النص المفهرس

صفحات 21-33

الروح
الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] قيل: هو جبريل عليه
السلام (١).
قال ابن عاشور: ((ويطلق لفظ (الروح)
على الملك الذي ينزل بالوحي على الرسل،
تَزَّلَ
وهو جبريل عليه السلام ، ومنه قوله:
بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣
-١٩٤]))(٢).
وعن قتادة في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا
رُوحَنَا﴾، قال: جبريل عليه السلام (٣).
وقال السمعاني في تفسيره الآية القدر:
تَزَّلُ الْمَلَتَبِكَةُ وَالرُّوحُ فِيَهَا﴾ [القدر: ٤].
قال: ((الأكثرون على أنه جبريل عليه
السلام)» (٤).
((أي: يتنزل فيها جبريل عليه السلام،
الذي هو مختص بتبليغ الوحى، والاتصال
بالنبيّ، أما الملائكة الذين يحفون به،
فهم وفد الله معه لحمل هذه الرحمة إلى
رسول الله صلی الله علیه وسلم، وإلی عباد
الله))(٥).
وفي تفسيره لآية النحل: ﴿ يُنْزِّلُ الْمَلَبِكَةَ
بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِهِ﴾ [النحل: ٢] يقول الثعلبي:
(يعني جبرائيل))(٦).
(١) أوضح التفاسير، ابن الخطيب ٣٤٧/١.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥/ ١٩٧.
(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨١٧.
(٤) تفسير القرآن، السمعاني ٢٨٣/٣.
(٥) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ١٦٣٦/١٦.
(٦) الكشف والبيان، الثعلبي ٤١٩/٣.
ويلحظ في بعض الآيات التي وصفت
جبريل عليه السلام بـ(الروح)، أنها أضافت
وصفًا آخر إليه وهو (القدس).
وقد جاء ذلك في عدة آیات، منها:
قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ
الْبَيِّنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧].
وقوله تعالى: ﴿إِذْ آَيَّدتُّكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ
تُكِلِّمُ النَّاسَ فِ اَلْمَهْدِ وَكَهْلَا﴾ [المائدة:
١١٠].
قال الطبري: ((روح القدس الذي أخبر
الله تعالی ذکره أنه اید عیسی به، هو جبريل
عليه السلام» (٧).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ اَلْقُدُسِ
مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢].
والقدس بمعنى المقدس والمطهر، وهو
تعبير تکریمي کما هو المتبادر (٨).
وقد صرحت بعض الآيات بأن الملك
الموكل بإنزال الوحي هو جبريل عليه
السلام، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ
عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ، عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اَللَّهِ
مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدَى وَبُشْرَى
لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: ٩٧].
وقد وصفت آية سورة الشعراء الملك
الموكل بإنزال الوحي بأنه ﴿الرُُّعُ الأَمِينُ﴾
[الشعراء: ١٩٣].
(٧) جامع البيان، الطبري ٣٢٠/٢.
(٨) التفسير الحديث، محمد عزت ١٨٤/٥.
www. modoee.com
٣٣٧

حرف الراء
وفي الحديث الشريف: عن سعيد بن
المسیب رضي الله عنه، قال: (مر عمر في
المسجد وحسان ینشد فقال: کنت أنشد فیه،
وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي
هريرة، فقال: أنشدك بالله، أسمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أجب عني،
اللهم أيده بروح القدس)؟ قال: نعم) (١).
وفي سنن الترمذي: عن عائشة رضي
الله عنها، قالت: (كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يضع لحسان منبرًا في المسجد
یقوم علیه قائمًا، یفاخر عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم، أو قالت: ينافح عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ويقول رسول الله
صلی الله عليه وسلم: (إن الله يؤيد حسان
بروح القدس ما یفاخر، أو ینافح عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم)(٢).
و(روح القدس) هو: جبريل عليه
السلام، وسمي بذلك من حيث إنه ينزل
بالقدس من الله، أي: بما يطهّر نفوسنا من
القرآن والحكمة والفيض الإلهي (٣).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
بدء الخلق، باب ذكر الملائكة ١١٢/٤،
رقم ٣٢١٢.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الأدب، باب
ما جاء في إنشاد الشعر، ٤ /٤٣٥، رقم ٢٨٤٦.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
٢١٤/٤، رقم ١٦٥٧.
(٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص
٣٦٩.
