النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
زيزيًا عَلَيْهُ السَّلام
عناصر الموضوع
التعريف بزكريا عليه السلام
٨٨
ذكر زكريا عليه السلام في القرآن الكريم
٩٠
كفالة زكريا لمريم عليهما السلام
٩١
سؤال زكريا عليه السلام الولد
٩٣
عائلة زكريا عليه السلام
١٠٥
١٠٧
الدروس المستفادة من قصته عليه السلام
المُجَلَّدَ السَّابِعْ عَشَرِ

حرف الزاى
التعريف بزكريا عليه السلام
أولًا: اسمه ونسبه:
هو نبي الله زكريا، أبو نبي الله يحيى عليهما السلام، من بني إسرائيل، وينتسب لنبي الله
يعقوب عليه السلام كما يفهم من قوله تعالى: ﴿يَرِثُبِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيًّا
مـ
﴾ [مريم: ٦].
وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ كُلَّا هَدَيْنَاً وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ وَمِن
ذُرِّيَّتِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (3) وَزَكَرِيًّا
وَيَحْبَى وَعِيسَى وَإِلَيَاسَّ كُلُّ مِنَ الصَِّحِينَ ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٥]
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق أنه من ذرية سليمان بن داود عليهما
السلام (١).
وفي كتاب البدء والتاريخ: أنه من ولد داود وكان يعمل نجاراً وكانت تحته أخت مريم
بنت عمران أم عیسی و کان یحیی وعیسی ابني خالة، وکفل زکریا مريم (٢).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: (كان زكريّا
نجَّارًا)(٣).
ثانيًا: زمانه عليه السلام:
عاش نبي الله زكريا عليه السلام قبل ميلاد عيسى عليه السلام، حيث عاصر ميلاد مريم
وكفلها، واستجاب الله دعاءه ورزقه بيحيى عليهما السلام.
قال تعالى: ﴿فَنَقَبِّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَأَنَّا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكِيَّاً كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا
ذَكَرِيًّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْيَمُ أَنَّ لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِاللّهِ إِنَّ اللّهَ يَزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ
حِسَابٍ ﴾ [آل عمران: ٣٧].
ثالثًا: قرابته لمريم وعيسى عليهما السلام:
(١) انظر: تاريخ دمشق، ابن عساكر ٤٨/١٩، قصص الأنبياء، ابن كثير ٣٤٨/٢.
(٢) انظر: البدء والتاريخ، ابن طاهر المقدسي ١١٦/٣، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ابن الجوزي
٠٥/٢
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب في فضائل زكريا عليه السلام، رقم ٢٣٧٩.
٨٨
صُوْنُو ◌َرَ
جوي
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

زكريا عليه السلام
قيل: هو زوج أخت مريم عليها السلام.
وقيل: زوج خالتها.
قال ابن كثير: ((وإنّما المحفوظ في بعض ألفاظ الصّحيح في حديث الإسراء: (فمررت
بابني الخالة يحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة)(١). فجاء على قول الجمهور، كما هو ظاهر
الحدیث، فإنّ أمّ یحیی أشیاع بنت عمران أخت مريم بنت عمران.
وقيل: بل أشياع وهي امرأة زكريّا أمّ يحيى هي أخت حنّة امرأة عمران أمّ مريم، فيكون
يحيى ابن خالة مريم، فالله أعلم))(٢).
رابعًا: وفاته عليه السلام:
قتل عليه السلام بتحريضٍ من قتلة يحيى عليه السلام(٣)، وقتل اليهود للأنبياء من أشنع
ما ارتكبوه من جرائم.
قال تعالى: ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا تُقِفُواْ إِلَّا بِحِبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآءُ و بِغَضَبٍ مِّنَ
اَللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ
ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ (١)﴾ [آل عمران: ١١٢].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَتَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَتَكْتُبُ مَا قَالُواْ
﴾ [آل عمران: ١٨١].
وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَآءُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُذُ وقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ
(١) أخرج البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، ٥٣/٥، رقم ٣٨٨٧ حديث أنس
ابن مالك في الإسراء والمعراج، وفيه: (فلمّا خلصت إذا يحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة).
(٢) البداية والنهاية، ٢/ ٦٥.
(٣) انظر: تاريخ دمشق، ابن عساكر ٥٦/١٩.
وقد جاء في إنجيل متى ٣٥/٢٣ وفي إنجيل لوقا ٠١/ ٤٩ ذٌّ ووعيدٌ لقاتليه.
www. modoee.com
٨٩

حرفالزاى
ذكر زكريا عليه السلام في القرآن الكريم
ورد ذكر زكريا عليه السلام في القرآن الكريم (٧) مرات، في (٤) سورة.
وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:
السورة
الآيات
آل عمران
٣٧-٤١
مريم
٧-١١
الأنبياء
٨٩-٩٠
٩٠
◌َالنَّسَبـ
قَضوري
جوبي
القرآن الكريم

زكريا عليه السلام
كفالة زكريا لمريم عليهما السلام
قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنِ
وَأَنْبَتَهَا نَبَانًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا ذَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ
عَلَيَّهَا زَكَرِنَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْمُ
أَّ لَكِ هَذَّا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِاللَّهِ إِنَّ اللّهَ يَزُقُّ مَنْ
يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [آل عمران: ٣٧].
تبدأ قصة زكريا عليه السلام كما في سورة
آل عمران وهي سورة مدنية نزل صدرها
بمناسبة قدوم وفد من نصارى نجران،
وحوارهم مع النبي صلى الله عليه وسلم
الذي دار محوره حول المسيح عليه السلام،
ويبدأ الحديث عن زكريا بهذا العمل العظيم
الذي حرص على القيام به ووفق إليه، كفالة
اليتيمة مريم، تلك الطفلة التي تقبلها المولى
عز وجل وأنبتها نباتاً حسناً، فكان كفالته لها
نعمة من الله ورحمة.
أولًا: كيف تمت تلك الكفالة؟
تم هذا الأمر بتوفيق من الله عز وجل بعد
أن تنافسوا وتنازعوا على كفالة مریم، كلَّ
يرجو لنفسه أن ينال هذا الشرف، فمريم بنت
إمامهم ومعلمهم عمران عليه السلام الرجل
الصالح الذي مات دون أن تكتحل عيناه
برؤيتها، وحرصا على هذا الشرف ووفاء
لمعلمهم وإمامهم كان تنافسهم وتسابقهم
على كفالتها، ولما لم تجتمع لهم كلمة
ولم يتفق لهم رأي وطال جدالهم حول من
يستأثر بهذه المكرمة: اتفقوا على أن يقترعوا
فيما بينهم. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ
يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾.
قال ابن عبّاسٍ: اقترعوا فجرت الأقلام
مع الجرية وعال قلم زكريّا الجرية فكفلها
زكريّا(١).
قال ابن حجر : ((وعال قلم زكريا)
أي: ارتفع على الماء وفي إحدى الروايات
وعلا، و(الجرية) بكسر الجيم والمعنى:
أنهم اقترعوا على كفالة مريم أيهم يكفلها
فأخرج كل واحد منهم قلما وألقوها كلها
في الماء فجرت أقلامهم الجميع مع الجرية
إلى أسفل وارتفع قلم زكريا فأخذها)(٢).
وفاز زكريا عليه السلام بالقرعة وتولى
کفالة مریم رضي الله عنها.
قرئ: (وَكَفَّلَهَا)، بالفاء المفتوحة
المخففة على إسناد الفعل إلى زكريا عليه
السلام: إخبار من الله بأنه هو الذي تولى
كفالتها، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ
إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ﴾.
﴿وَكَفَلَهَا ﴾ أي: جعل
وقرئ بالتشديد
الله زكريا لها كافلًا.
والقراءتان صحیحتان، لا تعارض بينهما
في المعنى، فالمولى عز وجل قد أكرم
(١) أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا، كتاب
الشهادات، باب القرعة في المشكلات،
١٨١/٣.
(٢) فتح الباري ٥/ ٣٤٧ باختصار.
www. modoee.com
٩١

