النص المفهرس
صفحات 41-49
الزكاة مائة من الإبل (١)، وقال صلى الله عليه وسلم ( ... إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه؛ مخافة أن یکبّ الله على وجهه في النار)(٢)، وأيضًا لما يتعرض له هؤلاء من التضييق عليهم في معاشهم وأرزاقهم من ذويهم، و کثیرًا ما یحاربون من أهل دینهم وعشیرتهم، فهؤلاء أولى بالعطاء تشجيعًا لهم، وتثبيتًا لهم على الإسلام (٣). ٤. نوع من سادات المسلمين أقوياء الإيمان، لا يحتاجون في أنفسهم للتأليف، ولكن لهم نظراء من الكفار، فإن أعطى هؤلاء السادة المسلمون رجي إسلام نظرائهم، ويستدل لهذا بإعطاء أبي بكر الصديق - رضي الله عنه- الزبرقان بن بدر، وعدي بن حاتم الطائي مع حسن إسلامهم (٤). ٥. نوع من السادة والزعماء ضعاف الإیمان، فهؤلاء يعطون لتقوية إيمانهم وتثبيتهم على الإسلام، ومن هؤلاء النوع كبار كفار قريش الذين أسلموا في فتح مكة، واشتركوا مع المسلمين في (١) انظر: سبل الهدى والرشاد، الصالحي ١٧٩/٥. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ، رقم ١٤٧٨. (٣) فقه الزكاة، القرضاوي ٢/ ٦٦. (٤) جامع البيان، الطبري ١٤/ ١١٤. غزوة حنين، فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم من غنائم هوازن وثقيف مما كان سببًا في تقوية إسلامهم (٥). هل سهم المؤلفة قلوبهم باقٍ أم سقط؟ اختلف الفقهاء هل سقط سهمهم بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم أم أنه باق حتى يومنا هذا؟ على قولين: القول الأول: أن سهمهم قد سقط بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم واعتزاز الإسلام، ولا حاجة في تأليفهم. وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعي في أحد قولیه، وهو مروي عن الشعبي. القول الثاني: أن سهمهم باق ولم يسقط. قاله الزهري، والشافعي في قول، والحنابلة، والحسن البصري (٦). والذي تطمئن إليه النفس في العصر الحاضر أن سهم هؤلاء باق، حیث وجدت احتياجات عصرية تدخل تحت هذا الصنف بيانها بإيجاز على النحو الآتي: أولًا: مساعدة الهيئات والجمعيات التي تهتم بالمسلمين الجدد: من المعروف أن الذين يدخلون في الإسلام حديثًا يلاقون تضييقًا من عشيرتهم وذويهم، ومحاربتهم بكل الوسائل لإجبارهم على ترك الإسلام، والرجوع إلى دينهم الأصلي، هؤلاء (٥) المجموع، النووي ٦/ ١٨٠. (٦) انظر: معاني القرآن، النحاس ٢٤/٣، بدائع الصنائع، الكاساني ٢/ ٤٥. www. modoee.com ٧٧ حرف الرأى المسلمون الجدد في أمس الحاجة إلى من يقف بجانبهم، ويأخذ بأيديهم؛ ليثبتوا على الإسلام، ولا يستجيبوا للضغوطات التي تمارس عليهم، لا سيما في البلاد الواقعة في جنوب شرق آسيا كماليزيا، وأندونيسا، وتايلاند، حيث تحتدم الحرب بين الإرساليات التبشيرية بكل ما تملكه من إمكانيات جبارة، والجمعيات الخيرية الإسلامية التي ينقصها الدعم الكافي من جانب الحكومات الإسلامية، والتي تهتم بهؤلاء المسلمين الجدد. وقد جاء في قرار الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة: ((إيجاد المؤسسات العلمية والاجتماعية لرعاية من دخل في دين الله، وتثبيت قلبه على الإسلام، وكل ما يمكنه من إيجاد المناخ المناسب معنويًا وماديًا لحياته الجديدة)»(١). ثانيًا: مساعدة رؤساء الدول الفقيرة غير الإسلامية: يجوز دفع سهم المؤلفة قلوبهم لرؤساء الدول الفقيرة؛ لأن إسلامهم یؤدي لإسلام كثير من رعاياهم بما لهم من نفوذ، والدلائل التاريخية تؤكد صدق هذا، فالإسلام قد دخل في بعض الدول عن طريق إسلام ملوكها