رحمه الله: ونصارى ومجوس ومشركين-، وهؤلاء
(«السجود ضربان:
١- سجود اختيار (طاعة): وليس ذلك
إلا للإنسان(٢)، قال تعالى: ﴿فَأَّجُدُواْ لِلَّهِ
وَأَعْبُدُواْ﴾ [النجم: ٦٢].
(١) جامع البيان، الطبري ١٣ / ٤٩١.
(٢) حصر الإمام الفيروزآبادي سجود الاختيار
على: أنه خاص بالإنسان فيه قصور عن
المكلفين من المخلوقات، وقد وضّحها
وعمّمها الشيخ السعدي بقوله: ((وسجود
اختيار يختص بأوليائه وعباده المؤمنين من
الملائكة وغيرهم من المخلوقات)».
انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٤٤٢.
٢- سجود تسخير (اضطرار): وهو
للإنسان والحيوان والنباتات ولكل مخلوق،
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُرِّ وَالْأَصَالِ﴾
[الرعد: ١٥]))(٣).
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَأَنَّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ, مَنْ
فِي السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
وَالنُّجُومُ وَلْبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآتُ وَكَثِيرٌ
مِّنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨].
((یذكر الله سبحانه وتعالى: بأن جميع
المخلوقات في السماء -من الملائكة-،
والأرض -من جنٍّ وإنس وغيرهم-،
والشمس والقمر- في السماء-، والجبال
والشجر والدّواب في الأرض، وسجود
ذلك ظلاله، وكثير من الناس - من يهود
یسجد ظلهم أيضًا.
فإذا كانت المخلوقات كلها ساجدة
لربها، خاضعة لعظمته، دلّ على أنه الربّ
المعبود، من عدل عنه إلی سواه فقد ضلّ
وخسر. وهذا مذهب حسن موافق لمذهب
أهل السنة.
وروي عن أبي العالية الرياحي رحمه الله
قوله: ((ما في السماء نجمٌّ، ولا شمس، ولا
قمرٌ، إلا یقع ساجدًا لله حین یغیب، ثم لا
(٣) انظر بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي،
١٨٨/٣.
جَوَسُولَةُ النَّفتي
القرآن الكريم
٢٦٢

السحود
ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين المشتركة، يظهر معناهما جليًا إذا كان في
الجملة صلة الموصول.
حتی یرجع إلى مطلعه.
وقد أدخلت المخلوقات غير العاقلة من
شمس وقمر ونجوم وجبال وشجر ودواب
تشبيهًا لأفعال المكلفين بالسجود والانقياد
والطاعة لله تعالى.
وقد تتنوع دلالات اسم الموصول حسب
السياق والسباق الوارد في الآية، ومنها:
تعظیم الموصوف به بما يدل على أمرٍ عظيم
؛ إذ فيها تعظيم للخالق بالخضوع والسجود
وقال مجاهد رحمه الله في قول الله: له من جميع مخلوقاته، المنتشرة في كل
﴿وَكَثِيرٌ حَقَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾، ((إن هؤلاء ملكه السماوي والأرضي، وهذا تعظيم لله
وعبادة وخضوع للمولی سبحانه تعالی.
رغم استحقاقهم للعذاب بکفرهم فإن ظلهم
يسجد لله الخالق سبحانه))(١).
وقال ابن كثير رحمه الله: «إنما ذکر الله
سبحانه ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾، على
التنصيص؛ لأنها عبدت من دون الله، فبین
أنها تسجد لخالقها، وأنها مربوبة مسخرة،
وأنها خلق فاعلٍ عظيمٍ؛ لذلك قال سبحانه:
لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَّا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ
الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
[فصّلت: ٣٧]))(٢).
أولًا: أنه لا فرق بين مجيء (من) و(ما)،
ثانيًا: الاتفاق والاختلاف بين ورود إذ كلٌّ منهما تأخذ نفس المعنى.
(من) و(ما) في سياق الآيات:
الشرط، أواسم الموصول المشترك، أو غير
ذلك مما يفهم من سياق الكلام العربي.
وفي هذه الآيات الأربع التي وردت
فيها (من)) و((ما))؛ فهي من أسماء الموصول
(١) جامع البيان، الطبري ١٦ / ٤٨٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٦/٣.
وانظر: بصائر ذوي التمييز ١٨٩/٣.
والأصل في المعنى اللغوي بين (من)
و(ما): أن (من) يؤتى بها في جملة الصلة
للدلالة على العاقل، أما (ما) فيؤتى بها
للدلالة على غير العاقل، وقد تغلّب إحداهما
على الأخرى لوجود قرينة، أو تحلّ إحداهما
محل الأخرى بوجود إشارة واضحة(٣).
