النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الَّا عناصر الموضوع مفهوم الزنا ١١٤ الزنا في الاستعمال القرآني ١١٥ الألفاظ ذات الصلة ١١٦ حكمة تحريم الزنا ١١٨ أسباب الوقوع في الزنا ١٢٢ الوسائل الوقائية من الوقوع في الزنا ١٢٦ أساليب القرآن في النهي عن الزنا ١٣٧ أثر شيوع الزنا على الفرد والمجتمع ١٤٤ ١٤٩ الإعجاز التشريعي في تحريم الزنا المُجَلَّدَ السَّابِعْ عَشَرِ حرف الزاى مفهوم الزنا أولًا: المعنى اللغوي: تطلق مادة (ز ن ي) على معانٍ مختلفة غير متداخلة (١). وأشهر معانيها الفاحشة المعروفة، والزّنا يمدّ ويقصر، يقال: زنى يزني زنًّا وزناءً، والنسبة إلى المقصور زِنَوِيٌّ، وإلى الممدود زِنائِيٌّ. والمرأة تزاني مزاناةً وزناء أي: تباغي(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: هو الوطء في قبلٍ خالٍ عن ملكِ وشبهٍ (٣)، أو من غير نكاح ولا شبهة نكاح(٤)، أو إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعًا محرم قطعًا(٥). ويعرّفه القرطبي فيقول: ((هو اسم لوطء الرّجل امرأةً في فرجها من غير نكاحٍ ولا شبهة نكاح بمطاوعتها. أو: هو إدخال فرج في فرج مشتهى طبعًا محرّمٍ شرعًا، فإذا كان ذلك وجب الحد)) (٦). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٦/٣. (٢) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٣٦٩/٦. (٣) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ١١٥. (٤) انظر: الهداية في شرح بداية المبتدي، المرغيناني ٢/ ٤٣٣. (٥) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٠٣/٢٣. (٦) الجامع لأحكام القرآن ١٥٩/١٢. ١١٤ ◌َهُ النَّهِيَة القرآن الكريم الرضا الزنا في الاستعمال القرآني وردت مادة (زني) في القرآن الكريم (٩) مرات (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل المضارع ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلََّّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ ٢ [الفرقان: ٦٨] وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّفَ إِنَّهُ, كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا ٣٢ المصدر ١ [الإسراء: ٣٢] اسم الفاعل ٦ ﴿الَِّيَةُ وَلَِّ فَأَجْلِدُ واْ كُلَّ وَحِنْهُمَا مِْتَّةَ جَلْدَةِ﴾ [النور: ٢] وجاء الزنا في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي والشرعي، وهو: وطء المرأة من غير عقدٍ شرعيٍّ وملك يمينٍ(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، ص٦٠٣. (٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ١٣٨/٣. www. modoee.com ١١٥ حرفالزاى الألفاظ ذات الصلة ١ البغاء: البغاء لغةً: مصدر بغت المرأة بغاء: زنت، والبغاء جمع بغي، ولا يقال بغية، وبغت الأمة: عهرت وزنت، أو فجرت، وقيل: البغيّ: الأمة، فاجرة كانت أو غير فاجرة، وقيل: البغيّ أيضًا: الفاجرة، حرة كانت أو أمة، وقال الأزهريّ: ومعنى البغي قصد الفساد (١). البغاء اصطلاحًا: ((وهو الزنا)) (٢)، أو ((هو طلب المرأة للزنا)) (٣) أو ((الفجور)) (٤). الصلة بين البغاء والزنا: البغاء وقوع في فاحشة الزنا، والزنا من الفجور(٥). العفة: ٢ العفّة لغةً: قال ابن منظور ((العفّة: الكفّ عما لا يحلّ ويجمل))(٦). العفة اصطلاحًا: قال الراغب: ((العفة حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، والمتعفف المتعاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر»(٧). الصلة بين العفّة والزنا: العفّة عن الزنا: هو ألا يكون قد وطء في عمره وطًا حرامًا، في غیر ملك، ولا نكاح أصلًا، ولا في نكاح فاسد فسادًا مجمعًا عليه في عهد السلف(٨). (١) انظر: غريب الحديث، إبراهيم الحربي ٦٠٤/٢. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧٤/١٩، التفسير الوسيط، الواحدي ٣١٩/٣. (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ٢٣٢. (٤) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٠/ ٥١٩٠. (٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣٢/٢. (٦) لسان العرب، ٩/ ٢٥٣. (٧) المفردات، ص٤٤٠. (٨) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، الزحيلي ٧/ ٥٤٠٧. ١١٦ القُرآن الكَرِيمِ العا الزواج: ٣ الزواج لغةً: (زوج) الزّاء والواو والجيم أصلٌ يدلّ على مقارنة شيءٍ لشيءٍ، من ذلك الزّوج زوج المرأة، والمرأة زوج بعلها، وهو الفصيح، ويقال: لفلانٍ زوجان من الحمام، يعني ذكرًا وأنثى(١). الزواج اصطلاحًا: هو عقد يقصد به حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر وائتناسه به طلبًا للنسل على الوجه المشروع، أو هو عقد يرد على ملك المتعة قصدًا (٢)، أو هو عقد يفيد حل استمتاع كل من العاقدين بالآخر على الوجه المشروع (٣). الصلة بين الزنا والزواج: قال الشافعي رحمه الله: (ووجدت الله تعالی حرم الزنا))، فقال المحاور: أجد جماعًا وجماعًا، فأقيس أحد الجماعين بالآخر، فقال الشافعي: ((فقد وجدت جماعًا حلالا حمدت به، ووجدت جماعًا حرامًا رجمت به»(٤)، فالزواج جماع یحمد الإنسان ويؤجر به، والزنا جماع یجلد أو پرجم به. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٥/٣. (٢) انظر: كنز الدقائق، النسفي ١٧٤/٢ مع شرحه النهر الفائق. (٣) انظر: الأحوال الشخصية، أبو زهرة ص١٧. (٤) انظر: الواضح في أصول الفقه، ابن عقيل ٢٨٤/٢. www. modoee.com ١١٧ حرف الرأى حكمة تحريم الزنا حرّم الله الزنى لعظيم ما فيه من المفاسد والشرور، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ, كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا ٣٢ [الإسراء: ٣٢]. فهو اعتداء على أعراض المسلمين، حیث یفسد نساء المسلمين ورجالاتهم، إذ إنه من أعظم الذنوب التي تفسد المجتمعات، وتدمر الأخلاق والقيم، وما فشا في أمّة إلا ذهب حياؤها وسقطت مروءتها، وأصبحت كالبهائم لا ترعى حرمة ولا تحفظ ذمة، كما أنه ترجّح على غيره من الفواحش لما فيه من تضييع حرمة الحقّ، وهتك حرمة الخلق، ثم لما فيه من الإخلال بالنّسب، وإفساد ذات البين من مقتضى الأنفة والغضب(١). وإنّ هذه الأضرار التي تعارف الناس على أن يذكروها عند الكلام عن هذه الجريمة، من اختلاط الأنساب، وإثارة الأحقاد، وتهديد البيوت الآمنة المطمئنة، كل واحد من هذه الأسباب يكفي لتحريم الزنا، ولكنّ السبب الأول وهو دفع النكسة الحيوانية عن الفطرة البشرية، ووقاية الآداب الإنسانية التي تجمعت حول الجنس، والمحافظة على أهداف الحياة العليا من الحياة الزوجية المشتركة القائمة على (١) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ٣٤٦/٢. جوية القرآن الكريم أساس الدوام والامتداد، هذا السبب هو الأهم، وهو الجامع لكل الأسباب الفرعية الأخرى(٢). ويمكن أن نجمل هذه الأسباب بما يلي: أولها: اختلاط الأنساب واشتباهها فلا يعرف الإنسان أن الولد الذي أتت به الزانية أهو منه أو من غيره، فلا يقوم بتربيته ولا يستمر في تعهده، وذلك یوجب ضياع الأولاد، وانقطاع النسل وخراب العالم (٣). وقد جاء القرآن بالمحافظة عليها بأقوم الطرق وأعدلها، ولذلك لما حرم الزنى أوجب فيه الحد الرادع، وأوجب العدة على النساء عند المفارقة بطلاق أو موت، لئلا يختلط ماء رجل بماء آخر في رحم امرأة محافظة على الأنساب، فقال تعالى: ﴿الَِّيَةُ وَالزَِّ فَاجْلِدُوا كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِأْتَةَ جَلْدَةِ﴾ [النور: ٢]. وقال تعالى في إيجاب العدة: وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةً يــ [البقرة: ٢٢٨]. فى وقال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. ولأجل المحافظة على النسب منع سقي زرع الرجل بماء غيره، فمنع نكاح الحامل (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٤٨٩/٤. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٣٢/٢٠. ١١٨ الرضا حتى تضع، قال تعالى: ﴿وَأَوْلَتُ اَلْأَحْمَالِ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَّوَدَّةً وَرَحْمَةٌ﴾ [الروم: ٢١](٤). أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حمّلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤](١). ثانيها: إذا لم يوجد سبب شرعي لأجله يكون هذا الرجل أولى بهذه المرأة من غيره لم يبق في حصول ذلك الاختصاص إلا التواثب والتقاتل، وذلك يفضي إلى فتح باب الهرج والمرج والمقاتلة، و کم سمعنا وقوع القتل الذريع بسبب إقدام المرأة الواحدة على الزنا (٢). کما أنه إذا انفتح باب الزنا فحينئذ لا یبقی لرجل اختصاص بامرأة، وكل رجل يمكنه التواثب على كل امرأة شاءت وأرادت، وحينئذ لا يبقى بين نوع الإنسان وبين سائر البهائم فرق في هذا الباب (٣). ولم يخلق الله الناس لهذا الهدف، بل جعلهم ذكرًا وأنثى ليتعارفوا، فقال تعالى: وَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنْتَى وَجَعَلْنَكُنْ شُعُوبًا وَقَبَآَيِلَ لِتَعَارَفُوَأْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣)﴾ [الحجرات: ١٣]. ثالثها: أن المرأة إذا باشرت الزنا وتمرنت عليه يستقذرها كل طبع سليم، وكل خاطر مستقيم، وحينئذ لا تحصل الألفة والمحبة ولا يتم السكن والازدواج، الذي جعله الله مودة ورحمة بين الناس بقوله: وَمِنْ ءَايَتِهِ: أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ (١) انظر: أضواء البيان ٣/ ٤٨. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٠/ ٣٣٢. (٣) انظر: تفسير المراغي ٤٢/١٥. لأنه ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة بل أن تصير شريكة للرجل في ترتيب المنزل وإعداد مهماته من المطعوم والمشروب والملبوس، وأن تكون ربة البیت وحافظة للباب وأن تكون قائمة بأمور الأولاد والعبيد، وهذه المهمات لا تتم إلا إذا كانت مقصورة الهمة على هذا الرجل الواحد منقطعة الطمع عن سائر الرجال، وذلك لا يحصل إلا بتحريم الزنا وسد هذا الباب بالكلية (٥). رابعها: موافقة هذا التحريم للعقل والفطرة التي فطر الله الناس عليها: في تسمية الله للزنا بالفاحشة إنما يستفحش في الشرع والعقل، والفطر، لتضمنه التجرؤ على الحرمة في حق الله، وحق المرأة، وحق أهلها، أو زوجها، وإفساد الفراش واختلاط الأنساب وغير ذلك من المفاسد (٦). ومما يدل على قبحه عند العقل السليم والطبع القويم قبل ورود النهي عنه، ما روي عن عثمان بن عفان أنه قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه وسلم يقول: (لا يحل دم امرىء مسلم إلا في إحدی ثلاث: رجل زنی وهو محصن فرجم أو رجل قتل نفسًا بغير (٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٠/ ٣٣٢. (٥) انظر: المصدر السابق. (٦) انظر: أحكام القرآن، الجصاص، ٣٠٠/٣. www. modoee.com ١١٩ حرف الرأى نفس، أو رجل ارتد بعد إسلامه)، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا قتلت نفسًا مسلمة، ولا ارتددت منذ أسلمت(١). وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنی في کتاب الخيل له من طريق الأوزاعي أن مهرًا أنزي على أمه فامتنع فأدخلت في بيت وجللت بکساء وانزي علیھا فنزی فلما شم ربح أمه عمد إلى ذكره فقطعه بأسنانه من أصله(٢). فإذا المهر غار على عرضه، واستقبح الزنا فأولى بالإنسان أن يغار على عرضه(٣). خامسها: وقاية الإنسان من أمراض خطيرة سببها الاتصال الجنسي غير المنظم، ويؤكد هذا ما ظهر أخيرًا من انتشار مرض فقد المناعة المعروف بالإيدز، ويلتقي مع الحديث الشريف حيث يقول صلى الله عليه وسلم: (يا معشر المهاجرين، خصال خمس إن ابتلیتم بهن ونزلن بکم أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تکن