النص المفهرس

صفحات 21-29

الزينة
تزين الزوجين لبعضهما: قال تعالى في كما يدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى
عَلَيْهِنَّ بِالْعُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
حق الزوج: ﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمُعْرُوفِ﴾
[البقرة: ٢٢٨].
وقال في حق الزوجة: ﴿وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ﴾ [النور: ٣١].
((عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
إني أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن
تتزين لي؛ لأن الله تعالى ذكره يقول: ﴿وَنَّ
مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّبِالْعُرُوفِ﴾))(١).
ولاشك أن الزينة التي يظهرها الزوجان
لبعضهما ليست هي التي يظهرانها لأقاربهما
أو الأجانب عنهما.
ثالثًا: إظهار الزينة:
أما بالنسبة لإظهار الزينة كما ورد في
القرآن الكريم؛ فنقسمها كما يلي:
١. زينة الرجل.
كاللباس الحسن، والمظهر الحسن،
والمركب الحسن، فهذا ذكر القرآن الكريم
أن الرجل يظهره بلا كبر أو خيلاء في
المساجد،كما في الآية السابقة: ﴿يَبَنِيّ ◌َادَمَ
خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِندَكُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
وفي مجامع الناس كما مرّ أيضًا في
قوله تعالى: ﴿وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَاَلْحَمِيرَ
◌ِّكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨].
ثم الزينة التي يتزين بها الرجل لزوجته
(١) جامع البيان، الطبري ٤ / ٥٣٢.
فهذه مواطن يجوز للرجل إظهار زينته
فيها، وفي كل موطن بحسبه.
٢. زينة المرأة.
أما المرأة فكونها محط فتنة للرجال،
والفتنة بها أشد من غيرها؛ فقد كان من
حكمة الشريعة أن سدّت كل الذرائع
التي تدعو للافتتان بالمرأة؛ حتى لا يغرق
المجتمع في مستنقع الرذيلة والفاحشة،
ولتحفظ الأنساب، فأمر الشرع الرجل بأن
يغض بصره عن النساء، وأمر النساء بأن لا
یظهرن زینتهن لکل أحد.
ومن خلال آيات القرآن الكريم؛ نجد
أنه حدّد المواضع التي يجوز للمرأة فيها
أن تظهر زينتها، وقد جمعت أغلب تلك
المواضع في آية واحدة.
وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ
إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِنَ بِخُمُرِ مِنَّ عَلَى
جُوبِنٌّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ
أَوْ ءَبَّبِهِنَ أَوْ ءَابَلْهِ بُعُولَتِهِنَ أَوْ
أَبْنَابِهِنَ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَفِهِنَّ
أَوْ بَنِيّ إِخْوَيِهِنَّ أَوْ بَنِيّ أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِ
الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الْطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ
عَلَى عَوْرَتِ الْنِسَآِ﴾ [النور: ٣١].
وقبل الشروع في التفصيل ؛ نبدأ بتعريف
www. modoee.com
٢٠٣

حرف الرأى
في لغة العرب: هي ما تتزين به المرأة مما
هو خارج عن أصل خلقتها -كالحلي،
والحلل-))، ثم قال رحمه الله: ((فتفسير
الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا
إليه ... ))(١) وذكر ما يرجح قوله، فليراجع
ذلك من أراد مزيد تفصيل.
أولًا: ما ظهر منها:
قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّ مَا
ظَهَرَ مِنْهَا﴾، (( ... عن ابن مسعود رضي
الله عنه قال: هي الثياب))(٢)، (أي: الثياب
الظاهرة، التي جرت العادة بلبسها، إذا لم
يكن في ذلك ما يدعو إلى الفتنة بها))(٣)،
فهذه لا حرج على المرأة في إظهارها.
ثانيًا: الزوج:
قال سبحانه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا
لِبُعُولَتِهِنَ﴾ و((البعولة: جمع بعل، وهو
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٥١٦/٥.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٩/ ١٥٦.
إسناد رواية ابن جرير هذههو: «حدثني یونس،
قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني الثوري،
عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي الأحوص،
عن عبد الله ... ))، قال المقدّم: ((إسناده في
غاية الصحة وأورد هذا الأثر الإمام ابن كثير
في تفسيره)) عودة الحجاب. المقدّم ٢٨٧/٣.