وبإمعان النظر في آيات السجود الأربعة
التي وردت فيها (من) و(ما) نجد ما يلي:
يفهم هذا من كلام الإمام ابن كثير رحمه
تأتي كلٌّ من: (من) و(ما) للاستفهام، أو الله إذ يقول: ((بعد أن فسّر قوله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدٌ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا
وَظِلَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَاْأَصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]-، («هذه
كقوله تعالى: ﴿أَوَّلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن
شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآيِلِ سُجَّدًا
(٣) انظر البلاغة العربية، عبد الرحمن حبنكه
٤٢٨/١، البلاغة العربية، فضل عباس
ص٣٠٧.
www. modoee.com
٢٦٣

حرف السين
لِلَّهِ ﴾ [النحل: ٤٨] أي: (من) الواردة في سورة
الرعد مثل (ما) الواردة في سورة النحل))(١).
ويقول الإمام ابن عطية رحمه الله: في
تفسير الآية: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ
وَمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ دَآبَةٍ وَالْمَلَتِكَةُ وَهُمْ لَا
يَسْتَكْفِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩].
«وقعت (ما) في هذه الآية لما يعقل، ثم
نقل کلام الزجاج، فظاهر كلامه أنها حلّت
محلها في المعنى)) (٢).
وبهذا المعنى أولّ ابن عباس رضي الله
عنهما قول الله تعالى:
الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إلَّا
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَقَلِلٌ مَّا هُمُّ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا
فَثَّهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، وَخَرَّرَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤].
فقال: ﴿وَقَلِلٌ مَّاهُمْ﴾ أي: ((قليل من
يتقي، و (ما) على هذا القول بمعنى (من)،
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذُّكَرُ وَالْأُنْقَ﴾
[الليل: ٣] بمعنى: من خلق الذكر والأنثى)) (٣).
ثانيًا: تغليب الكلام للعاقل على غير
العاقل؛ لأن السجود مما يختص به العقلاء.
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله: في
قول الله تعالى: ﴿وَإِلَّهِ يَسْجُدُّ مَنْ فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾
[الرعد: ١٥]، وبين قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ
يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِن
دَآبَّةٍ﴾ [النحل: ٤٩].
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٠٤.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٥ /٣٦٦.
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٦٣.
((فنزل هنا مخلوقات السموات والأرض
منزلة من يعقل إذا أسند السجود إليهم وهو
من فعل العقلاء)» (٤)
كما نجد ذلك واضحًا في تفسير قوله
تعالى: ﴿أَوْ تَرَأَنَّ اللَّهَيَسْجُدُ لَهُ, مَنْ فِ السَّمَوَّتِ
وَمَنْ فِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَلْبَالُ
وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآَبُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾
[الحج: ١٨].
((وقد أدخلت المخلوقات غير العاقلة
من شمس وقمر ونجوم وجبال وشجر
ودواب تشبيهًا لأفعال المكلفين بالسجود
والانقياد والطاعة لله تعالى)) (٥)
.
ويورد الإمام الزمخشري في تفسير
الآية/ ٤٩ من سورة النحل تساؤلاً ويجيب
عنه بقوله: «فإن قلت: فهلا جيء بمن تغليًا
للعقلاء من الدواب على غيرهم؟ قلت: لأنه
لو جيء بمن لم يكن فيه دليل على التغليب،
فكان متناولًا للعقلاء خاصةً، فجيء بما هو
صالح للعقلاء وغيرهم إرادة للعموم»(٦).
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٦٨١.
(٥) جامع البيان، الطبري ٢٤٥/١٤.
(٦) الكشاف، الزمخشري ص٥٧٤.
٢٦٤
جَوَُّور
القرآن الكريم

السجود
الثناء على الساجدين لله
لقد أثنى الله عزّ وجلّ على عباده
الطائعین الساجدین له في مواضع من کتابه.
ونرى في هذا الثناء منه سبحانه تشجيعًا
وحثًّا على الاقتداء بهم، واغتنام هذه الأزمنة
ليلحق المرء مع ركب الساجدین.
وإذا استعرضنا آيات السجود نجد أن
هذا الثناء اتصل بأزمنة محددة، نبينها في
النقاط الآتية:
أولًا: الثناء على الساجدين لله في
الليل:
وقد وردت في أربع آيات هي:
قال تعالى: ﴿يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ ءَانَآءُ الَّلِ
وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣].
ففي شرح هذه الآية يرجح الإمام الطبري
رحمه الله قول من قال: ((عني بذلك تلاوة
القرآن في صلاة العشاء؛ لأنها صلاة لا
يصليها أحدٌ من أهل الكتاب، وفيها مدحٌ
لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم
يصلونها دون أهل الكتاب ... ))(١).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَيْهِمْ
سُجَدًا وَقِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٤].