في أسلافهم)(٤). (١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الحدود، باب لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدی ثلاث، رقم ٢،٢٥٣٣/ ٨٤٧. (٢) انظر: فتح الباري، ابن حجر ٧/ ١٦١. (٣) انظر: التدابير الواقية من الزنا، فضل إلهي، ص٢٤. (٤) أخرجه الحاكم في المستدرك، ٥٨٢/٤، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخر جاه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب سادسها: إن الأرواح الإنسانية كريمة الجوهرة لأنها من عالم النور؛ فقد خلقت من نفخ الملك، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه الثابت في الصحيح: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فینفخ فيه الروح)(٥). ولذا أضافها الله تعالى إلى نفسه في معرض الامتنان، في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّنَهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٩]. وما يطرأ عليها بعد اتصالها بالبدن من تزكية ترقی بها في معارج الكمال، أو تدسية تنحط بها إلى أسفل سافلين، حيث يتكون هذا المخلوق العظيم العجيب المسمى بالإنسان الذي جعله الله تعالى خليفة في الأرض ليعمرها، ويستثمرها ويعبرها إلى دار الكمال الحق، والحياة الدائمة الأبدية، هذه النفوس البشرية جاءت الشرائع السماویة کلها بإیجاب حفظها، فکان حفظها أصلا قطعيا، وكلية عامة في الدين، وفي الزنا إراقة للنطفة، وسفح لها في غير محلها، فلو كان منها ولد لكان مقطوع النسب، مقطوع والترهيب، ٣٤٣/١. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ١١١/٤، رقم ٣٢٠٨، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، ٢٠٣٦/٤، رقم ٢٦٤٣. مَؤُوالَهُ النَّفْسِيْ القرآن الكريمِ ١٢٠ الرئا الصلة، ساقط الحق، فمن تسبب في وجوده على هذه الحالة فکأنه قتله، ولهذا بعدما نھی عن قتلهم نهى عن الزنا الذي هو كقتلهم، لأنه سبب غير مشروع لوجودهم(١). لذلك كله نجد أن الله تعالى وصف الزنا بصفتين: الأولى أنه فاحشة، والثانية أنه ساء سبيلاً، أما كونه فاحشة فهو إشارة إلى اشتماله على فساد الأنساب الموجبة لخراب العالم واشتماله على التقاتل والتواثب على الفروج وهو أيضًايوجب خراب العالم، وأما أنه ساء سبيلاً، فهو أنه لا يبقى فرق بين الإنسان وبين البهائم في عدم اختصاص الذکران بالإناث، وأيضًا یبقی ذل هذا العمل وعيبه وعاره على المرأة من غير أن يصير مجبورًا بشيء من المنافع (٢). ولهذا لما نهى الله عنها ساقها مع النهي عن الشرك بالله والنهي عن قتل النفس بغير حق فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّعَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُنَّ وَمَنْ يَفْعَلْ يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ ٦٨ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا لا إِلَّا مَن تَابَ اَلْقِيَمَةِ وَنَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: ٦٨-٧٠]. ٧٠ (١) انظر: تفسير ابن باديس ص٨٨-٩١. (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٧٠/١٥. وجعل جزاء ذلك: الخلود في النار في العذاب المضاعف المهين، ما لم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة، والإيمان، والعمل الصالح، وقال الإمام أحمد: ((ولا أعلم بعد قتل النفس شيئًا أعظم من الزنا». ومما ينبغي ملاحظته أن كل الأديان حرّمته لخطورة آثاره، حتى القوانين الوضعية لم تبحه على إطلاقه، ولذلك جاءت عقوبته قاسية، وقد وردت الآيات الدالة على تحريم الزنا مطلقة من غير تخصيص على تحريم الزنا بالمسلمات فقط، أو تحريمه في مكان دون آخر، وفي ذلك يقول الإمام الشافعي رحمه الله : «الإسلام ملزم للمسلم حيثما كان، بوجوب تطبيق أحكامه وأداء فرائضه من عبادات وواجبات، وهي لا تسقط إذا کان في بلاد الكفار أو غيرها من الديار، ما دام حيا عاقلا مختارًا) (٣). (٣) الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية، محماس الجلعود ٧٦٦/٢. www. modoee.com ١٢١ حرف الزاى أسباب الوقوع في الزنا لما قال الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ. كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: ٣٢] كان النهي أبلغ من قوله : لا تزنوا، ذلك أن النهي عن الاقتراب يقتضي النهي عن أسبابه ومقدماته ودواعيه. الأسباب والمقدمات لجريمة الزنا: ١. إطلاق النظر. قال تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَّكَى لَهُمْ إِنَّ اللّهَ خَبِيْرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ مِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور: ٣٠-٣١]. فإطلاق النظر هو النافذة الكبيرة والخطوة الرئيسة في الزنا، فعن بعض السّلف قال: ((إن النّظر يزرع الشّهوة في القلب، ورب شهوة أورثت حزنا طويلًا)). وعن خالد بن أبي عمران أنه قال: ((إن الرجل لينظر نظرة فينغل قلبه، كما ينغل الأديم، فيفسد قلبه حتّى لا ينتفع به))(١). والبصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواسّ إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التّحذير منه، وغضّه واجبٌ عن جمیع المحرّمات، و کلّ ما يخشى الفتنة من أجله. (١) تفسير القرآن، السمعاني ٥١٩/٣. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (إيّاكم والجلوس بالطّرقات) فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بدٌّ نتحدّث فيها، فقال: (إذا أبيتم إلّا المجلس، فأعطوا الطّريق حقّه) قالوا: وما حقّ الطّريق يا رسول اللّه؟ قال: (غضّ البصر، وكفّ الأذى، وردّ السّلام، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر)(٢). وقال صلى الله عليه وسلم لعليٍّ: (لا تتبع النّظرة النّظرة فإنّما لك الأولى وليست لك الثّانية)(٣). كما أن من مضار إطلاق البصر أنه يفسد القلب والخلق ، ويحدث لوعة القلب ، وهياج الشّوق فيجرّ إلى الحرام، كما أنه يورث قلّة الحياء وفقد الحشمة (٤). ٢. التبرج ونزع الحجاب. قال تعالى: ﴿وَلَّا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّمَا (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُوْمًّا غَّرَ يُوتِكُمْ﴾، رقم ٦٢٢٩، ٥١/٨، ومسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن الجلوس في الطرقات ١٦٧٥/٣، رقم ٢١٢١. (٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٧٤/٣٨، رقم ٢٢٩٧٤، وأبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب ما يؤمر به من غض البصر، ٢٤٦/٢، رقم ٢١٤٩. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١٣١٦/٢، رقم ٧٩٤٩. (٤) انظر: نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين ٠٣٩١١/٩ ١٢٢ جَوَسُوعَةُ النفسية الْقُرآن الكَرِيمِ الرضا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. إذا نزعت المرأة حجابها، وعرضت مفاتنها، وهتكت عرض زوجها وأهلها، ثم خرجت تبيع الفتنة بلا ثمن، أوقعت في حبائلها المنخدعين والشهوانيين ممن لا يخافون الله، فتنتشر جريمة الزنا، فنهى الله المرأة أن تبدي من زينتها ومحاسنها ما يجب عليها ستره، مما تستدعي به شهوة الرجل(١). كما أنه أمرهن أن یضربن بخمرهن على جيبوهن ﴿وَلْيَضْرِنَ بِخُمُرِ مِنَّ عَلَى جُيُوبِنَّ﴾ وسبب هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة سدلنها من وراء الظهر، كما يصنع النبط فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك فأمر الله تعالى بضرب الخمار على الجيوب وهيئة ذلك يستر جميع ما ذکر (٢). ٣. الخضوع بالقول. يقول تعالى: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. أي: فلا ترفقن بالقول عند الرجال فيطمع في الخيانة الذي في قلبه مرض، أي: شهوة الزنا، وقلن قولا معروفاً، أي: حسنًا مع كونه خشناً، فينهاهن حين يخاطبن الأغراب من (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤/ ٣٢٠. (٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٧٨/٤. الرجال أن يكون في نبراتهن ذلك الخضوع اللين الذي يثير شهوات الرجال، ويطمع مرضى القلوب(٣). وقيل: وصفهم بذلك لأنهم يشتهون إتيان الفواحش، لضعف إيمانهم، أو نفاقهم، فهو يستخف بحدود الله، و يتهاون بإتيان الفواحش (٤). ٤. عدم التلبس بلباس التقوى. يقول الله تعالى: ﴿يَبَقِيَّ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُوْ لِبَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتِكُمْ وَرِيِشَاً وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ ءَايَنتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف: ٢٦]. ﴿وَلِيَاسُ النَّقْوَى﴾: الإيمان، ﴿ذَلِكَ ·، يقول: ذلك خیر من الرياش واللباس یواري سوءاتكم(٥). والتقوى جلباب ورداء ستر عليه خيمة تحترز بها من كل معصية، فإذا خرج الإنسان من هذا الرداء أو من هذا اللباس، وقع وسقط، قال عبد الرحمن بن أسلم: ((يتقي الله فیواري عورته، فذاك لباس التقوى)». فهناك تلازم بين شرع الله اللباس لستر العورات والزينة وبين التقوى، هذا يستر عورات القلب ويزينه، وذاك يستر عورات الجسم ويزينه، وعن شعور التقوى لله، (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨٥٩/٥. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٥٨/٢٠. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٧٢/١٢. www. modoee.com ١٢٣ حرف الرأى ينبثق الشعور باستقباح عري الجسد والحياء جماعة الرب (٢). منه، ومن لا يستحي من الله ولا يتقيه لا يهمه أن يتعرى وأن يدعو إلى العري من الحياء والتقوى، والعري من اللباس وكشف السوأة (١). ٥. إلغاء العقوبة الشرعية. قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ إِنْ كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَيِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. إن العقوبة الشرعية المقررة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الزاني والزانية رادعة وزاجرة للزاني نفسه ، ولكل من تسول له نفسه القيام بهذه الفعلة النكراء، وبيان ذلك في المباحث القادمة، وفي كثيرٍ من بلاد المسلمين أسقطت هذه العقوبة فاعتبر الموضوع بسيطًا، فكان مدعاة لانتشار هذه الجريمة، ومما يجدر ذكره أن العالم الغربي يحارب الإسلام في نظام عقوباته، فيدعي أن هذه العقوبات قاسیة ویحارب تطبيقها، ومن يتزعم هذه الحملات غالبًا هم اليهود، مع أن التوراة نفسها شرعت على هذه الجريمة عقوبات جسدية كالقتل والتحريق والرجم بالحجارة، إضافة إلى عقوبات معنوية وهي أن الزانية تعتبر ذليلة ورذيلة وخارجة من ٦. تحديد الزواج بواحدة. يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِقْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِيِ آلَى فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَلَِّ مَثْنَى وَتُكَثَ وَرُبَعٌّ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتِكُمْ ذَلِكَ أَدْفَ أَلََّ تَعُولُواْ ﴾ [النساء: ٤]. یروج أعداء الإسلام، ویشنون حربًا ضروسًا على تعدد الزوجات، وهم بهذا يريدون أن يضيقوا واسعًا، وأن يعرضوا العديد من الفتيات اللائي بالإمكان أن يستوعبوهن عن طريق التعدد للفساد والفتن، وقد تصاب المرأة بالبرود الجنسي ولا سيما عقب بلوغ سن اليأس أو قبله بسبب مرض، وقد يكون الرجل ذا قدرة جنسية زائدة، فلا يكتفي بامرأة واحدة، فيكون اللجوء للتزوج بثانية، حاجزًا له عن الوقوع في الزنى الذي يضيّع الدّين والمال والصّحة، ويسيء إلى السّمعة (٣). ٧. تأخير الزواج، ووضع العراقيل أمامه. قال تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيْنَى مِنْكُرْ وَالصَّلِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَّا بِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ )﴾ [النور: ٣٢]. (٢) انظر: التدابير الواقية من الزنا، فضل إلهي ص٢٦. (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٢٧٨/٣. (٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٤٣/٤. جَوْسُوعَدُ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ ١٢٤ الزنا إن تعقيد الشباب من الزواج المبكر، في الموضع، وهو الأرجح، لأن سودة رضي الله عنها قيل لها : لم لا تخرجين؟ فقالت: («أمرنا الله بأن نقرّ في بيوتنا))(٣). ووضع العراقيل أمامهم من غلاء المهور وزيادة التبعات، من أهم أسباب شيوع هذه الفاحشة، والله عز وجل أمر بعون الأيامى على الزواج واعتبر ذلك من واجبات ولي الأمر كما في الآية، وكما حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج)(١). ٨. خروج المرأة من بيتها لغير حاجة. من التدابير أيضًا التي شرعها الله للنساء القرار في البيوت، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَقَرْنَ فِ بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَّعْنَ تَبُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. قرئ بكسر القاف، من الوقار أو القرار في الموضع، وأما القراءة بالفتح (٢)، فمن القرار (١) أخرجه مسلم في صحيحه، کتاب النكاح، باب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ٢/ ١٠١٨، رقم ١٤٠٠. (٢) قرأ نافع وعاصم وأبو جعفر بفتح القاف أمر من قَرِزْنَ بكسر الراء الأولى يَقْرَزْنَ بفتحها، فالأمرَ منه اقرَزْن حذفت الراء الثانية الساكنة لاجتماع الراءين، ثم نقلت فتحة الأولى إلى القاف، وحذفت همزة الوصل للاستغناء عنها فصار قَرْن، والباقون بالكسر من قَرَّ بالمكان بالفتح في الماضي، والكسر في المضارع وهي الفصيحة. انظر: إتحاف فضلاء البشر، الدمياطي ص ٤٥٤ وهو أمرٌ لهنّ من الوقار والقرار جميعًا (٤)، أي: لا تتكسّرن ولا تتغنّجن. ويحتمل أن يكون المراد لا تظهرن زینتکن(٥). وعن قتادة :(( إذا خرجتن من بيوتكن، قال: كانت لهن مشية وتكسر وتغنج وتبختر، يعني بذلك الجاهلية الأولى، فنهاهن الله عن ذلك)). وقيل التبرج: هو إظهار الزينة، وإبراز المرأة محاسنها للرجال (٦)، أو أنها تلقي الخمار عن رأسها ولا تشده فيرى قرطها وقلائدها، والجاهلية الأولى: قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم. أمرهن أيضًا بالعفة، وأمر بضرب الحجاب عليهن، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. يعني الإثم الذي نهاهن عنه في هذه الآيات. (٣) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢/ ١٥١. (٤) انظر: الوجيز، الواحدي ص ٨٦٥. (٥) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٦٧/٢٥. (٦) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٦٠/٢٠. www. modoee.com ١٢٥ حرف الزاى الوسائل الوقائية من الوقوع في الزنا حدّ الله عز وجل حدودًا وشرع عقابًا رادعًا وزاجرًا لكل جريمة، يتناسب مع طبيعة هذه الجريمة كمًا وكيفًا ، ذلك أن الله عز وجل حفظ على المسلم نفسه وماله وعرضه، فما كان فيه تعد على أيِّ منها كانت العقوبة، وإن العظمة في التشريع الإسلامي أنه وضع العلاجات الوقائية للجريمة المانعة من وقوعها، قبل أن تقع، ولذلك لما حرم الله هذه الجريمة النكراء الزنا ، فقال تعالى: ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّفَ﴾ [الإسراء: ٣٢]. نهى عن مقدماتها وكل ما يؤدي إلى الوقوع فيها(١). وفيما يلي أمور وقائية لعلاج هذه الجريمة: ١. إقامة حد الزنا. قال تعالى: ﴿اَلَِّيَةُ وَالَّبِىِ فَأَجْلِدُ واْ كُلَّ وَجِدٍ مِنھمامائة جلدةٍ وَلا تَأْخُذُكُمبِهِمَا رآفةٌ فِدِینِ اللّهِإِنكُمْ تُؤْمِنُونَ بِالَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَيِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النور: ٢]. الخفيف والاستصلاح، أما الإيلام فلقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾ فسميت العقوبة عذابًا، ويراد من هذه العقوبة أيضًا الزجر والإصلاح لأنه يمكن أن يراد من العذاب: (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٤٨٦/٤ مَوَبُوبَة البقية القرآن الكريمِ ما يمنع المعاودة كالنكال، فيكون الغرض منه الاستصلاح(٢). ﴿وَلَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِينَ﴾ أي: ليكون عليهم أشدّ، وليكون تخويفًا لمتعاطي ذلك الفعل، ثم من حقّ الذین یشهدون ذلك الموضع أن يتذكروا عظيم نعمة الله عليهم أنهم لم يفعلوا مثله، وكيف عصمهم من ذلك، وإن جری منهم شيء من ذلك یذکروا عظيم نعمة الله عليهم كيف ستر عليهم ولم يفضحهم، ولم يقمهم في الموضع الذي أقام فيه هذا المبتلى به(٣). كان حد الزانيين في أول الإسلام ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّبِىِ يَأْتِينَ اُلْفَحِشَةَ مِن نِسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِ الْبُيُوتِ حَّ يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَنَّ سَبِيلًا ﴾ وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَشَاذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ))﴾ [النساء: ١٥- ١٦]. فكان حد المرأة الحبس في البيت والأذى إن الحد عقوبة تجمع بين الإيلام بالتعبير، وكان حد الرجل الأذى بالتعيير، إلى أن جعل الله لهن سبيلاً، فأصبح الجلد هو حد البكر من الرجال والنساء، وهو الذي لم یحصن بالزواج، ویوقع عليه متی کان (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٣٨/١٨ (٣) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ٢/ ٥٩٤، المحرر الوجيز، ابن