حرف الزاى
مریم رضي الله عنها بأن جعل زکریا لها
كافلا، ولقد توجه زكريا وقصد كفالة مريم
تقربًا إلى الله عز وجل ووفاءً وعرفانًا ویرًّا
وإحسانًا، وزكريا عليه السلام وإن كان قد
أقبل علی کفالتها، وأصاب سهمه فإن الذي
هداه إلى ذلك ووفقه ويسّر له ذلك الأمر هو
الله عز وجل (١).
كرامة لمريم عليها السلام:
قال تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا ذَكِيَّاً كُلَّمَا دَخَلَ
عَلَيَّهَا زَّكَرِيًّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْيَمُ
أَنَّ لَكٍ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَزُقُّ مَنْ
يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧].
قام نبي الله زكريا عليه السلام بكفالة
مريم، وجعل مقامها في بيت المقدس، في
موضعٍ تخلو فيه للعبادة وهو المحراب.
ولابد أن هذا المكان بمعزل عن
الاختلاط بالرجال والظهور لهم، فهو خلوة
لمريم تتعبّد لربها بصفاء ذهن وإقبال قلب.
﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ﴾ لم يحمله إليها، ولا
هو مما یعهد في هذا الوقت من الزمن، وهو
يعلم أنه لا يدخل عليها غيره؛ فهو القائم
على كفالتها، حتى أثار ذلك الأمر دهشته
وعجبه.
(١) بالتخفيف قراءة: نافع وابن كثير وأبي عمرو
وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب، والباقون
بالتشدید.
انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري
٢٣٩/٢.
قال ابن كثير: «قال مجاهد وعكرمة
وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وغيرهم:
وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة
الشتاء في الصيف، وعن مجاهد قال: ﴿وَجَدَ
عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ أي: علمًا، أو قال: صحفًا فيها
علم. والأول أصح. وفيه دلالة على كرامات
الأولياء، وفي السنة لهذا نظائر كثيرة))(٢).
هذا الرزق كرامة من جملة الكرامات
التي أظهرها الله لمريم تمهيدا وتهيئة للآية
العجيبة التي تنتظرها.
موقف زكريا عليه السلام من هذه
الكرامة: سأل زكريا مريم متعجبًا من أين
لك هذا ؟ كيف وصل إليك قالت هو من
عند الله؛ فعطاؤه ممدود، وفضله عظيم
وخزائنه زاخرة. كما قال تعالى: ﴿وَيَرْزُقْهُمِنْ
حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣].
فالله سبحانه يعطي العباد من حيث لا
یحتسبون، بدون تقدیر منهم ولا تدبير، وفي
الحدیث (یمین الله ملآی لا یغیضها شيء،
سخّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ
خلق السموات والأرض، فإنه لم یغض ما
في يمينه) (٣).
(٢) تفسير القرآن العظيم، ١١/٣.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف،
٢/ ٦٩٠، رقم ٩٩٣، عن أبي هريرة رضي الله
عنه.
وعبر النبي صلى الله عليه وسلم عن تواليي
النعم بسح اليمين، سح الماء سحا: سال من
جوبيبو
القرآن الكريم
٩٢

زكريا عليه السلام
سؤال زكريا عليه السلام الولد
قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿هُنَالِكَ
دَعَا ذَكَرِنَّا رَبَّهُ، قَالَ رَبِّ هَبْ لِىِ مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةٌ
طَيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَدِّ ﴾﴾ [آل عمران: ٣٨].
وفي سورة مريم: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ.
4
زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءُ خَفِيًا
قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ اٌلْعَظِمُ مِنِى وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ
شَيْبًا وَلَمْ أَكُنُّ بِدُعَلَئِكَ رَبِّ شَفِيًّا )
وَ إِ خِفْتُ الْمَوَِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ
أَمْرَأَتِ عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا )
يَرِثُِّ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
﴾ [مريم: ٢- ٦].
وفي سورة الأنبياء:
كَرْنَا إِذْ نَادَى
وَدِ
رَبَّهُ رَبٍ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِنَ
[الأنبياء: ٨٩].
٨٩
لقد أكرم المولى عز وجل زكريا عليه
السلام بإكرامه لمريم تلك اليتيمة ذات
المكانة العظيمة، وكانت تلك الكرامة التي
حدثت لمريم سببًا مباشرًا في توجّه زكريا
عليه السلام إلى الله ودعائه بأن يرزقه ذرية
طيبة.
ومن هنا تبدأ القصة، ولذا قال سبحانه:
﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك الوقت وفي نفس
المكان، وزكريا عليه السلام يشهد هذه
فوق إلى أسفل وسححته إذا أسلته .. والسح
هو الصب الكثير.
انظر: المصباح المنير، الفيومي ١٢٢/٢.
الكرامة، ويرى تلك العجيبة، في المحراب
مكان العبادة والطاعة، والرحمات والبركات
والنفحات، يتوجه زكريا بالدعاء راجيًا من
المولى عز وجل أن يرزقه ذرية طيبة، معلقا
رجاءه بقدرة الله ورحمته ولطفه أن يرزقه
الولد في غير حينه كما رأى الفاكهة في غير
حینھا.
قال القشيري: «لما رأى كرامة الله
سبحانه مع مريم ازداد يقينا على يقين ورجاء
على رجاء فسأل الولد على كبر سنه، وإجابته
إلى ذلك كانت نقضا للعادة)) (١).
لما رأی کرامة لمريم تدل على صلاحها
وقربها من الله تمنى أن يكون له ولد صالح
تقرّ به عینه، وینشرح له صدره.
وجاء الطلب بلفظ الهبة: ((لأن الهبة
إحسان محض، ليس في مقابلة شيء وهو
يناسب ما لا دخل فيه للوالد، لکبر سنه، ولا
للوالدة؛ لكونها عاقرا لا تلد»(٢).
ومنح الولد مع اجتماع موانعه من كبر
السن والعقم أمر خارق للعادة، مظهر لعظيم
قدرة الله وجليل صنعه ولطيف إرادته.
لذلك كان التفسير بـ(لدن) التي هي أخص
من (عند) لأن هبة الولد لزكريا مع كبر سنه
وعقم زوجته فيه منحة وخصوصية من
المولى القدیر جل وعلا.
(١) انظر: لطائف الإشارات، ٢٥١/١.
(٢) روح المعاني، الألوسي ٣/ ١٤٤.
www. modoee.com
٩٣