وقيل: ((ومعنى روح القدس: الروح
المقدسة، أي: الطاهرة من الأدناس)) (٤).
ثانيًا: رحمة الله:
ومن الأمور التي وصفت بـ(الروح)
رحمة الله تعالی.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْيْئَسُواْ مِنْ زَّوْجِ اللَّهِ
إِنَّهُ لَا يَأْكَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِإِلَّا الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ﴾
[يوسف: ٨٧] أي: من رحمة الله(٥).
وفي قول تعالى: ﴿وَأَتَّدَهُم بِرُوج
مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].
قال الرازي: ((أي: برحمة منه. وقال
عليه الصلاة والسلام: (إنما أنا رحمة
مهداة)(٦)))(٧).
ثالثًا: الوحي:
ومن الأمور التي وصفت بأنها (روح)
الوحي الذي أنزله الله على نبيه صلى الله
علیه وسلم.
قال الله تعالى: ﴿يُلْفِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ.
(٤) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد،
محمد بن يوسف الصالحي ١ / ٤٦٦.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣٣/١٦.
(٦) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم ٢٩٨١،
٢٢٣/٣، والحاكم في المستدرك، رقم ١٠٠،
٩١/١.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على
شرطهما.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٤٦٣/١،٢٣٤٥.
(٧) مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ٢٧١.
٣٣٨
جَوَسُو
القرآن الكريمِ

الروح
عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، لِيُنْذِرَ يَوْمَ النَّلَاقِ﴾ [غافر: الأب، وإنما تكوّن من نفخة جبريل عليه
١٥].
السلام لا جرم وصف بأنه روح))(٦).
أي: ینزل الوحي من أمره على من يشاء
من عباده(١).
وقال الضحاك: يعني بالروح: الكتاب
ينزله على من يشاء(٢).
وفي قوله تعالى: ﴿يُنْزِّلُ الْمَلَتِكَةَ
بِالرُّوحِ﴾ [النحل: ٢].
قال ابن عباس: بالوحي(٣).
قال السعدي: ((سماه روحًا؛ لأن الروح
يحيا به الجسد، والقرآن تحيا به القلوب
والأرواح، وتحيا به مصالح الدنيا والدين،
لما فيه من الخير الكثير والعلم الغزير)) (٤).
رابعًا: عيسى عليه السلام:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ
مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنُهَا إِلَى مَرْيَمَ
وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١].
قال أبيّ بن كعب: «لما أخذ الله الميثاق
على بني آدم كان عيسى روحًا من تلك
الأرواح، فأرسله إلى مريم، فحملت به))(٥).
قال الرازي: ((جرت عادة الناس أنهم إذا
وصفوا شيئًا بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه
روح، فلما كان عيسى لم يتكون من نطفة
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ٣٦٣.
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٢٢٧٦/٧.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٦٢.
(٥) زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ٥٠١.
وقيل: سمي روحًا؛ لأنه كان يحيي
الأموات أو القلوب(٧).
وفي الحديث الشريف أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: (من شهد أن لا
إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا
عبده ورسوله، وأن عیسی عبد الله ورسوله،
وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة
حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما
كان من العمل) (٨).
قال سيد طنطاوي: ((وقوله:
ح
مِنْهُ﴾، أي: ونفخة منه؛ لأن عيسى حدث
بسبب نفخة جبريل في درع مريم، فكان
عیسی بإذن الله. فنسب إلى أنه روح من
الله؛ لأنه بأمره کان، وسمی النفخ روحًا؛
لأنه ريح تخرج من الروح)» (٩).
خامسًا: النصر والتأييد:
ومما فسر به الروح في بعض المواضع:
النصر والتأیید.
﴿وَأَيَّدَهُم بِرُوجِ مِّنْهُ﴾
قال تعالى:
[المجادلة: ٢٢].
(٦) مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٧١/١١.
(٧) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢/ ١١١.
(٨) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قوله: (يا أهل الكتاب لا تغلوا
في دينكم) ٣٤٣٥، ٤ /١٦٥.
(٩) التفسير الوسيط، طنطاوي ٤٠١/٣.
www. modoee.com
٣٣٩

حرف الراء
قال البغوي: ((قوّاهم بنصر منه. قال إِلَّا﴾﴾ [الإسراء: ٨٥](٤).
الحسن: سمى نصره إياهم روحًا؛ لأن
أمرهم یحیا به))(١).