عطية، ٢١/٢. ١٢٦ مسلمًا بالغًا عاقلًا حرًا، وأما المحصن وهو آخر في طبيعة الفعل، فالمحصن ذو تجربة فیه تجعلہ یتذوقه ویستجیب له بدر جة أعمق مما يتذوقه البكر، فهو حري بعقوبة أشد، والقرآن حين يذكر حد البكر يشدد في الأخذ به، دون تسامح ولا هوادة (٢). من سبق له الوطء في نكاح صحيح وهو مسلم حر بالغ فحده الرجم، وقد ثبت الرجم بالسنة، وثبت الجلد بالقرآن، ولما كان النص القرآني مجملا وعامًا و کان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم الزانيين المحصنين. فقد تبين من هذا أن الجلد خاص بغير المحصن، وحديث عبادة بن الصامت: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبیلا البکر بالبکر جلد مائة وتغریب عام، والثيب جلد مائة ورجمها بالحجارة)(١). وهناك خلاف فقهي حول الجمع بين الجلد والرجم للمحصن، والجمهور على أنه لا يجمع بين الجلد والرجم، كما أن هناك خلافًا فقهيًا حول تغريب الزاني غير المحصن مع جلده، وحول حد الزاني غير الحر، وهو خلاف طويل لا ندخل في تفصيله هنا، يطلب في موضعه من كتب الفقه، إنما نمضي نحن مع حكمة هذا التشريع، فنرى أن عقوبة المحصن هي الرجم، ذلك أنه قد عرف الطريق الصحيح النظيف وجرّبه، فعدوله عنه إلى الزنا يشي بفساد فطرته وانحرافها، فهو جدير بتشديد العقوبة، بخلاف البكر الغفل، الذي قد یندفع تحت ضغط الميل وهو غرير، كما أن هناك فارق (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب حد الزنا، رقم ١٣١٦/٣،١٦٩٠. وإن تقديم الزانية على الزاني: لأن الزنى في الأغلب يكون بتعرض المرأة للرجل وعرض نفسها علیه بأسالیب متنوعة، كما أن مفسدة الزنى وعاره يصيبها أكثر من الرجل، فهي المادة الأصلية في الزنى (٣). ٢. المنع من إنكاح الزاني، ونكاح الزانية. يقول الله تعالى: ﴿اَلَِّ لَا يَنكِحُ إِلََّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالََِّةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلََّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٣]. عن عبد الله بن عمرو قال: كانت امرأة يقال لها أم مهزول (أو أم مهدون) وكانت تسافح، فأراد رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها، فأنزل الله: ﴿وَالزَِّةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلََّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). ومما ذكره الواحدي في سبب نزولها: «أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه، كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغي، (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٤٨٧/٤. (٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٢٣/١٨. (٤) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢١١/٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. www. modoee.com ١٢٧ حرف الرأى يقال لها عناق، و کانت صدیقته، قال: فجئت إلى النبي صلی الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أنکح عناق؟ قال: فسكت عني، فنزلت: ﴿الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَلَِّيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلََّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]. فقرأ علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (لا تنكحها)»(١). وقد تکون الآية نزلت في مرثد المذكور، أو في جماعة من فقراء المهاجرين، استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في التزوج ببغایا من الكتابيات والإماء اللائي كن بالمدينة، فأنزل الله فيهم هذه الآية (٢). وظاهر الآية وهذه الروايات تفيد تحريم العفيفة على الزاني، والزانية على العفيف ونكاح المؤمن للزانية ما لم تتب، ونكاح المؤمنة للزاني كذلك(٣). وعن الشّعبيّ، قال: ((من زوّج کریمته من فاسقٍ فقد قطع رحمها)»(٤). والمسألة خلافية تطلب فى كتب الفقه، وعلى أية حال فهي فعلة تعزل فاعلها عن الجماعة المسلمة وتقطع ما بينه وبينها من روابط، وهذه وحدها عقوبة اجتماعية أليمة كعقوبة الجلد أو أشد وقعًا (٥). (١) أسباب النزول ٢٢/٥. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٩٧. (٣) انظر: المغني، ابن قدامة ٦/ ٦٠١. (٤) انظر: شعب الإيمان، البيهقي ١١ / ١٥٧. (٥) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٢٤/١٨. جوسية القرآن الكريمِ والمعنى: أن غالب الزناة لا يرغب إلا في الزواج بزانية مثله، وغالب الزواني لا يرغبن إلا في الزواج بزان مثلهن، والمقصود زجر المؤمنين عن نكاح الزواني بعد زجرهم عن الزنا، وسبب النزول يشهد له (٦). ويقول الله تعالى: ﴿اَلْقَبِيْئَتُ لِلْخَبِيثِنَ وَالْخَبِيئُونَ لِلْخَبِشَتِ وَاَلَّيِّبَاتُ لِلَّيِّبِينَ وَاَلَّيِّبُونَ لِلَّيِّبَنَّ أُوْلَكِكَ مُبَّهُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم ◌َّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴾ [النور: ٢٦]. (أكثر المفسرين على أن الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلمات، وكذا الطيبات من القول للطيبين من الناس، وقال الزجاج: ومعناه لا يتكلم بالخبيئات إلا الخبيث من الرجال والنساء)»(٧). وذكر أكثر من مفسر أن: النساء الخبيثات للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون للخبيثات، وكذا الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات، وهو الظاهر (٨). والطّبات من الأشخاص هن: المبرّءات من التعريج في أوطان الشهوات، والطيبون من الرجال: الذين هم قائمون بحقّ الحقّ لا يصحبون الخلق إلا للتعفّف، دون (٦) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٧. (٧) المصدر السابق ٤ / ٢١. (٨) انظر: تفسير العز بن عبد السلام ٣٩٥/٢، التفسير المنير، الزحيلي ١٩٨/١٨. ١٢٨ الزنا استجلاب الشهوات (١). وقيل: الخبيث من الرجال عبد الله بن أبي بن سلول كلامه في عائشة، والخبيئات من النساء أهل بيته، والطيبات هي عائشة من النساء وأمثالها، والطيبون النبي وقومه (٢). ٣. إقامة حد القذف. يقول الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّلَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّةَ فَاجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةٌ وَلَا نَقْبَلُواْ لَمْ تَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورُ زَحِيمٌ ﴾﴾ [النور: ٤-٥]. الرّمي بالزنا(٣)، أو قذفهن بالزنى (٤). ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ اَلْفَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُمِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَاَلْآَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: ٢٣]. والمحصنات يراد بهن هنا : العفائف، والعفة أعلى معاني الإحصان إذ في طيه الإسلام(٥). وخصهن بالذكر لأن قذفهن أكثر وأشنع من قذف الرجال، ودخل الرجال في ذلك بالمعنى إذ لا فرق بينهم، وأجمع العلماء على أن حكم الرجال والنساء هنا واحد (٦). (١) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ٦٠٤/٢. (٢) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٥١٥/٣. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٢٠/٢٣. (٤) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢١٣/٣. (٥) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /١٦٤. (٦) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ((إنّ ترك الألسنة تلقي التهم على المحصنات بدون دليل قاطع، يترك المجال فسیحًا لکل من شاء أن یقذف بریئة أو بريئًا بتلك التهمة النكراء ثم يمضي آمنًا! فتصبح الجماعة وتمسي، وإذ أعراضها مجرحة، وسمعتها ملوثة وإذا كل فرد فيها متهم أو مهدد بالاتهام، وإذا كل زوج فيها شاك في زوجه، و کل رجل فيها شاك في أصله، و کل بيت فيها مهدد بالانهيار، وهي حالة من الشك والقلق والريبة لا تطاق، ذلك إلى أن اطراد سماع التهم يوحي إلى النفوس المتحرجة من ارتكاب الفعلة أن جو الجماعة كله ملوث وأن الفعلة فيها شائعة فیقدم عليها من کان یتحرج منها، وتهون في حسه بشاعتها بكثرة تردادها، وشعوره بأن كثيرين غيره يأتونها! ومن ثم لا تجدي عقوبة الزنا في منع وقوعه، والجماعة تمسي وتصبح وهي تتنفس في ذلك الجو الملوث الموحي بارتكاب الفحشاء، لهذا وصيانة للأعراض من التهجم، وحماية لأصحابها من الآلام الفظيعة التي تصب عليهم، شدد القرآن الكريم في عقوبة القذف، فجعلها قريبة من عقوبة الزنا ثمانين جلدة، مع إسقاط الشهادة، والوصم بالفسق، والعقوبة الأولى جسدية، والثانية أدبية في وسط الجماعة، ويكفي أن ٦١/٢. www. modoee.com ١٢٩ حرف الزاى یهدر قول القاذف فلا یؤخذ له بشهادة، وأن يسقط اعتباره بين الناس ويمشي بینھم متهمًا لا یوثق له بکلام! والثالثة دینیة فھو منحرف عن الإيمان خارج عن طريقه المستقيم، فيوصف بالفسق، ذلك إلا أن يأتي القاذف بأربعة يشهدون برؤية الفعل، أو بثلاثة معه إن کان قد رآه. فیکون قوله إذن صحيحًا، ويوقع حد الزنا على صاحب الفعلة)) (١). ٤. مشروعية الاستئذان. يقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيَرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَأْ ذَلِكُمْ خَرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النور: ٢٧]. بعد بيان حكم قذف المحصنات وقصة أهل الإفك، ذكر الله تعالى ما يليق بذلك، وهو آداب الدخول إلى البيوت من الاستئذان والسلام، منعًا من الوقوع في التهمة، باقتحام البيوت دون إذن والتسلل إليها، أو حدوث الخلوة التي هي مظنة التهمة أو طريق التهمة التي تذرع بها أهل الإفك للوصول إلى بهتانهم وافترائهم، ومراعاة لأحوال الناس رجالاً ونساءً، الذين لا يريدون لأحد الاطلاع عليها، ولأن النظر والاطلاع على العورات طريق الزنى (٢). (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٤٩٠، بتصرف. (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٠٠/١٨. جوبيو القرآن الكريمِ کان التشریع لا تدخلوا بیوتًا غیرکم حتی يؤذن لكم، وحتی تسلموا علی أهل البيت، حتى لا تنظروا إلى عورات غيركم، أخرج الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (لو أن امراً اطلع عليك بغير إذن فحذفته بعصاة ففقات عینه، لم یکن علیك جناح)(٣). ويروى أنّ أبا موسى الأشعري أتى منزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: واحدة، فقال أبو موسى: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: ثنتان، قال أبو موسى: السلام عليكم أأدخل؟ ومرّ، فوجّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه خلفه من ردّه فسأله عن صنيعه فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك، وإلا فارجع) (٤)، فقال عمر: لتأتيني بالبيّنة أو لأعاقبنك، فانطلق أبو موسی فأتاه بمن سمع ذلك معه (٥). ويقول تعالى أيضًا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ◌َمَنُواْ لِيَسْتَعْدِينِكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَشْكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَتْلُغُواْ الْحُلُمَ مِنْكٌ ثَلَثَ مَّتٍ مِن قَبْلِ صَلَوْقُ الْغَيْرِ وَحِينَ (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب من اطلع في بيت قوم ففقئوا عينه فلا دية له، رقم ٠١١/٩،٦٩٠٢ (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب الاستئذان ١٦٩٤/٣، رقم ٢١٥٣. (٥) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٧/ ٨٥. ١٣٠ النظام تَضَعُونَ فِيَابَكُمْ مِنَ النَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوْءِ الْمِشَآءِ في البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه ثَلَثُ عَوْرَةٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُّكُمْ عَلَى بَعْضِّ كَذَلِكَ يُبَيِنُ اللَّهُ لَكُمُ الْأَيَتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُمْ فَلْيَسْتَنْذِنُواْ كَمَا أَسْتَخْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِةٌ وَاللَّهُ عَلِيِةٌ حَكِيمٌ وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِى لَا يَرْجُونَ نِكَحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاعُ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَ غَيْرَ مُتَبَِّحَتٍ بِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِقْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [النور: ٥٨-٦٠]. وهذه الآية فيها بيان استئذان الذين يعيشون في دار واحدة لبعضهم من بعض، فذكر سبحانه وتعالى وجوب الاستئذان في ثلاثة أوقات، هذه الأوقات هي أوقات التجرد من الثياب وكون الناس يكونون في حال لا يرغبون أن يراهم فيها أحد، وبعد هذه الأوقات التي تكون مظنة كشف العورات إشارة إلى أن الإثم يلحق الذين يكشفون عوراتهم ولا يتخذون الأستار، وقاية من أن تنالها الأعين ولو کانت بريئة، وفي ذلك دعوة إلى ضرورة اتخاذ أسباب(١). وسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أستأذن على أمي؟ فقال: (نعم)، قال الرجل: إني معها (١) انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ١٠ / ٥٢٢٥. وسلم: (استأذن عليها)، فقال الرجل: إني خادمها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استأذن عليها، أتحبّ أن تراها عريانةً؟) قال: لا، قال: (فاستأذن عليها)(٢). ٥. تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية. يقول الله تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغْضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَتَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَّكَى لَهُمُ وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ () يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ [النور: ٣٠-٣١]. قدّم غض الأبصار على حفظ الفروج؛ لأنّ النظر بريد الزنى ورائد الفجور، والبلوی فیه أشدّ وأكثر، ولا یکاد یقدر على الاحتراس منه (٣). وخص المؤمنين مع تحريمه على غيرهم، لكون قطع ذرائع الزنا التي منها النظر، هم أحق من غيرهم بها، وأولی بذلك ممن سواهم (٤). وغض البصر: خفضه كفَّا له عن النظر، ولفظ (من) قد تكون للتبعيض، فالمراد: غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل(٥). (٢) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٨٥/٧. (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٣٠/٣. (٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٦/٤. (٥) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ١٤٠١/٦. www. modoee.com ١٣١ حرف الراى وإنّ النظرة الأولى لا يملكها الإنسان وإنّما يغضّ فيما بعد ذلك، لذلك وقع التبعيض، والبصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته،ووجب التحذير منه، والنواظر صوارم مشهورة فاغمدها في غمد الغضّ والحياء من نظر المولى وإلاّ جرحك بها عدوّ الهوى، ولا ترسل بريد النظر فيجلب لقلبك رديء الفكر، غضّ البصر يورث القلب نورًا، وإطلاقه يقدح في القلب نارًا(١). ومما يجدر الإشارة إليه لما ذكر سبحانه حكم الاستئذان، أتبعه بذكر حكم النظر على العموم، فيندرج تحته غض البصر من المستأذن، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الإذن من أجل البصر) (٢). وفي هذه الآية دليل على تحريم النظر إلی غیر من یحل النظر إليه (٣). وعن حذيفة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة فمن تركها من خوف الله أثابه جل وعز إيمانًا يجد حلاوته في قلبه)(٤). (١) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ٤ / ١٨٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب من اطلع في بيت قوم ففقئوا عينه فلا دية له، رقم ٩،٦٩٠١ /١٠. (٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤ /٢٦. (٤) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الرقائق، رقم ٧٨٧٥، ٣٤٩/٤، وقال: هذا حديث أزكى: الذي هو أفعل التفضيل للمبالغة في أن غض البصر وحفظ الفرج يطهران النفوس من دنس الرذائل، والمفاضلة على سبيل الفرض والتقدير، أو باعتبار ظنهم أن في النظر نفعًا(٥). وأطهر لهم من دنس الريبة وأطيب من التلبس بهذه الدنيئة، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ في ذلك وعيد لمن لم يغض بصره ویحفظ فرجه(٦). وغض البصر من جانب الرجال أدب نفسي، ومحاولة للاستعلاء على الرغبة في الاطلاع على المحاسن والمفاتن في الوجوه والأجسام، كما أن فيه إغلاقًا للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية، ومحاولة عملية للحيلولة دون وصول السهم المسموم! وحفظ الفرج هو الثمرة الطبيعية لغض البصر، أو هو الخطوة التالية لتحكيم الإرادة، ويقظة الرقابة، والاستعلاء على الرغبة في مراحلها الأولى، ومن ثم يجمع بينهما في آية واحدة بوصفهما سببًا ونتيجة أو باعتبارهما خطوتين متواليتين في عالم الضمير وعالم الواقع (٧). وقيل: من حفظ بصره أورثه الله نورا في بصيرته، أو في قلبه، فإن النظر هو رسول صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (٥) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢١٤/١٨. (٦) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٧/٤. (٧) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥١٢/٤. ١٣٢ جوية القرآن الكريمِ