أي: ((الذین یبیتون لربهم يصلون له،
ویراوحون بين سجود في صلاتهم وقیام،
وقالوا: من قرأ شيئًا من القرآن في صلاته
(١) جامع البيان، الطبري ٦٩٨/٥.
وإن قلّ فقد بات ساجدًا وقائمًا))(٢).
ويقول الإمام القرطبي رحمه الله: ((ناقلا
عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: ((من
صلّى بعد العشاء الآخرة ركعتين أو أكثر فقد
بات لله ساجدا وقائمًا»(٣).
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَلِتُّ ءَانَآءَ الَِّلِ
سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ﴾[الزمر: ٩].
فمعناها: «أمّن هو یقنت آناء الليل ساجدًا
طورًا، وقائمًا طورًا، ونصبت: ﴿سَاجِدًا
وَقَائِمًا﴾ على الحال من قانت)) (٤).
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَأَسْجُدْ لَهُ.
وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦].
يخاطب الله تعالى رسوله صلى الله
علیه وسلم قائلًا: ((ومن الليل فاسجد له في
صلاتك، وسبحه أكثر اللیل. وقد كان هذا
أول شيءٍ فرضه الله؛ أي: الصلاة والتسبيح،
ثم نسخ فرض قيام الليل وأصبح نافلة (٥).
ثانيًا: الثناء على الساجدين لله عند
تلاوة القرآن:
وقد وردت في ثلاث آيات هي:
قال تعالى: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ
سُجّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧].
يعني: ((أن أهل العلم - من مؤمني أهل
(٢) جامع البيان، الطبري ١٧ / ٤٩٥.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣ / ٤٩.
(٤) جامع البيان، الطبري ١٧٦/٢٠.
(٥) المصدر السابق ٢٣/ ٥٧٣.
www. modoee.com
٢٦٥

حرف السین
الكتابين- إذا يتلى عليهم هذا القرآن؛ يخرون
لأذقانهم سجدًا بالأرض تعظيمًا له وتكريمًا،
وعلمًا منهم بأنه من عند الله))(١).
وقال تعالى: ﴿إِذَا تُثَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُ الرَّحْمَنِ
خَرُواْ سُجَّدًا وَيُّكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].
يعني: ((إذا تتلى على هؤلاء الذين أنعم
الله عليهم من النبيين أدلة ذكره، وحججه
التي أنزلها الله عليهم في كتبهم، خرّوا
سجدًا وهم باکون.
وفي إضافة الآيات إلى اسم ﴿الرَّحْمَنِ﴾
دلالة على أن من آياته رحمته بعباده،
وإحسانه إليهم، حيث هداهم بها إلى
الحق))(٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا
ذُكِرُواْ بِهَا خَرُواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾[السجدة: ١٥].
أي: «ما یصدّق بحججنا وآیات کتابنا إلا
القوم الذين إذا ذكروا بها ووعظوا ﴿خَرُواْ
لله ﴿سُجَّدًا﴾ لوجوههم؛ تذللًا له، واستكانة
لعظمته، وإقرارًا له بالعبودية))(٣).
ثالثًا: الثناء على الساجدين لله عند
الاستغفار من الذنب:
وقد وردت في آية واحدة هي:
قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّهُ فَاسْتَغْفَرَ
(١) المصدر السابق ١٢٠/١٥.
(٢) المصدر السابق ١٥ / ٥٦٦.
(٣) المصدر السابق ١٨ / ٦٠٧.
رَبُِّ وَخَرَّرَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤].
يعني: ((علم داوود عليه الصلاة والسلام
أن الله ابتلاه ليختبره، فسأل ربه المغفرة،
﴿وَخَرَّرَاكِعًا﴾ وخرّ ساجدًا لله، ﴿وَأَنَابَ﴾
وتاب من خطيئته، فغفر له ذنبه)) (٤).
رابعًا: الثناء على الساجدين لله من أمة
محمد صلى الله عليه وسلم:
وردت في آية واحدة هي:
قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ:
أَشِدَّهُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَاءُ بَيْنَهُمّ تَرَنُهُمْ رَكَّعَا سُبَّدًا
يَبْتَغُونَ فَضّلًا مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَتًا سِيمَاهُمْ فِى
وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودُ﴾ [الفتح: ٢٩].
أخبر الله سبحانه عن أمة محمد صلى
الله عليه وسلم بأنهم «ركعًا أحيانًا لله،
سجدًا له أحيانًا، وهذا دليلٌ على كثرة
صلاتهم، ومداومتهم عليها؛ والتي من أجلّ
أركانها الركوع والسجود)»(٥).
(٤) المصدر السابق ٢٠/ ٦٣.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩٣/١٦.