حرف الرأى
قال الرازي: «لأن حصول الولد في
العرف والعادة له أسباب مخصوصة، فلما
طلب الولد مع فقدان تلك الأسباب كان
المعنى: أريد منك إلهي أن تعزل الأسباب
في هذه الواقعة، وأن تحدث هذا الولد
بمحض قدرتك من غير توسط شيء من
الأسباب (١).
والذرية الطيبة الولد الصالح الذي
تطيب به النفس ، ويبتهج الفؤاد وتقر به
العين، فیوافق ما يتمناه أبواه ویرجوانه له من
الصلاح.
«لما کان الباعث علیه ما شاهد من أمر
مريم وخصوص كرامتها على الله، وامتلاء
قلبه من شأنها لم يملك من نفسه إلا أن يسأل
ربه أن يهبه مثلها كرامة ومكانة عند الله؛
ولذلك استجيب في عین ما سأل من الله،
ووهب له یحیی وهو أشبه الأنبياء بعيسى
عليه السلام، وأجمع الناس لما عند عيسى
وأمه مريم الصديقة من صفات الكمال
والكرامة ... )) (٢) ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَدِّ﴾: قابله
ومجیبه.
قال النبيّ المستجاب دعاؤه
ما کنت ربّي بالدّعاء شقيّا
هب لي بفضلك وارثًا متعبّدًا
واجعله يا ربّ العباد رضیا
(١) مفاتيح الغيب، ٣٣/٨.
(٢) انظر: الميزان، الطباطبائي ٣/ ١٧٥.
فأجاب دعوته وأنجز وعده
بفتاه أعني عبده زكريّا (٣)
وفي سورة مريم قال تعالى في مستهل
السورة عن دعاء زكريا عليه السلام: ﴿ذِكْرُ
رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيََّ إِذْ نَادَى رَبَّهُ.
نِدَآءَ خَفِيًّا ؟ قَالَ رَبِّ إِ وَهَنَ اٌلْعَظْمُ مِنِى
وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَلَئِكَ
رَبِّ شَقِيًّا ) وَإِ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى
وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ
وَلِيًّا ﴿ يَرِثُبِىِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ وَأَجْعَلْهُ
رَبِّ رَضِيًّا ﴿ يَزَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلٍَ
اسْمُهُ يَحْبِى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ، قَالَ
رَبِّ أَنَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَكَانَتِ أَمْرَأَتِ
عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِنِيًّا ﴾ قَالَ
كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ
مِن قَبْلُ وَلَوْ تَكُ شَيْئًا ، قَالَ رَبِّ أَجْعَل
◌ِيْءَايَةُ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَ
لَيَالٍ سَوِيًّا ن ◌َخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ
فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا يَبَحْتِى
خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
وَحَنَانًا مِن لَُّنَا وَزَكَوَةٌ وَكَانَ تَقِيًّا وَبَرًّا
بِوَلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ، وَسَلَمُ عَلَيْهِ
يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيَّاً ﴾
[مريم: ١- ١٥ ]
﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيًّا﴾:
(٣) أورد الفيروزآبادي هذه الأبيات في بصائر
ذوي التمييز ٩٣/٦، ولم يذكر قائلها.
٩٤
القرآن الكريم

زكريا عليه السلام
تذكير للنبي صلى الله عليه وسلم ولسائر عن الضعف والكبر ودلائله الظاهرة
والباطنة)) (٤)
المخاطبين برحمة الله عز وجل بعبده ونبيه
. وفى هذا إشارة إلى ضعفه،
وفقره إلى رحمة الله عز وجل.
زكريا عليه السلام.
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءُ خَفِيًّا﴾: دعا ربه
خفية، ومن المعلوم أن إخفاء الدعاء أو
الجهر به عند الله سواء فهو سبحانه لا يخفى
عليه شيء، وللدعاء في السر مزیة فهو أدعى
للخضوع والخشوع والإخلاص، وأقرب
للإجابة، يقول قتادة: إن الله يعلم القلب
التقي، ويسمع الصوت الخفي(١).
وفي الحديث: (أربعوا على أنفسكم
فإنكم ليس تدعون أصم ولا غائبا إنكم
تدعون سميعا قريبا، وهو معكم) (٢).
﴿قَالَ رَبِّ إِى وَهَنَ اٌلْعَظْمُ مِنِّى وَأَشْتَعَلَ
الرَّأْسُ شَيْبًا﴾: ضعفت عظامي وخارت
قواي، «فالعظم عماد البدن ودعام الجسد
فإذا أصابه الضعف والرخاوة تداعى ما
وراءه وتساقط قواه))(٣).
﴿وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾: وشاب شعر
الرأس کناية عن کبر سنه، فالشيب يسري في
الرأس وينتشر فيها، كما تسري النار وتشتعل
في الهشيم. والمراد من هذا: ((الإخبار
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/٣.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر
والدعاء والتوبة، باب استحباب خفض
الصوت بالذكر إلا في المواضع التي ورد
الشرع فيها برفعه كالتلبية وغيرها، .٤ / ٢٠٨٦،
رقم ٢٧٠٤، عن أبي موسى الأشعري.
(٣) روح المعاني، الألوسي ٥٩/١٦.
حسن الرجاء:
﴿وَلَمْ أَكُنُّ ◌ِدُعَلَئِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾: لم
أعهد منك ربي إلا إجابتي في دعوتي فأنت
رجائي وغايتي، وأنت قصدي ووجهتي،
عودتني على الكرم والإحسان.
ولم أكن بدعائي إياك خائبا في وقت من
أوقات هذا العمر الطويل ، بل كلما دعوتك
استجبت لي، وهذا توسل منه بما سلف
من الاستجابة عند کل دعوة إثر تمهید ما
يستدعي الرحمة ويستجلب الرأفة من كبر
السن، وضعف الحال، فإنه تعالى بعدما عود
عبده بالإجابة دهرا طويلا لا يخيبه أبدا لا
سیما عند الاضطرار وشدة الافتقار ، روي
أن محتاجا قال لبعضهم: أنا الذي أحسنت
إليّ وقت كذا، فقال: مرحبا بمن توسل بنا
إلينا، وقضى حاجته ... يقال: سعد بحاجته
إذا ظفر بها، وشقي بها إذا خاب (٥).
إخلاص النية والحرص على الخير:
﴿وَإِ خِفْتُ اَلْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى
وَكَانَتِ امْرَأَتِ عَاقِرًا فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ
وَلِيًّا﴾ يخبر زكريا عليه السلام عن أسباب
طلبه للولد فقد وهن منه العظم وشاب
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١١/٣.
(٥) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٣١٤/٥.
www. modoee.com
٩٥