ورؤسائها وأهل النفوذ فيها، مثل : ماليزيا وإندونيسيا وغيرهما، وجاء في (١) انظر: فقه الزكاة، القرضاوي ٦١/٢، تأليف القلوب على الإسلام، الأشقر ص ٨٠. قرار الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة: «تأليف من يرجى إسلامه، وبخاصة أهل الرأي والنفوذ، ممن یظن أن له دورًا كبيرًا في تحقيق ما فيه صلاح المسلمين)) (٢). ثالثًا: الصرف في مواجهة الحملات الدعائية التي تعمل على تشويه الإسلام: ذهب بعض المعاصرين إلى جواز صرف سهم المؤلفة قلوبهم في رد طغيان الدول المسيحية الطامحة في هدم الإسلام والمسلمين عن طريق ذمم بعض الكتاب المسلمين للنيل من الإسلام (٣). ٥. الرقاب. الرقاب، هم الصنف الخامس من المستحقين للزكاة، وللعلماء في المقصود بهذا الصنف أقوال: القول الأول: أن المراد به شراء العبيد وإعتاقهم من مال الزكاة، وهذا رأي كثير من العلماء والمفسرين (٤). القول الثاني: أنه ليس المراد به العبد الكامل، بل المراد المكاتب يعطى من مال الزكاة لیستکمل حریته (٥). هذا وقد روي عن عمر بن عبد العزيز (٢) الندوة الثانية، ندوات قضايا الزكاة المعاصرة، الكویت، ١٩٨٩م. (٣) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ١٠/ ٥٧٤. (٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٥٥/٣، الکشاف، الزمخشري ٢/ ٢٧٠. (٥) انظر: الكشاف ٢/ ٢٧٠. ٧٨ القرآن الكريم الزكاة رضي الله عنه والزهري القولان: حيث توضع فيهم الصدقات، وجعله مظنّة لها ومصبًّا)) (٤). قالا: سهم الرقاب نصفان، نصف لکل مكاتب ممن يدعي الإسلام، والنصف الباقي يشترى به رقاب ممن صلى وصام وقدم إسلامه من ذكر أو أنثى يعتقون لله (١). القول الثالث: أن المراد به فكاك الأسرى، وهو مذهب أبي حنيفة وبعض المالكية (٢). من لطائف التفسير في الآية: من بلاغة القرآن في الآية الكريمة أن الله تعالى ذكر الأصناف الأربعة الأولى بحرف الجر (اللام)، وبعد ذلك عدل عن حرف اللام إلى حرف (في)، وقد استنبط المفسرون من ذلك نكتًا وفوائد بلاغية منها: أولًا: ما قاله ابن عادل الدمشقي: ((إن الأصناف الأربعة يدفع إليهم نصيبهم. وأما الباقون فيصرف نصيبهم في المصالح المتعلقة بهم لا إليهم)»(٣). ثانيًا: ما قاله الزمخشري: ((فإن قلت: لم عدل عن اللّم إلى ((في)) في الأربعة الأخيرة؟ قلت: للإيذان بأنّهم أرسخ في استحقاق التصدّق علیهم ممّن سبق ذكره؛ لأنّ ((في)) للوعاء، فنبّه على أنهم أحقاء بأن (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٥٥/٣، الكشاف، الزمخشري ٢/ ٢٧٠، البحر المحيط ٦١/٥. (٢) انظر: البحر المحيط، ابو حيان ٦١/٥، المبسوط، السرخسي ٢٩٥/٢. (٣) اللباب في علوم الكتاب ١٢٦/١٠. ثالثًا: ما قاله القرافي: «اجتمع فيه (أي: في الرقاب) العرف الشرعي واللغة، أما العرف فلأنه تعالى أطلق الرقبة في الظهار والقتل، ولم يرد بها إلا الرقيق الكامل الرق والذات، وأما اللغة فإن الرقبة تصدق لغة على الأحرار والعبید ومن کمل ومن نقص، فالمشهور تقديم العرف الشرعي، وهو المشهور في أصول الفقه بأنه ناسخ للغة، ومن لاحظ اللغة لكونها الحقيقة وغيرها مجاز أجاز المكاتب والمدبر والمعيب والأسير، وإن كان الولاء له دون المسلمين، فلأن مقصود الزكاة شكر النعمة وسدّ الخلة؛ وهذا حاصل)» (٥). صنف الرقاب ومواضعه في القرآن الكريم: اهتم الإسلام اهتمامًا كبيرًا بتحرير العبد من رق العبودية، سواء كانت عبودیة کاملة، أو ناقصة کالمکاتب ونحوه؛ ولهذا وردت آيات كثيرة تحض على فك الرقاب في الكفّارات