٢٦٦
جوي
القرآن الكريمِ

بشارة الله للمؤمنين الساجدين
لقد ذكر الله جلّ وعلا عباده المؤمنين
بأنهم ساجدون له طواعيةً وعبادةً، طمعًا
في المغفرة، وزيادةً في الإحسان، غير
مستكبرين عن عبادة ربهم في الليل والنهار،
مسبحين له في كل وقت، يخرون سجدًا
باكين متذللين عند تلاوة آيات القرآن
الکریم، یرجون رحمته ويخافون عذابه.
وسنرى هذه الصفات للساجدين واضحة
جلية في الموضعين التاليين:
الموضع الأول: قال تعالى: ﴿التََِّّبُونَ
الْعَبِدُونَ الْحَمِدُونَ السَّبِعُونَ
الزَّكِعُونَ السَّجِدُونَ الْأَمِرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَالْخَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[التوبة: ١١٢].
لقد عدّ الله سبحانه وتعالى في هذه الآية
صفات للمؤمنين، فكانت صفة السجود
السادسة من بين هذه الصفات التسع الآتية:
١. التائبون من الذنوب، الملازمون للتوبة
في جميع الأوقات عن جميع السيئات،
طمعًا في المغفرة.
٢. العابدون لله تعالى، المتصفون
بالعبودية لله، القائمون بفعل الواجبات
والمستحبات في كل وقت.
٣. الحامدون لربهم في السراء
والضراء، الشاكرون لله على نعمه
الكثيرة، والمثنون علیھا دومًا.
٤. السائحون، في عبادة الله، من
صيامٍ، وطلب علمٍ، وجهادٍ، وحجٍ
وعمرةٍ، وصلة أرحام، ونحوها.
٥. الراكعون في صلاتهم له عزّ وجلّ،
المکثرون منها.
٦. الساجدون في الصلاة لله تذللًا
وقربةً.
٧. الآمرون بالمعروف، أي: الأمر
بكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال
والأفعال الواجبة والمستحبة.
٨. الناهون عن المنكر، أي: النهي
عن کل ما نهى الله ورسوله عنه، من
الأقوال والأفعال السيئة.
٩. الحافظون لشرع الله في جميع
أقوالهم وتصرفاتهم الظاهرة والباطنة ؛
إخلاصًا لله، وخوفًا من عذابه.
فمن اتصف بهذه الصفات فهو مؤمن
ببشارة الله له، وقد جمعت هذه الصفات كل
وجوه العبادة والخير والسعادة في الدارين.
ويقول الشيخ السعدي رحمه الله: ((لم
يذكر الله ما يبشرهم به، ليعم جميع ما
رتب على الإيمان من ثواب الدنيا والدين
والآخرة، فالبشارة متناولة لكل مؤمن.
أما مقدارها وصفتها؛ فإنها بحسب حال
المؤمنين، وإيمانهم (قوةً، وضعفًا)، وعملًا
www. modoee.com
٢٦٧

حرف السين
بمقتضاه))(١).
الموضع الثاني: قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءٌ
مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ مَايَتِ اَللّهِ
ءَنَّهُ الَّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكَرِّ وَيُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ وَأُوْلَبِّكَ
مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ و١١٤].
فقد وصف الله الساجدين في هاتين
الآيتين بست صفاتٍ هي:
١. الإيمان بالله واليوم الآخر: وهذا وإن
تأخر حتى صدر الآية الثانية، لكنه
الأصل في قبول العمل، فإن الحساب
يكون يوم القيامة على أساس الاعتقاد.
٢. يتلون القرآن الكريم في صلواتهم:
وبالأخص في صلاة العشاء ؛ التي
انفردت بها أمة الإسلام عن غيرها من
الأمم.
٣. ساجدون لله: يؤدون صلاتهم،
وهم ساجدون لله فيها تقربًا وطاعةً.
٤. يأمرون بالمعروف وينهون عن
المنكر: يقولون ويفعلون كل ما يحبه
الله ورسوله، ويتركون كل ما يبغضه
الله ورسوله.
٥. يسارعون في الخيرات: حتى لا
يصرفهم صارفٌ عن فعلها، وهذا
كناية عن مبادرتهم في فعل الخير،
ومسابقتهم في الخيرات.
٦. وصفهم الله بأنهم من الصالحين:
وهذه تشمل الصفات الستة مما
يتحلى بها المتقون الصالحون،
المستحقون لهذا الوصف من رب
العزة والجلال(٢).
(٢) انظر: المصدر السابق.
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٥٣.
جَوَبُور
القرآن الكريمِ
٢٦٨

السجود
أصناف الساجدين وطبيعة سجودهم
تحدث القرآن الكريم عن أصناف من
الساجدين.