حرف الزاى
الشعر وتقدم به العمر، وهو خائف من ملك لأن زكريا لم يكن ملكا وآل يعقوب لم
يتوارثوا ملكا ويحيى عليه السلام لم يصبح
أن يموت دون وارث له، يرث عنه النبوة
والصلاح. قال الإمام القاسمي: ((﴿وَإِنّ
خِفْتُ الْمَوَلِىمِن وَرَآءِى﴾، أي: الذین یلون
أمر رهطي من بعد موتي، لعدم صلاحية
أحد منهم لأن يخلفني في القيام بما كنت
أقوم به، من الإرشاد ووعظ العباد، وحفظ
آداب الدين والتمسك بهديه المتين)» (١).
ملكا. ومن هنا فإن الميراث الحقيقي الذي
سيرثه عن أبيه هو الصلاح والعلم والحكمة.
قال الراغب: ((﴿وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ﴾
يعني وراثة النبوة والعلم والفضيلة دون
المال، فالمال لا قدر له عند الأنبياء
حتى يتنافسوا فيه، بل قلما يقتنون المال
ويملكونه)»(٣).
﴿ وَكَانَتِ آمْرَأَتِى عَاقِرًا ﴾: (( و في
الإخبار عنه بلفظ الماضي (وكان): إعلام
بتقادم العهد في ذلك ، وغرض زكريا من
هذا الكلام بیان استبعاد حصول الولد، فكان
إيراده بلفظ الماضي أقوى)) (٢) في الدلالة،
فهي لا تلد منذ شبابها، فکیف بها الآن؛ وقد
بلغت من الكبر عتيا، !
﴿فَهَب لِى مِن لَُّنكَ وَليًّا﴾: هب لي من
لدنك من يلي أمري، ﴿يَرِثُنِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ
يعقُوبَ ﴾: المقصود هنا لیس میراث الملك
أو المال، وإنما ميراث النبوة والحكمة،
فالأنبياء لا یورثون دينارا ولا درهما،
وإنما يورثون الحكمة والهدى والصلاح،
والميراث يكون في المال أو في الملك أو
في العلم والحكمة أو في النبوة والصلاح،
والأول مستبعدٌ لأنه لم يطلب الولد ليرث
ماله فالأنبياء لا یورّثون مالا. ولیس میراث
(١) محاسن التأويل، ١١ / ١١١.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ١٨٣.
سؤال الصلاح للولد:
﴿وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾: مرضيًّا عندك
في جمیع أحواله.قال ابن كثير: «مرضیا
عندك وعند خلقك تحبه وتحيبه إلى خلقك
في دينه وخلقه)» (٤)، كما قال عز وجل في
ختام سورة مريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا
٩٦
* [مريم: ٩٦].
أي: سيجعل لهم في قلوب العباد محبة
ومودة.
قال الماوردي ((فيها وجهان: أحدهما:
حبا في الدنيا مع الأبرار، وهيبة عند الفجار،
الثاني: يحبهم الله ويحبهم الناس ...
ويحتمل ثالثًا: أن يجعل ثناء حسنا ... ))(٥).
وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله
عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن
(٣) المفردات، ص ٥١٩.
(٤) تفسير القرآن العظيم ١١١/٣.
(٥) النكت والعيون، ٦/٢.
٩٦
ـَ النَِّّيَّـ
جوسيس
القرآن الكريم

زكريا عليه السلام
الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني
أحب فلانا فأحبه قال: فيحبه جبريل، ثم
ینادی في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا
فأحبوه فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع
له القبول في الأرض وإذا أبغض عبدا دعا
جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه، قال
فییغضه جبريل، ثم ينادى في أهل السماء إن
الله یبغض فلانا فأبغضوه، قال: فیبغضونه ثم
توضع له البغضاء في الأرض) (١).
دعاء زکریا في سورة الأنبياء، قال تعالی:
﴿وَذَكَرِتَّ إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا
وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨٩].
وهذا هو الموضع الثالث الذي يتحدث
فيه القرآن الكريم عن دعاء زكريا عليه
السلام، وسياق الآيات هنا في بيان رحمة
الله بأنبيائه واستجابته لدعواتهم، ونلاحظ
أن مضمون الدعاء في السور الثلاث واحد
والهدف منه واحد، وإن تنوعت الأساليب،
فإن تنوعها يكشف عن حقائق هذا الدعاء
ومقاصده، ومن المرجّح أن الدعاء تكرر من
زكريا عليه السلام.
وفي موضع سورة الأنبياء يخبر الله
تعالى في سياق إنعامه على أنبيائه واستجابته
لدعائهم، كيف يطلب زكريا عليه السلام من
المولى عز وجل أن لا یترکه وحیدا لا ولد
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب إذا أحب الله عبدا وضع له
القبول في الأرض، ٢٠٣٠/٤، رقم ٢٦٣٧.
له؛ يقوم بوراثة الصلاح والنبوة من بعده،
قال تعالى: ﴿وَزَكَرِنَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ
لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِنَ ()﴾
[الأنبياء: ٨٩]
فالوارث الحقيقي هو الله سبحانه وهو
الباقي بعد فناء خلقه. قال ابن كثير في قوله
﴿وأَنتَخَيرُ الْوَرِئِينَ﴾: «دعاء وثناء مناسب
للمسألة)» (٢)
وقال الألوسي في معنى ﴿وَأَنتَ خَيْرُ
الْوَرِئِينَ﴾: ((وفيه مدح له تعالى بالبقاء
وإشارة إلى فناء من سواه من الأحياء، وفي
(٣)
ذلك استمطار لسحائب لطفه عز وجل»
٠
استجابة الله تعالى لدعاء زكريا عليه
السلام:
قال تعالى في سورة آل عمران :
فَنَادَتَّهُ الْمَلَتِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّ فِي الْمِحْرَاپِ
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيِى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اَللَّهِ وَسَيِّدًا
وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [آل عمران:
٣٩]
وقال عز وجل في سورة مريم:
﴿يَزَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ اسْمُهُ، يَحْبَى لَمْ
نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: ٧].
وقال سبحانه في سورة الأنبياء :
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ, وَوَهَبْنَا لَهُ, يَحْبَى
وَأَصْلَحْنَا لَهُ, زَوْجَهُمَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ
(٢) تفسير القرآن العظيم، ١٩٣/٣.
(٣) روح المعاني ١٧/ ٨٧.
www. modoee.com
٩٧