وقال ابن عباس: ((قوّاهم بنصر منه في
الدنیا علی عدوهم))(٢).
وقال المراغي: «أي: إنه قوّاهم بطمأنينة
القلب، والثبات على الحق، فلا يبالون
بموادّة أعداء الله، ولا يأبهون لهم))(٣).
سادسًا: النفس:
مما وصف بأنه روح النفس الإنسانية
التي بها الحياة.
قال تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُّ قُلِ
الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبٍِّ﴾ [الإسراء: ٨٥].
قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه:
(إني مع النبي صلى الله عليه وسلم في
حرث بالمدينة، وهو متكئ على عسيب،
قمر بنا ناس من اليهود فقالوا: سلوه عن
الروح، فقال بعضهم: لا تسألوه فيستقبلكم
بما تکرهون، فأتاه نفر منهم فقالوا له: يا أبا
القاسم، ما تقول في الروح؟ فسكت، ثم قام،
فأمسك بيده على جبهته، فعرفت أنه ينزل
عليه، فأنزل الله عليه: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ
الرُّوحُ قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ وَمَا أُوتِيتُمِمِنَ الْعِلْمِ
(١) معالم التنزيل، البغوي ٨/ ٦٣.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٢٦٨/٤.
(٣) تفسير المراغي ٢٨/٢٨.
قال الشوكاني: ((اختلف الناس في الروح
المسئول عنه، فقيل: هو الروح المدبر
للبدن الذي تکون به حیاته، وبهذا قال أکثر
المفسرين، قال الفراء: الروح الذي يعيش
به الإنسان لم يخبر الله سبحانه به أحدًا
من خلقه، ولم يعط علمه أحدًا من عباده،
فقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبٍ﴾، أي: إنكم
لا تعلمونه»(٥).
وقال القرطبي في تفسيره: ((وذهب أكثر
أهل التأويل إلى أنهم سألوه عن الروح الذي
يكون به حياة الجسد، وقال أهل النظر منهم:
إنما سألوه عن كيفية الروح ومسلكه في بدن
الإنسان، وكيف امتزاجه بالجسم واتصال
الحياة به، وهذا شيء لا يعلمه إلا الله عز
وجل))(٦).
ويقول الشيخ الفوزان: ((بيّن أنها من
خصوصياته سبحانه وتعالى، وأنه هو الذي
خلقها، وهو الذي يعلمها، ولا يعلمها
أحد من الخلق، فهي سر من الأسرار، ولا
تزال سرًّا، وهذا من معجزات القرآن، فإنه
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب قوله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا
قليلًا)، رقم ١٢٥، ٣٧/١، ومسلم في
صحيح، كتاب صفات المنافقين، باب سؤال
اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح،
٢١٥٢/٤، رقم ٢٧٩٤.
(٥) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٣٤٧.
(٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٢٤/١٠.
٣٤٠
ـَ النََّّ
جوبيبو
القرآن الكريم

الروح
مع تقدم الطب والمهارة فيه، ومع حرص ينزل به روحًا؛ لأنه يعطينا حياة دائمة باقية لا
فناء لها، وهكذا يتم الارتقاء بالحياة؛ لذلك
سمّى المنهج روحًا: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].
الناس على البحث في هذا الشأن، لم يعرفوا
شيئًا عن حقيقة الروح ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ
رَبِ﴾، على أن المراد بالروح: ما يحيا به
الإنسان))(١).
وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ، وَنَفَخْتُ
فِيهِ مِنْ رُّوحِى فَقَعُواْ لَّهُ سَجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩].
قال ابن الجوزي: «هذه الروح هي التي
يحيا بها الإنسان، ولا تعلم ماهيّتها، وإنما
أضافها إليه؛ تشريفًا لآدم، وهذه إضافة
ملك. وإنما سمي إجراء الروح فيه نفخًا؛
لأنها جرت في بدنه على مثل جري الريح
فیه»(٢).
فـ«الروح: يطلق على الموجود الخفي
المنتشر في سائر الجسد الإنساني، الذي
دلت عليه آثاره من الإدراك والتفكير، وهو
الذي يتقوم في الجسد الإنساني حین یکون
جنينًا بعد أن يمضي على نزول النطفة في
الرحم مائة وعشرون يومًا))(٣).