نتحدث عنهم في النقاط الآتية:
أولًا: الساجدون لله تعالى وحده:
١. المخلوقات الساجدة لله تعالى
طواعية وعبادة.
أولًا: سجود المؤمنين:
قال تعالى: ﴿أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلَّيِفِينَ
وَالْمَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].
قصد بهذه الآية: ((جماعة القوم الراكعين
والساجدين في البيت الحرام لله تعالى))(١).
((وقدّم الطواف في الآية لاختصاصه
بالمسجد الحرام، ثم الاعتكاف؛ لأنه من
شرط المسجد مطلقًا، ثم الصلاة؛ لأن القيام
والركوع والسجود هيئة المصلي، مع أنها
الأفضل لهذا المعنى))(٢).
وقال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلَّيِفِينَ
وَالْقَآيِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُورِ﴾ [الحج: ٢٦].
((قرن الله الطواف بالصلاة لأنهما لا
يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف
عنده، والصلاة إليه في أغلب الأحوال))(٣).
وقال تعالى: ﴿لَيَسُواْ سَوَآءُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ
(١) جامع البيان، الطبري ٣٢١/٢١-٣٢٦.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٩٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٢/٣.
أُمَّةٌ قَآَيِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اَللَّهِ مَانَآءَ الََّلِ وَهُمْ
يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣].
وقد وردت عدة أقوال في المراد
بالسجود هنا:
((تلاوة القرآن في صلاة العشاء ؛ لأنها
صلاة لا يصليها أحد من أهل الكتاب،
فوصف الله جل ثناؤه أمة محمد صلى الله
علیه وسلم بأنهم يصلونها دون أهل الكتاب
الذين كفروا بالله ورسوله، وهذا الذي
رجحه الإمام الطبري رحمه الله.
ونقل عن الفراء رحمه الله: أن معنى
السجود في هذه الآية، اسم للصلاة لا
للسجود؛ لأن التلاوة لا تكون في السجود
ولا في الركوع، فكأن معنى الكلام كان
عنده: يتلون آيات الله آناء الليل وهم
يصلون.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
قال: لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد
صلى الله عليه وسلم - يقصد: بإقامة صلاة
العشاء -.
وقد ردّ على الفرّاء بأن المعنى ليس
ما ذهب إليه؛ وإنما معنى الكلام: ((من
أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء
الليل في صلاتهم، وهم مع ذلك يسجدون
فيها، فالسجود هنا هو السجود المعروف
بالصلاة»(٤).
(٤) جامع البيان، الطبري ٦٩٨/٥.
www. modoee.com
٢٦٩

حرف السين
وقال سفيان الثوري رحمه الله: ((هي على الركوع والسجود))(٤)،
الصلاة بين المغرب والعشاء)»(١).
وقال ابن عطية رحمه الله: ((هم
وقال الشيخ ابن السعدي رحمه الله: المصلون الصلوات الخمس، ويدخل في
وصف ﴿اَلْرَّكِعُونَ السَّجِدُونَ
الذي يكثر من النوافل أيضًا)»(٥).
«هذا بیان لصلاتهم في أوقات الليل وطول
تهجدهم وتلاواتھم لکتاب الله ، وإيثارهم
الخضوع والركوع والسجود له سبحانه
وتعالى))(٢).
ولعل هذا الرأي الأخير أشمل وأقرب
إلى ظاهر نص الآية التي تفيد العموم لكل
صلاة تكون في الليل، من الصلاة النافلة
(بين العشائين)، أو صلاة الفرض (العشاء)،
أو قيام الليل (التهجد).
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِنْ
وَرَآيِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
هذا یکون في تعلیم صلاة الخوف أثناء
الجهاد في سبيل الله تعالى، ((والضمير
في: ﴿سَجَدُواْ﴾ يعود للطائفة المصلية،
والمعنى: فإذا سجدوا معك الركعة الأولى
فلينصرفوا)) (٣).
وقال تعالى: ﴿التََِّّبُونَ الْعَبِدُونَ
اْخَمِدُونَ السَّبِحُونَ الزَّكِمُونَ
بِالْمَعْرُوفِ
الْأَمِرُونَ
السَّجِدُونَ
وَالتَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢].
((أي: المكثرون من الصلاة المشتملة
(١) تفسير سفيان الثوري ص٧٩.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٤٤.
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ١٣/٣.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِتُونَ لِرَيْهِمْ
سُجَدًا وَقِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٤].
يقول تعالى ذكره بأن من صفات
المؤمنین أنهم: (یبیتون لربهم يصلون لله،
یراوحون بین سجود في صلاتهم وقیام»(٦).