وغيرها، وهذا ما نورده إجمالا على النحو الآتي: في كفارة القتل الخطأ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأْ (٤) الكشاف ٢/ ٢٧٠. (٥) الذخيرة ١٤٧/٣. www. modoee.com ٧٩ حرف الزاى وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطًَا فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. وفي كفارة اليمين، قال الله تعالى: فَكَفَّرَتُهُ: إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْكِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِبُرُ رَقَّبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. وفي كفارة الظهار، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنْ نِسَبِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَا ذَلِكُوْ تُوعَفُونَ بِهِ، وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ٣]. وفي التصدق والعطاء، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ أَلْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ اُلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِلَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبْنَ وَءَاتَ الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآِينَ وَفِىِ الْرِقَّابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وفي التصدق والعطاء أيضًا قال الله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَّبَةٍ﴾ [البلد: ١٣]. وهذه المواطن السابق ذكرها تبيّن مدى حرص الإسلام على هذا الصنف من أصناف الاحتياجات. ٦. الغارمون. الغرم في اللغة معناه لزوم ما يشق على النفس، والغارم هو: الذي عليه دين يعجز عن سداده، ویشمل أصنافًا شتی استنادًا لما روي عن السلف. فقد روي عن مجاهد في قوله: ﴿وَالْغَرِمِينَ﴾ قال: ((ثلاثةٌ من الغارمين: رجلٌ ذهب السّيل بماله، ورجلٌ أصابه حريقٌ فذهب بماله، ورجلٌ له عيالٌ وليس له مالٌ، فهو يدّان وينفق على عياله))(١). وروي عن مقاتل في قوله: ﴿وَالْغَرِمِينَ﴾ قال: «هو الذي يسأل في دم أو جائحة تصیبه))(٢). ونحوه قاله الشافعي رحمه الله: ((من تحمّل غرامة في إصلاح ذات البين وإطفاء الثائرة بين القبيلتين)). ويشترط فيه أن يكون مسلمًا، استدان في غير سرف ولا فساد أو معصية، ولا يستطيع قضاء دينه (٣). قال ابن عادل الدمشقي: ((الدّين إن حصل بسبب معصيةٍ لا يدخل في الآية؛ لأنّ المقصود من صرف المال إليه الإعانة، والمعصية لا تستوجب الإعانة، وإن حصل لا بسبب معصية فهو قسمان: دینٌ حصل بسبب نفقات ضرورية أو في مصلحة، ودین (١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الزكاة، باب ما قالوا في الغارمين، ٢٠٧/٣، رقم ١٠٧٦٣. (٢) الدر المنثور، السيوطي ٢٢٥/٤. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨١/٨، البحر المديد، ابن عجيبة ١٢١/٣. وانظر: المبسوط، السرخسي ١٦/٣، الذخيرة، القرافي ١٤٧/٣-١٤٨، المغني، ابن قدامة ٧ /٣٢٤. ٨٠ جَوَسُوع القرآن الكريم الزكاة بسبب حمالات وإصلاح ذات بين، فيدخل بالغارمين مبسوطة في مواضعها، لا يتسع في الآية)) (١). روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: (أصيب رجلٌ في عهد رسول الله صلی الله عليه وسلم في ثمارٍ ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (تصدّقوا عليه). فتصدّق النّاس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لغرمائه: (خذوا ما وجدتم وليس لكم إلاّ ذلك)(٢). وذكر الماوردى أن