قال الشعراوي: ((وسميّ الشيء الذي
يتصل بالمادة، فتدبّ فيها الحياة روحًا،
فقال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى﴾
[الحجر: ٢٩].
وسمّي المنهج الذي ينزل من السماء
لهداية الأرض روحًا، وسمّي الملك الذي
(١) مجموع فتاوى صالح بن فوزان ١/ ١٥٨.
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ٥٣٤.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥/ ١٩٦.
وسمّى الملك الذي نزل به روحًا: ﴿نَزَلَ
◌ِ الرُّوُعُ آلْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣].
إذن: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ﴾
[العنكبوت: ٦٤].
أي: الحياة الحقيقية التي لا تفوتها ولا
تفوتك، ولا يفارقك نعيمها، ولا ينغّصه
عليك شيء، كما أن التنعّم في الدنيا على
قدر إمكاناتك وأسبابك، أمّا في الآخرة
فالنعيم على قدر إمكانات المنعم سبحانه
وتعالى»(٤).
(٤) المصدر السابق ١٥/ ٩٥٢٦.
www. modoee.com
٣٤١

حرف الراء
نعيم الروح وعذابها
إن العنصر المهم في الإنسان هو روحه،
فهي التي تشعر بالنعيم والعذاب، وهي التي
تتفاعل معه.
يقول ابن القيم: ((إن الميت إذا مات یکون
في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه
وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن
منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا،
ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا
كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى
الأجساد، وقاموا من قبورهم لرب العالمين
ومعاد الأبدان، متفق عليه بين المسلمين
واليهود والنصارى)) (١).
فالأرواح تتذوق النعيم أو العذاب الذي
یکون عليها في القبور.
أولًا: نعيم الروح:
دلت النصوص الشرعية أن الأرواح
تنعّم بما ينالها من نعيم قدّره لها ربّ العباد؛
مكافأة لعمل صاحبها بأوامر الله تعالى،
واقتداء بشرعه، من ذلك ما جاء في حديث
أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (الميت تحضره الملائكة،
فإذا كان الرجل الصالح، قالوا: اخرجي أيتها
النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب،
اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان
(١) الروح، ابن القيم ص٥٢.
ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك
حتى تخرج، فیعرج بها حتى ينتهي بها إلى
السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟
فيقال: فلان ابن فلان، فيقال: مرحبًا بالنفس
الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي
حمیدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير
غضبان،، فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي
بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل)(٢).
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن
عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: (إنّ أحدكم إذا مات
عرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، إن كان
من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من
أهل النار، فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك
حتی یبعثك الله إلى القيامة)(٣).
وفي مسند أحمد عن البراء بن عازب
رضي الله عنه قال: (خرجنا مع النبي صلى
الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار،
فانتھینا إلى القبر، ولمّا يلحد، فجلس رسول
الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله،
كأنّ على رءوسنا الطير، وفي يده عود ینکت
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب
ذكر الموت والاستعداد له ١٤٢٣/٢، رقم
٤٢٦٢.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١/ ٣٤٤، رقم ١٦٧٦.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب الميّت يعرض عليه بالغداة والعشيّ
٩٩/٢، رقم١٣٧٩.
٣٤٢
القرآن الكريمِ

الروح
بالله من عذاب القبر) مرتين، أو ثلاثًا، ثم
قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من
الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة
من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم
الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة،
وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا
منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه
السلام حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها
النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله
ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل
القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها
لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها،
فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك
الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك
وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون
بها، فلا يمرون -يعني بها- على ملأ من
الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟
فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي
كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها
إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم
فيشيّعه من كل سماء مقربوها إلى السماء
التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة،
فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في
عليين، وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها
خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة
أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه
في الأرض، فرفع رأسه، فقال: (استعيذوا ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟
فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟
فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا
الرجل الذي بعث فیکم؟ فيقول: هو رسول
الله صلی الله علیه وسلم. فيقولان له: وما
علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به
وصدقت، فينادي مناد في السماء: أن صدق
عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من
الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة. قال: فيأتيه
من روحها، وطیبها، ويفسح له في قبره مد
بصره. قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن
الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي
يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول
له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير،
فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم
الساعة حتى أرجع إلى أهلي، ومالي)»(١).