(٣) إظهار الحق والصواب في حكم الحجاب،
سعيد القحطاني ص ١٠٧ .
وانظر: عودة الحجاب، محمد
المقدّم ٢٨٣/٣.
جوبي
القرآن الكريمِ
الزينة في هذه الآية، يقول الشنقيطي: ((الزينة الزوج، وسيد الأمة ... وأصل البعل الرب
والمالك (وسمي الصنم الأكبر عند أهل
العراق القدماء بعلًا، وجاء ذكره في القرآن
في قصة أهل نينوى ورسولهم إلياس)،
فأطلق على الزوج لأن أصل الزواج ملك
يجوز الحمل عليه، إلا بدليل يجب الرجوع وقد بقي من آثار الملك فيه: الصّداق؛ لأنه
كالثمن)» (٤).
فللزوج أن ينظر لکل بدن امرأته، كما
للزوجة أن تنظر لكل بدن زوجها، وقد ثبت
في الصحيحين أن أم المؤمنين عائشة رضي
الله عنها كانت تغتسل هي وزوجها رسول
الله عليه الصلاة والسلام من إناء واحد(٥).
أما حديث عائشة زوج النبي صلى الله
عليه وسلم، ورضي الله عنها: (ما نظرت
-أو ما رأيت- فرج رسول الله صلى الله
عليه وسلم قط)(٦) فقد ضعف.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٩/١٨.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الغسل،
باب غسل الرجل مع امرأته، رقم ٢٥٠،
ومسلم في صحيحه كتاب الحيض، باب
القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة،
وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد في حالة
واحدة، وغسل أحدهماً بفضل الآخر، رقم
٣٢١.
(٦) أخرجه أحمد في مسنده، مسند عائشة رضي
الله عنها، ٣٦٧/٤٢، رقم ٢٥٥٦٨، وابن
ماجه في سننه، كتاب الطهارة وسننها، باب
النهي أنّ یری عورة أخيه، رقم ٦٦٢.
وضعفه الألباني في الإرواء، ٢١٣/٦، رقم
١٨١٢.
٢٠٤

الزينة
ثالثًا: المحارم:
قال جل وعلا: ﴿أَوْ ءَابَّبِهِنَ أَوْ
ءَابٌهِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَ أَوْ أَبْنَآءِ
بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَفِهِنَّ أَوْ بَنِّ إِخْوَنِهِنَّ
أو بنى أخوتهِنَّ﴾ ( عن ابن عباس رضي
الله عنه قال: (( الزينة التي يبدينها لهؤلاء:
قرطاها، وقلادتها، وسوارها، فأما خلخالاها
ومعضداها ونحرها وشعرها؛ فإنه لا تبديه
إلا لزوجها))(١).
رابعًا: النساء المسلمات:
قال تعالى: ﴿أونسآپھنَ﴾ قال ابن کثیر:
(يعني: تظهر زينتها أيضًا للنساء المسلمات
دون نساء أهل الذمة؛ لئلا تصفهن لرجالهن،
وذلك - وإن كان محذورًا في جميع النساء-
إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد؛ فإنهن لا
يمنعهن من ذلك مانع، وأما المسلمة فإنها
تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه، وقد قال
رسول الله صلی الله عليه وسلم: (لا تباشر
المرأة المرأة، تنعتها لزوجها كأنه ينظر
إليها) أخرجاه في الصحيحين (٢)، عن ابن
مسعود)»(٣).
(١) جامع البيان، الطبري ١٩/ ١٦٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب لا تباشر المرآة المرأة فتنعتها لزوجها،
رقم ٢٤٠. وليس الحديث في مسلم كما وهم
ابن کثیر رحمه الله.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٧/٦.
خامسًا: ملك الیمین:
قال سبحانه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ ﴾
قال ابن عطية: ((يدخل فيه الإماء الكتابيات
ويدخل فيه العبيد عند جماعة من أهل
العلم، وهو الظاهر من مذهب عائشة وأم
سلمة رضي الله عنهما، وقال ابن عباس
وجماعة من العلماء : لا يدخل العبد على
سیدته فیری شعرها ونحو ذلك إلا أن يكون
وغدا، فمنعت هذه الفرقة الكشف بملك
اليمين وأباحته بأن يكون من ﴿التِّعِينَ
غَيْرِ أُوْلِ الْإِرْبَةِ﴾)»(٤).