وقال الشيخ ابن سعدي رحمه الله:
لايكثرون من صلاة الليل مخلصين فيها
لربهم، متذللين له ، والبيتوته هي: خلاف
الظلول، بأن یدرکك اللیل نمت أو لم تنم.
وقالوا: من قرأ شيئًا من القرآن في صلاته
وإن قلّ فقد بات ساجدًا وقائمًا))(٧).
وقال ابن عباس: ((من صلّى بعد العشاء
الآخرة ركعتين أو أكثر فقد بات لله ساجدًا
وقائمًا))(٨).
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُّ ءَانَآءَ الَّيْلِ
سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ﴾ [الزمر: ٩].
يعني: ((أن المؤمن مطيع لله، يقنت آناء
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٥٣.
(٥) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /٤١٩.
(٦) جامع البيان، الطبري ١٧/ ٤٩٥.
(٧) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٨٦.
(٨) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٤٩/١٣.
٢٧٠
فَضْو
الْقُرآن الكَرِيْمِ

السجود
الليل ساجدًا طورًا، وقائمًا طورًا، خوفًا من وَهَدُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٢].
عذاب اليوم الآخر))(١).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قوله:
وقال تعالى: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ لما رأت السحرة ما رأت، عرفت أن ذلك
مَعَهُدَ أَشِدَُّ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَاءُ بَيْنَهُمَّ تَرَتُهُمْ رَكْمًا
سُبَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنًا سِيمَاهُمْ فِى
وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثْرِ السُّجُودَّ﴾ [الفتح: ٢٩].
يعني: أن أصحاب محمد عليه الصلاة
والسلام، تراهم ركعًا وسجدًا لله في
(٢)
صلاتهم(٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا
ذُكِرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥].
أي: ((أن المؤمنين بآيات الله تعالى
إذا وعظوا بها لا يستكبرون عن السجود
والتسبيح لله، ويخرون ساجدين له ، غير
مستنكفين عن التذلل لربهم»(٣).
ثانيًا: سجود سحرة فرعون:
قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ ما صنعوا، فألقي السحرة سجدًا، وقالوا:
سَجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٠].
قال الإمام الطبري رحمه الله: ((وألقي
السحرة عندما عاينوا من عظيم قدرة الله
في معجزته لموسى عليه الصلاة والسلام،
ساقطین علی وجوههم، سجدًا لربهم قائلین:
﴿ءَامَنَّابِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١].
ما جاءنا به، ﴿مُوسَى
أی:
(١) جامع البيان، الطبري ١٧٦/٢٠.
(٢) انظر: المصدر السابق ٣٢١/٢١-٣٢٦.
(٣) المصدر السابق ١٨/ ٦٠٧.
أمر السماء وليس بسحر، فخروا سجدًا
لله، وقالوا: ﴿ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ رَبٍّ مُوسَى
وَهَرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١-١٢٢] (٤).
وزاد صاحب الكشاف قائلًا: ((وخروا
سجدًا كأنما ألقاهم ملقٍ لشدة خرورهم،
وقيل: لم يتمالكوا ما رأوا فكأنهم ألقوا.
وعن قتادة رحمه الله: ((كان السحرة
أول النهار كفارًا سحرة، وفي آخره شهداء
بررة»(٥).
وقال عزّ وجلّ: ﴿فَأَلْقِ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُواْ
ءَمَنَّا بِرَبِّ هَرُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠].
يقول الإمام الطبري رحمه الله: ((وفي
هذا الكلام متروك قد استغني بدلالة ما ذکر
عليه، وهو: فألقى موسى عصاه فتلقفت
﴿وَمَنَّا بِرَبِّ هَرُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠].
وذكر أن موسى لما ألقى ما في يده تحوّل
ثعبانًا، فالتهم كل ما كانت السحرة ألقته من
الحبال والعصي، ثم جاء إليها فقبض عليها،
فإذا هي عصا، فخرّ السحرة سجدًا)) (٦).
وقال سبحانه: ﴿فَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ﴾
[الشعراء: ٤٦].
(٤) المصدر السابق ١٠/ ٣٦١.
(٥) الكشاف، الزمخشري ٣٧٩/٣.
(٦) جامع البيان، الطبري ١٦ / ١١٣.
www. modoee.com
٢٧١

حرف السين
((فألقى موسى عصاه حين ألقت السحرة أيضًا- أيها المؤمنون- له وعظموه بالعبادة
حبالهم وعصيهم، ﴿فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا كما يفعله من عنده من الملائكة.
تعريض بمن سواهم من المكلفين»(٣).
يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥].
فإذا عصا موسى تزدرد ما يأتون به من
الفرية والسحر الذي لا حقيقة له، وإنما هو
مخابيل وخدعة، وتبين للسحرة أن الذي
جاءهم به موسی حقٌ لا سحرٌ.