وقال المراغي في تفسيره: ((وقد أثبت
علماء الأرواح حديثًا، نعیم الروح وعذابها،
وشبهوا ذلك بما يراه النائم حين نومه، فقد
نرى نائمين في سرير واحد، يقوم أحدهما
مذعورًا كئيبًا وجلًا مما شاهد في نومه،
بينما نرى الثاني مستبشرًا فرحًا بما لاقى من
المسرّة والنعيم، فيروى أنه كان في حديقة
غناء وشاهد كذا وكذا مما فيها من بهجة
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٩٩/٣٠،
رقم ١٨٥٣٤.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١/ ٣٤٤، رقم ١٦٧٦.
www. modoee.com
٣٤٣

حرف الراء
وبهاء، وجمال ورواء))(١).
وجاء في شرح الطحاوية لأبي العز
الحنفي، وهو يتحدث عن مراتب الأرواح
في عالم البرزخ: ((إن الأرواح في البرزخ
متفاوتة أعظم تفاوت، فمنها أرواح في أعلى
عليين، في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء
صلوات الله عليهم وسلامه، وهم متفاوتون
في منازلهم، ومنها أرواح في حواصل طير
خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي
أرواح بعض الشهداء، لا كلهم، بل من
الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة
لدين عليه، كما في المسند عن محمد بن
عبد الله بن جحش: (أن رجلًا جاء إلى النبي
صلی الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله:
ما لي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: (الجنة)،
فلما ولّى، قال: (إلاّ الدين، سارّني به جبريل
آنفا)(٢)(٣).
ومن النعيم الذي أعده الله تعالى لعباده
المؤمنين رؤيته -جل شأنه وعظم قدره -.
جاء ذلك في موسوعة فقه القلوب: ((ومن
نعيم الروح رؤية الرب جل جلاله ورضاه،
والقرب منه))(٤).
(١) تفسير المراغي ٧٨/٢٤.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٧٢٥٣،
٤٩١/٢٨.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٠٣٠٠/١،١٤٢٥
(٣) شرح الطحاوية، ابن أبي العز ٢/ ٥٨٤.
(٤) موسوعة فقه القلوب، التويجري ٣٥٣٩/٤.
جوبيـ
القرآن الكريمِ
وبهذا اتضح بما لا يدع مجالا للشك،
وبهذه النصوص البينة الواضحة الجلية
القطعية في دلالاتها، أن الأرواح تنعّم
وتشعر بما ينالها من هذا النعيم الذي كتبه
لها رب العزة والجلالة.
ثانيًا: عذاب الروح:
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِ الظَّالِمُونَ
فِى غَمَرَتِ أَلُوْتِ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَبْدِيهِمْ
أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمْ أَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ
اٌلْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ أَلْحَقِّ وَكُنْتُمْ
عَنْ ءَايَتِهِ، تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].
قال السمعاني فيها: ((قيل: للعذاب،
وقيل: القبض الأرواح. ﴿أَخْرِجُواْ
أَنْفُسَكُمُ﴾، أي: أرواحكم، فإن قال
قائل: الروح إنما تخرج كرهًا، فما معنى
قوله: ﴿أَخْرِجُوْ أَنفُسَكُمُ﴾؟ قيل: إنما
قال ذلك تغليظًا عليهم، كمن يخرج من
الدار کرھا، ویقال له: اخرج»(٥).
وقال البغوي: ((﴿وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ
أَيْدِيهِمْ﴾، بالعذاب والضرب، يضربون
وجوههم وأدبارهم، وقيل: بقبض الأرواح.
﴿أَخْرِجُواْ﴾، أي: يقولون ﴿أَخْرِجُواْ
أَنْفُسَكُمُ﴾، أي: أرواحكم كرهًا؛ لأن
نفس المؤمن تنشط للقاء ربه، ونفس الكافر
تکره ذلك»(٦).
(٥) تفسير القرآن، السمعاني ١٢٧/٢.
(٦) معالم التنزيل، البغوي ١٤٥/٢.
٣٤٤

الروح
عليه وسلم. عن أنس عن عبادة بن الصامت
رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (من أراد لقاء الله أراد الله لقاءه
ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)(١).