سادسًا: الرجال التابعين من غير أولي
الإربة:
قال الله تعالى: ﴿أَوِ التَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِى
اُلْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ التابعين أي: ((كونهم
من أتباع بيت المرأة وليسوا ملك يمينها،
ولكنهم يترددون على بيتها لأخذ الصدقة أو
للخدمة»(٥).
ويكون هؤلاء الرجال من الذين ((لا
إربة لهم في هذه الشهوة؛ كالمعتوه الذي لا
يدري ما هنالك، وكالعنّين الذي لم يبق له
شهوة، لا في فرجه، ولا في قلبه، فإن هذا
لا محذور من نظره» (٦)، ((مع السلامة الغالبة
(٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ١٧٩.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١١/١٨.
(٦) إظهار الحق والصواب في حكم الحجاب،
سعيد القحطاني ص ١٠٨.
www. modoee.com
٢٠٥

حرف الزاى
من تطرق الشهوة وآثارها من الجانبين))(١).
سابعًا: الأطفال غير المميزين:
قال جل وعز: ﴿أَوِ اَلِّفْلِ الَّذِينَ لَوْ
يَظْهَرُ واْ عَلَى عَوْرَتِ النِّسَاءِ﴾ ((يعني: لصغرهم
لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن؛ من
كلامهن الرخيم، وتعطفهن في المشية
وحركاتهن، فإذا كان الطفل صغيرًا لا يفهم
ذلك؛ فلا بأس بدخوله على النساء، فأما إن
کان مراهقًا أو قريبًا منه، بحیث یعرف ذلك
ويدريه، ويفرق بين الشوهاء والحسناء؛ فلا
يمكّن من الدخول على النساء)» (٢).
ثامنًا: القواعد من النساء:
و((هن اللواتي قعدن عن الحيض والولد؛
من الكبر، ولا مطمع لهن في الأزواج))(٣).
فهؤلاء يجوز لهن وضع ثيابهن الظاهرة.
قال الله تعالى: ﴿وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ
أَّتِ لَا يَرْجُونَ نِكَحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَ جُنَاحٌ﴾
[النور: ٦٠].
أي: حرج وإثم، ﴿أَنْ يَضَعْنَ
ثِيَابَهُنَ﴾ [النور: ٦٠].
أي: الثياب الظاهرة، كالخمار ونحوه،
الذي قال الله فيه للنساء: ﴿وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِ مِنَّ
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١١/١٨.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٤٩.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤/ ٤٢٠.
قال ابن قتيبة: ((ولا أراها سميت قاعدًا، إلا
بالقعود. لأنها إذا أسنّت: عجزت عن التّصرّف
وكثرة الحركة، وأطالت القعود)).
انظر: غريب القرآن ص ٣٠٨.
عَلَى جُوِنَّ﴾ فهؤلاء: يجوز لهن أن یکشفن
وجوههن؛ لأمن المحذور منها وعليها، ولما
کان نفي الحرج عنهن في وضع الثياب، ربما
توهم منه جواز استعمالها لكل شيء؛ دفع
هذا الاحتراز بقوله: ﴿غَيْرَ مُتَّبَرِحَتٍ بِينَةِ﴾
[النور: ٦٠]))(٤).
أي: ((غير مظهرات زينةً، يريد: الزينة
الخفية التي أرادها في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ﴾، أو غير قاصدات
بالوضع التبرج، ولكن التخفف إذا احتجن
إليه ، والاستعفاف من الوضع
لَهُنَ﴾ [النور: ٦٠].
لما ذكر الجائز عقّبه بالمستحب، بعثًا
منه على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها،
کقوله:
﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىُ﴾
[البقرة: ٢٣٧].
﴿وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
[البقرة: ٢٨٠]))(٥).
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٧٤.
(٥) الكشاف، الزمخشري ٢٥٥/٣.
جَوَسُولَة التَّضية
القرآن الكريمِ
٢٠٦

الزينة
صور التزيين
((التزيين: تصيير الشيء زينًا أي حسنًا،
فهو تحسين الشيء المحتاج إلى التحسين،
وإزالة ما يعتريه من القبح أو التشويه، ولذلك
سمّي الحلاق مزيّنًا)(١)، وللتزيين في القرآن
الکریم صور متعددة، بيانها فيما يلي:
أولًا: تزیین محمود:
وهو: تزيين الإيمان:
وَلَكِنَّ
دليل ذلك قول الحق سبحانه:
اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّة
إِلَيْكُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَاَلْمِصْيَانَّ أُوْلَكَ هُمُ
الرَّشِدُونَ ﴿ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ وَاللّهُ
﴾ [الحجرات: ٧-٨].
عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٥
فقوله سبحانه: ﴿حَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ
وَزَيَّنَهُفِ قُلُوبِكُمْ﴾ ((أي: حبّبه إلى نفوسكم،
وحسّنه في قلوبکم»(٢).
إن من یحب شيئًا قد یمل منه حین یجده
ثم يطول مكثه عنده! إلا الإيمان بالله تعالى؛
فإنه «كل يوم يزداد حسنًا، ولكن من كانت
عبادته أكثر، وتحمله لمشاق التكليف أتم؛
تكون العبادة والتكاليف عنده ألذ وأكمل،
ولهذا قال في الأول: حبّب إلیکم، وقال
ثانيًا: وزينه في قلوبكم، كأنه قرّبه إليهم ثم
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٩/٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٢/٧.
أقامه في قلوبهم))(٣).
وما ذكره جل وعلا فى هذه الآية الكريمة
من أنه هو الذي حبب إليهم الإيمان وزينه
في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق
والعصيان؛ جاء موضحًا في آيات كثيرة،
مصرح فيها بأنه تعالی يهدي من يشاء ويضل
من يشاء، كقوله تعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ
الْمُهْتَدِى﴾ [الأعراف: ١٧٨].
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ
الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء: ٩٧].
وقوله سبحانه: ﴿وَمَاكُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَاً أَنْ
هَدَنَا اللهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، نرجو
الله الرحيم الكريم أن يهدينا وألا يضلنا (٤).
ثانيًا: تزيين مذموم:
ويتتبع آيات التزيين في القرآن نجد أن
هذا النوع من التزيين له صور، منها:
١. تزيين الكفر والضلال.
قال الله تعالى عن إبليس: ﴿لَأَزَيِّنَنَّ لَهُمْ
فِيِ الْأَرْضِ ﴾ [الحجر: ٣٩].
أي: لأزينن لهم المعاصي والكفر في
الدنيا(٥).
وقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ
عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٠٢/٢٨.
(٤) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤١٢/٧.
(٥) البحر المديد، ابن عجيبة ٨٨/٣.
www. modoee.com
٢٠٧

حرف الرأى
إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]
ومعناه أنھم یغرّون به المضلّلین، ویوهمون
لهم أنهم على شيء والأمر بخلافه!(١)، قال
السدي: أما ((شياطين الإنس)): فالشياطين
التي تضل الإنس، ((وشياطين الجن)): الذين
يضلون الجن، يلتقيان فيقول كل واحد
منهما: ((إني أضللت صاحبي بكذا وكذا،
وأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا»، فيعلّم
بعضهم بعضًا))(٢).
٢. تزيين الشيطان للأعمال السيئة.
كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ
جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ
لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾
[الأنعام: ٤٣].
وقوله جل وعلا: ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
أَعْمَلَهُمْ﴾ [النحل: ٦٣].
وقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾
[النمل: ٢٤].
والأعمال في کل هذه الآيات يقصد بها
الأعمال الخبيثة والسيئة، التي تصدهم عن
سبيل الله ورضوانه.
(«فإن قلت: قد أسند الله هنا التزيين إلى
الشيطان وأسنده إلى نفسه في قوله: ﴿كَذَلِكَ
زَيَّنَّالِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٣٦/٢.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٢ / ٥٢.
فهل هو حقيقة فيهما أو في أحدهما؟
قلت: وقع التزيين في النظم في مواضع
کثیرة، فتارة أسندہ إلی الشيطان، وتارة إلى
نفسه، وتارة إلى البشر كقوله: ﴿زَّنَ
لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ
أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ ﴾ [الأنعام: ١٣٧].
وتارة مجهولا غیر مذکور فاعله کقوله:
﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ١٢]؛ لأنّ التزيين
له معان يشهد بها الاستعمال واللغة:
أحدها: إيجاد الشيء حسنًا مزينًا في
نفس الأمر، كقوله: ﴿رَبَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا
[الصافات: ٦].
والثاني: جعله مزينًا من غير إيجاد،
كتزيين الماشطة العروس.