وعن عكرمة رحمه الله تعالى، أن الفرق
بين الإلقاءين هو لما خروا سجدًا، أراهم
الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون
إليها في الجنة))(١).
ثالثًا: سجود الملائكة:
قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ،
وَيُسَبِّحُونَهُ, وَلَّهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
وتعتبر هذه الآية أول سجدة تلاوة في
القرآن الكريم بالإجماع(٢).
﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾، أي: ((لا -المشركون- من إفراد الطاعة وإخلاص
تستكثر أيها المستمع المنصت للقرآن عن
عبادة ربك، واذكره إذا قريء القرآن تضرعًا
وخفية ودون الجهر من القول، فإن الذين
عند ربك من ملائكته لا يستكبرون عن
وعن سفيان الثوري رحمه الله قال: كان
التواضع والتخشّع له سبحانه وتعالى.
﴿وَيُسَبِحُونَهُ﴾، يعني: يعظمون ربهم
بتواضعهم له وعبادتهم، ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ
ولله يصلون، وهو سجودهم ، فصلوا أنتم
(١) الكشاف، الزمخشري ٦٦١/٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٣٤٣.
وقال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَئِكَهُ كُلُهُمْ
أَجْمَعُونَ﴾ [ص: ٧٣].
لما خلق الله عزّ وجلّ أبو البشر آدم عليه
الصلاة والسلام ونفخ فيه من روحه، امتثلت
الملائكة كلهم أمر الله بالسجود له، منفذين
لأمر الله تعالی، إلا إبليس لم یسجد تکبرًا
وحسدًا، وأكّد الله سجود الملائكة لآدم
عليه الصلاة والسلام بمؤكّدین اثنين (كلهم،
أجمعون)؛ لقطع أي احتمال أو شك (٤).
رابعًا: سجود المخلوقات عامة:
قال تعالى: ﴿وَإِلَّهِ يَسْبُدُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ﴾ [الرعد: ١٥].
ومعنى ذلك: فإن امتنع هؤلاء
العبادة لله، فلله يسجد من في السموات من
الملائكة الكرام طوعًا بلا خوفٍ، ومن في
الأرض من المؤمنين به طوعًا، أما المنافقون
فیسجدون کرها.
(٣) الكشاف، الزمخشري ٣/ ٤٠١.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ٨٢-٨٥،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/ ١٤٨.
وعلى هذا التفسير تندرج كلٍ آيات سجود
الملائكة الواردة في سورة الأعراف: ٢٠٦،
والرعد: ٣٠، والإسراء: ٦١، والكهف: ٥٠
وغيرها.
٢٧٢
حَرُ النَّهِية
جوب
القرآن الكريم

السجود
الربيع بن خثیم (أبو يزيد الثوري الکوفي)
رحمه الله، إذا تلا هذه الآية: ﴿وَإِلَّهِ يَسْجُدُ مَن
فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد:١٥].
قال: بلى يا رباه، أو طوعًا ربنا، بلى
طوعًا (١).
وعن الحسن البصري رحمه الله تعالى،
قال: ((يسجد من في السموات طوعًا، ومن
في الأرض طوعًا وكرهًا))(٢).
وقال عزّ شأنه: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ
اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُّهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآِلِ
سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمَّ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨].
یقول الإمام الطبري نقلا عن ابن جريج
رحمهما الله، في قوله تعالى: ﴿يَنَفَيَّوْاْ
◌ِلَلُهُ عَنِ اَلْيَمِينِ وَالشَّمَآيِلِ﴾، قال: (( فإذا
فاءت الظلال - ظلال كل شيءٍ - بالغدو
سجدت لله، وإذا فاءت بالعشي سجدت
ـله.
وقال الضحاك رحمه الله: تسجد الظلال
لله غدوة إلى أن يفيء الظل، ثم تسجد لله
تعالى إلى الليل ...
وقال آخرون: بل الذي وصف الله
بالسجود في هذه الآية ظلال الأشياء، فإنما
يسجد ظلالها دون التي لها الظلال.
ورجح الإمام الطبري رحمه الله قول
من قال: ((إن ظلال الأشياء هي التي تسجد،
(١) جامع البيان، الطبري ١٣ / ٤٩١.
(٢) تفسير الحسن البصري ٢/ ٧١.
وسجودها ميلانها ودورانها من جانب إلى
جانب، ومن ناحیة إلی ناحية، کما قال به ابن
عباس رضي الله عنهما، ويقال في اللغة:
سجدت النخلة، إذا مالت. وسجد البعير،
وأسجد، إذا ميّل للركوب)»(٣).
وزاد ابن كثير رحمه الله: «أنزلهم منزلة
من يعقل إذا أسند السجود إليهم» (٤).