وهذا خطاب لهم عند الموت، وقد
أخبرت الملائکة وهم الصادقون أنهم حينئذ
یجزون عذاب الهون، ولو تأخر عنهم ذلك
إلى انقضاء الدنيا لما صح أن يقال لهم:
﴿أَلْيُوْمَ تُجْزَوْنَ﴾، فدل على أن المراد به
عذاب القبر.
قال الله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ
الَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴿ يَوْمَ لَا يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ
شَّئًا وَلَا هُمْ يُصَرُونَ ﴿ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابًا
دُونَ ذَلِكَ وَلَيْكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٥
-٤٧].
وهذا يحتمل عذابهم بالقتل وغيره في
الدنیا، وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو
أظهر؛ لأن كثيرًا منهم مات ولم يعذب في
الدنيا، وقد يقال -وهو أظهر -: إن من مات
منهم عذب في البرزخ، ومن بقى منهم عذب
في الدنيا بالقتل وغيره، فهو وعيد بعذابهم
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب من أحب لقّاء الله أحب الله لقاءه
١٠٦/٨، رقم ٦٥٠٧، ومسلم في صحيحه،
كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب
عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه
٢١٩٩/٤، رقم ٦٥.
وإلى هذا أشار رسولنا الكريم صلى الله في الدنيا وفي البرزخ. قال السمرقندي في
تفسيره: ((﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ
[الطور: ٤٧]، يعني: من قبل عذاب النار، قد
روی عبد الله بن عباس رضي الله عنهما
قال: عذاب القبر، وقال معمر عن قتادة،
قال: عذاب القبر في القرآن))(٢).
ومنها قوله جل شأنه: ﴿ فَوَقَتُ اللَّهُ
سَيِّئَاتٍ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوَّءُ
الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْ خِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
اَلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦].
فذكر عذاب الدارين ذكرًا صريحًا لا
يحتمل غيره، فدل على ثبوت عذاب القبر.
قال السدي: «بلغني أن أرواح قوم فرعون
في أجواف طير سود تعرض على النار غدوًّا
وعشيًّا، حتى تقوم الساعة))(٣).
وقال ابن كثير في تفسيره: «وهذه الآية
أصل كبير في استدلال أهل السنة على
عذاب البرزخ في القبور)) (٤).
فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الحَلْقَوْمُ
وقال الله تعالى:
﴿ وَفَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ
وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ
٨٣
مِنْكُمْ وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ ﴿ فَلَوْلَا إِن كُمْ غَيْرَ
مَدِينِنَ (١) تَرْجِعُونَهَا إِن كُمْ صَدِقِينَ ) فَأَمَّا إِن
كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿ فَرَوْعُ وَرَتْجَانٌ وَحَنَّتُ نَعِيدٍ
وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبِ آلْيَمِينِ ، فَسَلَهٌ لَّكَ
٨٩
(٢) تفسير السمر قندي ٣٥٦/٣.
(٣) جامع البيان، الطبري ٣٣٨/٢٠.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧ / ١٤٦.
www. modoee.com
٣٤٥

حرف الراء
مِنْ أَصْحَبِ أَلْيَمِينِ ) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله، لم
فعلت هذا؟ قال: (لعله يخفف عنهما ما لم
بيبسا)(٢).
الضَّالِّينَ ؟ فَقُلٌ مِّنْ حِيمٍ ﴿ وَتَصْلِيَةٌ ◌َِيمٍ﴾
[الواقعة: ٨٣ -٩٤].
((فذكر ها هنا أحكام الأرواح عند
الموت، وذکر في أول السورة أحکامها يوم
المعاد الأكبر، وقدم ذلك على هذا تقديم
الغاية للعناية؛ إذ هي أهم وأولی بالذكر،
وجعلهم عند الموت ثلاثة أقسام، كما
جعلهم في الآخرة ثلاثة أقسام))(١).
وكما وقفنا على ما جاء عن عذاب القبر
في كتاب ربنا، فإن السنة النبوية المطهرة
قد أفردت حيزًا معتبرًا لهذا الموضوع،
وإذا تأملت أحاديث عذاب القبر ونعيمه
وجدتها تفصيلًا وتفسيرًا لما دل عليه
القرآن، وأحاديث عذاب القبر كثيرة متواترة
عن النبي صلی الله عليه وسلم؛ إذ رواها
أئمة السنة وحملة الحديث ونقاده عن الجم
الغفير والجمع الکثیر من أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فمن أدلة عذاب
القبر من السنة النبوية:
ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس
رضي الله عنهما قال: مر النبي صلى الله عليه
وسلم بقبرين، فقال: (إنهما ليعذّبان، وما
يعلِّبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر
من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)،
ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، فغرز
(١) الروح، ابن القيم ص٧٦.