حرف الزاى
يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
وَرَهَبَّ وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ
[الأنبياء: ٩٠]
في الموضع الأول من سورة آل عمران
یذکر المولى عز وجل أن الملائكةنادت على
زكريا عليه السلام وهو يصلي في المحراب
ذاك المكان الطاهر المبارك، وبشرته ببشارة
عظيمة ، بشرته بغلام يدعی یحیی يكون
سیدا وحصورا ونبيا من الصالحين.
قال ابن كثير: ((خاطبته الملائكة مشافهة
خطابا أسمعته، وهو قائم يصلي في محراب
عبادته ومحل خلوته ومجلس مناجاته
وصلاته)) (١). والتعبير بالفاء هنا يدل على
التعقيب، المفيد لسرعة الجواب، كما قال
تعالى في سورة الأنبياء : ﴿فَاسْتَجَمْنَا
لَهُ، وَوَهَبْنَا لَهُ, يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ.
زَوْجَهُ﴾.
ولقد اختلف المفسرون في المراد وعلى أن المولى عز وجل قد اختار له هذا
بالملائكة هنا: هل هم جمع منهم أم أن الاسم الطيب المبارك.
المراد جبريل عليه السلام ؟
وظاهر النص: يفيد أن المنادي جمع
من الملائكة، وقيل إن المنادي جبريل، ذکر
ذلك ابن جرير في تفسيره عن ابن مسعود
رضي الله عنه (٢) ، وقال الألوسي معلقا
على هذا الرأي: ((فالجمع هنا مجاز عن
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٠/١.
(٢) جامع البيان، الطبري ٦/ ٣٦١.
الواحد للتعظيم، أو يكون هذا من إسناد
فعل البعض للكل، وقيل : الجمع فيه مثل
قولك: فلان یرکب الخیل ویلبس الديباج،
واعترض بأن هذا إنما يصح إذا أريد واحد
لا بعينه، وهاهنا أريد المعين فلعل ما تقدم
أولى بالإرادة ، وقيل : الجمع على حاله ،
والمنادي كان جملة من الملائكة)) (٣).
والذي أراه في هذه المسألة أن المنادي
جمع من الملائكة كما يفيد ظاهر النص؛
لأن الأصل هو الأخذ بظاهر النصوص
واستعماله الحقيقي دون اللجوء إلى صرف
الكلام عن الحقيقة إلى المجاز. وفي نداء
جمع من الملائكة مزيد اعتناء وتكريم
لزكريا، وتعظيم لتلك البشارة وللواهب جل
وعلا.
﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْبَ﴾ ذكر المبشر به
وهو يحيى عليه السلام يدل على أنه ذكر
وفي سورة مريم ﴿يَزَكَرِقََّ إِنَّا نُبَشِرُكَ
بِغُلٍَ اسْمُهُ يَحْبَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ, مِن قَبْلُ سَمِيًّا
﴾ [مريم: ٧]
وفي هذه الآية إشارة إلى أن المبشر به
وهو یحیی علیه السلام سوف یولد ویکبر
حتى يصير غلاما، وفي قوله تعالى: ﴿لَمْ
نَجْعَل لَّهُ، مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ ما يفيد أن هذا الاسم
(٣) روح المعاني، ٣/ ١٤٥.
٩٨
القرآن الكريم

زكريا عليه السلام
لم يسم به أحد قبل يحيى عليه السلام، فهو بفقهه وعلمه وحلمه، وحكمته وهمّته،
وزهده وقوته في الحق (٤)، ساد نفسه بأن
حملها على طاعة الله وصرفها عن معصيته،
وساد قومه بما تحلى به من مكارم الأخلاق،
ومن ساد نفسه ساد غيره.
اسم بكر، وللاسم البكر الجميل وقعه في
النفوس، وصداه في الآذان، واختيار هذا
الاسم ليحيى نعمة وهبة من الله ﴿وَوَهَبْنَا
لَهُيَحْى﴾ فالمسمى والاسم هبة ونعمة
من الله عز وجل.
أما عن سر التسمية بهذا الاسم، فيقول
مقاتل: ((لم يكن أحد من الناس فيما خلا
يسمى يحيى، وإنما سماه يحيى لأنه أحياه
من بين شيخ كبير وعجوز عاقر ))(١). وعن
قتادة قال: ((أحياه الله بالإيمان))(٢).
﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ﴾: مؤمنا بعيسى
عليه السلام، قيل إن يحيى عليه السلام هو
أول من صدّق بعیسی علیه السلام، وقيل
﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾: أي : مؤمنا بكتاب
منه تعالى (٣).
لقد كانت ولادة يحيى عليه السلام
من شیخ کبیر وأم عجوز عاقر تمهيدا لآية
أعجب وهي ولادة عيسى عليه السلام من
غير أب، مع القرب الزمني بين الحدثين
المتعاقبين، حيث ولد يحيى وبعده عيسى
عليهما السلام.
﴿وَسَيِّدًا﴾: كريما، شريفا، يسود الناس
(١) تفسير مقاتل بن سليمان ٢/ ٦٢١.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/ ١٤٧.
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٦/١، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٤ / ٧٦، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦١/٢.
﴿وَحَصُورًا﴾: حصر نفسه أي: حبسها
ومنعها من الهمم الدنية (٥)، وقيل : هو الذي
لا يأتي النساء لا لعجزه عن ذلك، وإنما
لزهده وانشغاله بالطاعات والقربات (٦).
ولا تعارض بين المعنيين، وإن كان
الأول أولى، لأن الزواج سنة الأنبياء عليهم
السلام.
وسياق الكلام يدل على البشارات التي
ساقتها الملائكة لزكريا عليه السلام لتدخل
على قلبه السرور، والحصور صفة مدح
وكمال لا صفة ذم ونقصان.
﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: جمع عليه
السلام بين النبوة والصلاح، فالأنبياء هم أشد
(٤) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣١٣/١،
الكشاف، الزمخشري ٣٦/١، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٤ /٧٦، مفاتيح
الغيب، الرازي ٣٦/٨، روح المعاني،
الألوسي ٣/ ١٤٧.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦١/١،
روح البيان، إسماعيل حقي ٣١/٢.
(٦) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦١/١،
مفاتيح الغيب، الرازي ٣٦/٨، روح المعاني،
الألوسي ١٤٨/٣، محاسن التأويل، القاسمي
٤ / ٩٥.
www. modoee.com
٩٩