والثالث: جعله محبوبًا للنفس، مشتهى
للطبع، وإن لم يكن في نفسه كذلك، فهذا
إن كان بمعنى خلق الميل في النفس والطبع
فلا يسند إلا إلى الله، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَاَ
يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَوِ زَيَّا لَمْ أَعْمَلَهُمْ﴾.
[النمل: ٤]
أي: زینا لهم أعمالهم القبيحة، بأن جعلناها
مشتهاة بالطبع محبوبة للنفس، -وذلك
عقوبة لهم لعدم إيمانهم بالآخرة، وهذا مثل
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا
بَعْدَ إِذْ هَدَنهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾
[التوبة: ١١٥].
فإذا بيّن لهم ما يتقون فلم ینقادوا له؛
عاقبهم بالإضلال جزاء لهم على ردهم
٢٠٨
مَوَنُور
القرآن الكريمِ

الزينة
الحق المبين))(١).
وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّازَ اغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمَّ
وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].
وإن كان تزيين الباطل بمجرّد تزويره
وترويجه بالقول وما يشبهه، كالوسوسة
والإغواء كما أفصح عنه تعالى في حكايته
قول إبليس: ﴿لَأَزَّيِّنَنَّ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ
[الحجر: ٣٩] فهذا يسند إلى
لاغوينهم
الشيطان أو البشر))(٢).
٣. تزيين قتل المشركين لأولادهم.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَبَّنَ
لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ
أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ
وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾﴾ [الأنعام: ١٣٧].
تأتي هذه الآية بعد أن حكى لله تعالى
شيئًا من سفه المشركين وضلالهم،
وطاعتهم العمياء لشياطين الإنس والجن،
فبين الله تعالى في هذه الآية أن من سفه
المشركين وضلالهم أيضًا: ((أنه زيّن لكثير
من المشركين شركاؤهم -أي: رؤساؤهم
وشياطينهم- قتل أولادهم، وهو: الوأد،
الذين يدفنون أولادهم الذكور خشية
الافتقار، والإناث خشية العار.
وكل هذا من خدع الشياطين، الذين
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٥٤.
(٢) حاشية الشهاب الخفاجي على تفسير
البيضاوي ٤ / ٥٩ بتصرف يسير.
يريدون أن يردوهم بالهلاك، ويلبسوا عليهم
دينهم، فيفعلون الأفعال التي في غاية القبح،
ولا يزال شركاؤهم يزينونها لهم، حتى
تكون عندهم من الأمور الحسنة والخصال
المستحسنة».
فهذه كلها أنواع من التزيين المذموم،
الذي يفتن العباد ويصرفهم عن ما خلقهم
الله تعالی له من عبادته و توحیده، وصاحب
هذا التزيين المذموم متوعد بعذاب الله
تعالی في نار جهنم إن لم يتب إلى ربه
قبل موته، بل هو ومن اتبعه في تزيينه ذلك
پتلاومون في نار جهنم! كما قال سبحانه:
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴾ قَالُواْ إِنَّكُمْ كُمْ
تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٥) قَالُواْ بَل لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
(٢) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍّ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا
طَغِينَ ﴿ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَيِّنَاً إِنَّا لَذَا بِقُونَ
٣١
فَأَغْوَيْنَكُمْ إِنَّا كُنَّا غَوِينَ ﴿ فَإِنَّهُمْ يَوْمَيِذٍفِى الْعَذَابِ
مُشْتِكُونَ ﴾ [الصافات: ٢٧-٣٣].
((عن السدي، في قوله: ﴿إِنَّكُمَّ كُمْ تَأْتُونَنَا
عَنِ الْيَمِينِ﴾ قال: (( تأتوننا من قبل الحق
تزينون لنا الباطل، وتصدوننا عن الحق))(٣).
وفي ختام هذا النوع المذموم من التزيين،
نورد کلامًا قیمًا لابن عاشور رحمه الله، وهو
قوله: ((وقد استقريت مواقع التزيين المذموم
فحصرتها في ثلاثة أنواع:
الأول: ما ليس بزينٍ أصلًا - لا ذاتًا ولا
(٣) جامع البيان، الطبري ٣٢/٢١.
www. modoee.com
٢٠٩

حرف الرأى
صفة- لأن جمیعه ذٌّ وأذى، ولكنه زيّن
للناس بأوهام وخواطر شيطانية، وتخييلات
شعرية (كالخمر).
الثانى: ما هو زين حقيقة، لكن له عواقب
تجعله ضرًّا وأذی (کالزنا).
الثالث: ما هو زین لکنه یحف به ما یصیره
ذميمًا (كنجدة الظالم)»(١).
ثالثًا: تزیین كوني قدري:
وهو: تزيين الحياة الدنيا ومتاعها:
وهذه الزينة أو التزيين سماه بعض
العلماء: (الزينة الحيادية)! وهي تزيين الله
تعالى متاع الدنيا للناس ؛ التي يمكن للإنسان
أن يستخدم ذلك التزيين في طاعة الله تعالى،
ويمكنه أن يستخدمه في المعصية، كما قال
سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ
اُلْنِسَآءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنْ
الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْغَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ
وَالْحَرْثُ ذَلِكَ مَنَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ
عِندَهُ حُسْنُ الْمَعَابِ ﴾ [آل عمران: ١٤].
وحسن المآب يكون لمن استقام
في الدنيا على الصراط الذي رسمه الله
للمتقين، وكما قال سبحانه: ﴿وَأَخَيَّلَ
وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا وَزِينَةٌ وَيَخْلُقُ مَا
لَا تَعْلَمُونَ ﴾[النحل:٨].
وعن الحكمة من هذا التزيين يقول
سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَا
لِسَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الكهف: ٧]
فهذا النوع من التزيين إنما هو: ليبتلي الله
عباده، فيكشف المطيعين والعاصين عن
طريقه.
فحبّ الشهوات من النساء، وحبّ البنین،
وحبّ المال، وحبّ المآكل والمشارب،
وحبّ المراكب، وحبّ الخيل المسوّمة
والأنعام والحرث، إلى غير ذلك ممّا جعل
الله فيه زينة للناس، فالزينة في كلّ ذلك من
خلق الله، ومن فطرته التي فطر المزيّنات
والنفوس عليها؛ ليمتحن إرادات الناس بها.
فإن استخدمت هذه الزينة في حدود ما
أذن الله، دون عدوان، ولا ظلم، ولا بغي،
ولا إسراف، ولا تبذير، ولا تجاوز إلى
مواطن الضرر؛ كانت منّة من الله تعالى
وإكرامًا لعبده، كما قال سبحانه: ﴿وَكُلُوا
وَأَشْرَبُواْ وَلَا تُرِفُواْ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴿ قُلّ
مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اُلَّهِ الَّتِيَّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَاُلَِّبَتِ مِنَ
اُلْرِّزْقِّ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً
يَوْمَ الْقِيَّمَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَنَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
[الأعراف: ٣١-٣٢].
أمّا إن استخدمت هذه الزينة في غير
ما أذن الله وأحلّ؛ فإنّها تكون إمهالًا من
الله تعالى واستدراجًا لصاحبها ، كما قال
سبحانه: ﴿فَلَمَّا فَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا
عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩٥/٢.
فَضْو
جَوْسُو ◌َرَ النَّفْسِير
القرآن الكريمِ
٢١٠

الزينة
أُوْنُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْنَةٌ فَإِذَا هُم مُبْلِسُونَ
[الأنعام: ٤٤](١).
وبعد: فقد ذكرنا في صور التزيين أن
الأولى: تزيين محمود، لأنه يعود على
الإنسان بالخير والرحمة، فحري بالمسلم
أن يسعى قدر مستطاعه لتزيين الأعمال
الصالحة لنفسه ولغيره، فمن فعل ذلك فهو
محمود ممدوح، وهو داخل في الدعوة إلى
الله تعالى، وقد قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ
قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣].
أما الصورة الثانية: فتزيين مذموم ؛ لأنه
يعود على الإنسان بالشر والعذاب، فعلى
المسلم أن يسعى لاجتناب تزيين الشر
لنفسه أو لغيره؛ فقد قال تعالی ماقتًا ومحذرًا
الذين يزخرفون ويزينون الباطل: ﴿وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍ عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِنِسِ وَاَلْجِنّ
يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾
[الأنعام: ١١٢].
أما الصورة الثالثة: التزيين القدري، فعلى
المسلم أن يعلم ذلك ثم يسعى لاغتنام ذاك
التزيين فيما يعود عليه بالخير والفلاح.
موضوعات ذات صلة:
حجاب المرأة، الحياة، العفة، النساء
(١) أجنحة المكر الثلاثة ص ٥٠٧ بتصرف.
www. modoee.com
٢١١