جوبسين جر
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
و «هذا دليلٌ على أنّ العذاب محسوسٌ
ومسموعٌ لمن كان له أذنان، لا أنه متخيٌّ
فقط، نعم هو في عالم آخر، والناس يريدون
أن يسمعوه في هذا العالم، فيقعون في
الخبط، ألا أنّ الحواس الخمس في هذا
العالم، ثم لا يدري أحدهما ما في عالم
الآخر، فلا تدري الشّامّة ما السمع والذوق؟
ولا تدري السامعة ما الشمّ والذوق؟ فهكذا
لا یمکن أن یکتنه من في عالم الأجساد ما
في عالم البرزخ، إلاّ أن يسمعه الله تعالى:
﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعَ مَّن فِ اَلْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢].
ولم يدّع الشرع أنّ أحوال البرزخ من أحوال
عالم الأجساد، لیقال إنّا لا نسمع الصوت،
ولا نرى أحدًا في القبر معذّبًا، إلى غير ذلك،
فاعلمه»(٣).
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال:
بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط
لبني النجار، على بغلة له ونحن معه، إذ
حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقبرٌ ستة
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء،
باب ما جاء في غسل البول ٥٤/١، رقم٢١٨،
ومسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب
الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء
منه، ٢٤٠/١، رقم ١١١.
(٣) فيض الباري على صحيح البخاري، محمد
أنور شاه ١/ ٤١٠.
٣٤٦

الروح
أو خمسة أو أربعة - قال: كذا كان يقول
الجريري- فقال: (من يعرف أصحاب هذه
الأقبر؟) فقال رجل: أنا، قال: (فمتى مات
هؤلاء؟) قال: ماتوا في الإشراك، فقال:
(إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا
تدافنوا، لدعوت الله أن يسمعکم من عذاب
القبر الذي أسمع منه)(١). ففيه دلالة واضحة
أن عذاب القبر مسموع لمن أراد الله أن
يسمعه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (إذا فرغ أحدكم
من التشهد الأخير، فليتعوذ بالله من أربع:
من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن
فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح
الدجال)(٢). ففي توجيهه صلى الله عليه
وسلم لأصحابه بالتعوذ دلالة على أن الأمر
واقع وحاصل لا محالة.
وعن أبي أيوب رضي الله عنه قال:
خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد وجبت
الشمس، فسمع صوتًا، فقال: (یھود تعذّب
في قبورها)(٣).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة، باب
عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه
٢١٩٩/٤، رقم ٢٨٦٧.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد
ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في
الصلاة ١/ ٤١٢، رقم ٥٨٨.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر ٢/ ٩٩،
وعن عائشة رضي الله عنها قالت:
(دخلت عليّ عجوزين من عجز يهود
المدينة، فقالتالي: إن أهل القبور يعذبون في
قبورهم، فكذبتهما، ولم أنعم أن أصدقهما،
فخرجتا، ودخل عليّ النبي صلى الله عليه
وسلم، فقلت له: يا رسول الله، إن عجوزين،
وذكرت له، فقال: (صدقتا، إنهم يعذّبون
عذابًا تسمعه البهائم كلها)(٤)، فما رأيته بعد
في صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر)(٥).
وفي الحديث الآخر: (وإذا كان الرجل
السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة
كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة،
وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله
أزواج، فلا يزال يقال لها حتى تخرج، فینتھي
بها إلى السماء، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان
ابن فلان، فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة
كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة،
فإنه لا تفتح لك أبواب السماء، فترسل إلى
رقم ١٣٧٥، ومسلم في صحيحه، كتاب
الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد
الميت من الجنة أو النار عليه ٤ / ٢٢٠٠،
رقم٢٨٦٩.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب التعوذ من عذاب القبر ٧٩/٨، رقم
٦٣٦٦.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الدعوات، باب التعوذ من عذاب القبر
٧٨/٨، رقم ٦٣٦٦، ومسلم في صحيحه،
كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب
استحباب التعوذ من عذاب القبر ١/ ٤١٠،
رقم ٥٨٦.
www. modoee.com
٣٤٧

حرف الراء
الأرض ثم تصير إلى القبر) (١).