حرف الرأى
الناس صلاحا واستقامة على منهج الله(١)،
والصلاح صفة ملازمة لهم قبل النبوة، لكن
النبوة تزيدهم صلاحا على صلاح.
وفي الموضع الثاني من سورة مريم يأتي
الجواب من قبل الله عز وجل: ﴿يَنْزَكَرِيََّ
إِنَّانُبَشِّرُكَ بِعُلَمٍ أَسْمُهُ يَحْبَى لَمْ تَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ
سَمِيَّان﴾ [مريم: ٧].
لم نجعل له شبيها من أهل عصره في
أحواله وصفاته، أو لم نجعل له من قبل من
يشاركه في هذا الاسم.
قال الزمخشري: «لم يسم أحد بيحيى
قبله ... وقيل: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾
مثيلا وشبيها كقوله في نفس السورة :﴿رَبُّ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَأَعْبُدْهُ وَأَصْطَيْرْ
لِعِبَدَيِّهِ. هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا لَ
٦٥
وإنما قيل للمثل: سميّ؛ لأن كل
متشاكلين يسمى كل واحد منهما باسم
المثيل والشبيه والنظير، فكل واحد منهما
سميّ لصاحبه ... قالوا : لم يكن له مثل في
أنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط، وأنه
ولد بین شیخ فان وعجوز عاقر، وأنه كان
حصورًا))(٢).
وفي الموضع الثالث في سورة الأنبياء:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ, وَوَهَبْنَا لَهُ, يَحْبَى
وَأَصْلَحْنَا لَهُ: زَوْجَهُ إِنَهُمْ كَانُواْ
(١) الكشاف، الزمخشري ٣٦/١.
(٢) المصدر السابق ٣/ ٥.
يُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
وَرَهَبَّ وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ
[الأنبياء: ٩٠].
فقد استجاب المولى عز وجل لزكريا
عليه السلام وأصلح زوجته للحمل
والولادة، وأثنی سبحانه علی زکریا ویحیی
وامرأة زكريا بأنهم ﴿كَانُواْ يُسَرِعُونَ
فِىِ الْخَيْرَةِ﴾ أي : يبادرون إلى فعل
الطاعات،
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَا﴾
يجمعون بين الرغبة والرهبة، بين الخوف
والرجاء، وهذه حال المؤمن ﴿وَكَانُواْ
لَنَا خَشِعِينَ﴾ بقلوبهم وأبدانهم خاشعين
لربهم، ضارعين له.
موقف زكريا عليه السلام من هذه
البشارة:
قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿ قَالَ
رَبِّ أَنَّ يَكُونُ لِ عُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ
وَأَمْرَأَتِى عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ
[آل عمران: ٤٠].
٤٠
وقال تعالى في سورة مريم: ﴿قَالَ رَبِّ
أَنَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا
وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِنِيًّا ، قَالَ كَذَلِكَ
قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ
وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ، قَالَ رَبِّ أَجْعَل ◌ِيَ ءَايَةٌ
قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ
سَوِيًّا ن ◌َجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىّ
إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةٌ وَعَشِيًّا ﴾ [مريم: ٨ -
١٠٠
جَوَُّور
القرآن الكريم

زكريا عليه السلام
١١].
دعا ز کریا علیه السلام ربه أن يرزقه الولد
فاستجاب المولى عز وجل لدعائه، وجاءته
الملائكة تبشره بغلام يرث النبوة والصلاح
عنه، ولقد كانت الاستجابة مفاجأة لزكريا
عليه السلام، فقال عليه السلام مقالته متعجبا
من هذه البشارة، ومتسائلا عن كيفية تحققها
ووقوعها وقد بلغ من الكبر مبلغا ؟
وتساؤل زكريا عليه السلام عن كيفية
وقوع هذه البشارة هل سيعود إلى شبابه هو
وزوجته ؟ أم سیعود له شبابه ویتزوج بامرأة
أخرى تكون ولودا، أم كيف تتمّ هذه البشارة
العجيبة.
قال الماوردي: ((ولم يقل ذلك عن شكِّ
بعد الوحي ولكن على وجه الاستخبار:
أتعیدنا شابین ؟ أو ترزقنا الولدشیخین؟)»(١).
وفي سورة مريم: ﴿قَالَ رَبٍّ أَنَّ يَكُونُ
لِ عُلَمٌ وَكَانَتِ آَمْرَأَتِ عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ
الْكِبَرِعِتِيًّا﴾ وقوله تعالى: ﴿عِنِيًّا﴾:
العتي هو النهاية في الكبر والييس، ﴿مِنَ
الْكِبَرِعِنِيًّا﴾ السن الذي تعتو فيه العظام
والمفاصل، أي : تییس وتجف وهو حال لا
سبیل إلى إصلاحها ومداواتها.
فاجتمع لديه ثلاثة موانع: كون امرأته
عاقرا منذ شبابها، و کونه قد بلغ من الکبر
عتيا، وكذلك زوجته، فلا سبيل لمداواة
(١) النكت والعيون، ٥٨/٢.
الشيخوخة.
جواب الحق جل وعلا عن تساؤل زكريا:
قال تعالى في سورة آل عمران : ﴿ قَالَ
رَبِّ أَّ يَكُونُ لِ عُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ
وَأَمْرَأَتِى عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ
٥)﴾ [آل عمران: ٤٠].
وقال عز وجل في سورة مريم : ﴿قَالَ
كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌّ وَقَدْ خَلَقْتُكَ
مِن قَبْلُ وَلَّمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ [مريم: ٩].
جاء الجواب الإلهي شافيا كافيا، فهذا
العطاء العجيب وهذه الآية الخارقة مندرجة
ضمن مشيئته جل وعلا، وهي أمرٌ هیّنٌّ یسیرٌ
أمام المولى القدير الذي نقلك من العدم إلى
الوجود.
قال الألوسي في تفسيره : ﴿قَالَ كَذَلِكَ
اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾، أي: يفعل الله ما يشاء
أن يفعله من الأفعال العجيبة الخارقة للعادة
فعلا مثل ذلك الفعل العجيب، والصنع
البديع الذي هو خلق الولد مع الحالة التي
يستبعد معها الخلق بحسب العادة)) (٢).
وفي التعبير باسم الجلالة ما يفيد الهيبة
والعظمة والروعة والإجلال.
وفي التعبير بوصف الربوبية في موضع
سورة مريم دلالة بالغة - الإظهار في
موضوع الإضمار، وهو ما يسمى عند
البلاغيين خلاف مقتضى الظاهر - لما في
(٢) روح المعاني، ١٥/٣.
www. modoee.com
١٠١