الغارمين صنفان، صنف منهم استدانوا فى مصالح أنفسهم فيدفع إليهم مع الفقر دون الغنى ما يقضون به ديونهم، وصنف منهم استدانوا فى مصالح المسلمين فيدفع إليهم مع الفقر والغنى قدر دیونهم من غیر فضل (٣). وفي الآية لمحة بيانية رائعة، وهي أن الله تعالى قال: ﴿وَالْغَرِمِينَ﴾ فكأنه قال: (الصدقات في الغارمين) ولم يقل: ((الغارمين)»، وعليه فالغارم لا يشترط تمليكه ويجوز الوفاء عنه، وهذا ما اختاره وأفتى به الإمام ابن تيمية (٤). هذا وللفقهاء تفصيل في مسائل تتعلق (١) اللباب في علوم الكتاب ١٢٦/١٠. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب استحاب الوضع من الدين، رقم ١٥٥٦. (٣) الأحكام السلطانية، الماوردي ص١٣٢. (٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٥/ ٨٠. المقام لذكرها، مثل: هل يرجع المدين ما أخذه من الزكاة إذا استغنی بعد ذلك؟ وهل يسدد منها دين الميت أم لا؟. ٧. في سبيل الله. مصرف ((في سبيل الله)) أحد مصارف الزكاة التي توسع الفقهاء في معناها، وما يشتمل عليه من أعمال الجهاد وغيرها، وما يشترط فيه مثل اشتراط كونه فقيرًا ليأخذ سهمًا من الزكاة من عدمه الخ ... الأحكام المتعلقة به. ولكن الذي يعنينا من هذه المسائل ثلاثة أمور: الأمر الأول: التوسع في مفهوم مصرف ((في سبيل الله)) باعتبار الأشخاص: أكثر العلماء على أن ((في سبيل الله)» يقصد به الغزاة والمرابطون، فيعطوا من الزكاة حتی ولو کانوا أغنياء، ویشتری منها آلات الجهاد (٥). وهناك رأي ثانٍ لبعض الصحابة والتابعين والفقهاء أدخلوا فيه الحجّاج بناء على تعدد سبل الخير وشموليتها لأكثر من جهة، ومن هؤلاء : ابن عمر رضي الله عنهما ، ومحمد بن الحسن من الحنفية، وأحمد بن حنبل في رواية، وإسحاق بن راهويه، والرازي (٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨/ ١٨٥، أحكام القرآن، الجصاص ٣٢٩/٤. www. modoee.com ٨١ حرفالناى وغيرهم(١). أولًا: المجندين في الجيوش النظامية في وبناء على الرأي الثاني، فيمكن أن يتسع بعض البلاد الفقيرة، التي يعاني المجندون فيها من نقص في الموارد والإمكانيات. نطاق هذا المصرف ليشمل الجهاد وغيره من أعمال الخير، العائد نفعها على الأمة أو الفرد. الأمر الثاني: التوسع في مفهومه المقتصر على المجاهدين، بحيث يشمل أمورًا كثيرةً من أمور الجهاد: أدخل بعض العلماء كثيرًا من أعمال من وسائل الإعانة لهم تحت بند (في سبيل الجهاد تحت مصرف ((في سبيل الله» مثل: شراء السلاح، وإقامة المنشآت العسكرية(٢). فذكر الكاساني أن الغازي يعطى من الزكاة إذا كان فقيرًا، وكذا إذا كان غنيًا ثم عرضت له حاجة، وخرج للغزو، فيعطى منها ما يشتري به آلات الحرب ومركب الحرب، بل وخادم يعينه في الحرب (٣). قلت: وعلى الرغم من وجود الخلاف في هذه المسألة واختيار أكثر العلماء لتفسيره بالغزاة والمرابطين، وما يتعلق بشئون الجهاد، فإن هذا المصرف یمکن أن یشمل هذه الفئات باعتبارهم من المجاهدين: (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٧١/٢، زاد المسير، ابن الجوزي ٤٥٨/٣، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨٥/٨، أحكام القرآن، الجصاص ٣٢٩/٤. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨٥/٨. (٣) انظر: بدائع الصنائع، الكاساني ٤٥/٢. ثانيًا: الجيوش الحرة (الأفراد والمجموعات) التي تتشكّل في بعض الدول التي تعاني اضطهادًا أو قمعًا من حكّامها الطغاة، فهذه الجيوش في أمسّ الحاجة للمعونة المالية، والزكاة وسيلة مثلى الله). ثالثًا: الشعوب المضطهدة من الاحتلال کالشعب الفلسطيني، سواء كان في مرحلة جهاد مفاجيء كما في حالات الغارات الإسرائيلية عليهم، أو جهاد دائم بوقوعهم تحت نير الاحتلال الغاشم. رابعًا: الأقليات المسلمة التي تعاني اضطهادًا في دول معينة من قبل كفار تلك الدولة، ولا توفّر لهم حكوماتهم حماية ولا مساندة ، كما هو الحال في مسلمي بورما، وكشمير، وبنجلاديش، والبوسنة ، والهرسك وغيرها من المناطق. خامسًا: المرابطين في الثغور إذا كانت حالتهم المادية فقيرة ، فيشمل ذلك قوات حرس الحدود والموانيء ونحوها من المنافذ البرية والبحرية للدولة، لاسيما التي في اتجاه عدو ظاهر أو مشهور بعدائه للمسلمين. ٨٢ جَوَبُور لِلْقُرآن الكَرِيمِ الزكاة ویمکن أن یشمل من أمور الجهاد ما يلي: ● الإنفاق على التسليح لفئات الجهاد المختلفة، فيشمل شراء الأسلحة وتطويرها وإصلاحها. الإنفاق على الأعمال المعاونة للجهاد، كالأعمال الاستخباراتية من مراقبة العدو، ورصد تحركاته. * عمل المنشآت العسكرية من حفر الخنادق، وإنشاء النقاط الحصينة، وبناء المساكن. دفع أموال لصد العدوان عن ديار الله)). المسلمين، سواء كان الدفع لمن يخذّل العدو عن المسلمين أو يعرقل سیرهم نحو ديار المسلمين، أو كان الدفع لصنف من الأعداء لا ینگّف إلا بذلك(١). ویؤیدهذا ما ذکرهشراح متن (خلیل) من المالكية من أن الزكاة يعطى منها المجاهد والمرابط وما يلزمهما من آلة الجهاد، بأن يشتري منها سلاحًا أو خيلاً لینازل عليها، ويأخذ المجاهد من الزكاة ولو كان غنيًا؛ لأن أخذه بوصف الجهاد لا بوصف الفقر، ويعطى منها جاسوس يرسل للاطلاع على عورات العدو ويعلمنا بها، ولو كان كافرًا(٢). (١) انظر: الذخيرة، القرافي ١٤٨/٣، الشرح الكبير، الدردير ١/ ٤٩٧. (٢) الشرح الكبير، الدردير ٤٩٧/١، ويرى ابن الأمر الثالث: التوسع في مفهومه باعتبار الأفعال والقربات: توسع بعض العلماء في مفهوم ((في سبيل الله)) كثيرًا؛ فأدخل تحته كل أنواع القربات، کما فعله الكاساني الحنفي، حیث قال: ((ويدخل فيه كل من سعى في طاعة الله وفي سبيل الخيرات إذا كان محتاجًا))(٣). وبناء على هذا التوسع في المفهوم؛ فإنه ينبغى إدخال أسر المجاهدين وذويهم، باعتبار ذلك ذا صلة مباشرة بأعمال الجهاد من ناحية، فلا يخرج عن إطار ((في سبيل ویمکن الاستناد في هذا إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله علیه وسلم قال: (من جهّز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في أهله بخير فقد غزا)(٤). ومن ناحية أخرى إذا وجد فيهم وصف الفقر أو المسكنة فقد دخلوا في أصناف أخرى من مصارف الزكاة. ٨. ابن السبيل. اختلف في المقصود بابن السبيل في بشير المالكي عدم صرف الزكاة في بناء الأسوار والسفن التي تستخدم في أعمال الجهاد. (٣) بدائع الصنائع ٤٥/٢. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله، رقم ١٨٩٥. www. modoee.com ٨٣ حرف الراى مصارف الزكاة، على أقوال: أولًا: أنه المسافر الغريب أو عابر الطريق، الذي انقطعت به النفقة، وسمي بذلك كأن الطريق ولدته (١). ثانيًا: أن المراد به الضيف، أو المسافر الذي يمر بحي من الأحياء، حیث یجب إكرامه (٢). ورود ذكر ابن السبيل في القرآن: ورد ذكر ابن السبيل على اختلاف تفسيره في المواضع الآتية من كتاب الله تعالى: في آية خصال البر، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّأَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِلَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّيْنَ وَءَاتَى أُلْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْفَ وَالْيَتَعَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ} [البقرة: ١٧٧ ]. وفي آية النفقة: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَّ قُلْ مَّآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْبَى وَالْسَلِكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلُ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥]. وفي الوصية بذوي الحاجات والقربى والجيران في سورة النساء، قال تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَا وَبِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَاَلْمَسَكِينِ (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٤٤/١، البحر المديد ١/ ٠١٢١/٣،٢١٩ (٢) انظر: المصادر السابقة. وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصََّاحِبِ بِالْجَنَِّ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًاً فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]. وفي توزيع الغنائم في سورة الأنفال، -قال تعالى -: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَى وَاَلْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]. وفي آية مصارف الزكاة التي نحن بصددها في سورة التوبة. وفي الوصية بإعطاء الحقوق لأصحابها في سورة الإسراء، قال تعالى: ﴿ وَمَاتِ ذَا اُلْقُرْبَ حَقَّهُ وَاُلْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: وفي الوصية بإعطاء الحقوق لأصحابها لا سيما ذوي الحاجات من هم في سورة الروم، قال الله تعالى: ﴿فَشَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ، وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَحْهَ اَللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم: ٣٨]. وفي تقسيم الفيء، في سورة الحشر، قال تعالى: ﴿مَّ أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى قَلِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْبَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَآَبْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]. ومن مجمل هذه الآيات يتبيّن لنا مدى حرص القرآن الكريم على ابن السبيل، وضرورة تحقيق النفع له بوجوه شتى، هي: ٨٤ جَوَسُوع القرآن الكريمِ الزكاة إعطاؤه من الزكاة بالبلد التي مر بها على التفصيل المعروف في الفقه. إيفاؤه حقه من الضيافة ونحوها، كتقديم العون والمساعدة له، ودفع الضرر عنه. استحقاقه من الغنيمة والفيء. ضرروة النفقة عليه والتصدق. الإحسان إليه بكل وجوه الإحسان؛ لما في ذلك من البر. وبعد ... فقد رأينا خلال هذه الصفحات القليلة كيف اهتم القرآن الكريم بشأن الزكاة وأعلى قدرها، وحث عليها، وبيّن منزلتها، ومنزلة من يؤديها ويحافظ عليها، وبيّن عاقبة وسوء خاتمة من يمنعها أو يبخل بها، وبسط الكلام عن فضائلها وأحكامها. وما ذلك إلا ترغيبًا في الزكاة، وترهيبًا من إهمالها والضنّ بها، وصدق الله العظيم حيث يقول في كتابه العزيز مبيّنًا أن الزكاة من أسباب الفلاح في الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَلَّذِينَ هُمْ لِلرَّكَوَةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٤]. موضوعات ذات صلة: الأجل، الاقتصاد، الإنفاق، البخل، البركة، التزكية، الرزق، السر، السعة، الكسب، المال www. modoee.com ٨٥