وقال عزّ وجلّ: ﴿وَلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى
السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِن دَابَةٍ وَالْمَلَتِكَةُ
وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل : ٤٩].
معنى الآية: ((ولله يخضع ويخشع
ويستسلم لأمره ما في السموات وما في
الأرض من دابة تدبّ عليها، والملائكة التي
في السموات، وهم لا يستكبرون عن التذلل
له بالطاعة، والذين لا يؤمنون بالآخرة،
قلوبهم منکرة، وهم لا یستکبرون، وظلالهم
تتفيأ عن اليمين والشمائل سجدا لله، وهم
داخرون.
وكان بعض نحوبي البصرة يقول: اجتزئ
بذكر الواحد من الدواب عن ذكر الجميع،
وعليه فإن معنى الكلام: ولله يسجد ما
في السموات وما في الأرض من الدواب
والملائكة، كما يقال: ما أتاني من رجلٍ،
بمعنى: ما أتاني من رجالٍ»(٥).
وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَأَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ.
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٤٠/١٣- ٢٤٢.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٨١.
(٥) جامع البيان، الطبري ٢٤٥/١٤.
www. modoee.com
٢٧٣

حرف السين
مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
وَالنُّجُومُ وَالْبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآتُّ وَكَثِيرٌ مِنَ
النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُِّنِ اَللَّهُ فَمَا
لَهُ، مِن مُكْرِمَّإِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ [الحج: ١٨].
يقول الله تعالى لنبيه عليه الصلاة
والسلام: ألم تر يا محمد بقلبك وعقلك،
فتعلم أن الله يسجد له ﴿مَنْ فِي السَّمَوَتِ﴾ من
الملائكة، ﴿وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾ من الخلق، من
الجنّ والإنس وغيرهما، ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
وَالنُّجُومُ﴾ في السماء، ﴿وَالْجِبَالُ وَالشَّجُ
وَالدَّوَآتُّ ﴾ في الأرض، وسجود ذلك ظلاله
حين تطلع الشمس، وحين تزول، إذا تحول
ظلّ كل شيءٍ فهو سجوده، ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ
النّاسِ﴾ أي: ويسجد کثیر من بني آدم، وهم:
المؤمنون بالله، يسجدون لله سجود طاعة
وعبادة، ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ أي:
وكثيرٌ أبى السجود فلم يوفقه الله للإيمان؛
فاستحق العذاب بذلك.
وعن أبي العالية الریاحي رحمه الله،
قال: « ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر
إلا يقع ساجدًا حين يغيب، ثم لا ينصرف
حتی یؤذن له، فیأخذ ذات الیمین حتی یرجع
إلى مطلعه.
وقيل سجودها: بمعنى الطاعة، فإنه ما
من جماد إلا وهو مطيع لله، يسبح له)) (١).
قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾
(١) المصدر السابق ١٦/ ٤٨٧.
[الرحمن: ٦].
أي: ((ما قام على ساقٍ- كالشجر
ونحوه - وما لم يقم علی ساقٍ -مما ینبت من
الأرض- يسجدان ، وسجودهما: انقيادهما
لله فيما خلقا له ، وأنهما لا يمتنعان تشبيهًا
بالساجدين المكلفين في انقياده، وقيل
سجودهما: سجود ظلهما))(٢).
وقال مجاهد رحمه الله: ((النجم هو
الکوکب، وسجوده طلوعه»(٣).
خامسًا: سجود الأنبياء:
قال تعالى: ﴿إِذَانُثَْى عَلَيْهِمْءَيْتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ
سُجَّدًا وَيُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].
أخبر الله في هذه الآية: ((إذا تليت على
هؤلاء الأنبياء الذين أنعم الله عليهم آيات
الله خروا لله سجدًا، استكانة له، وتذللًا
وخشوعًا لأمره وانقيادًا له، وهم باكون))(٤).
((و ﴿سُجَّدًا﴾: جمع ساجد، وتعرب
حالًا. ﴿وَتُكِيًّا﴾: جمع باكٍ، أخبر الله أن
الأنبياء كانوا إذا سمعوا بآيات الله سجدوا
ویکوا))(٥).
((وأجمع العلماء على شرعية السجود
هنا اقتداءً بالأنبياء، واتباعًا لمنوالهم)) (٦).
و قال تعالى: ﴿ وَتَقَلُبَّكَ فِ السَِّدِينَ﴾
(٢) المصدر السابق ٢٢ / ١٧٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٣/٤.
(٤) جامع البيان، الطبري ١٥ / ٥٦٦.
(٥) مختصر تفسير البغوي ٢/ ٥٦٠.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٦/٣.
٢٧٤
جَوَبُو عَرَ النفسية الوضوء
القرآن الكريم