حرف الزاى
ذلك من إبراز جلال الربوبية في هذا المقام.
فالرب هو الخالق المدبر المصرف لشئون
خلقه، و کما خلق عز وجل عبده زکریا علیه
السلام من العدم فهو سبحانه قادر على أن
يرزقه الولد مع كبر السن وعقم الزوجة،
والرب هو القدير الذي لا يعجزه شيء ولا
يمتنع عليه شيء، وقدرة المولى عز وجل
قدرة مطلقة لا تحدها حدود، ولا تقيدها
قيود، وهذا الأمر يقع بتدبير الله تعالى
لزکریا، فلا يحتاج لطبيب أو لدواء، والرب
هو الرحيم اللطيف والاستجابة لدعاء زكريا
من لطف الله تعالی به ورحمته له، والربوبية
من التربية والرعاية وهذا المعنى في هذا
السیاق واضح جليٍّ.
وهذا الأمر الذي يتعجب منه زكريا عليه
السلام ويقف أمامه مشدوها ومبهورا، هو
أمر هیّن یسیر على الله عز وجل.
زكريا يطلب آية من الله عز وجل:
قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿ قَالَ
رَبِّ أَجْعَل ◌ِيّ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّتُكَلِمَ النَّاسَ
ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزَّا وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ
بَلْعَشِيِّ وَاَلْإِبْكَرِ ﴾ [آل عمران: ٤١].
وقال عز وجل في سورة مريم: ﴿قَالَ
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/ ٨٤.
جَوَنُور
الْقُرْآن الكَرِيمِ
رَبِّ اجْعَل ◌ِّ مَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ
النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِبًّا ن ◌َخْرَجَ عَلَى قَوْمِهِ.
مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً
وَعَشِيًّا ١﴾ [مريم: ١٠ - ١١].
طلب زكريا عليه السلام آية من المولى
عز وجل، علامة تدل على وقت حدوث
الحمل، ليس شكًا في هذه البشارة وإنما
شغفا ولهفة على معرفة وقت حدوث
الحمل، فتلك أعظم لحظات الفرح والبهجة
لمن طال انتظاره للولد، كذلك ليبادر إلى
شکر الواهب جل وعلا.
قال الماوردي: ((قوله عز وجل: ﴿قَالَ
رَبِّ أَجْعَل لّ ءَايَةٌ﴾، أي : علامة لوقت
الحمل ليتعجل السرور به)) (٢).
وفي روح البيان ((أي: علامة تدل على
تحقق المسئول أو وقوع الحبل، وإنما سألها
لأن العلوق أمر خفي لا یوقف علیه، فأراد أن
يطلعه الله عليه ليتلقى تلك النعمة الجليلة
قال الإمام القرطبي (( ... أي : كما خلقك
فهو القادر على خلق يحيى وإيجاده)) (١).
الله تعالى بعد العدم ولم تك شيئا موجودا منه حين حصولها بالشكر ولا يؤخره إلى أن
يظهره ظهورًا معتادًا) (٣).
قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿قَالَ
ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزَّاً
وَأَذْكُرُ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِّ وَاَلْإِبْكَرِ
١)﴾ [آل عمران: ٤١].
وفي سورة مريم يقول: ﴿قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّ
(٢) النكت والعيون، ٣١٤/١.
(٣) روح البيان، إسماعيل حقي ٣١/٢.
١٠٢

زكريا عليه السلام
تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا(
١٠].
[مريم:
١٠
أجاب المولى عز وجل زكريا عليه
السلام فيما طلبه، فأعطاه الآية الدالة على
وقوع الحمل وهذه الآية هي امتناعه عن
الكلام لمدة ثلاثة أيام بلياليهن، فلا يتكلم
إلا بالإشارة والإيماء.
قال الزمخشرى: ((قال: علامتك أن تمنع
الكلام فلا تطيقه وأنت سليم الجوارح سويّ
الخلق، ما بك خرس ولا بكم))(١).
ومنع زكريا عليه السلام من الكلام
لحكمة بليغة فللصمت فوائده العديدة،
ففيه راحة النفس، وهدوء البال، وسكينة
القلب، وانطلاق الفكر، وصفاء العقل، ومن
هنا فمنع زكريا عليه السلام من الكلام من
تمام نعمة الله علیه ورعايته له، كذلك إذا
كان الكلام نعمة عظيمة تدل على قدرة الله
تعالى كما قال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ
مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ نَنطِقُونَ ﴾ [الذاريات: ٢٣].
كذلك امتناع السليم من الكلام آية
عجيبة.
قال السعدي: (( ينحبس لسانك عن
كلامهم من غير آفة ولا سوء، فلا تقدر إلا
على الإشارة والرمز، وهذا آية عظيمة أن لا
تقدر على الكلام، وفيه مناسبة عجيبة، وهي
أنه کما یمنع نفوذ الأسباب مع وجودها،
(١) الكشاف، ٣/ ٧.
فإنه يوجدها بدون أسبابها ليدل ذلك أن
الأسباب كلها مندرجة في قضائه وقدره،
فامتنع من الكلام ثلاثة أيام، وأمره الله أن
يشكره ويكثر من ذكره بالعشي والإبكار،
حتى إذا خرج على قومه من المحراب
﴿فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُّكْرَةٌ وَعَشِيًّا﴾، أي:
أول النهار وآخره(٢).
ولصاحب الظلال في هذا المقام كلام
طيب ، حيث يقول رحمه الله بعد أن وضح
أن القدرة الإلهية لا تفرق بين هين وعسير،
أو بين مألوف وغريب فقدرته عز وجل
مطلقة من کل قید، ومنطلقة بلا حدّ: ((ولكن
زكريا لشدة لهفته على تحقق البشرى،
ولدهشة المفاجأة في نفسه راح يطلب إلى
ربه أن يجعل له علامة يسكن إليها: ﴿ قَالَ
رَبِّ أُجْعَل ◌َِّ ءَايَةٌ﴾ .. وهنا يوجهه الله
سبحانه إلى طريق الاطمئنان الحقيقي،
فيخرجه من مألوفه في ذات نفسه ... إن آيته
أن یحتبس لسانه ثلاثة أيام إذا هو توجه إلى
الناس، وأن ينطلق إذا توجه إلى ربه وحده
يذكره ويسبحه ﴿قَالَ ءَايَتُكَ أَلََّ تُكَلَّمَ
النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّاءٍ إِلَّ رَمْزًاً وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ كَثِيرًا
وَسَبْحْ بِالْعَشِّ وَاَلْإِبْكَرِ﴾ ... ويسكت
السیاق هنا، ونعرف أن هذا قد كان فعلا،
فإذا زكريا عليه السلام يجد في ذات نفسه
غير المألوف في حياته وحياة غيره ... ،
(٢) تيسير الكريم الرحمن ص ١٣.
www. modoee.com
١٠٣

حرفالرأى
لسانه هذا هو لسانه ولكنه يحتبس عن كلام عن سائر الكلام إلا الذكر، وتلك آية عجيبة،
كما يواصل دعوة قومه إلى ذكر الله عز وجل
وحین یمتنع عن الكلام فإن الإشارة توصل
إلى المطلوب، أشار إليهم أن يداوموا على
التسبيح في جميع الأوقات.
الناس، وينطلق لمناجاة ربه ... أي قانون
يحكم هذه الظاهرة ؟ إنه قانون الطلاقة
الكاملة للمشيئة العلوية ... فبدونه لا يمكن
تفسير هذه الغريبة .. كذلك رز قه بیحیی وقد
بلغه الكبر وامرأته عاقر !!! )) (١).
ماذا فعل زكريا في هذه الأيام الثلاث ؟
قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿قَالَ
ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزَّا
وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبْحْ بِالْعَشِّ وَاَلْإِبْكَرِ
[آل عمران: ٤١].
وفي سورة مريم يقول عز وجل : ﴿فَرَجَ
عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِحُواْ
بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٢﴾ [مريم: ١١].
رغم منع زكريا عليه السلام من الكلام
إلا أنه یواصل ذكر الله عز وجل ویأمر الناس
به حیث یشیر إليهم بما یفهم منه دوام الذكر،
وزکریا علیه السلام أنعم الله عليه بالصمت،
وفي الصمت فكرة وعبرة كما أنعم الله
عليه بتوفيقه إلى الذكر فاجتمع له الذكر مع
الفكر، والذكر من أسنى المقامات ومن أجل
القربات ومن أفضل الأعمال ومن أسمى
الأحوال. والذکر مطلوب في كل حال حتى
يصير المؤمن على صلة بالله عز وجل،
وزکریا علیه السلام یواصل ذكر الله حتى
وهو ممنوع عن الكلام، حيث يحتبس لسانه
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٩٥/١.
١٠٤
جَوَبُور
القرآن الكريمِ

زكريا عليه السلام
عائلة زكريا عليه السلام
زكريا عليه السلام هو زوج أخت مريم،
وهو نبي من أنبياء بني إسرائيل ، يرجع نسبه
إلى سليمان بن داوود ، ومنه إلى إبراهيم
عليه السلام، فهو من نسل طاهر ومن أصل
کریم.
وامرأته زوجة صالحة صابرة، ابتلاها
المولى عز وجل بالعقم، فأسلمت أمرها
لله ورضيت بقضاء الله، وعاشت مع
زوجها حياة حافلةً بالإقبال على الطاعات
والمسارعة للخيرات، ولقد أثنى المولى عز
وجل في كتابه الكريم على زكريا وزوجته
وولده یحیی.
فقال سبحانه: ﴿وَزَكَرِيَّ إِذْ نَادَى
رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِنَ
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ, وَوَهَبْنَا لَهُ, يَحْبَى
٨٩
وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُمَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ
يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
وَرَهَبَّ وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ ﴾
[الأنبياء: ٨٩ - ٩٠].
ولقد استجاب الله دعاء زكريا عليه
السلام، وأصلح له زوجه، بأن جعلها صالحة
للحمل والولادة بعد أن كانت عقيما، وبأن
زادها صلاحا علی صلاح ، ورزقهما بیحیی
عليه السلام، الذي ورث النبوة والصلاح
عن أبويه، وكان بارًّا بهما محسنًا إليهما.
ومن الناس من يقول بأنه كانت سيئة
الخلق بذيئةً فأصلحها الله تعالى ، وهذا
يتعارض مع الآية السابقة التي وصفت زكريا
وابنه يحيى وزوجه بالمسارعة للخيرات
والمداومة على الدعاء راغبين راهبين،
وملازمة الخشوع.
قال الرازي: ((وفي تفسير قوله:
﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ, زَوْجَدُ﴾: ثلاثة أقوال:
أحدها: أصلحها للولادة بأن أزال عنها
المانع بالعادة، وهذا أليق بالقصة. والثاني:
أنه أصلحها في أخلاقها وقد كانت على
طريقة من سوء الخلق وسلاطة اللسان
تؤذيه وجعل ذلك من نعمه عليه. والثالث:
أنه سبحانه جعلها مصلحة في الدين، فإن
صلاحها في الدين من أكبر أعوانه في كونه
داعيًا إلى الله تعالى فكأنه عليه السلام سأل
ربه المعونة على الدين والدنيا بالولد والأهل
جميعًا. وهذا كأنه أقرب إلى الظاهر لأنه إذا
قیل: أصلح الله فلانًا فالأظهر فيه ما يتصل
بالدين)) (١)
وابنه نبي الله يحيى عليه السلام وهبه
الله إياه على الكبر، ونشأ في بيت صلاح
وطاعة، وقرأ التوراة وأخذ بأحكامها، وآتاه
الله الحكم والنبوة، ودعا إلى ربّه حتى قتله
اليهود.
وقد وصفه الله تعالى بأوصاف تدل على
(١) مفاتيح الغيب، ٢٢/ ١٨٣.
www. modoee.com
١٠٥

حرف الرأى
فضله ومكانته.
وصفه بأنه سید وحصور ووهبه النبوة
والصلاح قال تعالى عنه: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ
اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
[آل عمران: ٣٩].
وقال تعالى في سورة مريم عنه: ﴿بَيَحْىَ
◌ُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
وَحَنَانًا مِّن لَّكُنَّا وَزَكَوَةٌ وَكَانَ تَقِيًّا وَبَرًّا
بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ، وَسَلَمُ عَلَيْهِ
يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ))
[مريم: ١٢ - ١٥].
أمر إلهي ليحيى عليه السلام أن يأخذ
التوراة مأخذ الجد في العلم بها، وفي فهمها
وفي العمل بها ودعوة الناس إلى الأخذ بها.
قال ابن كثير: ((أي: تعلم الكتاب بقوة
أي: بجد واجتهاد وحرص)) (١).
﴿وَءَانَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا ﴾: قال ابن جرير:
(أعطاه الله الفهم لكتابه في حال صباه قبل
بلوغه سن الرجال» (٢)
وقال ابن كثير: «أي :الفهم والعلم والجد
والعزم والإقبال على الخير ... والاجتهاد فيه
وهو صغير حدث)) (٣).
فالحكم: هو العلم والفهم والجد
والعزم، والمعرفة بالأحكام، وفهم التوراة
والحكمة.
(١) تفسير القرآن العظيم ١١٣/٣.
(٢) جامع البيان ١٨/ ١٥٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ١١٣/٣ بتصرف.
جوب
القرآن الكريمِ
﴿وَحَنَانًا﴾ عطف على الحكم ،
أي: وآتيناه الحكم وحنانا، والتنوين للتعظيم
والتفخيم، والحنان: الرفق واللين والشوق
والعطف، ولقد ملأ الله قلب یحیی بالحنان
لأبويه ولغيرهما، فکان برا بأبويه ورحیما
بالناس.
﴿وَزَكَوَةٌ﴾: ((وآتاه الطهارة والعفة ونظافة
القلب والطبع، يواجه بها أدران القلوب
ودنس النفوس فيطهرها ویزکیها)) (٤)
﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ مطيعًا لله عز وجل،
يمتثل ما أمره به ویجتنب ما نهى عنه، ﴿رَبَبًّا
بِوَلِدَيْهِ﴾: محافظا على البر لهما والإحسان
إليهما، ﴿وَلَمْيَكُنْ جَبَّارًاعَصِيًّا﴾: «ولم یکن
متکبرًا متعالیًا عن قبول الحق والإذعان له،
أو متطاولًا على الخلق، وقيل: الجبار هو
الذي لا یری لأحد علیه حقًّا» (٥).
﴿وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ
حَيًّا﴾: «سلم الله تعالى على يحيى وحياه
في المواطن التي يكون الإنسان فيها في
غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر
إلى الله تعالى عظيم الحول)» (٦).
(٤) في ظلال القرآن ، سيد قطب ٢٣/٤.
(٥) روح المعاني، الألوسي ٧٣/١٦.
(٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨٨/١١.
١٠٦