ومن العذاب الذي يصيب الروح في
القبر، ما ورد على لسان سيد الخلق صلى
الله عليه وسلم: ( ... وأمّا الكافر أو المنافق
فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟
فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس،
فيقال: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب
بمطرقةٍ من حديد ضربةً بین أذنيه، فيصبح
صيحةً يسمعها من يليه إلا الثّقلين)(٢).
ومن عذاب القبر ما جاء في مسند أحمد
عن البراء بن عازب، وفيه: (وإن العبد
الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال
من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود
الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مدّ
البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس
عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة،
اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال:
فتتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع
السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا
أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى
يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد
باب ذكر الموت والاستعداد له ١٤٢٣/٢،
رقم ٤٢٦٢.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٣٤٤/١، رقم ١٦٧٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب الميت يسمع خفق النعال ٢/ ٩٠،
رقم ١٣٣٨.
كأنتن ربح خبيثة وجدت على وجه الأرض،
فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من
الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟
فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي
كانوا يسمونه بها في الدنیا، حتی ینتھی بها
إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له،
ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لَا
نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَّى يَلِجَ
اٌلْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠].
فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في
سجين، في الأرض السفلى، فتطرح روحه
طرحًا، ثم قرأ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ
مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيجُ
فِ مَكَانٍ سَحِقٍ﴾ [الحج: ٣١].
فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان
فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول:
هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل
الذي بعث فيكم، فيقول: هاه هاه، لا أدري،
فينادي مناد من السماء: أن كذب، فأفرشوه
من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من
حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى
تختلف أضلاعه، ویأتیه رجل قبيح الوجه،
قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي
يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد،
فيقول: من أنت، فوجهك الوجه يجيء
بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول
٣٤٨
جوبقـ
القرآن الكريم

الروح
رب لا تقم الساعة)(١).
((ومن عذاب الجسد ما يعذّب به
أهل النار من النار التي تحرق أجسامهم،
والحميم الذي يقطّع أمعاءهم، والطعام
الكريه المر الذي تعافه النفوس من الزقوم
والغسلين والضريع، ومن الشراب الماء
الحمیم، والصدید الکریه، کما قال سبحانه:
﴿مِّن وَرَآَبِهِ، جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّآءِ صَدِيدٍ
يَتَجَرَّهُهُ، وَلَا يَكَادُ يُسِيفُهُ، وَيَأْتِيهِ
الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَاهُوَ بِمِنْتِ وَمِن
وَرَآَبِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾ [إبراهيم: ١٦ -١٧].
وتعذّب أرواحهم بالصّغار والإهانة،
وتحجب أبصارهم عن رؤية الله، وعذاب
الاحتجاب عن الله وإهانته لهم وغضبه
عليهم وسخطه والبعد عنه، أعظم عليهم
من التهاب النار في أجسامهم وأرواحهم،
سبحانه: ﴿كَّ إِنَّهُمْ عَن ◌َّيْهِمْ يَوْمَيِدٍ
تَحْجُوبُونَ ® ◌ُمَِّتَهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ [المطففين:
١٥- ١٦]»(٢)
قال الشيخ الفوزان: ((تنبيه هام: وعذاب
القبر وسؤال الملکین ینالان كل من مات،
ولو لم يدفن، فهو اسم لعذاب البرزخ
ونعيمه، وهو ما بين الدنيا والآخرة، قال
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٩٩/٣٠،
رقم ١٨٥٣٤
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١/ ٣٤٤، رقم ١٦٧٦.
(٢) موسوعة فقه القلوب، التويجري ٣٥٣٩/٤.
تعالى: ﴿وَ مِن وَرَآيِهِمْ بَرَّزَعُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
[المؤمنون: ١٠٠].
وسمي عذاب القبر باعتبار الغالب،
فالمصلوب والمحرق والمغرق وأكيل
السباع والطيور له من عذاب البرزخ ونعيمه
قسطه الذي تقتضيه أعماله، وإن تنوعت
أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما))(٣).
موضوعات ذات صلة:
الإنسان، الحياة، العقل، القلب ، النفس
الوحي
(٣) الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، الفوزان
ص٢٧٧.
www. modoee.com
٣٤٩